حرب الـ50 يوماً... أمور تحتاج إلى مراجعة ووضع النقاط على الحروف

المدنيون ضحايا قدمها «الطرفان»... التحذيرات وصلت مبكراً و«حماس» التقطت الإشارة

فلسطينيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على رفح بجنوب قطاع غزة اليوم (أ.ف.ب)
فلسطينيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على رفح بجنوب قطاع غزة اليوم (أ.ف.ب)
TT

حرب الـ50 يوماً... أمور تحتاج إلى مراجعة ووضع النقاط على الحروف

فلسطينيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على رفح بجنوب قطاع غزة اليوم (أ.ف.ب)
فلسطينيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على رفح بجنوب قطاع غزة اليوم (أ.ف.ب)

من يحاول في إسرائيل القول إن «الحرب على غزة بدأت قبل السابع من أكتوبر الماضي، قد يدخل إلى السجن. فالجنون هنا ضارب أطنابه. والويل لمن يخرج عن الرواية الرسمية التي تقول إن «الحرب بدأت بالمذبحة التي نفذتها حركة (حماس) الداعشية ضد المدنيين الإسرائيليين الأبرياء». وما تفعله إسرائيل في غزة هو رد بمقدار الأذى الذي لحق بالمواطنين الإسرائيليين.

الإسرائيليون بغالبيتهم العظمى يرددون الرواية الرسمية، ولا يعرفون ما الذي يرتكب في غزة باسمهم؛ لأن وسائل الإعلام العبرية اتخذت نهجاً ألا تنشر صوراً لأهالي غزة في الحرب. والذين يتجرأون ويشاهدون وسائل الإعلام الأجنبية، ينقسمون إلى قسمين: قسم يستهجن ويسكت. وقسم يبتهج ويتمنى محو غزة وأهلها عن بكرة أبيها. أما المواطنون العرب في إسرائيل الذين يتاح لهم مشاهدة القنوات العربية والفلسطينية ويطلعون على ما يجري، فيجدون أنفسهم في المعتقل إن عبروا عن آلامهم.

حتى المربي اليهودي، د. مئير بروخين (61 عاماً)، الذي هاجم حركة «حماس» على اعتداءات رجالها على المدنيين واعتبره وحشياً وصادماً، لكنه عندما اعترض على الرد الإسرائيلي، وجد نفسه في المعتقل لأربعة أيام، بعد أن وجهت إليه شبهات بـ«إظهار نية راسخة للخيانة»، و«سلوك من شأنه أن يزعزع سلامة الجمهور».

د. مئير بروخين طرد من عمله، ويتعرض لحملة تحريض في الشبكات الاجتماعية، لكنه متمسك بطريقه ويقول بشجاعة: «لست أول من يتعرض للملاحقة، ولن أكون آخر من يعتقل»، ويقول أيضاً: «الجمهور الإسرائيلي لا يعرف ماذا يفعلون باسمه في غزة والضفة الغربية»، و«سنغرق في وحل غزة كما غرقنا في الوحل اللبناني»، كما صرح: «في السابع من أكتوبر تعرضنا لكارثة إنسانية من (حماس)، ولكارثة أخلاقية بما نقوم به الآن في غزة».

إذاً، ما طبيعة هذه الحرب؟ وما حقيقة جدواها؟ وهل صحيح أنها بدأت في 7 أكتوبر 2023؟ وهل يوجد مكان لإنقاذ البلاد وأهلها من أخطار استمرارها؟ وهل هناك من يريد استمرارها شهوراً وأكثر؟ هل صحيح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي عمل على تقوية «حماس»، وأن الحركة ترد له الجميل الآن؟

هناك ضرورة ملحة لأن تتم عملية مراجعة وإعادة حسابات ووضع النقاط على الحروف.

علامة فارقة

ما من شك في أن السابع من أكتوبر «علامة فارقة في تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني»، فقد قامت مجموعة من قوات «النخبة القسامية» في «كتائب القسام»، الذراع العسكرية لحركة «حماس»، بهجوم مباغت على الجنوب الغربي من إسرائيل، فسيطروا لساعات طويلة على 11 ثكنة عسكرية و22 بلدة مدنية، وقتلوا 1200 إسرائيلي، معظمهم من المدنيين، وبينهم 320 جندياً، وأخذوا للأسر 240 شخصاً، غالبيتهم من المدنيين.

فعلوا ذلك بهجوم يعد ناجحاً من الناحية العسكرية؛ إذ تبين أنهم استعدوا له جيداً بعملية تمويه استخباراتية مدهشة، ونفذوا عملية خطف جنود، واستولوا على وثائق عسكرية من مقرات القيادات التي وصلوا إليها وعادوا بها إلى قطاع غزة بسرعة، لتحل محلهم قوات أخرى من «كتائب القسام».

