هجوم «حماس» يضع بايدن بمواجهة الجمهوريين في خضم سباق انتخابي شرس

انتقاد صفقة تبادل السجناء ودفع أموال لإيران استفادت منها الحركة

الرئيس بايدن مع وزير خارجيته بلينكن يلقيان في البيت الأبيض ملاحظات حول الهجمات في إسرائيل بواشنطن السبت (إ.ب.أ)
الرئيس بايدن مع وزير خارجيته بلينكن يلقيان في البيت الأبيض ملاحظات حول الهجمات في إسرائيل بواشنطن السبت (إ.ب.أ)
TT

هجوم «حماس» يضع بايدن بمواجهة الجمهوريين في خضم سباق انتخابي شرس

الرئيس بايدن مع وزير خارجيته بلينكن يلقيان في البيت الأبيض ملاحظات حول الهجمات في إسرائيل بواشنطن السبت (إ.ب.أ)
الرئيس بايدن مع وزير خارجيته بلينكن يلقيان في البيت الأبيض ملاحظات حول الهجمات في إسرائيل بواشنطن السبت (إ.ب.أ)

أدى الهجوم المفاجئ الذي شنته حركة «حماس» يوم السبت ضد إسرائيل، مع تسريبات حول الخطط الإسرائيلية لرد انتقامي قوي، إلى وضع إدارة بايدن في تحدٍّ واختبار صعب لمدى نجاح ملف السياسة الخارجية لإدارته، مع مخاطر تصعيد المواجهات واندلاع صراع أوسع في منطقة الشرق الأوسط، في خضم سباق انتخابي شرس ومعركة صعبة للفوز بولاية ثانية.

وأمضى بايدن وكبار مساعديه، يوم السبت، في التشاور مع القادة الأوروبيين، واتصالات مكثفة مع زعماء مصر وقطر وتركيا والأردن والمملكة العربية السعودية. وأظهر بايدن دعماً ثابتاً لإسرائيل في تصريحاته أمام الصحافيين في البيت الأبيض، ووصف الهجمات بأنها «غير معقولة»، وتعهد بأن إدارته ستضمن أن لدى إسرائيل «ما تحتاجه للدفاع عن نفسها».

إلا أن الانتقادات لاحقت بايدن من قادة الحزب الجمهوري ومنافسيه من المرشحين الجمهوريين، بأن سياسات إدارته أدت إلى هذه الأزمة، كما وضعت تساؤلات كبيرة حول الحجج التي يسوقها الرئيس بايدن، بأن خبرته الطويلة في مجال السياسة الخارجية جعلت العالم أكثر أمناً؛ بل على العكس يواجه بايدن اتهامات من خصومه السياسيين بأن «بؤر الاضطرابات في العالم تتضاعف في عهده».

عنصر من الأمن الإسرائيلي أمام مركز للشرطة بمستوطنة سديروت تعرض لأضرار خلال معارك لطرد مقاتلي «حماس» الذين كانوا متمركزين داخله الأحد

ويقول المحللون إن احتمالات اندلاع عنف خلال الأسابيع والشهور المقبلة، ستكون بمثابة اختبار لقدرة إدارة بايدن على القيادة وإثبات قدرتها على إدارة الصراع، بينما تحاول إظهار الدعم لإسرائيل، وفي الوقت نفسه تهدئة التوترات وإتاحة مساحة للجهود الدبلوماسية، والعمل على إقرار السلام في منطقة الشرق الأوسط.

خيارات واشنطن

وتعترف إدارة بايدن بأن الوضع أكثر تعقيداً من أي صراع سابق بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وبأنها تواجه موقفاً جيوسياسياً صعباً، وتتحدث مع القادة في مصر وقطر للضغط على الجماعات الفلسطينية المسلحة في غزة، للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، والتفاوض حول استعادة الرهائن الإسرائيليين لدى «حماس»، والتقليل من نبرة الرد الانتقامي، والعمل بهدوء مع الحلفاء لإنهاء العنف.

