شبح «اجتثاث البعث» يخيم على انتخابات مجالس المحافظات العراقية

تحول إلى أداة تسقيط سياسي بين المتنافسين

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني ونجم الجبوري محافظ نينوى في الموصل يونيو الماضي (رئاسة الوزراء العراقية)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني ونجم الجبوري محافظ نينوى في الموصل يونيو الماضي (رئاسة الوزراء العراقية)
TT

شبح «اجتثاث البعث» يخيم على انتخابات مجالس المحافظات العراقية

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني ونجم الجبوري محافظ نينوى في الموصل يونيو الماضي (رئاسة الوزراء العراقية)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني ونجم الجبوري محافظ نينوى في الموصل يونيو الماضي (رئاسة الوزراء العراقية)

لا يزال قرار «هيئة المساءلة والعدالة» البديلة لما كان يسمى «هيئة اجتثاث البعث»، استبعاد محافظ نينوى نجم الجبوري من الترشح للانتخابات المحلية في العراق، يثير ردود فعل في مختلف الأوساط السياسية والشعبية في العراق.

ففي الوقت الذي كان فيه العرب السنة في العراق ضحايا ما كان يسمى «هيئة اجتثاث البعث» التي تشكلت برئاسة السياسي العراقي الراحل أحمد الجلبي بعد الاحتلال الأميركي للعراق في 2003، فإنها تحولت اليوم إلى أداة للتسقيط السياسي، لكن بأيدي المتخاصمين السنة أنفسهم.

ومع تكرار الدعوات لتحويل ملف الاجتثاث حتى بعد تخفيف التسمية إلى «المساءلة والعدالة»، بوصفه أحد قوانين العدالة الانتقالية في العراق، إلى ملف قضائي، فإن علاقات القوى السياسية هي التي تتحكم فيه أكثر من الإجراءات القضائية.

فالعرب السنة الذين كانوا يمثلون عماد المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية على عهد النظام السابق خضعوا لما عدوه معايير مزدوجة على صعيد التعامل مع انتماء كبار ضباطهم وقادتهم العسكريين إلى حزب «البعث» المحظور بموجب الدستور العراقي (2005).

فهيئة الاجتثاث التي أخرجت أعداداً كبيرة من القادة والضباط العسكريين السنة من المؤسسة الأمنية العراقية استثنت في مقابل ذلك أعداداً كبيرة من نظرائهم الشيعة تحت حجة أن عدداً من الضباط الشيعة أعلنوا البراءة من انتمائهم السابق لـ«البعث».

وفي محاولة للتخفيف من إجراءات تلك الهيئة تم الاتفاق عام 2010 بين القوى السياسية إلى تحويلها إلى «المساءلة والعدالة» تمهيداً لحلها فيما بعد وتحويل ملفاتها إلى القضاء دون أن يترتب على ذلك عقوبات سياسية مسبقة.

واليوم، بعد مرور 13 عاماً على تأسيس هذه الهيئة، فإنه في الوقت الذي لا توجد فيه أي مؤشرات على حلها وتحويل ما بحوزتها مما تبقى من ملفات إلى القضاء للبت فيها، فإن البرلمان العراقي صوت الشهر الماضي على أعضائها الذين كانوا يديرون الهيئة بالوكالة إلى أعضاء أصليين.

وطبقاً لما أفاد به سياسي عراقي لـ«الشرق الأوسط»، فإن «(المساءلة والعدالة) يراد لها أن تستمر أداة بيد القوى السياسية النافذة بعيداً عن إمكانية وجود بُعد طائفي فيها».

وأضاف السياسي العراقي شريطة عدم ذكر اسمه أو موقعه، أن «آخر إجراءات الهيئة في اجتثاث محافظ نينوى الفريق نجم الجبوري لا يحمل أي صبغة طائفية؛ لأن عملية اجتثاثه جرت على يد أبناء جلدته (العرب السنة) من بوابة التنافس على مقاعد مجالس المحافظات في محافظة نينوى التي هي ثاني أكبر محافظة في العراق، وهي ذات أهمية بالغة على مستوى التوازن السياسي والعرقي والمذهبي في البلاد».

