كواليس القمة الرباعية: الإلغاء جاء بعد تقديرٍ أردني للموقف

القمة كان مصيرها الفشل... والجدوى لم توفر شروط الحد الأدنى

لافتة تصوِّر الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي خلال مسيرة مؤيدة للفلسطينيين بالقرب من السفارة الإسرائيلية في عمان الأربعاء (إ.ب.أ)
لافتة تصوِّر الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي خلال مسيرة مؤيدة للفلسطينيين بالقرب من السفارة الإسرائيلية في عمان الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

كواليس القمة الرباعية: الإلغاء جاء بعد تقديرٍ أردني للموقف

لافتة تصوِّر الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي خلال مسيرة مؤيدة للفلسطينيين بالقرب من السفارة الإسرائيلية في عمان الأربعاء (إ.ب.أ)
لافتة تصوِّر الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي خلال مسيرة مؤيدة للفلسطينيين بالقرب من السفارة الإسرائيلية في عمان الأربعاء (إ.ب.أ)

جاء الإعلان الأردني إلغاء القمة الرباعية «الأمريكية - المصرية - الفلسطينية - الأردنية» منسجماً مع حسابات التكاليف الدبلوماسية الخاسرة من جدوى انعقاد قمة لم يكن متوقعاً لها الخروج بنتائج تجاه وقف التصعيد واستهداف الأبرياء من المدنيين. وذلك بُعيد القصف الإسرائيلي للمستشفى الأهلي العربي المعمداني في قطاع غزة، وسقوط أكثر من 500 من الضحايا، وعلى وقع خروج المئات في مسيرات احتجاجية من مناطق المملكة، كان أكثرها سخونة في محيط السفارة الإسرائيلية في عمان.

مصدر سياسي أردني كشف لـ«الشرق الأوسط»، عن أن إلغاء القمة جاء بعد «جولة اتصالات مكثفة بين أطراف القمة على مستوى القادة»، في وقت التقى فيه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الذي كان في عمان قبيل رحلته إلى تل أبيب للانضمام إلى الوفد الرسمي الأميركي برئاسة جو بايدن، في زيارته «التضامنية لإسرائيل».

من اليمين: الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (أ.ف.ب)

وبيَّن المصدر أن تقدير الموقف الأردني الذي عبَّر عنه الملك عبد الله الثاني، كان يؤشر بوضوح إلى أن «الوضع لا يسمح بانعقاد قمة نتيجتها محكومة بالفشل»، وأضاف المصدر أن التقدير الرسمي وبعد تطور الأحداث بقصف المستشفى المعمداني في غزة كـ«جريمة نكراء مدانة بأشد العبارات» أكد أن «آفاق القمة لا تحمل أي فرص ضامنة لإيصال المساعدات العاجلة إلى غزة، ولا أُفُقَ لوقف العدوان وبما يسمح للبحث عن فرص التهدئة ووقف التصعيد».

وشدد المصدر لـ«الشرق الأوسط»، على أن «نتائج الحد الأدنى المرجوّة من القمة كانت منعدمة»، وهو ما يعني بالنسبة إلى المجتمعين «فشل الدبلوماسية العربية» في واحدة من محاولاتها الجادة لوقف تدهور الأوضاع واتساع نطاق الأزمة الإنسانية، وإحباط مخططات ودعوات يمينية إسرائيلية متطرفة تدفع باتجاه تهجير الفلسطينيين.

تكاليف محلية

وعلى الصعيد المحلي، أكد المصدر أن مركز القرار أَخذ من بين جملة الاعتبارات الـ«تكاليف الداخلية المرتفعة لانتهاء قمة بحضور أميركي من دون التوصل إلى نتائج لصالح وقف أو التخفيف من المعاناة الإنسانية التي تشهدها غزة، في ظل عدم توفر الحاجات الأساسية من مياه وكهرباء ووقود والمستلزمات الطبية العاجلة».

وعلى ضوء تقدير الموقف الأردني في ظل لقاءات لم يخرج منها شيء للإعلام، قرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، العودة إلى رام الله عبر طائرة عمودية، ونقل بلينكن جملة الاعتبارات التي تحدَّث بها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى إداراته. وإلى هذا الحد توقف المصدر عند حدود التأكيد أو النفي لتقدير مشترك لتداعيات الموقف بعد «مجزرة المستشفى»، وإن كان اتصال هاتفي قد جرى بين الرئيس بايدن والملك الأردني.

