معضلة إسرائيل... إضافة نوعية لحليفها الدولي أم عبء لا بد من تحمّله؟

الدولة العبرية حائرة كيف تستردّ صورة الردع المفقودة

غارات إسرائيلية على مدينة خان يونس السبت (أ.ف.ب)
غارات إسرائيلية على مدينة خان يونس السبت (أ.ف.ب)
TT

معضلة إسرائيل... إضافة نوعية لحليفها الدولي أم عبء لا بد من تحمّله؟

غارات إسرائيلية على مدينة خان يونس السبت (أ.ف.ب)
غارات إسرائيلية على مدينة خان يونس السبت (أ.ف.ب)

في عام 1923، نظّر زئيف جابوتنسكي بحتميّة بناء الدولة اليهوديّة، وذلك بغض النظر عن موقف السكان الأصليّين، على أن يحمي هذه الدولة «الجدار الفولاذيّ» (Iron Wall) الذي لا يمكن لهؤلاء السكان اختراقه. لكنهم، أي السكّان الأصليّين، وفق جابوتنسكي، سيحاولون خرق هذا الجدار، وسيفشلون كلّما حاولوا، حتى التوصّل إلى قناعة بالقبول بالسلام، والذي هو أقرب إلى الاستسلام.

دون الخوذة الفولاذيّة، ونار المدفع، لن نستطيع بناء الوطن. هكذا قال وزير الدفاع الإسرائيلي الراحل موشيه ديان. وهو الوزير نفسه الذي أصيب بانهيار عصبيّ خلال الأيام الأولى لحرب أكتوبر عام 1973 بعد أن عبرت القوات المصريّة قناة السويس.

قبيل بناء إسرائيل، سُئل ديفيد بن غوريون: «لماذا لا تختار بريطانيا راعياً للدولة؟»، فردّ بن غوريون بالقول إن «بريطانيا إمبراطوريّة إلى زوال». وعليه بدأ التموضع الإسرائيلي والاصطفاف باتجاه القوة العظمى الصاعدة آنذاك، الولايات المتّحدة الأميركيّة. تبلورت مع بن غوريون، ومن خلال سلوكيّاته الاستراتيجيّة، عقيدة استراتيجيّة إسرائيليّة كبرى (Grand Strategy) تقوم على الأسس التالية:

البحث عن جثث تحت الأنقاض في جباليا يوم 1 نوفمبر الحالي (إ.ب.أ)

- تأمين راعٍ دوليّ قادر على حماية الكيان الإسرائيلي في كلّ الأبعاد، من السياسيّ إلى الاقتصاديّ، ومن ثمّ العسكريّ.

- خوض الحرب على أرض العدو.

- ضرب العدو إلى درجة لا يمكن له العودة إلى الصراع بسرعة.

- حسم الحرب بسرعة فائقة، خاصة وأن إسرائيل تخوض حروبها بقوى من جنود الاحتياط، وهم الذين يُعدون «دينامو» الاقتصاد الإسرائيليّ.

- وأخيراً وليس آخر، يُحكى أن أب القنبلة النوويّة العالم الأميركيّ روبرت أوبنهايمر كان قد لعب دوراً مهمّاً في توصّل بن غوريون إلى اقتناع بضرورة الحصول على السلاح النوويّ. كانت حرب السويس، أو العدوان الثلاثيّ على مصر في عام 1956، مناسبة تاريخيّة لبن غوريون كي يبتزّ فرنسا، فكان مفاعل ديمونا، فولدت القنبلة النوويّة الإسرائيليّة.

جنود إسرائيليون خلال توغلهم في قطاع غزة يوم الأحد (الجيش الإسرائيلي - أ.ف.ب)

من عقيدة بن غوريون إلى عقيدة «الحرب بين الحروب»، إلى عقيدة «جزّ العشب»، إلى «عقيدة الضاحية»، إلى عقيدة الانتقال من «الدفاع - الهجوم» إلى «الهجوم - الدفاع»... تحتار إسرائيل كيف تستردّ صورة الردع المفقودة.

