هل ينغلق الأفق السياسي أم ينفتح بعد هجوم غزة؟

دمار جراء غارات إسرائيلية على مدينة غزة، السبت (أ.ف.ب)
دمار جراء غارات إسرائيلية على مدينة غزة، السبت (أ.ف.ب)
TT

هل ينغلق الأفق السياسي أم ينفتح بعد هجوم غزة؟

دمار جراء غارات إسرائيلية على مدينة غزة، السبت (أ.ف.ب)
دمار جراء غارات إسرائيلية على مدينة غزة، السبت (أ.ف.ب)

لكل عملية حربية هدف سياسي، باستثناء العملية التي تدور رحاها بين إسرائيل و«حماس». فلا «حماس» تضع أهدافاً سياسية محددة ترمي إليها، ولا حكومة إسرائيل تضع هدفاً سياسياً واضحاً عندما أعلنت أنها في حالة حرب رداً على هجوم «حماس» على محيط قطاع غزة.

قال رئيس «حماس» إسماعيل هنية: «نخوض معركة الشرف والمقاومة والكرامة للدفاع عن المسرى والأقصى تحت العنوان الذي أعلنه الأخ القائد العام أبو خالد (محمد) الضيف (طوفان الأقصى)، هذا الطوفان بدأ من غزة وسوف يمتد للضفة والخارج وكل مكان يوجد فيه شعبنا وأمتنا». واعتبر أن عملية «حماس» جاءت رداً على ممارسات إسرائيل.

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فقال: «نحن في حالة حرب، ليس في عملية، وليس في جولات، وإنما في حالة حرب. صباح اليوم نفذت (حماس) هجوماً دموياً مباغتاً ضد إسرائيل وضد مواطنيها. نحن منشغلون بهذا منذ ساعات الصباح الباكر». وراح يشرح كيف تصرف كقائد مسؤول، وأنه منذ الصباح يجري مشاورات، وأنه أعطى تعليمات لإعادة الوضع السابق قبل الهجوم، أي تحرير البلدات التي سيطر عليها رجال «حماس» واحتجزوا فيها الرهائن، وبعدها سيتم الانتقام من خلال «معاقبة من أقدموا على هذه العملية». والأمر السياسي الذي ذكره هو دعوة الجمهور إلى وحدة الصفوف وراءه. وقد فُهم القصد من هذا بوضوح؛ وقف حملة الاحتجاج ضد حكومته واستعادة شعبيته المفقودة. وبطبيعة الحال، فإن الحرب هي أقصر الطرق أمام إعادة القوة لشعبية نتنياهو.

تقاطع طرق تسلل إليه مقاتلو «حماس» في سيدروت، السبت (رويترز)

ولكن هذا لا يتم بشكل تلقائي. فإذا انتهت هذه الحرب بخيبة إسرائيلية، يمكن أن تأتي النتيجة عكسية. فقد سبق أن حصل الأمر في سنة 1973، حيث فوجئت إسرائيل بالهجوم المصري - السوري المشترك لتحرير الأراضي المحتلة، وأقامت الحكومة لجنة تحقيق رسمية خرجت باستنتاج يبرّئ القيادة السياسية ويدين الجيش باعتباره المسؤول عن الإخفاق. لكن الشعب خرج إلى الشوارع في مظاهرات صاخبة، واضطرت حكومة غولدا مائير إلى الاستقالة.

كيف تنتهي حرب غزة؟

فكيف ستنتهي هذه الحرب؟ هل سيكون الانتقام الإسرائيلي بإسقاط حكم «حماس»؟ هل ستقدم إسرائيل على اجتياح بري لقطاع غزة؟ وإذا حصل هذا الاجتياح، هل هناك ما يضمن ألا يتحول إلى ورطة إسرائيلية، تسفر عن مزيد من القتلى والأسرى؟ وقد توجهت حكومة إسرائيل إلى «حزب الله»، عبر الوسطاء الفرنسيين وغيرهم، تؤكد أنها غير معنية بمحاربته. لكن كثيراً من المسؤولين في المخابرات والجيش لا يؤمنون بأن «حزب الله» سيقف هذه المرة أيضاً خارج الحرب مع قطاع غزة. بل نُقل على لسان أحد الوزراء الإسرائيليين قوله إنه يخشى أن تكون حرب غزة محاولة للتغطية على حرب أكبر وأوسع، يشارك فيها «حزب الله»، وإلى جانبه ميليشيات إيرانية أخرى، تعمل في سوريا والعراق واليمن.

