معضلة إسرائيل... إضافة نوعية لحليفها الدولي أم عبء لا بد من تحمّله؟

الدولة العبرية حائرة كيف تستردّ صورة الردع المفقودة

غارات إسرائيلية على مدينة خان يونس السبت (أ.ف.ب)
غارات إسرائيلية على مدينة خان يونس السبت (أ.ف.ب)
TT

معضلة إسرائيل... إضافة نوعية لحليفها الدولي أم عبء لا بد من تحمّله؟

غارات إسرائيلية على مدينة خان يونس السبت (أ.ف.ب)
غارات إسرائيلية على مدينة خان يونس السبت (أ.ف.ب)

في عام 1923، نظّر زئيف جابوتنسكي بحتميّة بناء الدولة اليهوديّة، وذلك بغض النظر عن موقف السكان الأصليّين، على أن يحمي هذه الدولة «الجدار الفولاذيّ» (Iron Wall) الذي لا يمكن لهؤلاء السكان اختراقه. لكنهم، أي السكّان الأصليّين، وفق جابوتنسكي، سيحاولون خرق هذا الجدار، وسيفشلون كلّما حاولوا، حتى التوصّل إلى قناعة بالقبول بالسلام، والذي هو أقرب إلى الاستسلام.

دون الخوذة الفولاذيّة، ونار المدفع، لن نستطيع بناء الوطن. هكذا قال وزير الدفاع الإسرائيلي الراحل موشيه ديان. وهو الوزير نفسه الذي أصيب بانهيار عصبيّ خلال الأيام الأولى لحرب أكتوبر عام 1973 بعد أن عبرت القوات المصريّة قناة السويس.

قبيل بناء إسرائيل، سُئل ديفيد بن غوريون: «لماذا لا تختار بريطانيا راعياً للدولة؟»، فردّ بن غوريون بالقول إن «بريطانيا إمبراطوريّة إلى زوال». وعليه بدأ التموضع الإسرائيلي والاصطفاف باتجاه القوة العظمى الصاعدة آنذاك، الولايات المتّحدة الأميركيّة. تبلورت مع بن غوريون، ومن خلال سلوكيّاته الاستراتيجيّة، عقيدة استراتيجيّة إسرائيليّة كبرى (Grand Strategy) تقوم على الأسس التالية:

البحث عن جثث تحت الأنقاض في جباليا يوم 1 نوفمبر الحالي (إ.ب.أ)

- تأمين راعٍ دوليّ قادر على حماية الكيان الإسرائيلي في كلّ الأبعاد، من السياسيّ إلى الاقتصاديّ، ومن ثمّ العسكريّ.

- خوض الحرب على أرض العدو.

- ضرب العدو إلى درجة لا يمكن له العودة إلى الصراع بسرعة.

- حسم الحرب بسرعة فائقة، خاصة وأن إسرائيل تخوض حروبها بقوى من جنود الاحتياط، وهم الذين يُعدون «دينامو» الاقتصاد الإسرائيليّ.

- وأخيراً وليس آخر، يُحكى أن أب القنبلة النوويّة العالم الأميركيّ روبرت أوبنهايمر كان قد لعب دوراً مهمّاً في توصّل بن غوريون إلى اقتناع بضرورة الحصول على السلاح النوويّ. كانت حرب السويس، أو العدوان الثلاثيّ على مصر في عام 1956، مناسبة تاريخيّة لبن غوريون كي يبتزّ فرنسا، فكان مفاعل ديمونا، فولدت القنبلة النوويّة الإسرائيليّة.

جنود إسرائيليون خلال توغلهم في قطاع غزة يوم الأحد (الجيش الإسرائيلي - أ.ف.ب)

من عقيدة بن غوريون إلى عقيدة «الحرب بين الحروب»، إلى عقيدة «جزّ العشب»، إلى «عقيدة الضاحية»، إلى عقيدة الانتقال من «الدفاع - الهجوم» إلى «الهجوم - الدفاع»... تحتار إسرائيل كيف تستردّ صورة الردع المفقودة.

