مطالب بتحييد لبنان عن «طوفان الأقصى»

«حزب الله» جدّد تهديده... والأفرقاء يحذرون من تداعيات المعركة

جنديان من «يونيفيل» على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية (د.ب.أ)
جنديان من «يونيفيل» على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية (د.ب.أ)
TT

مطالب بتحييد لبنان عن «طوفان الأقصى»

جنديان من «يونيفيل» على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية (د.ب.أ)
جنديان من «يونيفيل» على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية (د.ب.أ)

يسود الترقب في لبنان لما ستؤول إليه حرب «طوفان الأقصى»، مع التصعيد المتوقع من قبل الطرفين؛ لا سيما مع التوترات التي تشهدها الحدود الجنوبية في اليومين الأخيرين، وتأكيد «حزب الله» أنه ليس على الحياد، وبأن القصف الذي نفذه باتجاه إسرائيل هو رسالة بأنه إذا تمادت فسوف تنتج هذه المرة طوفان كل الأمّة؛ حسبما قال رئيس المجلس التنفيذي في «حزب الله» هاشم صفي الدين.

وهو ما عاد وجدد التأكيد عليه، الاثنين، رئيس الهيئة الشرعية في «حزب الله» محمد يزبك، خلال مراسم رفع راية فلسطين على تلة عين بورضاي على مشارف مدينة بعلبك، وقال: «عندما يتجاوز العدو حدوده والخط الأحمر، فسوف يرى ما لم يتوقع من المقاومة في لبنان ومن محور المقاومة».

ومع إجماع الأفرقاء اللبنانيين على اختلاف توجهاتهم، منذ اللحظة الأولى، على دعم حق الشعب الفلسطيني، ارتفعت الأصوات المحذرة من توريط لبنان في هذه الحرب؛ لا سيما في ظل الأوضاع الصعبة السياسية والاجتماعية التي يرزح تحتها اللبنانيون، بينما كان لافتاً غياب الموقف الرسمي الواضح مما حصل طوال يوم الأحد، بعد إطلاق الحزب للصواريخ باتجاه إسرائيل، إلى أن أعلن مكتب رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الاثنين، في بيان له: «الحرص على إبقاء لبنان بمنأى عن تداعيات الوضع في فلسطين».

«الوطني الحر»

وفي هذا الإطار، يكتفي النائب في «التيار الوطني الحر» سيزار أبي خليل، بالتذكير بموقف رئيس «التيار» النائب جبران باسيل يوم الأحد، الذي ميّز فيه بين 3 فئات في لبنان لجهة مقاربتها القضية الفلسطينية. وفي حين يلفت في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن التكتل سيكون له موقف تجاه هذا الموضوع بعد اجتماعه، الثلاثاء، شدد على التضامن مع حق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه والعودة إلى بلده، متحدثاً عن مصلحة لبنان في هذا الموضوع.

وكان باسيل قد قال: «هناك 3 أنواع من الناس في لبنان، من يؤمنون بوحدة الجبهات، وهناك من هم مع حق الفلسطينيين في استعادة أرضهم، ونحن منهم ونؤيد ما يحصل ونفرح لفوز أي عربي ضد الإسرائيلي، أما القسم الأخير فهم من يفرحون لفوز إسرائيل ويحزنون لانتصار المقاومة»، مضيفاً: «هناك مقاربة مختلفة وأولويات مختلفة، فهناك من يريد زوال الكيان الإسرائيلي، ولكن أولوياتنا قيام الدولة اللبنانية؛ لأنه دونها لا وجود لنا ولا للوطن».

«التقدمي الاشتراكي»

أما موقف الحزب «التقدمي الاشتراكي» الذي لطالما أكد على دعمه القضية الفلسطينية، فيعبّر عنه النائب هادي أبو الحسن الذي يبدي قلقه من تداعيات استخدام الساحة اللبنانية، في ظل ما يعانيه لبنان من أزمات. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الشعب الفلسطيني والمقاومة تستطيع أن تقوم بالواجب، وعلينا دعمهما سياسياً ومعنوياً وإعلامياً، أما استخدام الساحة اللبنانية في ظل كل ما يعانيه لبنان من أزمات، فهذا يعرض الداخل لأزمة كبرى؛ لا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية والنقدية الكبيرة والغياب الكامل للخدمات».