حسابات أردنية

في الحسبان أيضاً، وفي ظل بحث خلية الأزمة في مركز القرار الأردني، كانت المخاوف حاضرة أمام التوقعات أن يقدِّم الرئيس الأميركي جو بايدن خطاباً داعماً للحكومة الإسرائيلية قُبيل وصوله إلى عمان، الأمر الذي دفع صاحب القرار لوضع حدٍّ لجملة المخاطر المتوقعة من فرص انعقاد قمة قد تنعكس آثارها سلباً على مزاج الشارع المُلتهب، وهي المخاوف التي تطابقت مع الواقع بعد تأييد بايدن الرواية الإسرائيلية في ما يتعلق بقصف المستشفى المعمداني، الموقف الذي وصفه المصدر بـ«المخيِّب للآمال».

في السياق كان واضحاً حجم الاحتجاجات الشعبية التي بلغت حدوداً مرهقة أمنياً، بوصول حشود تدافعت باتجاه محيط السفارة الإسرائيلية في منطقة الرابية بالعاصمة، مما دفع قوات الدرك إلى تفريق المعتصمين بالقوة وإلقاء سيل من القنابل المسيلة للدموع.

سقف ملكيّ غاضب

كان لافتاً أن جاءت تغريدة لولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبد الله الثاني فيها هجوم على ما وصفها بـ«جريمة حرب، ورعب لا يوصَف»، في سياق رد فعل على مجزرة «المستشفى المعمداني»، وكتب ولي العهد على حسابه في منصة «إنستغرام» مُطالباً بمحاسبة إسرائيل المسؤولة عن هذه المجزرة: «أين الدفاع عن النفس في استهداف الأطفال والمدنيين والطواقم الطبية؟ هذه جريمة حرب! رعب لا يوصَف».

وتابع: «لم يعد بإمكان العالم الغربي أن يدّعي الأخلاق إذا استمر في اتِّباع هذه المعايير المزدوجة»، مضيفاً: «الصمت غير مقبول... وعلى العالم أجمع أن يتكلم».

أردنيون يُلوحون بالأعلام خلال احتجاج خارج السفارة الإسرائيلية في عمان الأربعاء (أ.ف.ب)

من جهتها قالت الملكة رانيا العبد الله على حسابها في منصة «إنستغرام» إن «هجوماً إسرائيلياً مروعاً على المستشفى الأهلي العربي المعمداني هو من أشد الاعتداءات همجية على غزة استُشهد فيه المئات».

وأضافت أن «هذه المجزرة هي جريمة حرب وخرق لجميع المبادئ الإنسانية. لا ذريعة لمثل هذه الانتهاكات المشينة. رحمة الله على أرواح الشهداء، ونعزّي أسرهم».

وعلى صفحته في منصة «فيسبوك» للتواصل الاجتماعي علَّق ولي العهد الأردني الأسبق الأمير الحسن بن طلال، على مجزرة المستشفى المعمداني في قطاع غزة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي: «رغم أن المستشفى الأهلي المعمداني (ملاذ السلام) يحمل كل الصفات الدينية والإنسانية والتاريخية فإن هذه الأسباب مجتمعة لم تحمِهِ من الأعمال الإجرامية».

احتجاجات واستنفار أمني

وفي أضخم مسيرة احتجاجية يشهدها محيط السفارة الإسرائيلية في عمان توافد الآلاف من الأردنيين لإدانة واستنكار المجزرة الإسرائيلية وقصف المستشفى المعمداني في غزة.

ورفعت المسيرة الاحتجاجية الأضخم شعارات مطالبة بإلغاء معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية، وطرد السفير الإسرائيلي من عمان، كما طالب آخرون بفتح الحدود مع فلسطين، والسماح لهم بالوصول للتعبير عن التضامن الشعبي الأردني مع الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان الإسرائيلي على الأبرياء. كما حشد نقابيون على بوابة مجمعهم المهني، الذي يحمل رمزية العمل السياسي في مراحل السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، لوقفة احتجاجية مندِّدة بمجازر الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني.

وفي شعارات لا تخلو من بصمة الحركة الإسلامية في البلاد، جماعة الإخوان المسلمين وذراعها الحزبية «حزب جبهة العمل الإسلامي»، فإن شعارات داعمة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، «هتفت باسم قيادات الحركة العسكرية، وطالبت بفتح باب الجهاد والاستشهاد».