هذا الهجوم شكل ضربة قاسية جداً للجيش الإسرائيلي ومخابراته، طعنت كبرياءه ومرغت أنف غطرسته وغروره. وكان يمكن له أن يسجل في قائمة الإنجازات العسكرية الكبيرة في تاريخ الحروب، لكنه ترافق مع مشكلة قيمية خطيرة. فقد أقدم عدد غير قليل من المهاجمين على ممارسات غير إنسانية وغير أخلاقية ضد المدنيين، فقتلوا عائلات بأكملها داخل غرفة ملجأ في بيت، وأحرقوا آخرين وأسروا أطفالاً ونساء ومسنين ومعاقين، وقام أحدهم بقتل جندي وقطع رأسه بآلة حفر (طوريه). حتى عندما اصطدموا بامرأة عربية مسلمة ومحجبة، كانت تعمل في مطبخ وقدمت لهم ملاحظة قالت فيها: «حرام عليكم، الإسلام لا يقبل هذه التصرفات»، قتلوها. كما قتلوا ممرضاً عربياً من منطقة الناصرة؛ لأنه قدم الإسعاف لأحد المصابين.

هذه الممارسات عبأت الجماهير الإسرائيلية ضدهم بشكل جارف، وجعلت الناجين من المحرقة النازية لليهود يتذكرون مشاهد قديمة مرعبة. وعندما انتشرت التفاصيل في العالم، عبأت الرأي العام الغربي ضد «حماس». لذلك، وقفت حكومات الغرب مع حكومة وشعب إسرائيل، وأجازت الرد العسكري على «حماس»، «مع المحافظة على القانون الدولي للحروب».

وعدَّت الحكومة الإسرائيلية هذا الدعم ضوءاً أخضر لتفعل ما تريد. وجاء الرد بإعلانها حرباً، رسمياً، ووضعت لها هدفاً ذا سقف عال هو «إبادة (حماس) وقدراتها على الحكم وعلى القتال». ولكنها حاربت في الواقع أهالي غزة وليس «حماس». وأقدمت على تدمير شمال قطاع غزة وقسم من جنوبه، وأوقعت نحو 14 ألف قتيل و30 ألف جريح، ودمرت أكثر من ثلث البيوت، وقصفت مستشفيات وأخلت مرضى، واعتقلت أو قتلت أطباء وممرضين وممرضات، وهجرت مئات الألوف من الشمال نحو الجنوب، وقصفت عشرات المدارس التي لجأ إليها المدنيون، وقطعت الماء والدواء والغذاء عن العزل.

مدنيو الطرفين دفعوا الثمن

ومع بداية العمليات الحربية الإسرائيلية انضم «حزب الله» اللبناني إلى هذه المعركة، ودخل في تراشق متصاعد للقصف بالقذائف والصواريخ، ولكن الطرفين حرصا على إيصال الرسائل التي تقول إن هناك سقفاً محدداً لهذه الحرب، ولا أحد من الطرفين معني بتوسيعها.

من يمعن النظر في خطط هجوم «حماس» وهجوم إسرائيل المضاد، يدرك أنها «حرب مخطط لها من الطرفين». كلاهما كان قد نشر علنا بيانات تؤكد أنه يعد للهجوم. ومع ذلك، كانت النتيجة «مفاجئة». فقد فاجأت «حماس» بقدراتها العالية وبإغفالها خطورة المساس بالمدنيين، ما أفقدها التعاطف والإعجاب الدوليين. وفاجأت إسرائيل بقوة استعراض عضلاتها وهشاشة رد فعلها وشراسة حربها ضد المدنيين. ولذلك فإن المدنيين من الطرفين دفعوا ثمناً رهيباً، ولا يزالون.

من هنا، فإن الحرب بدأت قبل 7 أكتوبر بكثير، ويمكنها أن تستمر لأبعد من 50 يوماً بكثير.

ما قبل «7 أكتوبر»

هناك بدايات كثيرة يمكن استخدامها لمعرفة جذور المشكلة. ولنبدأ بالوحدة التي أرسلتها «حماس» لقيادة هجومها على إسرائيل: «النخبة». هذه وحدة يجري بناؤها في حماس (وليس في غزة وحدها)، منذ الانتفاضة الثانية، عام 2000. وتميزت بأمرين: تشكيلتها وأهدافها. وقد بنيت على شاكلة وحدة الكوماندوز البحرية الإسرائيلية «شييطت 13»، وهدفها «نقل المعركة إلى أرض العدو والعمل وراء صفوفه».

شكلت الوحدة من مجموعات شبان اختيروا فرداً فرداً بانتقاء صارم، شباب يتسمون بالالتزام الديني العميق والاستعداد للقتال الشرس، ومن ذوي المهارات والقدرات البدنية والنفسية العالية، والحفاظ على السرية والكتمان. وتم تفضيل أولئك الذين يتحدرون من عائلات فلسطينية ثكلى، أيتام أو أبناء عائلات قتل منها أب أو أم أو قريب عزيز آخر، أو هدم بيتها بأيدي القوات الإسرائيلية، شباب متشحون بالكراهية والحقد على إسرائيل، تربوا على أن محاربتها واجب وطني وديني لا يهابون فيه الاستشهاد.

.