وأشار إلى أن «الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني لا علاقة لها بهذه الإجراءات، بل ربما شكل إخراج الجبوري من منصبه كمحافظ بعد النجاح حتى بمعايير السوداني الصارمة نفسها، صدمة للحكومة؛ لكون الرجل أحد المحافظين الناجحين، فضلاً عن سجله المهم كقائد عسكري يعد أحد الذين قادوا معارك التحرير ضد تنظيم (داعش) حين كان قائداً لعمليات نينوى»، مبيناً أن «ازدواجية المعايير تتمثل في أنه كان مسكوتاً عنه حين كان قائداً عسكرياً، بل تم السكوت عنه حتى عندما أصبح محافظاً، لكن خصومه من العرب السنة أنفسهم تذكروا أنه بعثي سابق حينما تقدم لينافسهم في انتخابات مجالس المحافظات المقبلة».

نجم الجبوري محافظ نينوى على يسار رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني خلال افتتاح مشروع عمراني في الموصل يونيو الماضي (رئاسة الوزراء العراقية)

الجبوري... كنت «خوش زلمة»

المحافظ والقائد العسكري والمرشح المجتث من الانتخابات ظهر قبل أيام في مقطع تلفزيوني متألماً وهو يتحدث عن ازدواجية المعايير التي تم التعامل بموجبها معه.

وقال الجبوري: «إنهم كانوا يقولون عني (خوش زلمة) عندما كنت أقاتل تنظيم (داعش)، لكنهم الآن يقولون عني إنني بعثي».

وتندر العراقيون في مواقع التواصل الاجتماعي بشأن هذه المفارقة بين أن يكون المرء مرغوباً فيه بل بطلاً عندما يحتاجونه، ودرجة ثانية عندما لا تكون هناك حاجة، مستذكرين معادلة الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد؛ فمما يُروى عن عنترة قوله المشهور: «يسمونني في السلم يا ابن زبيبة ... وعند اشتداد الحرب يا ابن الأطايب».

وفي هذا السياق، كتب السياسي العراقي المعروف عزت الشابندر في تدوينة له: «أخيراً سقط محافظ نينوى (نجم الجبوري) في شَرَك المساءلة دون عدالة، من بطل قومي لعمليات التحرير إلى مجتث من عمله».

وأضاف الشابندر أن «هذا حصل بعد مسيرة وظيفية طويلة وحسّاسة له، ومع كل كتب الشكر والتزكية، وفي توقيتٍ مدروس من قِبَل مناوئيه (قبيل الانتخابات المحلية)، وبسبب رفضه التقدم والانحياز لأي جهة؛ يقضي المعنيون باجتثاث الرجل من منصبه بذريعة انتمائه السابق (بحكم وظيفته)».

ودعا الشابندر، رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق فائق زيدان، إلى «التحقيق بهذا الاختراق»، على حد وصفه.

بدوره، عبر مقرر مجلس النواب العراقي غريب عسكر التركماني، عن محافظة كركوك، عن أسفه للقرار الذي أصدرته «هيئة المساءلة والعدالة» باستبعاد المرشح عن قائمة «جبهة تركمان العراق الموحد»، اللواء المتقاعد تورهان عبد الرحمن أغا، عن الترشح لانتخابات مجلس محافظة كركوك المزمع إجراؤها نهاية العام الحالي.

وقال عسكر في بيان له إن «تورهان عبد الرحمن شخصية تركمانية وطنية له مواقف مشرفة في خدمة عراقنا الحبيب من خلال الوظائف التي شغلها في الأجهزة الأمنية، وخدم أهالي كركوك بكافة مكوناتها قبل إحالته إلى التقاعد بكل تفانٍ وإخلاص».