من هنا يقول أبو الحسن: «(حزب الله) قال إن صواريخه التي أطلقها يوم الأحد هي رسالة تضامن مع الفلسطينيين، وراعى خلالها قواعد الاشتباك»، مضيفاً: «إذا بقيت الأمور عند هذا الحد فإن الأمر يبقى مفهوماً، أما إذا تعدى ذلك فنكون قد أدخلنا لبنان في مشكلة نحن في غنى عنها». وفي حين شدد على أن «لبنان لا يمكن أن يحتمل المواجهة الشاملة»، قال: «إذا كان لا بد من ممارسة الضغط على إسرائيل، فليكن هذا الأمر عبر فتح ساحة الجولان المحتل التي تتعرض للقصف الإسرائيلي بشكل دوري، وليكن الرد من هناك»، ويسأل هنا أبو الحسن: «في ظل التخلي الدولي عنه اليوم، من سيساعد لبنان إذا استخدُمت ساحته؟».

وعن موقف الحكومة، يرى أبو الحسن أنه ينطلق من القلق من انعكاس توريط لبنان في هذه الحرب، مضيفاً: «الحكومة غير قادرة على الصمود وتوفير شبكة الأمان للشعب إذا وقعت الحرب».

وفي رد على سؤال عن قرار الحرب والسلم، يقول أبو الحسن: «أين هي الدولة التي يفترض أن يكون القرار بيدها؟ لا رئيس للجمهورية... وحكومة مشلولة... وكل ذلك يعيدنا أيضاً إلى أهمية إقرار الاستراتيجية الدفاعية».

«القوات اللبنانية»

ولا يختلف موقف حزب «القوات اللبنانية» الواضح لجهة رفضهم توريط لبنان في الحرب، وهو ما عبّر عنه النائب بيار أبو عاصي، قائلاً في حديث إذاعي: «(حزب الله) سيدمر لبنان في حال دخوله في معركة غزة»، متمنياً على الطبقة السياسية والشعب اللبناني منع زج لبنان في المعركة القائمة. ورأى أنه «لا خطط ولا استراتيجية لهذه الحكومة (الهجينة) وهي تتفرج على كل ما يحصل»، معتبراً أنه «من غير المسموح الزج بلبنان في حرب من دون قرار سياسي لبناني من قبل الحكومة ومجلس النواب».

من جهته، قال مسؤول الإعلام والتواصل، شارل جبور، لـ«الشرق الأوسط»: «موقفنا واضح لجهة عدم توريط لبنان وتحميله ما لا قدرة له على تحمله. يكفيه ما فيه من أزمات سياسية مالية اجتماعية اقتصادية، إضافة إلى أزمة اللاجئين. باختصار: لبنان منكوب في هذه المرحلة، والنتيجة ستكون بالتأكيد تدميره، وبالتالي المطلوب الالتزام الدقيق بالنأي بالنفس، وتحييد لبنان عما يحصل في غزة».

وعن موقف الحكومة، يقول: «يجب التمييز بين ما هو مطلوب من الحكومة، وما هي القدرة على ترجمة هذا الموقف؛ إذ إنه لا قدرة للحكومة على التنفيذ؛ لأن الحزب أقوى من الواقع القائم، وبالتالي الواقعية تحتم القول إن الموقف المطلوب هو رفض توريط لبنان، وعدم إقحامه في هذه الحرب».

قرار الدولة

وكان عدد من النواب قد عبّروا عن رفضهم توريط لبنان في الحرب؛ لا سيما بعد إطلاق الصواريخ من الجنوب وقصف إسرائيل مناطق لبنانية. وكتب النائب وضاح الصادق على منصة «إكس» قائلاً: «لا يمكنني أن أبقى حيادياً أمام أي معركة يخوضها الفلسطينيون على أرضهم ضدّ من اغتصبها. ولا يمكنني أن أكون حيادياً بوجه كلّ من يتلطّى خلف القضيّة الفلسطينيّة لمصلحة مشاريعه الخاصة، الهادفة إلى السيطرة على المنطقة. كما لا يمكنني أن أكون حيادياً أمام استخدام إيران للأراضي العربيّة والشباب العربي وقوداً في حروبها الخاصّة، وهي لم تطلق يوماً رصاصة باتجاه إسرائيل؛ بل استفادت من سلاحها في حربها مع العراق»، مضيفاً: «فتح الجبهة من لبنان قرار يعود للدولة اللبنانية، وليس لأحد الحق في تعريض الشعب اللبناني إلى مخاطر حروب لا مصلحة له فيها».