شغب أثناء إخلاء المستوطنين الإسرائيليين من مستعمرة كفار داروم في غزة 2005 (ويكيبيديا)

بالإضافة إلى هدف المساس بإسرائيل دون خوف من جبروتها العسكري، وضع لهم هدف تحرير أعداد كبيرة من الأسرى. لذا، فإن كل ممارسة إسرائيلية ضد الفلسطينيين عموماً، وضد القدس والمسجد الأقصى والأسرى في السجون، وكل نشاط عدواني من المستوطنين اليهود على الفلسطينيين في الضفة الغربية، كان يشكل غذاء معنوياً لقوات النخبة ومادة دسمة لشحن كراهيتها وحقدها.

وقد خاضت هذه القوات تدريبات عسكرية وأمنية خاصة؛ بعضها في دول صديقة، وبعضها في قطاع غزة على مرأى من المخابرات الإسرائيلية. وزاد الاهتمام بهذه القوات بعد الانقلاب الذي قادته حركة «حماس» في قطاع غزة عقب انسحاب إسرائيل من هناك عام 2005.

ساهمت طريقة الانسحاب في حينها، كثيراً، في تعزيز ثقة إسرائيل بالقدرة على تحقيق المكاسب والانتصارات. فقد قاد الانسحاب رئيس الحكومة آرئيل شارون، الذي يعد أحد كبار الجنرالات المقاتلين في التاريخ الإسرائيلي. ونفذ الانسحاب بطريقة متغطرسة مذهلة، من جانب واحد، بلا اتفاق ولا اعتبار للقيادة الفلسطينية الشرعية.

أراد شارون أن يتهرب من مستلزمات عملية سلام تقود إلى دولة فلسطينية، وحاول أن يُظهر الانسحاب على أنه «مصلحة إسرائيلية» ينفذها وفقاً لأهداف إسرائيلية استراتيجية وأمنية. ومع أنه أخلى قطاع غزة من المستوطنات (21 مستوطنة) ومن المستوطنين (8 آلاف شخص)، إلا أنه كان انسحاباً مجانياً. وفهمه الفلسطينيون عموماً و«حماس» بشكل خاص، على أنه دليل ضعف.

وجاء من بعده إيهود أولمرت، الذي أبدى رغبة حقيقية للسلام مع الفلسطينيين، وتعامل مع القيادة الفلسطينية كقيادة دولة، إلا أنه وجد نفسه أولاً في ساحة الحرب. فكانت حرب لبنان الثانية ثم حرب أخرى على قطاع غزة. ثم جاء نتنياهو، ومع أنه استهل حكمه سنة 2009 بالإعلان عن الالتزام بحل الدولتين إلا أنه عمل كل ما في وسعه لإجهاض حل الدولتين.

مقاتلون من «حماس» داخل مكتب الرئيس عباس في غزة يونيو 2007 (رويترز)

كانت «حماس» قد نفذت انقلابها في قطاع غزة. وأقدمت على ممارسات لا تترك مكاناً للصلح، عندما قتلت 160 عنصراً من قادة حركة «فتح»، بأن رمت العشرات منهم من أسطح بنايات عالية. فاستغل نتنياهو ذلك وراح يعمق الانقسام، من منطلق إيمانه أن الانقسام هو السبيل لمنع إقامة الدولة الفلسطينية.

وعندما اعترض رفاقه في حزب «الليكود» على إتاحة إدخال الأموال القطرية إلى حكومة «حماس»، أجابهم خلال جلسة برلمانية للكتلة، في 19 مارس (آذار) سنة 2019، بأن من يعارض منح «حماس» الأموال يخدم حل الدولتين، ويساهم في إقامة دولة فلسطينية. ولذلك، عندما شن حملة لإضعاف السلطة الفلسطينية مع رئيسها محمود عباس، وجد «حماس» ليس فقط شريكة بل مستفيدة جداً.

استعراض لكتائب فلسطينية بينها «القسام» في مخيم جنين 25 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

ولكن «حماس» كانت تصغي جيداً للخطاب الإسرائيلي، الذي يقول لها صراحة إنها ليست حليفة استراتيجية، بل عندما يتاح له سيقوم بتصفيتها. فراحت تستعد. وعندما شنت إسرائيل ثلاث حملات حربية على قطاع غزة، ضد «الجهاد الإسلامي»، وقفت «حماس» جانباً ولم تتدخل. فحسبت أنها مرتدعة. وراحت تدير سياسة لتخليد الاحتلال في الضفة الغربية من جهة، وضرب غزة من جهة أخرى. وعندما أقام نتنياهو حكومة اليمين الصرف مطلع السنة، لم يترك مجالاً لأي شك في أن الخط السياسي الجديد هو «تصفية القضية الفلسطينية».

خطة لإنهاء القضية

وزير المالية بتسلئيل سموتريتش يتحدث مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في جلسة للكنيست (رويترز)

بحسب «خطة الحسم»، التي نشرها الوزير بتسلئيل سموتريتش، في سنة 2017، فإن الخطة تقضي بإشاعة فوضى حكم في الضفة الغربية، تترافق مع إجراءات تؤدي إلى سقوط السلطة الفلسطينية، ثم تصفية الحركة الوطنية الفلسطينية بكل تنظيماتها، ثم بدء عملية ترحيل للفلسطينيين نحو الأردن.