وتواجه الإدارة خيارات صعبة ما بين تشجيع ودعم إسرائيل، للقيام بما تعتقد حكومة نتنياهو أنه ضروري لاستعادة الاستقرار والقيام بخطوات ردع قوية، وبين مخاطر ازدياد الخسائر في صفوف المدنيين في غزة، مما قد يزيد من دعوات التقدميين في الحزب الديمقراطي لمطالبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتنحي، وخروج صيحات بأن «إسرائيل تقتل المدنيين بأسلحة أميركية»، وتتصرف بشكل غير متناسب. ومع توتر العلاقات بين بايدن ونتنياهو، ستكون مهمة بايدن أكثر صعوبة في ممارسة ضغوط على نتنياهو.

المعتقلون في إيران لدى وصولهم إلى مطار الدوحة 17 سبتمبر ضمن صفقة تبادل السجناء (أ.ب)

من جانب آخر، يضيف الهجوم تعقيدات جديدة؛ حيث إن إدارة بايدن وإيران منخرطتان في نزاعات حول برنامج طهران النووي. وتقول إيران إن البرنامج سلمي؛ لكنها الآن تخصب اليورانيوم بدرجة أقرب من أي وقت مضى إلى مستويات صنع الأسلحة. ومع ذلك، لم تفقد الإدارة الأمل في إحياء الاتفاق الذي تم التوصل إليه في عهد إدارة أوباما (تم إلغاؤه من البيت الأبيض في عهد ترمب) والذي خفف العقوبات على إيران مقابل فرض قيود على برنامجها النووي. وقد لمح بايدن في خطابه إلى مخاوف من توسع الصراع ودخول أطراف أخرى على خط الهجوم على إسرائيل. وقال بايدن دون أن يشير صراحة إلى إيران أو «حزب الله»: «دعوني أقول هذا بكل وضوح: هذه ليست اللحظة المناسبة لأي طرف معادٍ لإسرائيل لاستغلال هذه الهجمات لتحقيق مكاسب».

هجوم الجمهوريين

وسارع عدد من المرشحين الجمهوريين لخوض سباق الرئاسة لعام 2024، إلى إلقاء اللوم على إدارة بايدن، وربط قراره بالإفراج عن 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة مقابل صفقة إطلاق سراح سجناء أميركيين، بالهجوم الموسع الذي شنته «حماس» ضد إسرائيل، مشيرين إلى علاقات إيران التاريخية مع حركة «حماس»، وأن طهران لم تستخدم الأموال لتلبية احتياجات الغذاء والدواء كما تقول إدارة بايدن.

دبابات إسرائيلية يتم نقلها على طول الحدود مع قطاع غزة الأحد (أ.ف.ب)

ووصف الرئيس السابق، دونالد ترمب، الولايات المتحدة في عهد بايدن، بأنها أصبحت ضعيفة وغير فعالة على الساحة الدولية. وقال في بيان: «مع الأسف، ساعدت أموال دافعي الضرائب الأميركيين في تمويل هذه الهجمات التي يقول كثير من التقارير إنها جاءت من إدارة بايدن». وأضاف ترمب: «لقد جلبنا كثيراً من السلام إلى الشرق الأوسط من خلال (اتفاقيات إبراهام)، فقط لنرى بايدن يقوضه بوتيرة أسرع بكثير مما كان يعتقد أي شخص أنه أمر ممكن».

وقالت حملة ترمب في بيان: «قبل شهر واحد، حذر الرئيس ترمب من ضعف بايدن، وقال إنه دفع 6 مليارات دولار لإيران، سيتم استخدامها في الإرهاب في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وهذا بالضبط ما يحدث الآن».

وقال المرشح الجمهوري رون ديسانتوس، حاكم ولاية فلوريدا، إن إدارة بايدن تساهلت مع إيران، وساعدت على ملء خزائن طهران بالأموال. وقال إن إسرائيل تدفع ثمن القرارات السياسية التي تتخذها إدارة بايدن.