وتزامن مع الوقفة الاحتجاجية أن رفعت مكبرات الصوت على مآذن المساجد في عمان أصوات الدعاء والابتهالات لأبناء غزة بالصمود في مواجهة ما يتعرضون له من عدوان، ودعا أئمة المساجد إلى موقف عربي إسلامي مشترك لوضع حد لقتل الأبرياء، ووقف المجازر والجرائم بحق المدنيين العزل.

مواقف نيابية

وفي جلسة نيابية طارئة عُقدت لمناقشة التطورات في قطاع غزة، جرى تأجيلها لأكثر من موعد، وانعقدت على صدى هتافات احتجاجية شعبية، طالب نواب بإلغاء معاهدة السلام وطرد السفير الإسرائيلي، وهو مطلب نيابي موسمي، كما تمسك نواب بالموقف الرافض للتهجير الفلسطيني ومحاولات تفريغ الأرض من سكانها الأصليين.

وقال رئيس مجلس النواب أحمد الصفدي، إن «الكيان الغاصب تمادى على أرض فلسطين الطاهرة في ارتكابه المجازر البشعة وآخرها قصف المستشفيات في مشهد يدلل على أنه كيانٌ إرهابي يؤمن بالتطرف ويتعامل بمنطق العصابات».

من جهته أكد رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة أن بلاده لن تقبل بأقل من وقف الاعتداءات على الفلسطينيين في قطاع غزة، مشدداً على أن مواقف الأردن متقدمة على العالم فيما يخص القضية الفلسطينية. وشدد الخصاونة على أن الأردن سيظل ثابتاً على مواقفه من نصرة القضية الفلسطينية، وصولاً لإعلان دولتهم على ترابهم الوطني على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

غزو القوارض والحشرات يفاقم معاناة النازحين في غزة

يواجه النازحون في غزة داخل المخيمات المكتظة الكثير من المشاكل والتحديات قد يتمثل أكثرها إلحاحاً في غزو القوارض والحشرات لخيامهم الرثة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون يحملون جثمان أيمن أبو حسنة خلال جنازته في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة أمس والذي أفادت التقارير بمقتله ليلاً في غارة إسرائيلية أثناء قيادته دراجة نارية (أ.ف.ب)

مقتل 5 في غارات إسرائيلية متفرقة على قطاع غزة

مسعفون يفيدون بمقتل 5 في غارات إسرائيلية منفصلة، وسكان يفيدون بوقوع اشتباك بين «حماس» ومجموعة مسلحة مدعومة من إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مقتل ستة أشخاص في لبنان بضربات اسرائيلية

دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)
دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)
TT

مقتل ستة أشخاص في لبنان بضربات اسرائيلية

دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)
دخان يتصاعد من إحدى بلدات جنوب لبنان جراء تفجيرات إسرائيلية (رويترز)

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، الجمعة، مقتل ستة أشخاص بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان، وذلك رغم سريان وقف إطلاق نار في الحرب التي اندلعت منذ أكثر من ستة أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت الوزارة في بيان «غارات العدو الإسرائيلي على جنوب لبنان اليوم 24 أبريل (نيسان)، أدت إلى استشهاد 6 مواطنين وجرح اثنين» آخرين.


مراوحة مستمرة في العراق بشأن اختيار رئيس الوزراء الجديد

نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)
نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

مراوحة مستمرة في العراق بشأن اختيار رئيس الوزراء الجديد

نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)
نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)

فشل التحالف الشيعي الرئيسي في العراق، الجمعة، في الاتفاق على مرشح جديد لمنصب رئيس الوزراء، بعدما قوّضت الضغوط الأميركية فرص نوري المالكي الذي كان الأوفر حظا.

وقبل الجمعة، عقد قادة «الإطار التنسيقي»، وهو ائتلاف حاكم يضم فصائل شيعية ترتبط بدرجات متفاوتة بإيران وكان قد رشّح المالكي في البداية، اجتماعات عدة هذا الأسبوع لإجراء مشاورات مكثفة لحسم ملف رئاسة الحكومة، من دون التوصل إلى نتيجة.

وأفادت وكالة الأنباء العراقية الرسمية، بعد اجتماع الجمعة، بأنهم سيجتمعون مجددا السبت لـ «حسم مرشح منصب رئاسة الوزراء»، وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد هدد في يناير (كانون الثاني) بوقف دعم العراق في حال عودة المالكي الذي شغل رئاسة الحكومة لولايتين ويتمتع بعلاقات وثيقة مع إيران، إلى المنصب.