هذه لم تكن خطة رسمية للحكومة الإسرائيلية، لكن سموتريتش وشريكه وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير لم يخفيا رغبتهما في استغلال نفوذهما في الحكومة لتنفيذها. ونتنياهو منحهما وزارتين مؤثرتين تصبان في هذا الاتجاه، فعين سموتريتش وزيراً للمالية ووزيراً ثانياً في وزارة الدفاع مسؤولاً عن المستوطنات ومسؤولاً عن الإدارة المدنية للشؤون الفلسطينية، بينما راح بن غفير يدير حملة إذلال وتنكيل في السجون ضد الأسرى الفلسطينيين، ويقيم ميليشيات مسلحة للمستوطنين تعمل ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وحتى ضد الفلسطينيين مواطني إسرائيل (فلسطينيي 48). ومنذ بداية تشكيل الحكومة، فرضا بنداً في برنامج الحكومة يقضي بتصفية حكم «حماس» في قطاع غزة.

حملات ضد قيادة «حماس»

أخذت «حماس» بجدية هذا البند. وكانت الحكومة قد بدأت حملات اعتقال في الضفة الغربية لقادتها الميدانيين، ترافقت مع زيادة اقتحامات مستوطني اليمين المتطرف في إسرائيل للمسجد الأقصى مع اعتداءات مضاعفة للمستوطنين على الفلسطينيين، بلغت حد طرد ألوف من أراضيهم وبيوتهم، هذا إضافة إلى حملة تنكيل غير مسبوقة ضد الأسرى الفلسطينيين في السجون.

فلسطينيون يتفقدون الأضرار بعد أعمال شغب في الضفة أثارها عشرات المستوطنين يونيو الماضي (د.ب.أ)

لكن الأهم من ذلك أن «حماس» قرأت خريطة إسرائيل، وفهمت أن الصراع الشديد الذي انفجر فيها بعد أن طرحت الحكومة خطة للانقلاب على منظومة الحكم، كانت فرصتها لتنفيذ الهجوم.

ولم تكن في هذا وحدها، فهذه الخطة جعلت الإسرائيليين يشعرون بأنهم يفقدون دولتهم الديمقراطية، فخرجوا إلى معركة شعبية جارفة جندت وراءها غالبية الإسرائيليين. العالم الغربي كله كان قلقاً على إسرائيل بسبب هذا الصراع، وراح يرسل إليها المبعوثين والناصحين. والرئيس الأميركي رفض استقبال نتنياهو في البيت الأبيض. والدولة العميقة في إسرائيل تجندت بكل قوتها. وحصل شرخ في المجتمع الإسرائيلي تسلل إلى الجيش وبقية الأجهزة الأمنية. وراح الإسرائيليون يحذرون الحكومة وهي لا تكترث. قادة المخابرات حذروا من أن الأمر يغري إيران وميليشياتها إلى شن حرب ولم تكترث.

تحذيرات مبكرة

عندما رأوا أن نتنياهو لا يهتم، راحت المخابرات تسرب إلى الصحف تحذيراتها. وفي أغسطس (آب) نشر تقرير لموقع «يسرائيل ديفينس»، كشف «تدريبات تجريها وحدة (نخبة حماس)، لشن هجوم منظم على إسرائيل».

وبحسب تقرير لصحيفة «هآرتس»، فإن جنديات المراقبة حول غزة رصدن عدة مرات تدريبات كهذه وأبلغن بها القيادة، التي تعاملت معهن باستعلاء. وفي إحدى المرات وبّخ القائد إحدى الجنديات وهددها بمحاكمتها إذا واصلت إزعاجه.

مظاهرة ضد نتنياهو وخطط استهداف القضاء في تل أبيب 2 سبتمبر (رويترز)

تنبع هذه العنجهية من فكرتين: أن الجيش الإسرائيلي قوي وعظيم ويهابه الجميع، خصوصاً «حماس»، وأن العرب مهما بلغت قوتهم لن يجرؤوا على خوض تجربة إسرائيل. هاتان الفرضيتان كسرتا في 7 أكتوبر، والجيش الإسرائيلي لا يصدق أن هذا ما جرى له، فقرر أن يرد كوحش جريح، بقوة لا تعرف الحدود، وبطريقة تحفر في الذاكرة الفلسطينية عميقاً نكبة ثانية.

وبذلك، وضع الجيش سقفاً عالياً جداً للحرب، يمكن أن يستصعب النزول عنه؛ لأنه يطيل الحرب بلا نتيجة حقيقية تسجل لصالحه.

في إسرائيل يخشون اليوم من أن إطالة الحرب تخدم نتنياهو فيسعى إليها. والخمسون يوماً التي مرت تكون بداية قصيرة جداً لها. وقد بدأوا يشككون في جدوى هذه الحرب الطويلة وأهدافها.

وفي ظل النقاش في الموضوع، تدور تساؤلات كثيرة وتنتشر إشاعات كثيرة، خصوصاً مع تأجيل بدء صفقة تبادل الأسرى الخميس. فإذا كانت «حماس» قد استفادت يوماً من سياسة نتنياهو، فها هو نتنياهو اليوم يستفيد.