وفي مقطع فيديو عبر موقع «إكس»، قال ديسانتوس: «لقد ساعدت إيران في تمويل هذه الحرب ضد إسرائيل، وساعدت سياسات بايدن المتساهلة مع إيران على ملء خزائنهم، وإسرائيل الآن تدفع ثمن تلك السياسات». وأضاف: «سوف نقف إلى جانب إسرائيل بينما تقوم باجتثاث (حماس)، ونحن بحاجة إلى الوقوف في وجه إيران».

واتهم نائب الرئيس السابق مايك بنس إدارة بايدن بتملق نظام الملالي في إيران؛ مشيراً إلى تراجع الولايات المتحدة في قيادة العالم الحر.

أما المرشح الجمهوري، السيناتور تيم سكوت، عن ولاية كارولاينا الجنوبية، فقال إن هجوم «حماس» ضد إسرائيل جاء في أعقاب قيام إدارة بايدن بدفع فدية بمبلغ 6 مليارات دولار لإيران، وكتب عبر موقع «إكس»: «الحقيقة، أن جو بايدن قام بتمويل هذه الهجمات على إسرائيل». وأضاف: «لم نتسبب في هذا العدوان فحسب؛ بل دفعنا ثمنه».

وقالت المرشحة الجمهورية هيلي كيلي، في بيان: «(حماس) منظمة إرهابية متعطشة للدمار، وتدعمها إيران. وهي مصممة على قتل أكبر عدد ممكن من الأرواح البريئة»، بينما كتب المرشح الجمهوري فيفيك راماسوامي، على موقع «إكس»، قائلاً إن «إطلاق النار على المدنيين واختطاف الأطفال (جرائم حرب)، ولا ينبغي التشكيك في حق إسرائيل في الوجود والدفاع عن نفسها، ولا يمكن السماح لـ(حماس) و(حزب الله) المدعومين من إيران بالانتصار».

ونفى مسؤول كبير في إدارة بايدن، في تصريحات للصحافيين مساء السبت (شرط عدم الكشف عن هويته)، إنه «من السابق لأوانه القول ما إذا كانت إيران متورطة بشكل مباشر في التخطيط، أو دعم الهجوم المعقد»؛ لكنه أشار إلى علاقات إيران العميقة مع «حماس».

كما نشر المتحدث باسم وزارة الخارجية ماثيو ميلر، تغريدات قال فيها: «لنكن واضحين، إن اتفاق إعادة المواطنين الأميركيين إلى الوطن من إيران ليس له علاقة بالهجوم المروع على إسرائيل».

وقالت داريان واتسون، المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، في بيان: «لم يتم إنفاق سنت واحد من هذه الأموال، وعندما يتم إنفاقها لا يمكن إنفاقها إلا على أشياء مثل الغذاء والدواء للشعب الإيراني». وأضافت: «هذه الأموال ليست لها علاقة على الإطلاق بالهجمات المروعة ضد إسرائيل، وهذا ليس الوقت المناسب لنشر معلومات مضللة».

بايدن يصافح نتنياهو خلال لقائهما على هامش الدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة 20 سبتمبر (أ.ف.ب)

فشل استخباراتي

واعترفت إسرائيل بأن الهجمات التي شنها مقاتلو «حماس» كشفت عن قصور في عمل الاستخبارات الإسرائيلية؛ لكن الأوساط السياسية الأميركية حملت تساؤلات حول قصور في عمل الاستخبارات الأميركية أيضاً. وقال بروس ريدل، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، إن ما حدث يعد فشلاً استخباراتياً هائلاً من قبل الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية. ولم تكن هناك توقعات أو تقارير تشير إلى أن واشنطن وتل أبيب كان لديهما معلومات أو توقعات بأن مثل هذا الهجوم محتمل.

وقال جيمس كلابر، المدير السابق للاستخبارات الوطنية، لشبكة «سي إن إن»، السبت، إنه فوجئ بهجمات «حماس» التي «كشفت هشاشة حكومة نتنياهو بشكل مزرٍ»، وأثارت أسئلة في التغطيات الإخبارية الأميركية وفي عواصم العالم، حول كيف ولماذا لم تكتشف أجهزة الاستخبارات في القدس وواشنطن هذا الهجوم الكبير.