فمع كلّ تبدّل جذريّ في البيئة الجيوسياسيّة، سواء الدوليّة والإقليميّة، يجب على إسرائيل أن تعدّل استراتيجيّتها. وإذا كان العالم يتغيّر، فإن إسرائيل من الداخل هي أيضاً تتغيّر. فهي في مرحلة انتقاليّة ذات أبعاد اجتماعيّة ودينيّة وثقافيّة، وغيرها من الأبعاد الأخرى. فمن الصهيونيّة العلمانية، إذا صحّ التعبير، تنتقل إسرائيل تدريجيّاً إلى الصهيونيّة الدينيّة. وإلى جانب التحوّل الديني، تعاني إسرائيل من التنوّع الإثني (العرقيّ). فهناك اليهود الشرقيون (Sephardim)، وهناك اليهود الغربيون (Ashkenazi)، واليهود المهاجرون من روسيا. وهناك أيضاً اليهود الفلاشا من إثيوبيا، وهم من العرق الأسمر.

إلى جانب العقيدة الاستراتيجيّة الكبرى، لا بد لإسرائيل أن تهتم بالداخل الإسرائيليّ أيضاً. وهذه مقاربة استراتيجيّة تتطلّب حلّ المعضلات المستعصية والمتمثلة بالأبعاد التاليّة: الجغرافيا، والطوبوغرافيا، ومن ثمّ الديموغرافيا. فعلى سبيل المثال، في الجغرافيا، تأتي المخاطر على إسرائيل تاريخيّاً من الجبهة الشرقيّة، ومن الجنوب. وإذا كانت صحراء سيناء تشكّل عازلاً طبيعياً من الجنوب، فهذا الأمر لا ينطبق على الجبهة الشرقيّة. ومن هنا، يظهر تأثير الطوبوغرافيا والديموغرافيا على أهميّة الجبهة الشرقيّة. ففي حال السيناريو الأسوأ الآتي من الشرق، من الحيويّ أن تصل القوات الإسرائيليّة إلى الجبهة الشرقية، بسرعة ودون عوائق. وهذا أمر يحتّم السيطرة على الطوبوغرافيا في هذه المناطق، وإبعاد الديموغرافيا الفلسطينيّة عن محاور التقدّم العسكريّ.

لكن الدخول الأخير لإيران على الجبهة الشرقيّة، عبر وكلائها، عقّد المسائل الاستراتيجيّة لإسرائيل. وإذا صدقت المعلومات عن عزم شركة «فاغنر» الروسيّة تزويد «حزب الله» بالدفاعات الجويّة (وهو أمر نُقل عن مسؤولين في الاستخبارات الأميركية ونفاه الكرملين)، فهذا أمر قد يعني تشكّل محور جديد إلى جانب ما يُسمّى بـ«محور المقاومة»، ألا وهو الامتداد للمحور الإيراني - الروسيّ إلى الجبهة المتقدّمة للجبهة الشرقيّة الإسرائيليّة. وبذلك، تربط روسيا الحرب الأوكرانيّة بما يجري في غزّة مباشرة.

مروحية إسرائيلية خلال مشاركتها في معارك غزة يوم الأول من نوفمبر الحالي (إ.ب.أ)

في مكان آخر، وبُعد آخر، تُعد إسرائيل أن السيطرة على الخطوط البحريّة في البحر الأبيض المتوسّط القادمة إلى الداخل الإسرائيليّ، من المُسلّمات الجيوسياسيّة. فهي مسألة حياة أو موت. فالبحر هو المخرج والمدخل الأساسيّ للدولة العبريّة.