كما أعرب عن خشيته من أن تؤدي حرب غزة، في حال اتساعها، إلى زيادة الملفات في محكمة العدل الدولية ضد جرائم حرب ترتكبها إسرائيل، وإلى حدوث انعطافة في مواقف الدول الغربية، فإذا كان قادة الحكومات قد خرجوا بإدانة «حماس» على حربها، فلا يستبعد أن يخرج جمهورهم إلى الشوارع يتظاهر ضد إسرائيل. ويعتقد إسرائيليون كثيرون أن التيار اليساري في الحزب الديمقراطي الأميركي يتخذ موقفاً حاداً ضد حكومة إسرائيل، ويمكن أن يؤثر على الإدارة الأميركية. وهناك خشية في إسرائيل من أن تشوش هذه الحرب على مشروع توسيع اتفاقيات إبراهيم، إذ إن كثيرين في العالم العربي والإسلامي يتهمون إسرائيل بالمسؤولية عن وصول الأمور إلى الوضع الذي وصلت إليه. ويشير هؤلاء بأصابع الاتهام إلى حكومة اليمين المتطرف وقيادة الاستيطان بالمسؤولية عن التدهور، من جراء اقتحامات الأقصى واعتداءات المستوطنين وتوسيع الاستيطان وإساءة شروط معيشة الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

فلسطينيون يفرون من مدينة غزة قبل بدء الضربات الإسرائيلية اليوم (أ.ف.ب)

حتى لو لم تتسع الحرب إلى جبهات أخرى، واقتصرت على الساحة الفلسطينية، وفي حال الاستمرار في «معاقبة أصحاب الهجوم على إسرائيل»، كما وعد نتنياهو، وطالت مدة القتال، وترافقت مع تدمير عمارات وحصد أرواح مئات الفلسطينيين، كما سبق أن حصل في جولات أخرى، ومع قيام المستوطنين في الضفة الغربية بارتكاب اعتداءات دموية ضد الفلسطينيين، فإن النتيجة لن تساعد نتنياهو ولا جيشه على الخروج من المأزق، وقد تكون النتيجة وبالاً على كليهما.

فراغ الزعامة في إسرائيل

في مثل هذه المعضلات تنشأ حاجة ملحة لزعماء أقوياء بمقدورهم اتخاذ قرارات شجاعة تحدث انعطافاً في الموقف وفي الأحداث. ومع الحكومة الإسرائيلية الحالية، يعدّ هذا الأمر مستبعداً جداً. حتى لو أراد نتنياهو أن يكون تلك الشخصية، فإن الحكومة التي أقامها، تقيّده بأغلال ثقيلة جداً، إذ إنها حكومة تنتهج سياسة تغلق الأفق السياسي ببوابة من الفولاذ.

وإن نجح الأميركيون في خطتهم لتغيير تركيبة الحكومة وإدخال بيني غانتس إليها، وإخراج حزب المتطرفين، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، منها، فسيكون على نتنياهو الإقدام على خطوات تعيد فتح الأفق السياسي الإقليمي، والسعي لإنهاء الصراع بحلول واقعية. فالسياسة التي تتبعها إسرائيل حتى الآن وعنوانها «إدارة الصراع»، جُرّبت بما في الكفاية على مدى 75 عاماً، والتهرب من التسوية ومستلزماتها سيعود على الأرجح بمزيد من التورط في حروب وإخفاقات.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

المشرق العربي أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن إسرائيل وافقت على دخول شركة أميركية إلى غزة، لبدء خطوات تتعلق بمواقع يفترض أن تسلِّم حركة «حماس» سلاحها فيها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية بالقدس في يونيو الماضي (رويترز)

«إسرائيل تُدار مثل المافيا»... اتهامات جديدة لنتنياهو بالتزوير

بعدما كشف السكرتير العسكري السابق لنتنياهو عن تزويره بروتوكولات ووثائق تتعلق بـ«7 أكتوبر»، هاجمه مدير سابق لمكتبه، وقال إن «إسرائيل تدار بأسلوب عمل المافيا».