مقالات ذات صلة

أجواء «إيجابية» في محادثات القاهرة حول مقترح الوسطاء الجديد

خاص فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب) p-circle

أجواء «إيجابية» في محادثات القاهرة حول مقترح الوسطاء الجديد

وصفت حركة «حماس» اللقاء «الأولي» الذي أجراه وفدها، مع الوسطاء في القاهرة لمناقشة المقترح الجديد بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأنه كان «إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (غزة)
العالم أشخاص يتظاهرون أمام مقر التلفزيون الحكومي في بلغراد بصربيا في 28 أبريل 2026 احتجاجاً على مشاركة إسرائيل في مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (أ.ب)

متظاهرون صرب يطالبون بمقاطعة مسابقة «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل

تجمّع متظاهرون أمام هيئة الإذاعة والتلفزيون الصربية الحكومية، الثلاثاء، للمطالبة بانسحاب صربيا من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بلغراد)
المشرق العربي أشخاص يجلبون مياه الشرب في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين في وسط قطاع غزة 28 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: إسرائيل تستخدم المياه سلاحاً في غزة

حذّرت منظمة «أطباء بلا حدود»، الثلاثاء، من أن إسرائيل تتعمد حرمان أهالي قطاع غزة من الحصول على المياه اللازمة للحياة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
TT

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)

كشفت تقارير إعلامية عن أن لجنة سورية مختصة تعمل على ملف قضائي ضد فادي صقر، القيادي السابق في «قوات الدفاع الوطني»، وهي ميليشيا رديفة كانت تابعة للنظام السابق، بجرائم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وذلك في إطار مسار العدالة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد.

ونشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، الخميس، أن صقر متهم بالتورط في عمليات قتل جماعي وإخفاء قسري للمدنيين، خصوصاً في حي التضامن بدمشق، إلى جانب مناطق أخرى في دمشق.

ولفت التقرير إلى أن تعاون الحكومة السورية الجديدة مع صقر في ملفات أمنية بعد عام 2024 أثار غضباً واسعاً بين الضحايا وذويهم، الذين طالبوا بمحاسبته وعدم منحه أي دور رسمي.

القيادي في الدفاع الوطني بالنظام المخلوع فادي صقر (متداولة)

تعاونت الحكومة السورية الجديدة مع صقر في ملفات أمنية، بعد الإطاحة ببشار الأسد، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، مما أثار غضب الضحايا الذين طالبوا بمحاسبته على جرائمه. وقالت زهرة البرازي، نائبة رئيس اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية والمستشارة في وزارة الخارجية السورية، إن اللجنة تعمل مع الضحايا لبناء قضية ضد صقر. وأوضحت أن «هناك أدلة كافية ضد صقر. لقد كان مفيداً لأسباب معينة، ولكنه لم يعد كذلك. لا أحد فوق القانون».

فحص ما يُعتقد أنها مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق بعد بلاغ من الأهالي 4 فبراير الماضي (الهيئة الوطنية للمفقودين)

وأشار تقرير «الغارديان» إلى أن الإجراءات القضائية ضد قائد الميليشيا السابق علامة فارقة مهمة لسوريا، التي عانت طويلاً في سبيل إرساء العدالة الانتقالية بعد أكثر من عقد من الحرب التي خلّفت مئات الآلاف من القتلى وأدت إلى صراعات في المدن والأحياء.

وسبق أن صرّح خبراء بأن عملية عدالة انتقالية سليمة من شأنها أن تُسهم في الحد من العنف الطائفي في البلاد، التي شهدت مجازر طائفية وعمليات قتل متفرقة منذ سقوط الأسد.

ألقت السلطات السورية القبض، الأسبوع الماضي، على أمجد يوسف، أحد أبرز منفذي «مجازر التضامن».