إذن، قد يمكن القول إن متطلّبات إسرائيل الأمنيّة، الاستراتيجيّة، والجيوسياسيّة أيضاً، هي أكبر بكثير من إمكانيّاتها. ولتعويض النقص، لا بد من رعاية دوليّة لدولة إسرائيل. وهنا قد يمكن طرح السؤال التاليّ: هل تشكّل إسرائيل عاملاً إضافيّاً ونوعيّاً للحليف الدوليّ؟ أم هي عبء لا بدّ من تحمّله؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال في هذه العجالة. لكن ما يمكن قوله، باختصار، إن إسرائيل كانت ولا تزال تلعب الدورين: الإضافة النوعيّة، كما العبء. فعلى سبيل المثال لا الحصر، شكّلت إسرائيل بعد حرب الأيام الستّة، إضافة نوعيّة للولايات المتحدة في حربها الباردة مع الاتحاد السوفياتيّ. وقد يمكن القول إنها تشكّل اليوم عبئاً في الحرب على غزّة. على كلّ، «لا صداقات دائمة، بل مصالح دائمة». هكذا قال اللورد الإنجليزيّ وزير الخارجيّة الراحل بالمرستون.

يُقال إن العدو يُعد مهزوماً فقط عندما يعترف بذلك. فهل يمكن لحَكَم لعبة المصارعة، مثلاً، أن يعلن فوز مصارع على آخر قبل أن يقبل المهزوم بذلك عبر رفع يده أو القول إنه استسلم؟ تعاني إسرائيل من هذه المعضلة. فأعداؤها كُثر، وأغلبهم مهزومون عسكريّاً، لكنهم لم يرفعوا راية الاستسلام حتى الآن. وعليه تجد إسرائيل نفسها في موقف الملك «سيزيف» الذي خدع إله الموت ثاناتوس في الميثولوجيا اليونانية، فعوقب من قبل كبير الآلهة «زوس» بالعذاب الأبديّ.


مقالات ذات صلة

نتنياهو ينحني مؤقتاً لـ«المرحلة الثانية»... ويراهن على تعثر نزع سلاح «حماس»

تحليل إخباري كلمة «حرب؟» كتبت على كتلة خرسانية على الجانب الإسرائيلي مع غزة في جنوب إسرائيل يوم الأربعاء (رويترز) play-circle

نتنياهو ينحني مؤقتاً لـ«المرحلة الثانية»... ويراهن على تعثر نزع سلاح «حماس»

روج مساعدون ومقربون من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية فوراً، لأن «الجمود الحالي يخدم (حماس)».

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (الشرق الأوسط) play-circle

خاص محمد مصطفى لـ«الشرق الأوسط»: تأخير إعمار غزة يخدم مخططات الترحيل

يضع رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، خريطة طريق للمرحلة المقبلة تبدأ من الأساسيات الإنسانية العاجلة ولا تنتهي عند إعادة الإعمار وتوحيد غزة والضفة الغربية.

نجلاء حبريري (دافوس)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (رويترز)

تركيا: وزير الخارجية سيمثل إردوغان في مجلس السلام

قال مصدر تركي لـ«رويترز»، اليوم (الأربعاء)، ‌إن ‌وزير ‌الخارجية ⁠التركي ​هاكان ‌فيدان سيمثل الرئيس رجب طيب إردوغان في «مجلس ⁠السلام» ‌الذي دعا إليه ترمب

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
المشرق العربي المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف (رويترز)

ويتكوف: «حماس» مستعدة لنزع سلاحها... وبوتين سيشارك في «مجلس السلام»

قال المبعوث الخاص للرئيس دونالد ترمب، ستيف ويتكوف، إنه سيلتقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الخميس.

