في زمن الحروب والصراعات، تصبح الحياة مجرد كفاح يومي للبقاء على قيدها. وفي أحياء قطاع غزة المحاصر الذي يواجه أيام حرب أشهرت إسرائيل فيها «سيوفها الحديدية»، تحاول عائلات الفرار من الموت السريع إلى موت بطيء بعيداً عن نيران القصف المباشر.
فخلال الهجمات المتبادلة التي أطلقت عليها الفصائل الفلسطينية «طوفان الأقصى»، وسمتها إسرائيل «السيوف الحديدية»، قد يأتي الموت جوعاً أو عطشاً أو جرّاء وباء مع فقدان مقومات الحياة.
تحولت الطرقات إلى بيوت أشباح، والمنازل إلى ركام. ففي القطاع يفقد الناس كل شيء... أحباءهم وأمانهم وأحلامهم، ويصبحون لاجئين في بلدهم، ويبحثون عن مأوى يقيهم موتاً محتوماً.
وداخل أروقة المستشفيات في قطاع غزة، يجد الناس أنفسهم على شفا رحيل غير مسبوق، فهناك تمكث أرواح مشرَّدة وعائلات فلسطينية فرّت هاربة من أحلك ليالي القتال وصراع الصواريخ التي تتساقط على منازلهم كأمطار لا ينقطع سيلها.
وداخل أروقة مستشفى ناصر في مدينة خان يونس، تسرد أجساد مكلومة قصصاً صامتة وسط الضعف والخوف. وبالأروقة أيضاً عائلات لم تجئ لتلقي خدمة طبية، بل هرباً من صواريخ تدك منازلها.
وتشير تقديرات إدارات المستشفيات إلى وجود عشرات الآلاف يحتمون بجدران المستشفيات وأسوارها. بعضهم تهدمت منازلهم، وبعضهم تلقى إنذاراً بالإخلاء استعداداً لقصف منزله في أي لحظة، وآخرون اضطُروا للمغادرة بعد دعوة الجيش الإسرائيلي سكان مدينة غزة للخروج منها والذهاب جنوباً.
أحد هؤلاء الحاج أحمد أبو سمرة الذي نزح مع 60 فرداً من عائلته إلى وادي غزة ومنه إلى منطقة النصيرات، ومن ثم نحو مستشفى ناصر في خان يونس.
يصف الحاج أحمد الحال في حي الشجاعية الذي كان يقطنه فيقول إنه بات مرعباً ومروعاً، مؤكداً: «لا فرصة للنجاة حال البقاء هناك». ويقول لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن الأمان غير متوافر مطلقاً، وبالتالي لا خيار سوى اللجوء إلى المستشفيات، مدركاً في ذات الوقت ما يشكله نزوح العائلات إلى المستشفيات من عبء على الكوادر الطبية... «لكن لا خيارات لدينا ولا أماكن بديلة». يضيف: «نحن في منطقة معزولة، ونعيش في بناية سكنية من 3 طوابق، وما نراه من مشاهد دفعنا للنزوح بحثاً عن الأمان لكل هؤلاء الأطفال».
وقال الحاج أحمد إن منطقة الشجاعية التي يقيم فيها خالية من الماء والكهرباء والطعام، وبالتالي لا توجد فرصة للبقاء فيها؛ لأن البقاء هناك يعني الموت الحتمي.
الحال لا تختلف كثيراً مع عائلة خليل سوسي التي خرجت من منزلها بعد تدميره في حي الرمال، ولم تجد إلا محيط مستشفى ناصر للاحتماء به. يقول خليل إن القصف لم يستهدف منزله بشكل مباشر، وإنما استهدف برج فلسطين المقابل، وعلى إثر ذلك سُوّي منزله بالأرض من شدة الانفجار. ويضيف: «الظروف معقدة جداً، والناس يدبرون الحد الأدنى من مستلزمات العيش والبقاء على قيد الحياة بصعوبة بالغة».
وطلبت إسرائيل من مليون و200 ألف فلسطيني في مدينة غزة ومحيطها وسط القطاع إخلاء منازلهم والتوجه جنوباً عبر مسارات وصفتها بالآمنة. وما من أحد من سكان غزة يعلم كيف ستكون نهاية هذه الحرب التي لا تزال إسرائيل تحشد لها، وتعد العدة لمعركتها البرية.