ووثّقت مقاطع فيديو عُثر عليها في حاسوب محمول لضابط مخابرات سابق وسُرّبت خارج البلاد، مقتل ما يقرب من 300 مدني على يد قوات النظام في حي التضامن عام 2013.

كانت صحيفة «الغارديان» قد كشفت في عام 2022 عن مجموعة من اللقطات أظهرت يوسف وهو يأمر مدنيين معصوبي الأعين بالركض إلى الأمام بينما كان يطلق النار عليهم، ويدفعهم إلى حفرة، ويعدمهم، ويحرق جثثهم.

فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

وأصر سكان التضامن منذ فترة طويلة على وجود عديد من الجناة الآخرين، بمن فيهم أعضاء في قوات الدفاع الوطني بقيادة صقر، طالبوا باحتجاز صقر.

صقر، من جانبه، نفى مسؤوليته عن المجازر. وصرح لصحيفة «الغارديان» بأنه «لم يعلم بالمجزرة إلا من خلال وسائل الإعلام»، وأنه «يثق بالإجراءات القضائية».

وأضاف: «تجب معاقبة كل من تثبت إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية». وتابع: «صمتي حيال الحملات المرفوعة ضدي نابع من رغبتي في عدم التأثير في مسار التحقيقات».

متزعم ميليشيا الدفاع الوطني في عهد نظام الأسد فادي صقر (سوشيال ميديا)

وقال صقر إنه أصبح قائداً لقوات الدفاع الوطني في دمشق في يونيو (حزيران) 2013، أي بعد شهرين من تسجيل لقطات مصورة علنية لإعدامات يوسف للمدنيين قرب الحفرة. ومع ذلك، اطَّلعت صحيفة «الغارديان» على مقاطع فيديو غير منشورة لعمليات قتل إضافية نفَّذها يوسف وعناصر من قوات الدفاع الوطني، بما في ذلك لقطات مصوَّرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، أي بعد أربعة أشهر من تولي صقر منصبه.

وحسب «الغارديان»، بررت الحكومة الجديدة تعاونها مع شخصيات مثل صقر، بالقول إنها تسعى إلى تحقيق التوازن بين ضرورة تحقيق العدالة والاعتبارات العملية لضمان استقرار سوريا خلال مرحلتها الانتقالية. وساعد صقر الحكومة على التواصل مع فلول نظام الأسد الذين شنوا تمرداً محدوداً منذ سقوط الرئيس السوري السابق.

وقالت زهرة البرازي إن إعداد قضية ضد صقر قائمة منذ بضعة أشهر، وخلال هذه الفترة ازدادت التكلفة السياسية لإبقاء قائد الميليشيا السابق في صفوفها، وإن هناك إدراكاً حقيقياً لأن أي مكاسب قد تُجنى منه، مقارنةً بالتوتر الذي كان يخلقه مع الرأي العام، لا تستحق العناء. مضيفةً أن اعتقال يوسف «ساعد على دفع هذه القضية إلى الواجهة».


إنذارات إخلاء توسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان… وغارات مكثفة ترفع حصيلة الضحايا

سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

إنذارات إخلاء توسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان… وغارات مكثفة ترفع حصيلة الضحايا

سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)

وسّعت إسرائيل نطاق «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان إلى مناطق تبعد نحو 22 كيلومتراً عن الحدود في صور والنبطية، عبر إنذارات إخلاء متلاحقة شملت ما يزيد على عشرين بلدة، أدت إلى موجة نزوح إضافية باتجاه مدينة صيدا، قبل أن تترجمها بسلسلة غارات مكثّفة رفعت منسوب الخسائر البشرية ووسّعت رقعة الدمار، في موازاة فرض واقع ميداني جديد يتجاوز حدود «الخط الأصفر».