«الشرق الأوسط»
الخليج الأمير فيصل بن فرحان لدى لقائه الدكتور محمد مصطفى في دافوس الثلاثاء (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي ورئيس الوزراء الفلسطيني يبحثان تطورات غزة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع الدكتور محمد مصطفى رئيس مجلس الوزراء الفلسطيني، التطورات في قطاع غزة، والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (دافوس)

«اللجنة المصرية» بغزة لـ«الشرق الأوسط»: الاستهداف الإسرائيلي لمصورينا «مُتعمّد»

جانب من أنشطة اللجنة المصرية لإغاثة غزة (الصفحة الرسمية للجنة)
جانب من أنشطة اللجنة المصرية لإغاثة غزة (الصفحة الرسمية للجنة)
TT

«اللجنة المصرية» بغزة لـ«الشرق الأوسط»: الاستهداف الإسرائيلي لمصورينا «مُتعمّد»

جانب من أنشطة اللجنة المصرية لإغاثة غزة (الصفحة الرسمية للجنة)
جانب من أنشطة اللجنة المصرية لإغاثة غزة (الصفحة الرسمية للجنة)

قال المتحدث باسم «اللجنة المصرية الإغاثية في قطاع غزة»، محمد منصور، إن المصورين الصحافيين الثلاثة الذين استهدفتهم إسرائيل كانوا في مهمة إنسانية داخل «مخيم نتساريم»، وهو يبعد عن وجود قوات الجيش الإسرائيلي بنحو 6 كيلو مترات، وتم استهدافهم بشكل متعمد.

وأضاف منصور لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الاستهداف يعد استمراراً للتضييق الإسرائيلي على عمل اللجنة منذ بداية عملها في ظل مساعي الاحتلال لتضييق الخناق على كل من يحاول تقديم العمل الإغاثي والخدمات الإنسانية لأبناء القطاع».

وقتل الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، 3 مصورين صحافيين يعملون كطاقم إعلامي لصالح «اللجنة المصرية لإغاثة أهالي قطاع غزة». وأوضحت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» أن الضحايا هم محمد قشطة، والمصوران أنس غنيم، وعبد الرؤوف شعث، وكانوا في مهمة تصوير عبر طائرة مسيّرة (درون) صغيرة وكاميرات لمراحل العمل في مخيمات تعمل «اللجنة المصرية» على إنشائها.

https://www.facebook.com/61570901403004/videos/في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة8A-في المائةD8في المائةAEفي المائةD8في المائةB7في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA5في المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةAAفي المائةD9في المائة82في المائةD8في المائةAFفي المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA9في المائةD8في المائةAAفي المائةD8في المائةB9في المائةD9في المائة85في المائةD9في المائة84-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةACفي المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةB5في المائةD8في المائةB1في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةB9في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة89-في المائةD8في المائةAAفي المائةD8في المائةACفي المائةD9في المائة87في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةB2-في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةAEفي المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة85-في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةB9-في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة8A-في المائةD9في المائة85في المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةB7في المائةD9في المائة82في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA3في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةB6-في المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةAAفي المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB1/907713705235720/

وشدد منصور على أن «استهداف المصورين لن يزيد اللجنة إلا إصراراً على تقديم خدمة إغاثية ومأوى لأبناء الشعب الفلسطيني، وأن اللجنة مستمرة في مهام عملها بشكل طبيعي، لكي تكون سنداً حقيقياً لأهالي القطاع، في ظل ظروف أمنية معقدة للغاية».

نقطة توزيع للمساعدات في شمال غزة تابعة للجنة المصرية الإغاثية (الصفحة الرسمية للجنة)

ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي، عن مصادر أن «مصر وجهت رسالة غاضبة إلى إسرائيل بعد الهجوم الذي وقع في غزة والذي قتل فيه فلسطينيون كانوا يعملون لصالح اللجنة المصرية لإعادة إعمار القطاع».

ووفق الإذاعة فقد «أعربت مصر عن احتجاجها على أن الهجوم تم خارج حدود الخط الأصفر في منطقة لا تهدد القوات الإسرائيلية».

من جهته، زعم الجيش الإسرائيلي أنه استهدف مشتبهاً بهم كانوا يشغلّون «طائرة مسيّرة تابعة لحماس» وسط قطاع غزة.