«سيدة الجبل»

ومع تأكيد «لقاء سيدة الجبل» و«المجلس الوطني لرفع الاحتلال الإيراني عن لبنان» في بيان، بعد اجتماعهما، الاثنين، أن قضية فلسطين هي قضية حق، وأن الحل يجب أن يستند للقرارات الدولية وإلى مبادرة السلام العربية وحل الدولتين، أشارا إلى أن «اللبنانيين يعيشون اليوم الأحداث الأليمة والخطيرة في غزة، وعلى حدود لبنان الجنوبية، بقلق شديد؛ خصوصاً في ضوء احتمال أن يقرر (حزب الله) أو إيران أو إسرائيل، أو الكل معاً، إقحام لبنان في حلقة العنف التي نعرف كيف بدأت في غزة، ولا نعرف كيف ستنتهي»، وأضاف: «وما يقلق اللبنانيين خصوصاً، هو أن هذه الأحداث الخطيرة تجري في غياب الدولة بكل تراتبيتها، بينما يستأثر (حزب الله) بالقرار الوطني مطبقاً احتلالاً موضوعياً لمستقبل اللبنانيين».

من هنا، طالب المجتمعون رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي بعقد جلسة لمجلس الوزراء فوراً، من أجل تشكيل خلية أزمة وطنية قادرة على القيام بكل الاتصالات اللازمة لحماية الشعب اللبناني، وكذلك مطالبته بتحذير «حزب الله» من جر لبنان إلى مغامرات عسكرية من المؤكد أنها سوف تأتي بالقتل والدمار على كل اللبنانيين. مع التذكير بأن مجلس الوزراء مجتمعاً هو المسؤول عن اتخاذ القرارات حسب الدستور اللبناني. كما ناشدوا «المجتمع الدولي أخذ التدابير اللازمة من أجل التطبيق الحرفي للقرار 1701، لكي يصبح الجيش اللبناني، وحده بلا شريك له، مسؤولاً عن حماية لبنان والدفاع عن حدوده».


مقالات ذات صلة

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

المشرق العربي عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

لبنان: المفاوضات الجدية مع إسرائيل رهن بتثبيت وقف النار

في ظل الحراك القائم على خط المفاوضات الإسرائيلية – الأميركية، يسود ترقّب حذر في لبنان، مع تضارب المعلومات حول إمكان عقد لقاء مرتقب بين عون ونتنياهو

كارولين عاكوم (بيروت)
تحليل إخباري عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)

تحليل إخباري «حزب الله» يلتزم بالهدنة ميدانياً ويهاجم سياسياً... بانتظار التسويات

رغم الضجيج السياسي، يعكس الواقع الميداني التزام «حزب الله» بـ«الهدنة الهشة» ضمن قواعد اشتباك مضبوطة، بينما يواصل بالوقت عينه مهاجمة مسار المفاوضات اللبنانية.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان (الوكالة الوطنية للإعلام)

حرص سعودي على «الاستقرار الداخلي في لبنان»

جدَّد الأمير يزيد بن فرحان، مستشار وزير الخارجية السعودي، حرص المملكة على الاستقرار الداخلي في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته في الاجتماع غير الرسمي لقادة دول الاتحاد الأوروبي في قبرص (أ.ب)

عون: لبنان يرفض أن يكون «ورقة تفاوض» في الصراعات الإقليميَّة

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن لبنان «يرفض أن يكونَ ورقةَ تفاوض في الصراعاتِ الإقليميَّة»، مشدداً على أنه «يفاوض باسمه، دفاعاً عن مصالحه الوطنيَّة وسيادتِه».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
TT

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، السبت، إنه أصدر تعليمات للجيش بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله» في لبنان، وذلك بعد إعلان الجيش أن الحزب انتهك وقف إطلاق النار.

وجاء في بيان أصدره مكتب رئيس الوزراء أن نتنياهو أمر الجيش «بمهاجمة أهداف لـ(حزب الله) بقوة في لبنان»، بعد يومين من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع.

وقتل ستّة أشخاص في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، السبت، وفق وزارة الصحة، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عناصر في «حزب الله».

وأوردت الوزارة، في بيان أول، أن «غارتَي العدو الإسرائيلي على شاحنة ودراجة نارية في بلدة يحمر الشقيف قضاء النبطية أدتا إلى استشهاد 4 مواطنين».