فمع كلّ تبدّل جذريّ في البيئة الجيوسياسيّة، سواء الدوليّة والإقليميّة، يجب على إسرائيل أن تعدّل استراتيجيّتها. وإذا كان العالم يتغيّر، فإن إسرائيل من الداخل هي أيضاً تتغيّر. فهي في مرحلة انتقاليّة ذات أبعاد اجتماعيّة ودينيّة وثقافيّة، وغيرها من الأبعاد الأخرى. فمن الصهيونيّة العلمانية، إذا صحّ التعبير، تنتقل إسرائيل تدريجيّاً إلى الصهيونيّة الدينيّة. وإلى جانب التحوّل الديني، تعاني إسرائيل من التنوّع الإثني (العرقيّ). فهناك اليهود الشرقيون (Sephardim)، وهناك اليهود الغربيون (Ashkenazi)، واليهود المهاجرون من روسيا. وهناك أيضاً اليهود الفلاشا من إثيوبيا، وهم من العرق الأسمر.

إلى جانب العقيدة الاستراتيجيّة الكبرى، لا بد لإسرائيل أن تهتم بالداخل الإسرائيليّ أيضاً. وهذه مقاربة استراتيجيّة تتطلّب حلّ المعضلات المستعصية والمتمثلة بالأبعاد التاليّة: الجغرافيا، والطوبوغرافيا، ومن ثمّ الديموغرافيا. فعلى سبيل المثال، في الجغرافيا، تأتي المخاطر على إسرائيل تاريخيّاً من الجبهة الشرقيّة، ومن الجنوب. وإذا كانت صحراء سيناء تشكّل عازلاً طبيعياً من الجنوب، فهذا الأمر لا ينطبق على الجبهة الشرقيّة. ومن هنا، يظهر تأثير الطوبوغرافيا والديموغرافيا على أهميّة الجبهة الشرقيّة. ففي حال السيناريو الأسوأ الآتي من الشرق، من الحيويّ أن تصل القوات الإسرائيليّة إلى الجبهة الشرقية، بسرعة ودون عوائق. وهذا أمر يحتّم السيطرة على الطوبوغرافيا في هذه المناطق، وإبعاد الديموغرافيا الفلسطينيّة عن محاور التقدّم العسكريّ.

لكن الدخول الأخير لإيران على الجبهة الشرقيّة، عبر وكلائها، عقّد المسائل الاستراتيجيّة لإسرائيل. وإذا صدقت المعلومات عن عزم شركة «فاغنر» الروسيّة تزويد «حزب الله» بالدفاعات الجويّة (وهو أمر نُقل عن مسؤولين في الاستخبارات الأميركية ونفاه الكرملين)، فهذا أمر قد يعني تشكّل محور جديد إلى جانب ما يُسمّى بـ«محور المقاومة»، ألا وهو الامتداد للمحور الإيراني - الروسيّ إلى الجبهة المتقدّمة للجبهة الشرقيّة الإسرائيليّة. وبذلك، تربط روسيا الحرب الأوكرانيّة بما يجري في غزّة مباشرة.

مروحية إسرائيلية خلال مشاركتها في معارك غزة يوم الأول من نوفمبر الحالي (إ.ب.أ)

في مكان آخر، وبُعد آخر، تُعد إسرائيل أن السيطرة على الخطوط البحريّة في البحر الأبيض المتوسّط القادمة إلى الداخل الإسرائيليّ، من المُسلّمات الجيوسياسيّة. فهي مسألة حياة أو موت. فالبحر هو المخرج والمدخل الأساسيّ للدولة العبريّة.