مقالات ذات صلة

«حماس» تريد رئيساً لـ«إظهار التوافق» واستجابة لـ«نصائح خارجية»

خاص فلسطينيتان تصرخان خلال تشييع جنازة رجل قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب) p-circle

«حماس» تريد رئيساً لـ«إظهار التوافق» واستجابة لـ«نصائح خارجية»

رغم تعثر اتفاق وقف النار في غزة، تتمسك «حماس» بانتخاب رئيس جديد لها بينما كانت الجولة التنافسية الأولى بين خليل الحية وخالد مشعل غير حاسمة... فما السر وراء ذلك؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص الفلسطيني محمود نوفل يمشط شعر حفيدته رنين (3 سنوات) والتي يتولى رعايتها بعد مقتل والديها في غارة إسرائيلية على خان يونس (أ.ب)

خاص مؤشرات «إيجابية» حول اتفاق غزة بعد لقاء ملادينوف مع «حماس» والوسطاء

أفاد مصدر من فريق مبعوث «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وآخر من حركة «حماس» بوجود مؤشرات «إيجابية» حول المضي في استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الهش في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)

المحكمة العليا الإسرائيلية ترفض الإفراج عن الطبيب حسام أبو صفية

رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية، الثلاثاء، طلباً لإطلاق سراح الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية المحتجز دون تهمة منذ اعتقاله بغزة في أواخر 2024.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس) p-circle

خاص بعد جولة «الأوراق البيضاء»... «حماس» تستأنف انتخاب رئيسها

استأنفت حركة «حماس»، انتخابات رئيس مكتبها السياسي (أعلى مستوى قيادي) في جولة للإعادة، بعدما فشلت جولة أولى، الشهر الماضي، في تحديد هوية الرئيس الجديد للحركة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)

مساعٍ دبلوماسية لدفع «اتفاق غزة»... وإسرائيل تحتل أراضي جديدة

تتواصل المساعي والجهود الدبلوماسية في القاهرة لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، في حين وسّع الجيش الإسرائيلي الأراضي التي يحتلها في القطاع وسط قصف متواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل استولت على أراضٍ من جيرانها منذ 2023 أكثر مما استولت عليه خلال عقود

جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

إسرائيل استولت على أراضٍ من جيرانها منذ 2023 أكثر مما استولت عليه خلال عقود

جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

على مدار العامين ونصف العام الماضيين، فرضت إسرائيل سيطرتها على مساحات كبيرة من قطاع غزة ولبنان وسوريا، إلى حدّ يمثل أكبر توسع للأراضي التي احتلتها عسكرياً طوال عقود.

وتبلغ مساحة هذه الأراضي نحو ألف كيلومتر مربع (386 ميلاً مربعاً)، وهي مساحة تفوق مساحة العديد من المدن الكبرى، وقد أكدت إسرائيل أنها تعتزم البقاء فيها إلى أجل غير مسمى.

وبدأ الاستيلاء على الأراضي في أعقاب هجوم حركة «حماس» عام 2023، الذي أشعل حروباً على عدة جبهات. وقد سيطر الجيش الإسرائيلي على أجزاء واسعة من قطاع غزة في إطار اجتياح واسع النطاق، ولاحقاً فرض سيطرته على مناطق في لبنان وسوريا.

جنود إسرائيليون (رويترز)

وتصف إسرائيل هذه الأراضي بأنها «مناطق عازلة»، وتقول إنها ضرورية لمنع أي هجمات مستقبلية من جانب الجماعات المسلحة.

وفي قطاع غزة ولبنان، أسفر الاستيلاء على الأراضي والتحذيرات بالإخلاء، إلى نزوح أكثر من 3 ملايين شخص، في حين دمرت القوات الإسرائيلية بلدات وأحياء سكنية، لتصبح هناك مناطق واسعة بلا سكان.

ولا تعد هذه «المناطق العازلة» - وهي تقريباً 5 في المائة من إجمالي مساحة إسرائيل بعد وقت قصير من تأسيسها - حدوداً جديدة، حيث يتطلب أي ترسيم للحدود اتفاقاً بين دولتين، ويخشى كثيرون أن تستمر هذه التغييرات على المدى الطويل. كما وضعت إيران انسحاب إسرائيل من لبنان شرطاً لإنهاء الحرب بينها وبين الولايات المتحدة.

ومنذ تأسيس إسرائيل في 1948، لم تكن للدولة حدود واضحة بشكل نهائي؛ إذ تغيرت حدودها عبر الحروب وعمليات الضم واتفاقات وقف إطلاق النار وسلام. وفيما يلي نظرة أوسع على التوسعات الإسرائيلية:

لبنان

خاضت إسرائيل و«حزب الله» عدة حروب منذ تأسيس الجماعة اللبنانية المسلحة، المدعومة من إيران، في 1982.