وقال الجيش في بيان، الأربعاء: «عقب رصد الطائرة المسيّرة وبسبب التهديد الذي شكلته على القوات، ضرب (الجيش الإسرائيلي) بدقة المشتبه بهم الذين قاموا بتشغيل الطائرة». وأكد الجيش أن التفاصيل قيد المراجعة.


تصعيد «حزب الله» يتقدم مع انتقال لبنان إلى حصرية السلاح شمال الليطاني

رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله الأربعاء رئيس وأعضاء السلك القنصلي (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله الأربعاء رئيس وأعضاء السلك القنصلي (الرئاسة اللبنانية)
TT

تصعيد «حزب الله» يتقدم مع انتقال لبنان إلى حصرية السلاح شمال الليطاني

رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله الأربعاء رئيس وأعضاء السلك القنصلي (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله الأربعاء رئيس وأعضاء السلك القنصلي (الرئاسة اللبنانية)

يبدو واضحاً أن «حزب الله» اتخذ قراره بالتصعيد السياسي، مع انتقال الدولة والجيش اللبناني من مرحلة تثبيت حصرية السلاح جنوب الليطاني إلى شماله، وذلك انطلاقاً من المواقف التي يطلقها مسؤولوه والمحسوبون عليه في الأيام الأخيرة، وما يرافق ذلك من نقاشات داخلية وخارجية حول آلية «الميكانيزم» المرتبطة بوقف إطلاق النار والرقابة الميدانية، وتصعيد أميركي تجاه إيران التي تتعرض بدورها لضغوط غير مسبوقة تنسحب على أذرعتها في المنطقة.

مهاجمة الرئيس

وشكّلت مواقف رئيس الجمهورية، جوزيف عون، الأخيرة، في مقابلته التلفزيونية السبت، بمناسبة عام على تسلمه مهامه التي دعا فيها «حزب الله» إلى «التعّقل والعودة إلى الدولة بتسليم سلاحه الذي أصبح بقاؤه عبئاً على بيئته ولبنان في آن واحد»، أو خلال لقائه السلك الدبلوماسي الثلاثاء، محطة أساسية في هذا الإطار.

فتجديد عون التأكيد على أن «الجيش اللبناني تمكن منذ أكثر من عشرة أشهر من السيطرة على جنوب الليطاني وتنظيفه من السلاح غير الشرعي»، يعكس انتقال الرئاسة من سياسة إدارة التوازنات إلى تثبيت الوقائع الميدانية وعدم التراجع عن الوعود السابقة.

عناصر من الجيش اللبناني يدققون في هوية لبناني بمنطقة مرجعيون بجنوب لبنان (رويترز)

وجدد عون التأكيد على «أن الدولة ماضية في استعادة سلطتها الكاملة، وأنه لن يكون هناك أي انزلاق في صراعات الآخرين على أرض لبنان»، مع التزام صريح بأن يكون جنوب لبنان وسائر الحدود الدولية في عهدة القوات المسلحة اللبنانية حصراً.

وبعدما كان أمين عام «حزب الله»، نعيم قاسم، ردّ بشكل غير مباشر على عون، معتبراً أن طرح سحب السلاح في المرحلة الراهنة «يندرج ضمن مطلب إسرائيلي أميركي يهدف إلى تطويق المقاومة»، شنّت حملة غير مسبوقة على رئيس الجمهورية من قِبَل محسوبين على «حزب الله» على خلفية حديثه عن «تنظيف جنوب الليطاني»، مترافقة مع اتهام الدولة اللبنانية بالسعي للتفاوض المباشر مع «حزب الله» عبر تجميد عمل لجنة الـ«ميكانيزم».

«مأزق حزب الله»

وفيما تعتبر مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية أن «تصعيد مواقف مسؤولي (حزب الله)، يعكس المأزق الذي يعيشونه أمام بيئتهم»، وتعتبر أنه «لا مصلحة لهم بأي تصعيد ميداني أو مواجهة على الأرض لأن ذلك سينعكس سلباً عليه وعلى بيئته»، وتقول المصادر ذاتها لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يملكون شيئاً ليقولونه أمام الوقائع والقرارات التي تأخذ مسارها للتطبيق، فيلجأون إلى مهاجمة الرئيس، علماً أن كل ما يقوله اليوم سبق أن أعلن عنه صراحة في خطاب القسم ويكرره منذ سنة حتى اليوم.