إذن، قد يمكن القول إن متطلّبات إسرائيل الأمنيّة، الاستراتيجيّة، والجيوسياسيّة أيضاً، هي أكبر بكثير من إمكانيّاتها. ولتعويض النقص، لا بد من رعاية دوليّة لدولة إسرائيل. وهنا قد يمكن طرح السؤال التاليّ: هل تشكّل إسرائيل عاملاً إضافيّاً ونوعيّاً للحليف الدوليّ؟ أم هي عبء لا بدّ من تحمّله؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال في هذه العجالة. لكن ما يمكن قوله، باختصار، إن إسرائيل كانت ولا تزال تلعب الدورين: الإضافة النوعيّة، كما العبء. فعلى سبيل المثال لا الحصر، شكّلت إسرائيل بعد حرب الأيام الستّة، إضافة نوعيّة للولايات المتحدة في حربها الباردة مع الاتحاد السوفياتيّ. وقد يمكن القول إنها تشكّل اليوم عبئاً في الحرب على غزّة. على كلّ، «لا صداقات دائمة، بل مصالح دائمة». هكذا قال اللورد الإنجليزيّ وزير الخارجيّة الراحل بالمرستون.

يُقال إن العدو يُعد مهزوماً فقط عندما يعترف بذلك. فهل يمكن لحَكَم لعبة المصارعة، مثلاً، أن يعلن فوز مصارع على آخر قبل أن يقبل المهزوم بذلك عبر رفع يده أو القول إنه استسلم؟ تعاني إسرائيل من هذه المعضلة. فأعداؤها كُثر، وأغلبهم مهزومون عسكريّاً، لكنهم لم يرفعوا راية الاستسلام حتى الآن. وعليه تجد إسرائيل نفسها في موقف الملك «سيزيف» الذي خدع إله الموت ثاناتوس في الميثولوجيا اليونانية، فعوقب من قبل كبير الآلهة «زوس» بالعذاب الأبديّ.


مقالات ذات صلة

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

المشرق العربي احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

خيَّم الإحباط على اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبته.

شوقي الريّس (بروكسل)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... رهان على ترتيبات «ستأخذ وقتاً» وسط تعقيدات

تنتظر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ترتيبات جديدة في ظلِّ التعثر الحالي، لا سيما منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)

إسرائيل تُحيي «ذكرى الاستقلال» بمهرجانين متناقضين

تشهد إسرائيل مجموعة كبيرة من المهرجانات في ذكرى ما تسميه بـ«يوم الاستقلال»، لكن المناسبة باتت مساحة لخطابين ومهرجانين متناقضين.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

غزو القوارض والحشرات يفاقم معاناة النازحين في غزة

يواجه النازحون في غزة داخل المخيمات المكتظة الكثير من المشاكل والتحديات قد يتمثل أكثرها إلحاحاً في غزو القوارض والحشرات لخيامهم الرثة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

القدس: اعتقال 5 سيدات من الأقصى بالتزامن مع اقتحام مستوطنين

عناصر أمن إسرائيليون يقومون بدورية أمام قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى بالبلدة القديمة في القدس (أرشيفية - د.ب.أ)
عناصر أمن إسرائيليون يقومون بدورية أمام قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى بالبلدة القديمة في القدس (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

القدس: اعتقال 5 سيدات من الأقصى بالتزامن مع اقتحام مستوطنين

عناصر أمن إسرائيليون يقومون بدورية أمام قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى بالبلدة القديمة في القدس (أرشيفية - د.ب.أ)
عناصر أمن إسرائيليون يقومون بدورية أمام قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى بالبلدة القديمة في القدس (أرشيفية - د.ب.أ)

أفادت محافظة القدس بأن عشرات المستوطنين اقتحموا، اليوم الأربعاء، المسجد الأقصى، بحماية مشددة من القوات الإسرائيلية.

وقالت محافظة القدس، في بيان صحافي اليوم، إن «المسجد الأقصى المبارك شهد اقتحاماً من قِبَل المستعمرين، تخلله أداء رقصات وأغانٍ جماعية، وذلك تحت حماية شرطة الاحتلال».

