نازحو غزة... معاناة يومية للحصول على مستلزمات الحياة

فلسطينيون يطهون الطعام داخل مخيم تابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للفلسطينيين النازحين الذين فقدوا منازلهم في القصف الإسرائيلي في خان يونس بقطاع غزة 29 أكتوبر 2023 (إ.ب.أ)
فلسطينيون يطهون الطعام داخل مخيم تابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للفلسطينيين النازحين الذين فقدوا منازلهم في القصف الإسرائيلي في خان يونس بقطاع غزة 29 أكتوبر 2023 (إ.ب.أ)
TT

نازحو غزة... معاناة يومية للحصول على مستلزمات الحياة

فلسطينيون يطهون الطعام داخل مخيم تابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للفلسطينيين النازحين الذين فقدوا منازلهم في القصف الإسرائيلي في خان يونس بقطاع غزة 29 أكتوبر 2023 (إ.ب.أ)
فلسطينيون يطهون الطعام داخل مخيم تابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للفلسطينيين النازحين الذين فقدوا منازلهم في القصف الإسرائيلي في خان يونس بقطاع غزة 29 أكتوبر 2023 (إ.ب.أ)

يخوض الفلسطيني جبر معين معركة يومية للحصول على بعض مستلزمات الحياة كالخبز والماء، بعدما اضطُر مع نحو 40 من أفراد عائلته إلى النزوح من مدينة بيت حانون في شمال قطاع غزة إلى جنوبه.

استقرت الحال بمعين وأقاربه في مدرسة إيواء تابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في بلدة القرارة في خان يونس، لتعيش العائلات السبع في جانب من فصل دراسي، تتشارك في ما بينها المعاناة والحرمان، مثلما تتعاون في توفير بعض الاحتياجات.

تفتقر هذه العائلات لأبسط احتياجاتها اليومية، حالها حال نازحي الحرب عموماً في قطاع غزة، فالطعام والشراب والأغطية وغيرها تتوافر في حدودها الدنيا، وبشكل لا يلبي الحد الأدنى لاحتياجاتها العادية قبل النزوح.

ويقول معين: «رحلة البحث عن الطعام تبدأ مع بزوغ شمس النهار ولا تنتهي إلا عند غيابها، حتى نستطيع توفير القليل من هذه الاحتياجات»، مضيفاً: «لا يحالفنا الحظ دوماً في توفير المطلوب، فنضطر إلى تقاسم المتوافر انتظاراً لليوم التالي».

ويوضح معين أن العائلات النازحة تجتهد في ابتكار وسائل للتغلب على ظروف حياتها الأكثر قسوة، من بينها تناول الوجبات بالتناوب، حتى تستطيع كل عائلة أن تحصل على كل أنواع الطعام.

وتجسد حالة هذه العائلة مع النزوح جزءاً من الصورة القاتمة التي يسيطر عليها العوز وعدم القدرة على توفير متطلبات الحياة، ليس لعدم امتلاك المال الكافي في بعض الأحيان، بل لغياب القدرة على توفير هذه السلع من السوق لندرتها أو الحاجة إلى وقت وجهد للعثور عليها.

يدفع هذا الواقع عائلات نازحة كثيرة إلى تدبير شؤونها بما هو متاح، وإعطاء الأولوية للأطفال وكبار السن والمرضى والأشخاص الأكثر حاجة أو أولئك الذين ليست لديهم القدرة على الحركة والتنقل مثل أصحاب الهمم.

يوضح أنور (46 عاماً)، الذي نزح إلى مركز إيواء في جنوب القطاع منذ أكثر من أسبوعين، أنه عادة ما يبحث عن احتياجات أطفاله الصغار ووالديه خصوصاً الطعام، ويمتنع في بعض الأحيان عن تناول وجباته لمنحها إلى مسنين أو أطفال.

وقال: «الشباب لديهم القدرة على تحمل الجوع وتجاوز وجبة أو اثنتين، لكن كبار السن لا يستطيعون والأطفال لا يمكنهم الصبر أو تفهم الواقع الجديد».

وأضاف: «إذا توافرت وجبات أرز ساخنة بأعداد محدودة لا تغطي كل مركز الإيواء، يُتَّفَق مع إدارة المركز على توزيعها بأدوار بحيث يصل نصيب منها لكل عائلة حسب دورها في الأيام التالية».

وتوفر هذه الطريقة فرصاً متساوية للجميع للحصول على بعض الأطعمة التي تقدمها جهات خيرية من حين إلى آخر، لكن ليس من المضمون أن تصل لكل الأفراد أو العائلات النازحة، إذا ما توقفت الجهات الإنسانية عن المساعدة أو انتقلت إلى مركز آخر.

ويصف عبد الله (52 عاماً)، الذي نزح مع زوجته وأبنائه الستة ووالديه، أوضاع الطعام في مراكز الإيواء بأنها «جريمة في حق الإنسان عموماً، خصوصاً الأطفال والمرضى، فضلاً على الأصحاء والكبار؛ لأنها محدودة جداً وغير صحية».