واحتلت إسرائيل جزءاً واسعاً من الجنوب اللبناني خلال الفترة بين عامي 1982 و2000، وبررت ذلك بأنه ضروري لحماية المجتمعات الإسرائيلية بالشمال. وبعد انسحابها في عام 2000، رسمت الأمم المتحدة خطاً حدودياً بين البلدين.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024، انتهى عام من القتال بين إسرائيل و«حزب الله» باتفاق لوقف إطلاق النار، ولكن الهدنة انهارت في مارس (آذار) الماضي، بعد أيام من اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران. ثم أطلقت إسرائيل عملية برية داخل أراضي لبنان، عقب هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة نفّذها «حزب الله».

وعندما توقفت المعارك في أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت إسرائيل أن جيشها سيحتفظ بمنطقة يصل عمقها إلى 10 كيلومترات داخل لبنان.

وبحسب خبراء مركز «كارنيغي للشرق الأوسط»، تسيطر إسرائيل حالياً على نحو 608 كيلومترات مربعة (234 ميلاً مربعاً) داخل لبنان.

وأجبرت تحذيرات الإخلاء الإسرائيلية نحو 1.2 مليون لبناني على النزوح، وحذرت إسرائيل المدنيين من العودة إلى هذه المناطق.

وأدان «حزب الله» الوجود الإسرائيلي في لبنان، وطالبت الحكومة اللبنانية إسرائيل بالانسحاب.

جنود إسرائيليون على متن آلية مدرعة تابعة لوحدة المدفعية (رويترز)

غزة

استولت إسرائيل على غزة من مصر خلال حرب عام 1967، ثم انسحبت من القطاع، من جانب واحد، في 2005، حيث أخلته من قواتها ومستوطنيها.

وبعد عامين، سيطرت «حماس» على القطاع، ثم أدى هجوم الحركة على إسرائيل يوم 7 أكتوبر 2023 إلى اندلاع حرب مدمرة في غزة.

ولدى دخول وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ خلال أكتوبر عام 2025، سحبت إسرائيل قواتها إلى منطقة يحددها ما يسمى بـ«الخط الأصفر»، ما منح تل أبيب سيطرة على أكثر قليلاً من نصف مساحة القطاع.

وصار جميع سكان غزة، تقريباً، محصورين في مدن ضخمة من الخيام تفتقر إلى المقومات الأساسية، وتعتمد على المساعدات الدولية. كما جرف الجيش الإسرائيلي، أو دمر، مساحات واسعة من المنطقة التي تضم معظم الأراضي الزراعية بالقطاع، وأصبحت غير متاحة للفلسطينيين. ويتجاوز تعداد سكان غزة مليوني نسمة.

وكان من المفترض أن تستكمل القوات الإسرائيلية انسحاباً أوسع بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه أميركا، لكن الدبلوماسي المدعوم أميركياً، والمشرف على الهدنة، أشار إلى تعثر بسبب الخلاف حول نزع سلاح «حماس».

وفي ظل تعثر وقف إطلاق النار، حركت إسرائيل الخط صوب الغرب، ووسعت نطاق سيطرتها إلى أكثر من 60 في المائة من مساحة غزة، أي نحو 194 كيلومتراً مربعاً (75 ميلاً مربعاً)، بحسب منظمة «جيشاه» الحقوقية، الإسرائيلية. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن ذلك سوف يزيد إلى 70 في المائة.

سوريا

استولت إسرائيل على مرتفعات الجولان من سوريا في حرب عام 1967، ثم ضمّتها لاحقاً، في خطوة لم تحظَ باعتراف واسع من المجتمع الدولي.

وعقب حرب عام 1973، أنشأت الأمم المتحدة منطقة عازلة في جنوب سوريا، بمحاذاة مرتفعات الجولان التي تسيطر عليها إسرائيل، وتتولى قوة أممية قوامها نحو 1100 جندي مراقبتها.

جنود إسرائيليون (أ.ب)

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبعد السقوط المفاجئ للرئيس السوري السابق، بشار الأسد، دفعت إسرائيل بقواتها إلى المنطقة العازلة التابعة للأمم المتحدة، وبررت ذلك بأنها تخشى تعرضها لهجمات من فصائل سورية مسلحة، كما سعت إلى تعطيل عمليات تهريب الأسلحة من إيران إلى «حزب الله» في لبنان، عبر سوريا.

وتقول الأمم المتحدة ومنتقدون آخرون إن الاستيلاء على الأراضي يشكل انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 1974. ولم يطلب من المدنيين في المنطقة أن يخلوها، لكنهم يواجهون نقاط تفتيش وتوترات أمنية، إلى جانب اشتباكات متفرقة بين الجنود الإسرائيليين وسكان القرى.

ودعا الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، إسرائيل إلى الانسحاب من المنطقة التي تقول الأمم المتحدة إن مساحتها تبلغ 235 كيلومتراً مربعاً (91 ميلاً مربعاً).

الضفة الغربية

أقامت إسرائيل أكثر من 100 مستوطنة في الضفة الغربية المحتلة، منذ سيطرت عليها في حرب 1967.