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي فتاة فلسطينية تصعد درجاً في مبنى مدمر استُهدف بغارات جوية إسرائيلية بمنطقة الزوايدة وسط قطاع غزة الأحد (أ.ف.ب)

إسرائيل توسّع «الخط الأصفر» مجدداً... وتكثّف الغارات في عمق غزة

وسّعت إسرائيل حدود «الخط الأصفر» الافتراضي الفاصل بين مناطق تحتلها وأخرى تسيطر عليها «حماس»، الأحد، قبالة مدينتَي غزة ودير البلح بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي لافتة عن الانتخابات التشريعية الفلسطينية في شارع قرب مدينة جنين بالضفة الغربية (أرشيفية - إ.ب.أ)

عباس يصدر مرسوماً بانتخابات رئاسية وتشريعية في سبتمبر 2027

أجّل الرئيس الفلسطيني محمود عباس الانتخابات التشريعية رسمياً وعوضها برئاسية وتشريعية متزامنة في مرسوم استهدف إرضاء الفرنسيين والمجتمع الدولي

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي خلال تشييع قتيل سقط بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (أ.ب)

غارات إسرائيلية متواصلة توقع قتلى وجرحى في غزة

قُتل 7 فلسطينيين بهجمات إسرائيلية استهدفت مناطق عدة في قطاع غزة، تزامناً مع عمليات قصف مدفعي ونسف طالت مناطق على جانبي الخط الأصفر.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)
أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)
أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)

ذكرت هيئة البث الإسرائيلية العامة (كان)، مساء الأحد، أن إسرائيل وافقت، أخيراً، على دخول الشركة الأميركية المكلَّفة من قِبل «مجلس السلام» إلى قطاع غزة، خلال الأيام القليلة المقبلة، لبدء خطوات تتعلق بمواقع يُفترض أن تسلِّم حركة «حماس» سلاحها فيها.

وقالت في تقرير مساء الأحد، إن الشركة «ستبدأ في البحث، ومسح عدة مواقع، يمكن لـ(حماس) تسليم البنادق والأسلحة فيها، لإتلافها». وأكدت أن تسليم سلاح «حماس» يعد من النقاط الرئيسية في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحسب التقرير، سيدخل فريق الشركة الأميركية إلى مواقع تخضع للسيطرة الإسرائيلية في منطقتَي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة، على أن يُجري مسحاً ميدانياً «لتحديد مجمعات تضمن وصول الغزيين المسلحين إليها، وذلك تحت (إشراف أمني) ما من الجيش الإسرائيلي».

ولم تُحدَّد بعد آلية التسليم، وكيف سيُسلِّم مسلحو الحركة في غزة سلاحهم «من دون أن يشكلوا تهديداً لقوات الجيش الإسرائيلي».

وقال مسؤول أمني وصفه التقرير برفيع المستوى، إن واشنطن «تمارس ضغوطاً شديدة على إسرائيل للمضي قدماً في الخطة، رغم تشاؤم إسرائيل بشأن نجاحها، ورغم إعلان (حماس) ظاهرياً نيتها التخلي عن السلاح، إلا أنها في الواقع تعيد بناء قوتها في القطاع».

وتروِّج أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية -وفق التقرير- أن حركة «حماس» تكثِّف استعداداتها لاحتمال تجدد القتال في قطاع غزة، مستغلة الفترة الحالية لإعادة بناء قدراتها وتجميع السلاح، على أساس تقدير لدى الحركة بأن إسرائيل لن تحصل قبل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية على ضوء أخضر أميركي، للعودة إلى العمليات العسكرية الواسعة في القطاع.

وكانت صحيفة «معاريف» قد نشرت الاثنين الماضي أن «صورة استخباراتية عُرضت على المستوى السياسي الإسرائيلي، تشير إلى أن (حماس) تعمل على تخزين السلاح ونقله، في إطار استعدادها لاحتمال تغيُّر الظروف السياسية بعد الانتخابات، واتساع هامش العمل العسكري الإسرائيلي في غزة».


زيتون جنوب لبنان في مرمى النيران الإسرائيلية

مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
TT

زيتون جنوب لبنان في مرمى النيران الإسرائيلية

مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

حوّل الاستهداف الإسرائيلي لمؤهل أول متقاعد في الجيش اللبناني أثناء تفقده منزله وكرم الزيتون في بلدة ياطر، الأحد، موسم القطاف في جنوب لبنان إلى عنوان جديد للمخاطر التي تواجه المزارعين عند الوصول إلى أراضيهم. وتتزامن الحادثة مع استمرار حرمان أهالي قرى حدودية من مواسمهم منذ نحو ثلاث سنوات، ومع شكوى أمام القضاء الفرنسي تتهم الجيش الإسرائيلي باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون معمّرة في زوطر الشرقية، في وقت يحذّر مسؤولون محليون من تداعيات اقتصادية واجتماعية تتجاوز خسارة المحاصيل.