وتابع قائلاً: «لا يمكن وصف ما يتناوله النازحون بالطعام الكافي أو الصحي، هو عبارة عن معلبات أو أصناف محدودة الفائدة، وكنا نتناولها مرة في الأسبوع قبل النزوح، لكن الآن نتناولها بشكل دائم».

وتشاركه زوجته الرأي قائلة: «أنظر إلى أبنائي فأجد وجوهاً ضعيفة ونحيلة»، معتبرة أن استمرار الوضع الحالي «سيترك نتائج كارثية على حياة الأطفال في المستقبل القريب».

وأضافت أن قلبها يرتجف على صغارها وأقرانهم «وهم يُحرمون من وجبات صحية أو طعام كافٍ، ويطلبون أشياء غير متوافرة في أوضاع الحرب والنزوح. بالكاد نستطيع توفير بعض المعلبات أو الأطعمة المخزنة، أما ما يطبخ أو يجهز ساخناً، فهذا أصبح من النوادر».

فلسطينيون يطهون الطعام داخل مخيم تابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للفلسطينيين النازحين الذين فقدوا منازلهم في القصف الإسرائيلي في خان يونس بقطاع غزة 29 أكتوبر 2023 (إ.ب.أ)

وتقدر مؤسسات أممية ومحلية نزوح ما يزيد على مليون فلسطيني منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أي ما يقرب من نصف سكان القطاع الساحلي الضيق المكتظ بالسكان، سواء في مراكز الإيواء التي حددتها «الأونروا»، التي تستوعب 600 ألف نازح، أو في الشوارع والمستشفيات... وغيرها.

وفي ظل الأوضاع القاسية للنازحين، تنشط بعض المبادرات الإنسانية للتخفيف من وطأة الوضع، عبر توزيع وجبات مطبوخة وبعض المستلزمات الأخرى.

تطوع نبيل أبو طه مع شبان آخرين لطبخ كميات من الأرز والبرغل والعدس والفاصوليا... وغيرها لتوزيعها على النازحين في مراكز الإيواء القريبة منه بشكل يومي.

يبدأ أبو طه يومه مبكراً في الطبخ على نار الحطب، نظراً لعدم توافر غاز الطهي، على طريق صلاح الدين الرئيسي، قبل أن ينقل ما يطبخه على مركبة بثلاث عجلات (توك توك)، يجري دفعها يدوياً بمساعدة متطوعين آخرين لعدم وجود وقود لتشغيلها.

وتعمل مبادرة «نبض القرارة» على توفير وتنسيق بعض المستلزمات لطبخها وتوزيعها على النازحين في مراكز الإيواء، في ظل ضعف ما تقدمه «الأونروا»، وفق منسق المبادرة بكر أبو لحية، الذي يؤكد أن النازحين بحاجة لأي مساندة للتخفيف من وطأة حياتهم شديدة القسوة.

ويقول: «الأهالي والعائلات المحيطة بمراكز الإيواء رفضت الحديث عن نازحين، وعدَّت من قدموا إليها ضيوفاً وجب إكرامهم بما هو مستطاع، فالكل بادر وشارك وحددنا نقطة للطبخ وبدأنا مباشرة».

وأضاف: «نعتمد على الجهود الذاتية في توفير المطلوب للطبخ، وابتعدنا عن الخبز؛ لأن هناك أزمة، لنركز على بعض المأكولات التقليدية مثل المجدرة والعدس والبرغل والأرز».

وعلى الرغم من أن ما يقدم من قبل هذه المبادرة وغيرها ليس سوى جزء بسيط يسد الرمق، وفق أبو لحية، لكنه يشدد على أهميتها في توفير بعض احتياجات النازحين، خصوصاً أن مستلزمات وإمكانات الطبخ لا تتوافر لديهم.


مقالات ذات صلة

بسبب شحنات إسرائيلية... شكوى في فرنسا تتهم «فيديكس» بـ«التواطؤ في الإبادة»

شؤون إقليمية شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)

بسبب شحنات إسرائيلية... شكوى في فرنسا تتهم «فيديكس» بـ«التواطؤ في الإبادة»

قُدّمت شكوى قانونية في فرنسا ضد شركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس»، بتهمة «التواطؤ في جريمة الإبادة الجماعية».

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

«حماس»: إجراء محادثات بالقاهرة لاستكمال تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق غزة

أعلنت حركة «حماس» الفلسطينية أنها أجرت سلسلة لقاءات مع وسطاء وأطراف فلسطينية في القاهرة؛ لبحث سبل استكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
تحليل إخباري فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».


«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
TT

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية على اكتساب الحواضن الاجتماعية والجغرافيا.

فبعد الانسحاب الأميركي الأخير والتفاهمات الرامية لدمج قوات «قسد»، يراهن التنظيم على «التناقضات» التي قد تنجم عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي، ويستغل المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، ويعمل على التجنيد داخل المخيمات.

وإذا كان التنظيم دخل اليوم في مرحلة «كمون»، فلأنه اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي ثغرات تمهيداً لاستئناف النشاط.

وبذلك يبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود، تبقى قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، قائمة.