وفي العراق، يؤدي ترشيح الكتلة الشيعية الأكبر عمليا إلى وصول مرشح إلى السلطة عبر تكليف رئاسي، لكن تهديدات ترمب أعادت خلط الأوراق.

ورغم أن «الإطار التنسيقي» لم يسحب رسميا دعمه للمالكي، فإن قادته يناقشون أسماء بديلة محتملة.

ومن بين هذه الأسماء رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ورئيس جهاز المخابرات حميد الشطري، وباسم البدري الذي يرأس لجنة تُعنى بمنع أعضاء حزب «البعث» الذي كان يتزعمه صدام حسين من تولي مناصب عامة.

ولطالما سعى العراق إلى الموازنة بين نفوذ حليفيه، إيران المجاورة والولايات المتحدة، الخصم اللدود لطهران.


الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)
أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)
TT

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)
أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

حذّرت الأمم المتحدة، الجمعة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

وأشارت إلى أنّ هذه القنابل والقذائف، بل وحتى الرصاصات، باتت منتشرة في مختلف أنحاء القطاع منذ اندلاع الحرب التي شنّتها إسرائيل عقب هجوم غير مسبوق لحركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ويُظهر مسح أجرته دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) أنّ أكثر من ألف شخص لقوا حتفهم في غزة نتيجة وجود هذه الذخائر المرتبطة بالنزاع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

غير أنّ الحصيلة الفعلية «يرجّح أن تكون أعلى بكثير»، وفق ما قال يوليوس فان دير فالت، المسؤول عن هذه الدائرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأضاف، خلال مؤتمر صحافي في جنيف، أنّ «نحو نصف الضحايا من الأطفال».

ومن جانبها، أسفت نارمينا ستريشينيتس من منظمة «سايف ذا تشيلدرن» على الثمن الباهظ الذي يدفعه الأطفال في غزة.

ووفق تقرير نشرته المنظمة العام الماضي، فإن استخدام الأسلحة المتفجرة في القطاع تسبّب شهرياً في المتوسط بإصابة 475 طفلاً بإعاقات قد ترافقهم مدى الحياة. وقالت ستريشينيتس إن غزة تضم اليوم «أكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف» في العالم.

وأوضح فان دير فالت أنّ الدائرة الأممية لم تتمكّن بعد من تقييم حجم المشكلة بالكامل، لكن البيانات المتاحة تُظهر «كثافة مرتفعة» من التلوث بالذخائر غير المنفجرة في القطاع.

وقد أحصت الدائرة حتى الآن أكثر من ألف ذخيرة خلال عمليات نفّذتها على مدى العامين ونصف العام الماضيين.

وأشار إلى أنّ ذلك يعادل «ذخيرة واحدة كل 600 متر تقريباً»، لافتاً النظر إلى أنّ هذا الرقم يقتصر على ما تم رصده فقط.

ويُضاف إلى ذلك الكثافة السكانية العالية جداً في غزة، التي كانت قبل الحرب من بين أكثر المناطق اكتظاظاً في العالم بنحو ستة آلاف نسمة في الكيلومتر المربع، على حد قوله، مشيراً إلى أنّ الحرب خفّضت فعلياً المساحة المتاحة إلى النصف وضاعفت الكثافة.

وقال إن «الأسلحة المتفجرة تُستخدم في كل أنحاء القطاع، بما في ذلك في مخيمات لاجئين شديدة الاكتظاظ»، مستشهداً بحادثة حديثة عُثر فيها على بقايا ذخائر داخل خيمة مأهولة منذ أسابيع. كما حذّر من أنّ القوافل الإنسانية قد تتسبّب بانفجارات في أثناء عبورها القطاع.

وقدّر فان دير فالت أنّ التعامل مع هذه الذخائر قد يتطلّب، في أفضل الأحوال، نحو 541 مليون دولار، شرط الحصول على كل التصاريح اللازمة وتوفير المعدات المطلوبة.

وحذّر من أنّ حجم التلوث، ولا سيما في الأنقاض، يجعل من شبه المستحيل إجراء تقييم كامل، مرجّحاً أن تبقى هذه المتفجرات مشكلة لعقود.

وأشار إلى العثور حتى اليوم على قنابل من الحرب العالمية الثانية في مواقع بناء في المملكة المتحدة، معتبراً أنّ «أمراً مشابهاً قد يحدث» في قطاع غزة.