وأضافت، في بيان ثان، أن «غارة العدو الإسرائيلي على بلدة صفد البطيخ قضاء بنت جبيل أدت إلى شهيدين و17 جريحاً»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرفع ذلك عدد الذين قتلوا في غارات إسرائيلية على أنحاء مختلفة من جنوب لبنان، منذ الجمعة، إلى 12 قتيلاً.

من جانبه، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف ثلاثة عناصر من «حزب الله» كانوا يستقلون «مركبة تندر (بيك أب) محمّلة بوسائل قتالية»، وعنصر آخر كان يستقل دراجة نارية في جنوب لبنان.

يأتي ذلك رغم إعلان ترمب، الخميس، تمديداً مدته ثلاثة أسابيع لوقف إطلاق النار الذي بدأ في 17 أبريل (نيسان)، وذلك عقب جولة جديدة من المحادثات في البيت الأبيض بين سفيرَي لبنان وإسرائيل.

واندلعت الحرب الأخيرة في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، في 28 فبراير (شباط).

وشنّت إسرائيل حملة من القصف الجوي الواسع على لبنان، واجتاحت قواته مناطق في جنوبه، وأبقت قواتها فيها بعد سريان الهدنة، في 17 أبريل (نيسان).

وقُتل 2496 شخصاً وأصيب أكثر من 7700 في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية منذ الثاني من مارس (آذار)، بحسب أحدث حصيلة نشرتها وزارة الصحة، السبت.


السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
TT

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

في وقت تترقب فيه دمشق مثول رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بالحميدية وسط العاصمة السورية، قالت مصادر في هيئة العدالة الانتقالية لـ«الشرق الأوسط» إن المحاكمة ستجري علناً، مؤكدة أن مسار العدالة يسير بخطوات سليمة وسيحقق نتائج خلال الفترة المقبلة.

ويأتي ذلك في وقت تسود فيه أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب في ريف حماة الغربي، وسط انتشار أمني كثيف عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق، وعدة أشخاص آخرين بتهمة التورط في إخفائه. وقال مصدر أمني سوري إنه تم اعتقال والد أمجد يوسف وأشخاص آخرين مشتبه بتورطهم في إخفائه، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، فيما قالت مصادر محلية في حماة إن حالة من الغضب والاحتقان تعم القرى المجاورة في ريف المحافظة، بعد انتشار أنباء تفيد بوجود المطلوب في جرائم قتل جماعي في قريته منذ عام ونصف العام، والتستر عليه هناك.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية، الجمعة، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، في عملية أمنية وصفتها بـ«المُحكمة». وحسب تقرير مصور بثته «الداخلية»، تم القبض على المتهم في سريره، وسط ذهول أفراد عائلته، فيما عمّت موجة فرح ممزوج بالفجيعة أحياء جنوب دمشق التي شهدت مجازر مروعة في سياق الحملة الأمنية التي شنّها النظام السابق ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته عام 2011.

وعبّرت السيدة خلود عبد الله التي فقدت ثمانية أفراد من عائلتها في مجزرة التضامن، عن فرحها بتوقيف أمجد يوسف. خسرت خلود والدها وأمها وثلاث أخوات وابن أختها (طفل في عمر أربع سنوات) في التضامن عام 2013، كما فقدت اثنين من أشقائها في المعتقل، أحدهما في سجن صيدنايا، والآخر بفرع فلسطين، حسبما قالت لـ«الشرق الأوسط». وتحدثت عن شعورها لحظة سماع نبأ القبض على أمجد يوسف، فقالت: «شعور لا يُوصف. فرحت وبكيت وتذكرت أهلي». وتمنت خلود أن تلتقي المتهم وجهاً لوجه، وقد طلبت ذلك من وزير الداخلية، لكنها لم تتلق رداً بعد. وأكدت أن «لا شيء يبرّد قلوب أهالي الضحايا، لأن المصاب جلل، لكن الله يصبّرنا»، مضيفة أن عقاب الله للمجرمين «يشفي غلنا».