استهداف أثناء تفقد الأرض

أعلن الجيش اللبناني، الأحد، مقتل المؤهل الأول المتقاعد علي عبد الحسن سويدان، وهو في العقد السابع من العمر، إثر استهدافه مباشرة بدبابة إسرائيلية أثناء تفقد ممتلكاته في بلدة ياطر بقضاء بنت جبيل، مشيراً إلى أن وحدة عسكرية واكبت سحب جثمانه بعد فقدان الاتصال به. وأوضحت بلدية ياطر أنه كان يتفقد منزله وكرم الزيتون على أطراف البلدة عندما تعرَّض للقصف من ناحية صربين، محذّرة الأهالي من بلوغ الأطراف غير الآمنة.

وتعيد الحادثة إلى الواجهة الصعوبات التي تعترض الوصول إلى الحقول في موسم اعتادت فيه العائلات التوجه إلى كرومها لجمع المحصول، بعدما صار الانتقال إلى أجزاء من الأراضي الزراعية محفوفاً بمخاطر أمنية متواصلة.

متطوعون من محافظة عكار (أقصى شمال لبنان) ومدينة صيدا يشاركون في مبادرة لقطف الزيتون بقرية جبشيت الجنوبية 11 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

600 شجرة في دعوى قضائية

في باريس تقدّم رجل أعمال فرنسي من أصل لبناني، يبلغ 37 عاماً، بشكوى ضد مجهولين في 22 سبتمبر (أيلول)، يتهم فيها الجيش الإسرائيلي باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون من أرض عائلته في زوطر الشرقية. وحسب ما أعلنه محاموه ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، فإن بعض الأشجار يبلغ عمرها نحو 500 عام، وتزرع العائلة الأرض منذ 250 عاماً.

وتتناول الشكوى اتهامات بالسرقة والتدمير والإضرار بالممتلكات بوصفها جرائم حرب محتملة، في حين يشتبه مقدّمها في نقل الأشجار إلى إسرائيل من دون ثبوت ذلك قضائياً. ويقول إن منزل عائلته دُمّر بغارة إسرائيلية في أبريل (نيسان)، قبل اقتلاع الأشجار بعد سيطرة القوات الإسرائيلية على المنطقة.

نصف الحقول خارج متناول أصحابها

يقول رئيس بلدية رميش حنا العميل لـ«الشرق الأوسط»: «منذ بداية الحرب، قبل نحو ثلاث سنوات، حُرمنا من الوصول إلى جزء كبير من حقول الزيتون؛ لأن معظمها يقع بمحاذاة الحدود، حيث لا تتوافر الظروف الأمنية التي تسمح للأهالي بالوصول إليها وقطاف محاصيلها. وحتى اليوم، لا نعرف ما إذا كنا سنتمكن من قطاف الزيتون هذا العام، خصوصاً أننا لم نبدأ الموسم بعد، ولا تزال المخاطر الأمنية تحول دون الوصول إلى الأراضي».

ويوضح أن «نحو ثلاثة أرباع أراضي رميش تقع بمحاذاة الحدود، وأكثر من 50 في المائة من حقول الزيتون لم يتمكن أصحابها من قطافها طوال السنوات الثلاث الماضية»، لافتاً إلى أن «استمرار هذا الواقع يحرم العائلات من مورد رزق أساسي، في وقت تعاني فيه البلدة أوضاعاً اقتصادية بالغة الصعوبة نتيجة الحرب وتوقف الكثير من الأعمال».

متطوعون من محافظة عكار (أقصى شمال لبنان) ومدينة صيدا في مبادرة تضامنية لقطاف الزيتون بقرية جبشيت الجنوبية 11 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

ويضيف أن «الخسائر الزراعية لا تقتصر على الزيتون، بل تشمل أيضاً زراعة التبغ، التي تشكل النشاط الزراعي الأول في رميش، تليها زراعة الزيتون»، موضحاً أن «إنتاج التبغ هذا العام بلغ نحو 60 في المائة مما كان عليه قبل الحرب؛ ما يعني خسارة جزء كبير من المداخيل التي كانت تعتمد عليها العائلات».