سكان ورؤساء بلديات ورجل دين من جنوب لبنان خلال اعتصام في ساحة الشهداء تنديداً بتدمير منازلهم (أ.ف.ب)

إنذارات متلاحقة وتوسّع جغرافي

أصدر الجيش الإسرائيلي الخميس، سلسلة تحذيرات عاجلة لسكان بلدات جنوبية بضرورة الإخلاء الفوري، شملت في مرحلتين قرى في صور والنبطية، ما عكس توسيعاً واضحاً لدائرة العمليات.

وضمّ الإنذار الأول بلدات السماعية، والحنية، والقليلة، ووادي جيلو، والكنيسة، وكفرا، ومجدل زون وصديقين، قبل أن تتعرض هذه المناطق لضربات مباشرة عقب التحذير.

وفي إنذار ثانٍ، وسّع الجيش الإسرائيلي دائرة التحذيرات لتشمل جبشيت، وحبوش، وحاروف، وكفر جوز، والنبطية الفوقا، وعبا، وعدشيت الشقيف، وعرب صاليم، وتول، وحومين الفوقا، (قضاء النبطية)، والمجادل، وأرزون، ودونين، والحميري ومعروب (قضاء صور). ودعا المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي السكان إلى الابتعاد لمسافة لا تقل عن ألف متر.

وتحدثت مصادر أوساط جنوبية لـ«الشرق الأوسط» عن نشوء «منطقة حمراء» موسعة، تحاذي «الخط الأصفر»، تمتد إلى محيط النبطية على مساحة تتجاوز 35 كيلومتراً عرضاً، وتتعمق لنحو 25 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، وتشمل عشرات القرى التي باتت عُرضة للقصف أو لإنذارات الإخلاء، ما أدى إلى موجات نزوح كبيرة.

وقد شهد الطريق من الجنوب باتجاه مدينتي صيدا وبيروت موجة نزوح جديدة، خصوصاً من النبطية ومحيطها، وذلك عقب التهديد الأخير الذي نشره أدرعي.

غارات تواكب الإنذارات

ترافقت التحذيرات مع ضربات مباشرة، حيث استهدفت غارات عدداً من البلدات المشمولة بها. كما استهدفت مسيّرة دراجة نارية في بلدة الشهابية، ما أدى إلى سقوط قتيلين وجريح، في حين شنّ الطيران الحربي غارة على حي آل حمزة بين النبطية الفوقا وكفررمان.

ونفّذت القوات الإسرائيلية تفجيراً فجراً في بلدة الخيام، في وقت تواصلت فيه الغارات على مناطق عدة، بينها تولين والجميجمة، إضافة إلى قصف أصاب صفد البطيخ وزبقين وجبال البطم وقبريخا وخربة سلم.

تصاعد الدخان من جنوب لبنان إثر غارات إسرائيلية (رويترز)

وفي بنت جبيل، أصابت التفجيرات منازل وبنى تحتية في منطقة خلة المشتى، فيما دمّرت غارة منزلاً تراثياً في النبطية الفوقا يعود لأكثر من مائة عام. كما أدت غارة على باتوليه إلى تدمير محطة المياه، ما تسبب في توقف الضخ للسكان.

حصيلة بشرية مرتفعة

أفادت المعطيات بسقوط 42 قتيلاً خلال 24 ساعة، ليرتفع عدد الضحايا منذ 2 مارس (آذار) إلى 2576 قتيلاً و7962 جريحاً.

وفي حصيلة تفصيلية، أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة سقوط 9 قتلى، بينهم طفلان وخمس سيدات، و23 جريحاً بينهم 8 أطفال و7 سيدات.

كما سُجّل سقوط 7 قتلى في غارة استهدفت بلدة زبدين، في إطار استمرار الضربات على قرى النبطية.

كما استأنفت فرق الدفاع المدني عمليات البحث في بلدة جويا عن مفقودين، بعد انتشال خمس جثث، في حين انهار منزل في الحنية فوق ساكنيه وسط صعوبات في وصول فرق الإنقاذ. وسُجل أيضاً خرق للطيران الحربي الإسرائيلي لجدار الصوت فوق منطقة البقاع، ما أحدث دوياً قوياً بعد الظهر.