أسباب داخلية

وفي قراءةٍ لأسباب تصعيد «حزب الله»، يربط مدير معهد «الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية»، الدكتور سامي نادر، هذا المسار بعاملين أساسيين، داخلي وخارجي، مستبعداً في الوقت عينه أن يتخطى تصعيد «حزب الله» المواقف السياسية، «لأن ذلك سيعتبر بمثابة انتحار».

انتشار الجيش اللبناني في قطاع جنوب الليطاني (أرشيفية - قيادة الجيش)

ويقول نادر لـ«الشرق الأوسط»، إن العامل الأول يتصل مباشرة بموقف رئيس الجمهورية جوزيف عون، ولا سيما بعد مقابلته الأخيرة ثم خطابه أمام السلك الدبلوماسي، حيث عاد وحسم موقفه من ملف حصرية السلاح بيد الدولة، مشيراً إلى أنّ «المرحلة السابقة شهدت ما يشبه التراجع أو محاولة تدوير الزوايا في هذا الملف، وهو ما انعكس حينها على زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن بإلغائها في شهر نوفمبر الماضي، قبل أن يتم تحديد موعد جديد لها في بداية شهر فبراير (شباط)».

ويضيف نادر: «أما اليوم فعاد عون ليؤكد بوضوح أن قرار حصرية السلاح نهائي، غير قابل للرجوع عنه، وهو قيد التنفيذ، مترافقاً مع انتقاد مباشر لـ(حزب الله)، ما شكّل أحد أبرز دوافع التصعيد».

العامل الإيراني

أما العامل الثاني، حسب نادر، فيرتبط بالبعد الإقليمي، وتحديداً بالوضع الإيراني، في ظل تصاعد الضغوط الأميركية والتهديدات المتزايدة بإمكان توجيه ضربة عسكرية. ويشرح نادر أن المطلوب من إيران حالياً هو الذهاب إلى تسوية تشمل ثلاثة ملفات أساسية: البرنامج النووي، تقليص القدرات الباليستية، ملف الأذرع الإقليمية. وفي هذا السياق، يصبح «حزب الله» معنياً بشكل مباشر، بحيث بات جزءاً من النقاش والضغط.

عناصر من الجيش اللبناني يدققون في هوية لبناني بمنطقة مرجعيون بجنوب لبنان (رويترز)

ويضيف نادر أن «الأخطر في المرحلة الراهنة هو تصاعد الحديث عن احتمال تغيير رأس النظام في إيران، على غرار سيناريوهات شهدتها دول أخرى، ما دفع الإيرانيين إلى رفع منسوب التهديد والحديث عن (الجهاد)، بالتوازي مع تحذيرات من استهداف المرشد»، مضيفاً: «وبما أن (حزب الله) يُعد جزءاً من منظومة عمل المرشد الإيراني، فإن هذا التطور يدفع الحزب حكماً إلى الذهاب نحو مزيد من التصعيد في المرحلة المقبل».

مواقف داعمة للرئيس عون

ومقابل هجوم «حزب الله» على رئيس الجمهورية تلقى مواقف الأخير ردود فعل داعمة في لبنان، وهذا ما عبّر عنه الأربعاء، رئيس حزب «القوات»، سمير جعجع، كاتباً على حسابه على منصة «إكس»: «كلام الرئيس جوزيف في حفل استقبال الدبلوماسيين المعتمدين في لبنان هو كلام واضح ومسؤول. لعلّ وعسى أن تلتفّ القوى السياسية كلها حول البرنامج الذي طرحه رئيس الجمهورية، لنصل في أقرب وقت ممكن إلى الدولة الفعلية التي طالما حلم بها اللبنانيون».