وشدد العميل على أن «علاقة أبناء الجنوب بشجرة الزيتون تتجاوز قيمتها المادية ومردودها الاقتصادي، فهي جزء من تاريخنا وارتباطنا بأرضنا. زرعها أجدادنا، وواصل آباؤنا الاعتناء بها، ونحن نكمل هذه المسيرة، ونريد أن نورّثها لأبنائنا وأحفادنا ليواصلوا الاهتمام بها. إنها شجرة مباركة ورمز للسلام، فضلاً عن كونها مصدر رزق تنتظره عائلات كثيرة، خصوصاً في هذه الظروف الصعبة».

ويحذر العميل من التداعيات الاقتصادية المحتملة مع اقتراب انتهاء مهمة «يونيفيل»، قائلاً: «نعيش وضعاً اقتصادياً سيئاً جداً، وما يقلقنا أكثر هو المستقبل. نحن اليوم غير قادرين على استثمار أراضينا الزراعية، ومع انتهاء مهمة (يونيفيل)، نخشى أن يتدهور الوضع الاقتصادي أكثر فأكثر، وأن ينعكس ذلك سلباً على صمود الأهالي، وصولاً إلى نزوح اقتصادي يضطر فيه السكان إلى مغادرة بلداتهم بحثاً عن مصادر رزق».

امرأة لبنانية تقطف الزيتون في قرية «زوطر الغربية» بجنوب لبنان بالقرب من «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

ذاكرة عائلات وأجيال

ويؤكد رئيس بلدية زوطر الشرقية محمد إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» أن «أشجار الزيتون في البلدة ليست مجرد أشجار أو مصدر رزق، بل هي تراث وتاريخ وذكريات أجيال، تحتضن الروابي والحقول، وتظلّل أزقة زوطر، وتنشر نسمات باردة تخفف من قيظ الصيف»، مشيراً إلى أنها «تشكل مصدر رزق للأهالي، ويستمد منها جزء كبير من أبناء البلدة حطب التدفئة».

ويقول إن «موسم قطاف الزيتون يشكل مناسبة سنوية تجتمع فيها العائلات بأكملها، كباراً وصغاراً، ليس لجمع المحصول فحسب، بل لتجديد الصلة بالأرض والأجداد الذين زرعوا هذه الأشجار واعتنوا بها، ولإبقاء الذاكرة المتوارثة بين الأجيال حية».

ويضيف: «اليوم، يأتي المحتل لينزع منا الروح، وليقطع صلتنا بالتاريخ والأجداد والحياة. يريد أن يمحو أثر الحياة من نفوسنا وعقولنا، وأن يمسح من ذاكرتنا عبقها»، عادَّاً أن «ما يجري لا يقتصر على اقتلاع الأشجار، بل هو اقتلاع للقلوب من الصدور، ومحاولة لاقتلاع ذاكرة الأهالي وارتباطهم بأرضهم»، ومؤكداً: «لن ننسى، لن نستسلم. سنعود ونعيد الحياة إلى قريتنا، وبدل الشجرة سنزرع عشر أشجار».

الزيتون جزء من الهوية

يقول نائب رئيس بلدية ياطر إبراهيم سويدان لـ«الشرق الأوسط» إن «كروم الزيتون أصبحت جزءاً من هوية الجنوب، وشجرة الزيتون ليست مجرد شجرة بالنسبة إلى الجنوبي، بل هي جزء من هويته وانتمائه إلى أرضه»، عادَّاً أن «أكبر دليل على هذا التعلّق هو عودة الجنوبيين إلى قراهم ومنازلهم، رغم الظروف الأمنية الصعبة، وإصرارهم على البقاء فيها والتمسك بأرضهم».

مزارع لبناني يعرض ثمار الزيتون التي تم قطفها بقرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

ويرى أن «استهداف أشجار الزيتون واقتلاعها يحمل دلالات تتجاوز الأضرار الزراعية المباشرة؛ إذ إن الانتقام من شجرة الزيتون هو في جوهره استهداف لما تمثّله من رمزية وهوية وانتماء».

ويشير سويدان إلى أن «بلدة ياطر تعرَّضت خلال العدوان الأخير لدمار كبير طال المؤسسات والمرافق العامة، وبينها مبنى البلدية والمدرسة والمنشآت الاجتماعية وقاعات المناسبات، فضلاً عن منظومات الطاقة الشمسية وشبكة الكهرباء التي تعرضت لأضرار واسعة»، عادَّاً أن «استهداف الأراضي الزراعية والمرافق العامة والمنازل يندرج في سياق واحد، يقوم على ضرب مقوّمات بقاء السكان في قراهم، ومحاولة المساس بكل ما يربط الجنوبي بأرضه وهويته».