تصعيد متبادل بالمسيّرات

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف أربع دبابات «ميركافا» في بنت جبيل والقنطرة باستخدام مسيّرات انقضاضية، مؤكداً تحقيق إصابات مباشرة، إضافة إلى استهداف مدفعية جنوب بلدة يارين.

كما أعلن إسقاط مسيّرة إسرائيلية من طراز «هرمز 450» بصاروخ أرض - جو فوق أجواء النبطية، وهو ما أقرّ به الجيش الإسرائيلي.

وأعلن الجيش الإسرائيلي إصابة 12 جندياً نتيجة استهداف آلية عسكرية بمسيّرة انقضاضية في شوميرا، مشيراً إلى تنفيذ عمليات ضد عناصر «حزب الله» وتفكيك مواقع إطلاق صواريخ.

لا وقف لإطلاق النار فعلياً

ميدانياً، أكد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، خلال جولة في محيط الطيبة، أن القوات الإسرائيلية ستبقى متمركزة عند «الخط الأصفر»، ولن تنسحب قبل ضمان أمن مستوطنات الشمال، مشدداً على أنه «لا وقف لإطلاق النار في جبهة القتال».

دمار واسع عند نقطة عبور في بلدة كفركلا جنوب لبنان (رويترز)

وكشفت هيئة البث الإسرائيلية عن نقاش دار بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، حيث دعا ترمب إلى مزيد من الحذر في العمليات داخل لبنان، محذراً من أن استهداف المباني يضر بصورة إسرائيل دولياً.

وأشار إلى جهود لمنع انهيار وقف إطلاق النار خلال الأسبوعين المقبلين، في وقت طلبت فيه إسرائيل تحديد إطار زمني للمفاوضات حتى منتصف مايو (أيار)، عادّاً أن «(حزب الله) هو المشكلة، وأن إنهاء نفوذ إيران قد يفتح الباب أمام استقرار لبنان».


أجواء «إيجابية» في محادثات القاهرة حول مقترح الوسطاء الجديد

فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)
فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)
TT

أجواء «إيجابية» في محادثات القاهرة حول مقترح الوسطاء الجديد

فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)
فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)

وصفت حركة «حماس» اللقاء «الأولي» الذي أجراه وفدها، مساء الأربعاء، مع الوسطاء في مصر لمناقشة المقترح الجديد بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بأنه كان «إيجابياً».

واطلعت «الشرق الأوسط» على رسالة وجّهتها «حماس» إلى الفصائل الفلسطينية، جاء فيها أنه كان «لقاءً أولياً صريحاً وواضحاً، وموجزاً، بأجواء إيجابية».

ونقلت الرسالة من «حماس» إلى الفصائل أن وفد الحركة أبلغ الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وفريقه، بأنه «لا بد من تنفيذ واضح للمرحلة الأولى قبل الحديث عن المرحلة الثانية»، مذكّرة بأن «هذا الموقف بالأساس تبنته الحركة والفصائل الفلسطينية». ووفقاً للرسالة، فإن «الوسطاء في انتظار رد إسرائيل كي تتضح الخطوات اللاحقة».

محاولة عرقلة إسرائيلية ومقاربات

وأكد مصدر قيادي في «حماس» محتوى الرسالة، وأن «الأجواء كانت إيجابية» خلال لقاءات عُقدت مع الوسطاء، مساء الأربعاء، مشيراً إلى أن لقاء آخر «عُقد في ساعة متأخرة من ذات المساء مع ملادينوف وشخصيات أخرى».

وبحسب المصدر، فإن ملادينوف الذي وصل إلى القاهرة من إسرائيل، ظهر الثلاثاء، كان يحمل موقفاً إسرائيلياً من الورقة المقدمة مؤخراً والمحدّثة فيما يتعلق بالمرحلتين الأولى والثانية، مشيراً إلى أن لقاءات أخرى ستُعقد الخميس.