ووفقاً لحركة «السلام الآن»، وافقت الحكومة الإسرائيلية على إنشاء 47 مستوطنة جديدة، كما أضفت الطابع الرسمي، أو وسعت، 55 مستوطنة قائمة بالفعل منذ عام 2022.

وفي أعقاب اندلاع حرب غزة الأخيرة، وسّعت إسرائيل عملياتها العسكرية في الضفة الغربية، ما أدى إلى تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين من منازلهم.

وبعض المستوطنات الجديدة التي جرت الموافقة عليها مؤخراً عبارة عن بؤر استيطانية صغيرة جرى تقنينها بأثر رجعي، بينما يمثل بعضها الآخر أحياء جديدة لمستوطنات قائمة بالفعل.

ويرجع التوسع السريع في الاستيطان إلى تولي قادة المستوطنين ومؤيديهم مناصب رئيسية في الحكومة الإسرائيلية، فضلاً عن وجود إدارة أميركية توصف بأنها مؤيدة إلى حد كبير للاستيطان.

ويعدّ المجتمع الدولي هذه المستوطنات غير قانونية، كما فرض توسعها قيوداً واسعة على الحياة اليومية للفلسطينيين الذين يرون فيها العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق سلام دائم؛ لأنها أقيمت على أراضٍ يطالبون بها لإقامة دولتهم في المستقبل.


واشنطن تفرض عقوبات على «حزب الله»

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)
TT

واشنطن تفرض عقوبات على «حزب الله»

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)

فرضت وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، عقوبات جديدة على مسؤولين لبنانيين وشبكة أعمال قالت إنها مرتبطة بـ«حزب الله»، في خطوة تستهدف توسيع الضغوط المالية على الحزب وشبكات دعمه داخل لبنان وخارجه.

وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية إدراج رئيس تيار المردة سليمان فرنجية ونائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي على لوائح العقوبات، إلى جانب عدد من الشركات والأفراد المرتبطين برجل الأعمال اللبناني علاء حسن حمية، المعروف باسم علاء حمية.

وقالت وزارة الخزانة إن المسؤولين اللبنانيين المستهدفين استخدموا نفوذهم السياسي للمساهمة في عرقلة عملية السلام في لبنان وتأخير الجهود الرامية إلى نزع سلاح «حزب الله»، مشيرة إلى أن الحزب يعتمد على شبكة من الحلفاء والمسؤولين للحفاظ على نفوذه داخل المؤسسات السياسية والأمنية اللبنانية.

مبانٍ مدمَّرة نتيجة قصف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يرتفع علم لـ«حزب الله» (إ.ب.أ)

واتهمت الوزارة فرنجية بالاستفادة من تحالفه مع «حزب الله» لخدمة طموحاته السياسية، وقالت إنه تلقى دعماً مالياً من الحزب مقابل دعم جهوده الانتخابية في مواجهة مرشحين إصلاحيين ومستقلين خلال الانتخابات النيابية. وبناءً على ذلك، أدرجته واشنطن على لوائح العقوبات بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224 الخاص بمكافحة الإرهاب.

كما أدرجت الوزارة محمود قماطي، متهمة إياه بالتنسيق لعمليات نقل أموال نقدية من إيران إلى «حزب الله» والعمل على الدفاع عن مصالح الحزب داخل لبنان.

وفي السياق نفسه، وسّعت وزارة الخزانة نطاق العقوبات التي كانت قد فرضتها في 20 آذار (مارس) 2026 على علاء حمية وشبكته التجارية، لتشمل أفراداً وشركات إضافية في لبنان ودول عربية. وقالت إن هؤلاء الأشخاص والكيانات يشاركون في جمع الأموال وتنفيذ العقود وإدارة شركات واجهة تُستخدم لتوليد الإيرادات لصالح «حزب الله».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت: «يجب أن ينزع (حزب الله) سلاحه لكي يتمكن لبنان من تحقيق مستقبل آمن ومزدهر. وستواصل وزارة الخزانة استهداف الشبكات المالية التابعة لـ(حزب الله) ومحاسبة من يساعدون الجماعة على تقويض الدولة اللبنانية وتهديد فرص السلام الدائم».

وأكدت الوزارة أن هدف العقوبات ليس العقاب بحد ذاته، بل دفع الأفراد والجهات المستهدفة إلى تغيير سلوكهم، وأنه يمكن رفع الأسماء من لوائح العقوبات إذا استوفت الشروط القانونية المطلوبة لذلك.


الفساد بسوريا تراجع لكن لم يتوقف... والأمل في «أجيال النزاهة»

حضور طلابي واسع في تدشين حملة «أجيال النزاهة» من على مدرج جامعة دمشق (سانا)
حضور طلابي واسع في تدشين حملة «أجيال النزاهة» من على مدرج جامعة دمشق (سانا)
TT

الفساد بسوريا تراجع لكن لم يتوقف... والأمل في «أجيال النزاهة»

حضور طلابي واسع في تدشين حملة «أجيال النزاهة» من على مدرج جامعة دمشق (سانا)
حضور طلابي واسع في تدشين حملة «أجيال النزاهة» من على مدرج جامعة دمشق (سانا)

رغم الجهود الحثيثة التي تبذلها «الهيئة العامة للرقابة والتفتيش» في سوريا لمعالجة تركة الفساد الهائلة التي خلفها النظام السابق في المؤسسات الحكومية، فإن ظاهرة الفساد تتفشى في الإدارات الجديدة، وفق ما كشف عنه مسؤول في «الهيئة» خلال إحاطة إعلامية مغلقة الأربعاء.