وأشارت إلى أن «بعض المستعمرين ارتدوا قمصاناً تحمل علم الاحتلال، كما أقدم عدد منهم على رفع العلم أثناء خروجهم من باب السلسلة»، لافتة إلى أنه «بالتزامن مع اقتحامات المستعمرين، اعتقلت قوات الاحتلال خمس سيدات من ساحات المسجد الأقصى»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأفادت بأن «قوات الاحتلال اعتقلت موظف دائرة الأوقاف الإسلامية رائد زغير، أثناء دخوله إلى مقر دائرة الأوقاف في منطقة باب المجلس خارج المسجد الأقصى المبارك».

وأوضحت أن «اقتحامات المستوطنين المتواصلة منذ ساعات الصباح تحت حماية قوات الاحتلال، يتزامن مع ما يسمى (يوم الاستقلال)».

وأشارت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية إلى ارتفاع وتيرة الاقتحامات منذ مطلع الشهري الحالي، حيث أدى «المستعمرون طقوساً علنية وسجوداً جماعياً داخل ساحات المسجد الأقصى».


دمار وتضرر 62 ألف منزل بسبب الهجمات الإسرائيلية على لبنان

حفارة تزيل أنقاض مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية بينما يستمر البحث عن ناجين مدفونين تحت الأنقاض في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
حفارة تزيل أنقاض مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية بينما يستمر البحث عن ناجين مدفونين تحت الأنقاض في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

دمار وتضرر 62 ألف منزل بسبب الهجمات الإسرائيلية على لبنان

حفارة تزيل أنقاض مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية بينما يستمر البحث عن ناجين مدفونين تحت الأنقاض في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
حفارة تزيل أنقاض مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية بينما يستمر البحث عن ناجين مدفونين تحت الأنقاض في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أحصى المركز الوطني للبحوث العلمية في لبنان تضرّر وتدمير أكثر من 62 ألف وحدة سكنية جراء العمليات الإسرائيلية خلال 6 أسابيع من الحرب مع «حزب الله»، وفق ما أفاد به مسؤول، الأربعاء، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلال مؤتمر صحافي تخلله نشر تقرير عن «الأثر البيئي الناجم عن العدوان الإسرائيلي» على لبنان، قال أمين عام المجلس الوطني للبحوث العلمية الدكتور شادي عبد الله: «بحدود 45 يوماً (من الحرب)، كان لدينا 21700 وحدة سكنية مدمرة و40500 وحدة سكنية متضررة».

ورغم سريان هدنة بين «حزب الله» وإسرائيل منذ منتصف ليل الخميس إلى الجمعة لمدة عشرة أيام، تواصل القوات الإسرائيلية المتمركزة في جنوب لبنان تنفيذ عمليات هدم وتفجير، وفق ما أفادت به السلطات اللبنانية وشهود عيان، بينما تمنع سكان عشرات القرى الحدودية من العودة إليها. وأظهرت صور التقطها مصوّر لوكالة الصحافة الفرنسية من الجانب الإسرائيلي للحدود منتصف الشهر الحالي دماراً واسعاً في قريتين لبنانيتين حدوديتين، بينما كانت جرافات وآليات هندسية أخرى تقوم بهدم مبانٍ في إحدى هاتين القريتين.

أنقاض مبنى مدمَّر في مدينة النبطية جنوب لبنان 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وأسفرت الحرب التي بدأت في الثاني من مارس (آذار)، عن مقتل أكثر من 2400 شخص ونزوح أكثر من مليون شخص من منازلهم.

ويقدّر المجلس الوطني للبحوث العلمية، وفق ما أفاد به عبد الله، أن «428 وحدة سكنية دُمرت و50 وحدة سكنية تضررت خلال ثلاثة أيام من وقف إطلاق النار»، الذي سيطالب لبنان بتمديده لمدة شهر.

وتستضيف واشنطن، الخميس، اجتماعاً بين سفيري لبنان وإسرائيل، بعد اجتماع بينهما الأسبوع الماضي كان الأول بين البلدين منذ عقود وأعقبه إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار.

