بوتين: الضربة على مستشفى غزة كارثة مروعة تؤكد ضرورة وقف الصراع

وسائل إعلام روسية تتبنى الرواية الإسرائيلية

ساحة المستشفى الأهلي الذي شهد مذبحة مروعة ليل الثلاثاء (إ.ب.أ)
ساحة المستشفى الأهلي الذي شهد مذبحة مروعة ليل الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

بوتين: الضربة على مستشفى غزة كارثة مروعة تؤكد ضرورة وقف الصراع

ساحة المستشفى الأهلي الذي شهد مذبحة مروعة ليل الثلاثاء (إ.ب.أ)
ساحة المستشفى الأهلي الذي شهد مذبحة مروعة ليل الثلاثاء (إ.ب.أ)

عكست ردود الفعل الروسية على مذبحة مستشفى المعمداني في غزة تبايناً كبيراً بين الموقف الرسمي الذي وجّه إدانات شديدة اللهجة ضد «الهجوم الإجرامي»، دون أن يوجه أصابع الاتهام مباشرة إلى الجانب الإسرائيلي، والمواقف التي تصدرت وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي وحملت تبنّياً شِبه كامل للرواية الإسرائيلية التي اتهمت فصائل فلسطينية بقصف المستشفى.

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم الأربعاء، إن الضربة على مستشفى في غزة والتي أسفرت عن مقتل مئات الفلسطينيين «كارثة مروعة» تشير لضرورة وقف الصراع.

وأضاف بوتين بعد محادثات مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين «بالنسبة للضربة على المستشفى فالمأساة التي حدثت هناك هي واقعة مروعة... مئات قتلوا ومئات أصيبوا فهي بالطبع كارثة».
وتابع قائلا «أتمنى حقا أن يكون ذلك إشارة على ضرورة وقف هذا الصراع في أسرع وقت ممكن. على أية حال، نحتاج لأن نركز على إمكانية بدء بعض الاتصالات والمفاوضات».

وكان بوتين قد تحدث، يوم الاثنين الماضي، مع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي والرئيس السوري بشار الأسد والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ولفت الرئيس الروسي إلى أن تلك المحادثات تركت لديه انطباعا بأن ليس هناك أي طرف من اللاعبين الرئيسيين يريد تصعيد الصراع.

وأضاف «لدي انطباع بأنه ليس هناك من يريد أن يستمر هذا الأمر ولا أن يتطور الصراع ويتفاقم الوضع أكثر».

وبدا أن العنصر الذي وحّد الطرفين انصبّ على تحميل الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، المسؤولية عن تصاعد العنف ووصوله إلى مستويات خطيرة جداً.

ولم تُصدر «الخارجية» الروسية بياناً رسمياً حول الحادثة حتى ظهر الأربعاء، لكن الناطقة باسم الوزارة، ماريا زاخاروفا، تطرقت إلى الهجوم في تعليقات نشرتها على حسابها عبر منصة «تلغرام»، وكذلك في حديثها مع الصحافيين. وقالت الدبلوماسية الروسية إن موسكو تُدين بأشدّ العبارات الهجوم على مستشفى المعمداني في غزة، وتعتبره «جريمة وتجرّداً من الإنسانية».

ونقلت وكالة «سبوتنيك» عن زاخاروفا أن هذه الجريمة تعكس المستوى الخطِر الذي انزلقت إليه الأوضاع في الشرق الأوسط. ورأت أن «الوضع في الشرق الأوسط يتفاقم بشكل كبير ويكتسب زخماً هائلاً (..) وجُلّ هذه التطورات يحصل بتوجيه من الولايات المتحدة وبريطانيا».

ماريا زاخاروفا (وزارة الخارجية الروسية - إكس)

ولفتت الناطقة الروسية إلى «تصاعد أعداد الضحايا في الشرق الأوسط، في ظل التطورات الأخيرة، وهي في ارتفاع متواصل»، مشيرة إلى أن «التصعيد تجاوز حدود المنطقة وتحوّل إلى كارثة عالمية».

رغم ذلك، تعمدت زاخاروفا اختيار لهجة حذِرة وهي تُدين جريمة المستشفى، وتجنبت توجيه إدانة مباشرة إلى الحكومة الإسرائيلية. وبدل ذلك، دعت تل أبيب إلى إثبات عدم صلتها بالموضوع، من خلال الكشف عن صور الأقمار الاصطناعية التي تملكها، والمعطيات التي تثبت أن جيشها لم يوجه هذه الضربة.