فلسطينيون نازحون يودّعون جثامين 4 أشخاص قُتلوا بغارة إسرائيلية استهدفت مركبة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

وعبّر المصدر عن اعتقاده بأن «إسرائيل ما زالت تحاول عرقلة الاتفاق من خلال محاولة فرض بعض الشروط المتعلقة بربط أي تقدم في الاتفاق بنزع السلاح، والحصول على موافقة موقّعة من (حماس) والفصائل على ذلك، وهو أمر ترفضه الفصائل جميعها المشاركة في الحوارات بالقاهرة».

وبيّن المصدر أن «هناك محاولات من الوسطاء وملادينوف من أجل إيجاد مقاربات، وهو أمر قد يتحقق من خلال اللقاءات التي ستستمر حتى الجمعة، وفق الجدول المفترض لذلك».

ملاحظات من فصائل اليسار

ورغم «الإيجابية» التي تتحدث عنها «حماس» مع مطالباتها بوضع جدول زمني واضح للتنفيذ ووجود ضمانات حقيقية؛ فإن بعض الفصائل، وخاصةً من اليسار الفلسطيني المنضوية تحت «منظمة التحرير»، قدمت خلال لقاءات مع وفد الحركة سلسلة من الملاحظات المتعلقة بورقة الوسطاء الأخيرة، والتي كانت «الشرق الأوسط» كشفت تفاصيلها.

ووفقاً لمصدر قيادي من فصائل اليسار، فإن ملاحظاتها ركزت على «غياب جدول زمني ملزم للانسحاب الإسرائيلي، مع وجود آلية رقابة واضحة، وإعداد جدول واضح للمرحلة الثانية، وتقليص الدور الوطني الفلسطيني لصالح إدارة دولية، والغموض في آليات تنفيذ المرحلة الأولى، وربط الإعمار بنزع السلاح، وإغفال المناطق الواقعة خلف (الخط الأصفر) في خطط الإعمار».

واقترحت فصائل اليسار الفلسطيني أن يكون «حق تقرير المصير والدولة الفلسطينية وفق الشرعية الدولية، وأن تباشر اللجنة الإدارية للقطاع مهامها منذ المرحلة الأولى، وأن يتم تحييد السلاح باتفاق وطني في إطار ترتيبات أمنية، وبإشراف الدول الضامنة، وخاصةً مصر، واعتباره وديعة لديها».

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وطرحت الفصائل اليسارية كذلك أن «يتزامن تحييد السلاح مع انسحاب إسرائيلي كامل، ونزع سلاح العصابات المسلحة المرتبطة به، وانتشار القوات الدولية بدءاً من (الخط الأصفر) واستكماله بعد الانسحاب، وتوفير ضمانات دولية لتنفيذ الانسحاب والإعمار، مع ضمان بدء الإعمار في كل المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية بشكل كامل، بما فيها خلف (الخط الأصفر)، وإطلاق خطة التعافي المبكّر مع بداية تنفيذ ما تبقى من المرحلة الأولى».

وشدد المقترح على «ضمان حرية العمل السياسي والمدني وفق القوانين الوطنية، وأي ترتيبات في غزة يجب ألا تتعارض مع قوانين السلطة الفلسطينية، وتعزيز التوافق الوطني، ومعالجة ملف العصابات المسلحة عبر مسار خاص، مع إمكانية دمجها بالأجهزة الرسمية، وإيجاد حل شامل لملف الأسرى، خاصةً ممن هم من سكان قطاع غزة، وربط أي ترتيبات لتحييد السلاح بحل هذا الملف».

وقال المصدر من «حماس» إن الملاحظات التي قدمتها الفصائل تم الأخذ بها ونقلها للوسطاء وملادينوف، مشيراً إلى أن هناك بعض البنود بالأساس متفق عليها، مثل دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة في المرحلة الأولى في أقرب وقت.

ورجّح أن يتم السماح بدخول أعضاء اللجنة خلال الفترة القليلة المقبلة، مشيراً إلى أن هناك بوادر إيجابية في هذا الشأن ضمن الردود الإسرائيلية المتاحة لذلك.