وقال مصدر رسمي لبناني لوكالة الصحافة الفرنسية، الأربعاء، مشترطاً عدم الكشف عن هويته، إن «لبنان سيطلب تمديد الهدنة لمدة شهر، ووقف إسرائيل عمليات التفجير والتدمير في المناطق التي توجد فيها».

أشخاص يتفقدون الأضرار داخل مبنى دمَّرته غارات إسرائيلية على مدينة صور الساحلية في جنوب لبنان 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وسبق لجماعة «حزب الله» وإسرائيل أن خاضتا حرباً مدمرة لأكثر من عام، انتهت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بوقف لإطلاق النار، واصلت خلاله الدولة العبرية تنفيذ غارات خصوصاً في جنوب البلاد، حيث أبقت على قواتها في خمسة مرتفعات استراتيجية.

وقالت وزيرة البيئة تمارا الزين، خلال المؤتمر الصحافي: «خلّف العدوان الممتد بين عامي 2023 و2025، وهو في الواقع عدوان لم يتوقف، دماراً هائلاً على مختلف المستويات»، مشيرةً إلى «تضرر وتدمير أكثر من 220 ألف وحدة سكنية».

ولم توفر الضربات الإسرائيلية الأحياء السكنية والبنى التحتية المدنية ودور العبادة، وأسفرت عن تضرر مساحات زراعية وحرجية واسعة.


لبنان يشترط تثبيت وقف إطلاق النار لبدء المفاوضات مع إسرائيل

طفل يقف على حطام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في بلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
طفل يقف على حطام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في بلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لبنان يشترط تثبيت وقف إطلاق النار لبدء المفاوضات مع إسرائيل

طفل يقف على حطام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في بلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
طفل يقف على حطام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في بلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات مع إسرائيل، ويتمثل بتثبيت وقف إطلاق النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، مشدداً على «أولوية عودة النازحين» إلى قراهم، بموازاة حث الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة وعدم التساهل في منع المظاهر المسلحة من أي جهة كانت.

وتعقد السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، مع سفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل ليتر، لقاء ثانياً الخميس في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بهدف التباحث في تمديد الهدنة، وتحديد موعد وموقع المفاوضات بين الوفدين المفاوضين.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً لقادة الأجهزة الأمنية (الرئاسة اللبنانية)

وعشية المحادثات في واشنطن، اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر أن «لبنان دولة فاشلة تُديرها فعلياً إيران عبر (حزب الله)»، مضيفاً: «من هنا نستنتج أن (حزب الله) هو عدو مشترك لإسرائيل ولبنان». وقال إن «الخلافات مع لبنان بسيطة مثل ترسيم الحدود ويمكن حلها، ولكن (حزب الله) هو العقبة الكبيرة»، داعياً لبنان إلى التعاون ضد الحزب.

تمديد الهدنة

وبينما يمضي لبنان بمسار التفاوض المباشر، يعمل الرئيس اللبناني جوزيف عون في الداخل على تذليل التباينات بين القوى المحلية حول هذا المسار، وحشد التأييد له، وتحديد أولوياته. وكشف عون أن الاتصالات جارية لتمديد مهلة وقف إطلاق النار وأنه لن يوفر أي جهد في سبيل إنهاء الأوضاع الشاذة التي يعيشها لبنان حالياً، مشدداً على أن المواقف التي تتمتع بعقلانية وطنية من شأنها أن تحقق مواكبة ضرورية لمسار المفاوضات الذي سينطلق بعد تثبيت وقف إطلاق النار. كما شدد على أهمية تفاعل اللبنانيين مع وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، وعلى أن «لا تنازل ولا مساومة ولا تسليم إلا لما يحقق السيادة اللبنانية ومصلحة جميع اللبنانيين».