في المقابل، وجّهت الدبلوماسية الروسية أصابع الاتهام مباشرة إلى الغرب، وتحدثت عن مسؤولية مباشرة للسياسة الغربية عن تصعيد العنف في المنطقة. وربطت زاخاروفا بين موقف الغرب تجاه قصف مستشفى المعمداني، وبيان رئيسة «المفوضية الأوروبية» أورسولا فون دير لاين، حول كارثة هيروشيما، وقالت: «هذا الوضع يُذكرنا بهيروشيما وناغازاكي، حيث كان المفهوم السائد خلال السنوات الأخيرة هو أن القنبلة سقطت على هيروشيما وناغازاكي من تلقاء نفسها، وفي وقت لاحق عندما تأقلم الناس مع هذه الفكرة جرى إيهام الرأي العام العالمي بأن الاتحاد السوفياتي كان المسؤول عن تلك الكارثة النووية، وهو الأمر الذي روّجت له فون دير لاين في أحد خطاباتها».

فلسطينيون يحاولون الاحتماء عقب غارة إسرائيلية على رفح اليوم الأربعاء (أ.ف.ب)

 

يبدو أن التكتيكات الغربية تتخذ الميول نفسها والمسار لإقناع العالم بأنهم «الغرب» ليسوا الوحوش التي يجري تشبيههم بها

ماريا زاخاروفا

وزادت: «يبدو أن التكتيكات الغربية تتخذ الميول نفسها والمسار لإقناع العالم بأنهم (الغرب) ليسوا الوحوش التي يجري تشبيههم بها، وأنهم يأبهون بحياة الناس ويحزنون ويشفقون عليهم، لكن دون جلْد الجاني وتوضيح هويته، واستغلال هذه النقطة لإدانة الجهة التي يرونها مناسبة».

وفي الاتجاه نفسه، قالت زاخاروفا إن «الجميع الآن يستطيعون أن يروا إلى أي مدى أصبح العالم أكثر أماناً بفضل السياسة الأميركية!»، مذكّرة بعبارة كان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قد ردّدها، في وقت سابق.

وتابعت: «إنني أتابع الأخبار الواردة من الشرق الأوسط برعب، وأتذكر الأطروحة التي كررها باراك أوباما مراراً بأن العالم أصبح أكثر أماناً بفضل السياسة الأميركية (..) ها نحن نرى تطبيق ذلك!».

رجل يضع باقة ورد تضامناً مع الضحايا الفلسطينيين أمام سفارة دولة فلسطين في موسكو اليوم (إ.ب.أ)

في السياق نفسه، وصف نائب رئيس «مجلس الأمن الروسي»، دميتري ميدفيديف، الهجوم على مستشفى قطاع غزة بأنه «جريمة حرب وحشية تتحمل الولايات المتحدة مسؤوليتها».

وكتب، على قناته عبر تطبيق «تلغرام»: «من الواضح أن الهجوم المروّع على مستشفى في قطاع غزة يشكل جريمة حرب. والمسؤولية النهائية عن ذلك تقع على عاتق أولئك الذين يكسبون الأموال بشكل ساخر من الحروب في بلدان مختلفة وفي قارات مختلفة. الذين يوزعون بلا تفكير مبالغ هائلة من المال لشراء الأسلحة، ويقومون بتشغيل مجمعهم الصناعي العسكري. الذين يعلنون كذباً مهمتهم العالمية لحماية القيم الديمقراطية. الولايات المتحدة الأميركية».

في غضون ذلك، بدا أن وسائل إعلام روسية تبنّت بشكل كامل تقريباً الرواية الإسرائيلية للحادثة، ما عكس تبايناً واضحاً مع اللهجة الحذِرة التي تبنّتها أوساط رسمية، والتي انعكست فقط في بعض وسائل الإعلام الحكومية التي تناولت الحادث، دون توجيه اتهامات مباشرة لأي طرف. ونقلت وكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية عن السفير الروسي في إسرائيل أن مستشفى المعمداني تعرّض، في وقت سابق، لهجوم مماثل، وإن لم يكن بالقدرة التفجيرية نفسها. في المقابل، ضجّت شبكات التواصل الاجتماعي بتصريحات نقلت عن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، ونقاشات تُحمّل حركة «حماس» المسؤولية عن «أكبر جريمة»، وهو أمر انسحب على كبرى الصحف شبه المستقلة. ووضعت صحيفة «كوميرسانت» عنواناً رئيسياً حمل عبارة: «جيش الدفاع الإسرائيلي يقدّم أدلة على تورط المتشددين الفلسطينيين في الجريمة». ونقلت عن مصادر إسرائيلية تفاصيل عن مسار الصاروخ المزعوم الذي قالت إسرائيل إن حركة «الجهاد الإسلامي» أطلقته تجاه المستشفى. كما نقلت تصريحات لمسؤولين عسكريين بارزين في إسرائيل أكدوا الرواية نفسها، في حين تجنبت نقل أي تصريح من الجانب الفلسطيني.