صورة وزعتها وزارة الداخلية السورية للمتهم أمجد يوسف بعد إلقاء القبض عليه الجمعة (إ.ب.أ)

وبينما يطالب أهالي الضحايا والمفقودين بعلنية التحقيقات والمحاكمة للوصول إلى الحقيقة كاملة، وكشف مصير المفقودين، أكد مسؤول ملف التحقق والتوثيق في الهيئة الوطنية للمفقودين، عمار العيسى، لـ«الشرق الأوسط» أن دور الهيئة في التحقيقات هو «دور فني داعم للتحقيقات القضائية، يتمثل في ربط المعطيات الواردة من التحقيق مع ما لدينا من بيانات وبلاغات، والتحقق منها ميدانياً وعلمياً». والهيئة لا تقوم بالاستجواب، وليست لديها ولاية تحقيقية وإنما «توفّر البنية التي تحوّل المعلومات إلى أدلة قابلة للاستخدام القضائي: توثيق، وتحقق، وحماية مواقع، وإدارة أدلة وسلاسل حيازة، وتحليل جنائي، وصولاً إلى إعداد تقارير يمكن أن تدعم مسار الادعاء». وقال العيسى إن «ما يمكن تقديمه للتحقيق هو قوائم مُتحقَّق منها ومرتبطة بسياقات محددة (مثل المكان، والزمان، ونمط الاختفاء)، وليس مجرد أرقام أو أسماء عامة، وذلك لضمان القيمة القانونية لهذه القوائم وربطها بالأدلة».

ولفت العيسى إلى أن الأرقام الموجودة لدى الهيئة هي على «مستوى البلاغات الوطنية»، وأن الأهم في سياق التحقيقات الجارية، ليس الرقم الإجمالي، بل الربط الدقيق بين الحالات والموقع والواقعة المحددة. ولذلك تتحفظ الهيئة عن «طرح أرقام غير مُدقّقة أو غير مرتبطة بسياق قضائي واضح، لأن ذلك قد يضر بالتحقيق أكثر مما يفيده».

ونظّمت «خيام الحقيقة»، وهي مجموعات أهلية من ذوي الضحايا والمفقودين في مناطق سليمة ومخيم اليرموك وجرمانا والغوطة الشرقية -القطاع الجنوبي وداريا- قرب دمشق، وقفة للأهالي بمناسبة القبض على أمجد يوسف مساء السبت. وقال الناشط واصل حميدة، من عائلات «خيام الحقيقة» في مخيم اليرموك، لـ«الشرق الأوسط»، إن الوقفة هي للتأكيد على مطالب أهالي الضحايا الذين يعتبرون القبض على أحد مرتكبي مجازر حي التضامن «تطوراً إيجابياً» طال انتظاره، ويعيد إشعال بصيص أمل في قلوب الأهالي المثقلة بالألم. وأكد أن توقيفه «تطور إيجابي في السعي المستمر لتحقيق العدالة في سوريا». وأشار واصل حميدة الذي فقد شقيقه في حي الزاهرة خلال سبتمبر (أيلول) من عام 2013، إلى أن عائلات «خيام الحقيقة» اعتبروا، في بيان مشترك، القبض على أمجد يوسف خطوة مهمة، لكنها «غير مكتملة»، مطالبين بمحاكمات علنية وبشفافية كاملة في إجراءات التحقيق، ومحاسبة جميع المسؤولين دون استثناء من المنفذين وكتبة التقارير إلى أعلى المستويات القيادية، ورفض محاولات إطلاق سراح مرتكبي جرائم الحرب أو المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية تحت أي ذريعة، بما في ذلك ذريعة «السلم الأهلي» أو المصالحات.

مواطنون يحتفلون بتوقيف المتهم أمجد يوسف في حي التضامن يوم الجمعة (رويترز)

وشدد البيان على أن تحقيق الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا عبر المساءلة والعدالة وعدم الإفلات من العقاب. كما طالبت عائلات «خيام الحقيقة» باستمرار الضغط والعمل الدبلوماسي الدولي، لتسليم كبار المسؤولين عن الجرائم، وصولاً لرأس النظام المخلوع بشار الأسد.

وبرز اسم أمجد يوسف بوصفه أحد أخطر مرتكبي المجازر وأعمال القتل الجماعي في سوريا بعد نشر صحيفة «الغارديان» تحقيقاً في 27 أبريل (نيسان) عام 2022، استناداً إلى تحقيق أكاديمي للباحثين أنصار شحّود وأوغور أوميت أونغور، حول مجزرة «حي التضامن» في 16 أبريل 2013، أسفرت عن مقتل نحو 41 شخصاً ودفنهم في مقبرة جماعية.

وعلّقت الباحثة في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة ‌أمستردام، أنصار شحود، على إلقاء القبض على أمجد يوسف بالقول إنها «تشعر الآن بالأمان»، مضيفة في تصريح لوكالة «رويترز» أن «الطريق إلى العدالة في سوريا غير واضح ولا يشمل جميع الجناة». وقالت: «حاسة (أشعر) بنوع ما من الأمان رغم بعد المسافة»، مشيرة إلى أنها كانت تشعر بأن يوسف يسعى وراءها لقتلها.