ويشدد على أن «أهالي الجنوب أثبتوا، رغم الاعتداءات والدمار والظروف الأمنية الصعبة، أنهم متمسكون بأرضهم وقراهم، وأن لديهم من الصمود والتعلّق بأرضهم وهويتهم ما يكفي لمواجهة هذه الظروف والاستمرار فيها».


السلطات اللبنانية تضبط مجدداً مواد متفجرة مهرّبة من سوريا

صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)
صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)
TT

السلطات اللبنانية تضبط مجدداً مواد متفجرة مهرّبة من سوريا

صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)
صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)

أعلن الجيش اللبناني، الاثنين، ضبط مواد متفجرة بزنة نحو مئتي كيلوغرام في شرق البلاد، مهرّبة من سوريا المجاورة، وذلك بعد ساعات من تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام، أن السلطات ستتعامل بحزم مع أي سلاح خارج إطار الشرعية، على خلفية ضبط شحنة أخرى قبل أيام يُشتبه بارتباطها بجماعة «حزب الله»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهي المرة الثالثة التي تُحبط فيها السلطات اللبنانية تهريب مواد متفجرة شديدة الانفجار منذ مطلع الشهر الحالي. وتمّ في المرّة الأولى توقيف رجلين مرتبطين بـ«حزب الله» خلال العملية.

وفي بيان بعد ظهر الاثنين، أعلن الجيش اللبناني أنه ضبط «في منطقة القصر في الهرمل (شرق) نحو مئتي كيلوغرام من المواد المتفجرة، موضّبة داخل أكياس ومعدّة للتهريب من الأراضي السورية إلى الأراضي اللبنانية».

وذكر البيان أن المهرّبين تمكّنوا من الفرار إلى داخل الأراضي السورية.

وقال مصدر قضائي لوكالة الصحافة الفرنسية إن المواد المتفجرة، وهي من «مادة (سي فور) كانت تُنقل بواسطة حمار عبر معبر غير شرعي في بلدة القصر».

وسبق للجيش اللبناني أن أعلن مطلع الشهر الحالي ضبط ربع طن من مادة «تي إن تي» الشديدة الانفجار، بعد تهريبها من الجانب السوري، مشيراً أيضاً إلى فرار المهربين إلى سوريا.

وأفاد مصدر قضائي لبناني «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت، بأن القوات الأمنية في منطقة ضهر البيدر على الطريق الدولي المؤدي إلى سوريا، أوقفت، الخميس، رجلين يُشتبه بانتمائهما إلى «حزب الله» في أثناء نقلهما 500 كيلوغرام من المواد المتفجرة، موزَّعة بين «250 كيلوغراماً من المتفجرات من نوع (تي إن تي)، و250 كيلوغراماً من نوع (سي فور) الشديد الانفجار».

وعلّق رئيس الحكومة نواف سلام، الاثنين، على هذه العملية التي تمّ خلالها ضبط «مئات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة» على متن شاحنة، وقال في منشور على منصة «إكس»، «لن نتهاون في متابعة التحقيق والتوسّع فيه، للوصول إلى تحديد هوية كل المتورطين في هذه العملية الإجرامية، ومن وراءهم، والكشف عن مخططاتهم وأهدافهم» ومقاضاتهم.

وأضاف أن حكومته «ستتعامل بالحزم المطلوب مع أي سلاح خارج إطار الشرعية، حيازةً ونقلاً واستخداماً».

وأقرّت الحكومة اللبنانية عام 2024 خطة لنزع سلاح «حزب الله» وكلّفت الجيش بتنفيذها.

ويعمل الجانبان، اللبناني والسوري، على ضبط التهريب عبر حدودهما المشتركة الممتدة على طول 330 كيلومتراً، والتي تضم عشرات المعابر غير الشرعية.

واعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي، الاثنين، قراراً بإنشاء بعثة دعم تابعة للاتحاد الأوروبي في لبنان، على أن تُقدِّم، وفق ما أورد في بيان، «المشورة والمساعدة للقوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي لتعزيز سيطرتها على أراضيها وأمن الحدود، والأمن الداخلي».