أيضاً كتب المعلّق السياسي في الصحيفة مقالة نارية حملت تحذيراً من أن العنف الذي «أطلقه الفلسطينيون» سوف تصل نيرانه إلى أوروبا، مذكّراً بأن «الملايين من المهاجرين من أصول عربية ينتشرون في المدن الأوروبية، وغالبيتهم يدعمون التوجهات المتطرفة والمتشددة»، ملاحظاً أن الاحتجاجات، التي شهدتها بعض المدن الأوروبية، تدل على مستوى الخطر الذي قد يفجره هؤلاء.


مقالات ذات صلة

«الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

خاص فلسطينيون يلوحون بأعلام «حماس» خلال استقبال أسرى فلسطينيين في رام الله بالضفة الغربية نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

«الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

بعدما كانت «حماس» بصدد انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، تحدثت مصادر كبيرة في داخل وخارج غزة إلى «الشرق الأوسط» عن اتجاه «شبه نهائي» لتجميد المسار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية- رويترز)

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: خالد مشعل تواصل مع فصائل غزة لبحث مصير السلاح

تواصل حركة «حماس» إجراء مشاورات داخلية، ومع الفصائل الفلسطينية، بشأن مصير السلاح في قطاع غزة الذي تنص خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على نزعه بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يقف بجوار مركبات عسكرية بالقرب من حدود إسرائيل مع قطاع غزة 1 مايو 2024 (رويترز)

إسرائيل تعلن اغتيال قائد لواء شمال غزة في منظومة «حماس» البحرية

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه وجهاز الشاباك قضيا، يوم الاثنين، على قائد لواء شمال قطاع غزة في المنظومة البحرية التابعة لحركة «حماس» يونس محمد حسين عليان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي طائرة تحلق وسط تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية على بيروت في 17 مارس 2026 (رويترز) p-circle

الأمم المتحدة: التهديدات الإسرائيلية للبنان بمصير يشبه غزة «غير مقبولة»

عدّت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الثلاثاء، تصريحات وزير إسرائيلي من اليمين المتطرف «غير مقبولة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)

تبلّغ لبنان بمعلومات مصرية سلبية، تشير إلى أن الحرب الإسرائيلية مرشحة لأن تكون طويلة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب التهدئة، وذلك في وقت استقدمت فيه إسرائيل فرقة عسكرية جديدة إلى جنوب لبنان، مؤكدةً اتجاهها نحو تصعيد ميداني متدرّج.

وبينما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الذي التقى مسؤولين في بيروت أن «بلاده تجري اتصالات مكثفة تشمل نقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع تواصلها مع الجانب الإسرائيلي، بهدف خفض التوتر ومنع توسع المواجهة في المنطقة»، وصفت مصادر مواكبة للقاءات عبد العاطي في بيروت الأجواء بـ«غير المشجعة».

وقالت المصادر لـ «الشرق الأوسط» إن المعطيات السياسية والعسكرية لا تعكس إيجابية في التعاطي مع الملف اللبناني، لا سيما من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يرفض أن تكون الحرب على لبنان ضمن المفاوضات بين أميركا وإيران، ويتشدد في موقفه لجهة «القضاء على «حزب الله»، ما يؤشر إلى أن الحرب على لبنان ستكون طويلة الأمد.


«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
TT

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

فرق الدفاع المدني السوري تستجيب لفيضان نهر الخابور وروافده محافظة الحسكة لمنع وصول المياه لمنازل السكان (حساب فيسبوك)

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

جولة ميدانية للبحث في تجنب فيضانات في سبخة السيحة التي تشهد مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع منسوب المياه في إدلب (الدفاع المدني السوري)

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

جولة ميدانية للوزير السوري رائد الصالح في مركز Sinzig بمدينة بون للإطلاع على أبرز التقنيات في الاستجابة للطوارئ (سانا)

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.


عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».