وأضاف: «إننا في الوقت الذي نأسف فيه لصدور هذا القرار، فإننا نؤكد لشعبنا التركماني الكريم أننا ماضون معه في طريقنا نحو نيل كافة الحقوق المشروعة للشعب التركماني بالوسائل القانونية والديمقراطية، ولن يثنينا أي شيء عن هذا الطريق».


مقالات ذات صلة

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

خاص رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.

علي السراي (لندن)
خاص السفيرة العراقية في الرياض صفية طالب السهيل (تصوير: تركي العقيلي)

خاص السفيرة العراقية في الرياض: تفويج الحجاج براً فرضته ظروف المنطقة

كشفت السفيرة العراقية لدى السعودية، صفية السهيل، عن أن عدد الحجاج العراقيين هذا العام بلغ نحو 41 ألف حاج، بدأت قوافلهم الوصول إلى الأراضي السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

يفتح اتفاق «الإطار التنسيقي» على تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة البابَ أمام مزيد من التساؤلات بشأن الخطوة التالية التي قد تُقدم عليها الفصائل…

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

ترحيب أميركي حذر بالمكلّف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

أبدت الولايات المتحدة دعماً حذراً لرئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي، في وقت تتصاعد فيه التحديات المرتبطة بتشكيل حكومته، بما في ذلك ملف نفوذ الفصائل.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)

السفارة الأميركية لدى العراق تهنئ رئيس الوزراء المكلّف

هنَّأت السفارة الأميركية لدى العراق رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي على تسميته لتأليف الحكومة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
TT

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)

تحشد واشنطن مع أطراف في بغداد ضغوطها لعزل الفصائل المسلحة الموالية لإيران عن الحكومة العراقية الجديدة، حسبما أفادت مصادر موثوقة.

ورحبت البعثة الأميركية في بغداد، أمس (الأربعاء)، بتكليف علي الزيدي تشكيل الوزارة الجديدة، ودعت إلى «تشكيلها بما ينسجم مع تطلعات العراقيين».

وقالت المصادر، إن «الزيدي أبلغ قادة أحزاب بأن برنامجه يستند إلى إبعاد الجماعات المسلحة»، لكنها أشارت إلى أن «تمرير تشكيلة وزارية بعيدة عن المسلحين يشكل اختبار قوة حاسم».

ويخشى خبراء أن تلجأ فصائل مسلحة إلى خيار المراوغة بشأن وجودها في المؤسسات الحكومية، أو التصعيد مجدداً ضد الأميركيين.

إلى ذلك، قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.


سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
TT

سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)

أشعلت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، سجالاً كلامياً بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، بعد أن قال عون إنه نسَّق كل خطواته في هذا المجال مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليأتي رد بري قاسياً بأن كلامه «غير دقيق، إن لم نَقُلْ غير ذلك».

وكان عون قد قال إنه على إسرائيل أن «تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات»، مؤكداً أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت بتنسيق وتشاور مع بري وسلام». ورد بري على ذلك، سريعاً، إذ قال في بيان، إن الكلام الذي ورد على لسان عون «غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة إلى اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات».

ميدانياً، فرضت إسرائيل بالنار «خطاً أحمر»، يهدد عشرات القرى اللبنانية، ويحاذي منطقة الخط الأصفر التي أُعلن عنها قبل أسابيع، وهي عبارة عن منطقة جغرافية واسعة تتعرض للقصف المتواصل ولإنذارات إخلاء وتمتد إلى مسافة تبعد 25 كيلومتراً عن الحدود إلى العمق.


بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم الأربعاء، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وموضوع المفاوضات، غير دقيق، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب إنه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، فإن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان الرئيس اللبناني قد التقى بعد ظهر اليوم في القصر الجمهوري، وفداً من الهيئات الاقتصادية برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير.

وأفاد عون خلال اللقاء: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام».

رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وعن الانتقادات بأن لبنان وافق في البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، قال الرئيس عون: «إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في نوفمبر 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».