كذلك، وفي إطار المواقف اللبنانية الرافضة لمواقف مسؤولي «حزب الله»، اعتبر المكتب السياسي لحزب «الكتائب اللبنانية» خلال اجتماعه الأسبوعي، أن «تصريحات مسؤولي (حزب الله)، وعلى رأسهم أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، الرافضة لحصر السلاح شمال الليطاني والمهدِّدة باندلاع حرب أهلية، تشكّل خرقاً فاضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وتمرداً صريحاً على الشرعية اللبنانية والدستور وقرارات الشرعية الدولية، ومسّاً مباشراً بالعقد الاجتماعي».

ويبدو أن قرار الانتقال إلى مواجهة سياسية مباشرة من قِبَل مسؤولي «حزب الله» يأتي مزدوجاً بالهجوم على قرار حصرية السلاح ولجنة «الميكانيزم» التي جمّدت اجتماعاتها هذا الشهر، لأسباب مرتبطة بغياب الطرف الأميركي، مع ما يترافق هذا الأمر من معلومات متداولة عن إمكانية توقيف عملها.

وفي هذا الإطار جاء موقف عضو كتلة «حزب الله»، النائب إيهاب حمادة، ليجسّد هذا التصعيد، محذراً من أن لبنان قد يكون منخرطاً في «تجميد الميكانيزم تمهيداً للانتقال إلى آلية أشد خطورة»، ومعتبراً أن الذهاب نحو أي شكل من أشكال التفاوض المباشر أو غير المباشر مع إسرائيل، ولو تحت عناوين مدنية أو تقنية، يشكّل «خطيئة جديدة» و«تسليماً للبلد».


البخاري يؤكد حرص السعودية على استقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة

البخاري يؤكد حرص السعودية على استقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة
TT

البخاري يؤكد حرص السعودية على استقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة

البخاري يؤكد حرص السعودية على استقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة

جدّد سفير المملكة العربية السعودية في لبنان، وليد البخاري، التأكيد على «حرص المملكة على أمن واستقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة ومؤسساتها وشعبها»، وذلك خلال لقائه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، في دار الفتوى، الاثنين، حيث جرى التداول في الأوضاع على الساحة اللبنانية.

وأفاد المكتب الإعلامي في دار الفتوى بأن «اللقاء تخلله تأكيد دعم الجيش اللبناني ودوره في حصر السلاح وانتشاره في الجنوب الذي يعزز سيادة الدولة على كامل أراضيها، ويشكل ضمانة وحصانة أمنية وعسكرية وحيدة لحماية حدود الوطن، وانتشاره يعيد الثقة بالدولة، ويشعر المواطن بالطمأنينة وبالاستقرار، ويسرع في إعادة الإعمار بمساعدة دولية».

وتم التشديد على أن «خلاص لبنان ونهوضه لا يكون إلا بحصر السلاح نهائياً من كامل الأراضي اللبنانية، وحصره بيد الدولة، واستكمال الإصلاحات، ودعم العهد والحكومة، والإسراع في تنفيذ بيانها الوزاري، وإنجاز الاستحقاقات بمواعيدها، والالتزام بالدستور واتفاق الطائف، وتعزيز وحدة اللبنانيين».

وأبدى السفير بخاري بحسب البيان «حرص المملكة العربية السعودية على أمن واستقرار لبنان، والوقوف إلى جانب الدولة ومؤسساتها وشعبها، ولن تتخلى عن دعمها ودورها الأخوي تجاه أشقائها»، مؤكداً «العلاقة المتينة مع دار الفتوى في احتضان القضايا الإسلامية والوطنية».

وأمل المفتي دريان بـ«التوصل إلى تسوية سياسية وأمنية»، مقدراً «عمل اللجنة الخماسية ومساعيها وجهودها المميزة لمساعدة لبنان وخروجه من أزماته، وتجنيبه مخاطر توسع العدوان الإسرائيلي على أراضيه».