وتبدأ الأحد في دمشق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو كان قد تولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (جنوب)، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ويُعد المسؤول عن حملة قمع واعتقالات واسعة هناك.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
TT

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات؛ ما أدى إلى تحركات احتجاجية، وقطع عدد من الطرق في العاصمة، وسط تباين في الروايات بين الجهات الرسمية وقوى أمن الدولة التي قامت بمداهمة أحد أصحاب المولدات.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بقطع الطريق في ساحة فردان مقابل دار الطائفة الدرزية بمستوعبات النفايات، احتجاجاً على إشكال ساقية الجنزير على خلفية تسعيرة مولدات، أعقبه إطلاق نار ووقوع إصابات. وقد تم قطع طريق كورنيش المزرعة - إغلاق نزلة الملا - قطع طريق الملا كركول الدروز رفضاً للذي حصل في ساقية الجنزير.

سلام يحمل المسؤولية لأحد عناصر الأجهزة

وفي السياق نفسه، أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى تحميل أحد الأجهزة الأمنية مسؤولية ما جرى، وكتب عبر منصة «إكس» قائلاً: «ما شاهدته ساحة ساقية الجنزير بعد ظهر اليوم من أعمال عنف من قبل عناصر أحد الأجهزة الأمنية ضد المدنيين، وإطلاق النار، وإرعاب المواطنين تصرفات غير مقبولة أياً كانت الأسباب أو الذرائع»، مضيفاً: «أعطيت الأوامر الصارمة للقيام بالتحقيقات الفورية لجلاء ملابسات ما جرى، واتخاذ التدابير اللازمة المسلكية والقضائية بحق المرتكبين. أدعو إخوتي المواطنين في بيروت إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس؛ حفاظاً على أمن عاصمتنا الغالية، وسلامة أهلنا فيها».

كما كتب النائب وضاح الصادق عبر منصة «إكس» موضحاً ما حصل : «اقتحم جهازُ أمنِ الدولةِ منطقةَ ساقيةِ الجنزير في بيروت، وكأنّ أبو علي عيتاني (صاحب مولدات في المنطقة) رئيسُ مجموعةٍ إرهابية، فأشبعوه ضرباً، وأطلقوا النار إرهاباً لأهل المنطقة الذين تجمّعوا لحمايته. الحُجّة أنّه رفع تعرفة المولّد، فتخطّوا القانون، وتجاوزوا مسؤولية المحافظ ووزارة الاقتصاد، وقرّروا تطبيق قرار أحد الضباط ومن ورائه بالقوّة»، مضيفاً: «هذا أمرٌ لن يمرّ، ولم نشاهده في أيّ منطقةٍ أخرى، حيث يتجاوز أصحاب المولّدات كلّ الأعراف والقوانين يومياً. نحن نعرف كيف حمى أبو علي منطقته، ونعرف لماذا يتمّ التعامل معه بهذه الطريقة. سأكتفي بهذا، مع الثقة بأنّ اللواء لاوندس (مدير عام أمن الدولة اللواء إدغار لاوندس)، الذي لم أنجح في التواصل معه، سيأخذ الخطوات الآيلة إلى ضبط بعض الضباط في جهازه، ولكن هذا الأمر لن يمرّ مرور الكرام. سنكرّرها للمرة الأخيرة: بيروت ليست مكسَرَ عصاً لأحد».

رواية أمن الدولة

في المقابل، صدر عن المديرية العامة لأمن الدولة بيان قالت فيه إنه «متابعةً لجهودها المستمرة في قمع المخالفات التي تمسّ الأمن الاقتصادي، وبعد تخلّف أحد أصحاب المولدات الكهربائية المخالفة ضمن نطاق مدينة بيروت عن الحضور إلى مبنى مديرية الاستعلام والعمليات الخاصة لاستكمال الإجراءات القضائية بحقه، وبناءً على إشارة النيابة العامة المالية القاضية بإحضاره، قامت دورية من هذه المديرية العامة بتنفيذ الإشارة القضائية، فاعترضها عدد من المواطنين، ومُنعت من تنفيذ مهمتها؛ ما اضطر بعض العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم، ولم يُصَبْ أحد بأذى. يتم إجراء التحقيق بإشراف النيابة العامة العسكرية».