وأعاد رئيس الجمهورية التأكيد على أن المفاوضات التي يتم التحضير لها ترتكز على وقف الاعتداءات الإسرائيلية كلياً وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية وعودة الأسرى وانتشار الجيش حتى الحدود الدولية، والبدء بإعادة إعمار ما تهدم خلال هذه الحرب، معتبراً أن عودة النازحين إلى قراهم هي من الأولويات.

إجراءات أمنية وضبط أسلحة

وبموازاة هذا التحرك، ترأس عون اجتماعاً أمنياً، شدد خلاله على أهمية الإجراءات التي اتخذها الجيش والقوى الأمنية للمحافظة على الاستقرار في جميع المناطق اللبنانية، داعياً إلى التشدد في تطبيق التدابير التي اتخذها مجلس الوزراء في بيروت، وتعزيز القوى العسكرية والأمنية المنتشرة في العاصمة ومختلف المناطق اللبنانية والتنسيق بين الأجهزة الأمنية ليأتي العمل متكاملاً بما يحقق مصلحة المواطنين عموماً والنازحين خصوصاً. وشدد عون على دهم الأماكن التي تضم مخازن أسلحة في ضوء المعلومات التي ترد إلى الأجهزة المعنية، وعدم التساهل في منع المظاهر المسلحة من أي جهة كانت.

تشييع مقاتلين من «حزب الله» قتلوا خلال المواجهات الأخيرة مع إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ب)

وقال الرئيس عون: «من غير المسموح لأي كان أن يعرقل تنفيذ الإجراءات الأمنية أو يسيء إلى الاستقرار الأمني؛ لأن المحافظة على السلم الأهلي في هذه المرحلة من تاريخ لبنان خط أحمر». وعرض الرئيس عون للحاضرين لمسار الاتصالات الجارية لتثبيت وقف إطلاق النار وإطلاق عملية التفاوض المباشر، منوهاً بالإجراءات الميدانية التي اتخذها الجيش لإعادة فتح الطرق وترميم الجسور وتسهيل عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم في ظروف آمنة ومستقرة.

استقرار مستدام

وخلال استقباله وفداً من اللجنة البرلمانية التي أنشئت بهدف العمل لحماية الأعيان المدنية ومنع التدمير الممنهج لها، تناول البحث الاتصالات الجارية مع الهيئات والمنظمات الأجنبية والدولية لعرض ما حصل من خلال وثائق وصور وأفلام تظهر حجم التدمير الذي أحدثته إسرائيل في لبنان، إضافة إلى التعاون مع نقابة المحامين في بيروت لإعداد مذكرات ومستندات قانونية لهذه الغاية.

ونوّه أعضاء اللجنة بالجهود التي يبذلها عون لتثبيت وقف إطلاق النار والإضاءة على ما ارتكبته إسرائيل في حق اللبنانيين، فضلاً عن مساعي رئيس الجمهورية لإيجاد استقرار مستدام في لبنان عموماً وفي الجنوب خصوصاً، وحمل الملف اللبناني إلى المحافل الإقليمية والدولية لحماية السيادة اللبنانية.

عراقيل «حزب الله»

وفي مقابل الأولويات التي يضعها عون في مسار التفاوض، وضع «حزب الله» عراقيل إضافية لجهة رفضه للخطوة، وأكّد عضو كتلة الحزب البرلمانية النائب حسن عز الدين أنّ «كل دعوة إلى التفاوض المباشر مع العدو هي مرفوضة ومدانة، وتشكل انحرافاً عن الثوابت الوطنية والهوية العربية للبنان»، مؤكّداً أنّ «لبنان بحاجة إلى وحدة وطنية حقيقية لمواجهة الضغوط والتهديدات الخارجية». ولفت إلى أنّ «لا وجود في قاموس المقاومة لخطوطٍ يفرضها العدو أو لمناطق عازلة تُنتزع بالقوة»، مؤكداً أن «هذه الأرض ستبقى عصيّة على الاحتلال، ولن ينعم العدو بالأمن أو الاستقرار عليها».