وأشار المسؤول إلى أن الفساد تراجع؛ لكنه لم يتوقف، بعد سقوط النظام السابق، وأن مَن يحالون إلى القضاء بتهم الفساد بينهم موظفون جدد، إضافة إلى موظفين من العهد السابق، وأن منهم من يعمل ضمن شبكات داخل المؤسسات تم الكشف عن بعضها؛ ومنها شبكة في مؤسسة تعليمية خاصة».

وبهدف ترسيخ قيم النزاهة والشفافية في المؤسسات التعليمية، أطلقت «الهيئة العامة للرقابة والتفتيش» السورية، مع وزارة التعليم العالي ‏والبحث العلمي، حملة «أجيال النزاهة»، التي دُشنت من على مدرج جامعة دمشق، وحضرها وزراء التعليم العالي والبحث ‏العلمي، والأوقاف، والتربية والتعليم، والإعلام، ‏والتنمية الإدارية.

ومنذ تسلمها مهامها، بدأت «الهيئة» إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية، وإعادة النظر في الإطار القانوني الذي ينظم عملها.

وتتضمن الخطة «أتمتة العمليات في المؤسسات الرقابية؛ بما يضمن تحقيق جودة عالية وسرعة في المتابعة والمراقبة، إضافة إلى العمل مع الجهات العامة لضمان تطبيق القانون وتعزيز السياسات المعتمدة في جميع مؤسسات الدولة؛ تحقيقاً للانتظام الإداري الذي يخدم مصالح المجتمع»، وفق تصريح إعلامي من رئيس «الهيئة» عامر العلي.

الكشف عن فساد في «كهرباء دمشق» خلال السنوات السابقة بنحو 26 مليون دولار (سانا)

وتشير تقارير «الهيئة العامة للرقابة والتفتيش» إلى إنجاز 274 قضية خلال شهر مايو (أيار) الماضي، أحيلت 21 قضية منها مع 142 شخصاً إلى القضاء، و7 أشخاص إلى المحكمة المسلكية، فيما بلغ عدد المعاقَبين مسلكياً 163 شخصاً. وتمكنت «الهيئة» من تحصيل نحو 494 ألف دولار أميركي من أصل نحو 6 ملايين ومائتي ألف دولار أميركي مطلوبة للتحصيل.

وكانت «الهيئة» قد أعلنت في تقارير سابقة تحصيل 899 ألف دولار أميركي خلال شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، وإنجاز 270 قضية خلال الفترة نفسها، فيما بلغ إجمالي المبالغ المطلوب تحصيله نحو 3.52 مليون دولار أميركي. وفي العام الأول بعد سقوط النظام السابق، حُصّل مبلغ 7.69 مليون دولار أميركي، وأنجزت 1198 قضية، وبلغ عدد الأشخاص المحالين إلى القضاء 401، إضافة إلى إحالة 23 شخصاً إلى المحكمة المسلكية، والمعاقبة المسلكية لـ325 شخصاً.

ومن أبرز قضايا الفساد التي كُشف عنها مخالفاتٌ مرتكبة في «المؤسسة العامة لتوليد الكهرباء» بدمشق زمن النظام السابق، بقيمة 26 مليون دولار أميركي. إذ أظهرت تحقيقات «الهيئة العامة للرقابة والتفتيش» وجود قضايا تزوير واختلاس وسرقة مال عام، عبر عقود مرتبطة بمحطة توليد بانياس مخالفة للأنظمة والقوانين وشروط التعاقد. ومن قضايا الفساد المعلن عنها عملية اختلاس إلكتروني في مؤسسة «الخطوط الجوية السورية» بقيمة 5.56 مليون دولار أميركي.

وفد سوري يبحث في فيينا مكافحة الفساد والجريمة المنظمة يوم 5 يونيو 2026 (سانا)

وتحتل سوريا المرتبة الـ172 من أصل 182 دولة وإقليماً شملهم «مؤشر الفساد لعام 2025» الصادر عن «منظمة الشفافية الدولية»، وذلك بعد إحراز تحسن طفيف نقلها من المرتبة الـ4 في عام 2024 إلى المرتبة الـ10 بين الدول الأكبر فساداً عالمياً. حيث لا تزال سوريا تعاني من مستويات قياسية من الفساد المؤسسي العابر للحقب السياسية؛ وفق «منظمة الشفافية الدولية».

وتُعزو «المنظمة» تراجع تصنيف دول مثل سوريا إلى «حالة الهشاشة المؤسسية الموروثة، وشبكات اقتصاد الحرب، وضغوط المراحل الانتقالية التي تُضعف آليات الرقابة المباشرة والمساءلة».