حقوق المودعين تهدد اتفاق لبنان النهائي مع «صندوق النقد»

معارضة نيابية واسعة لنظرية «شطب الودائع»

أحد المودعين يحاول الحصول على أمواله بعد اقتحامه مصرفاً في بيروت في يوليو الماضي (د.ب.أ)
أحد المودعين يحاول الحصول على أمواله بعد اقتحامه مصرفاً في بيروت في يوليو الماضي (د.ب.أ)
TT

حقوق المودعين تهدد اتفاق لبنان النهائي مع «صندوق النقد»

أحد المودعين يحاول الحصول على أمواله بعد اقتحامه مصرفاً في بيروت في يوليو الماضي (د.ب.أ)
أحد المودعين يحاول الحصول على أمواله بعد اقتحامه مصرفاً في بيروت في يوليو الماضي (د.ب.أ)

تتصدر إشكاليات حقوق المودعين في المصارف اللبنانية، البنود التي تحول دون توقيع الاتفاق النهائي مع صندوق النقد الدولي، في ظل التباينات الكبيرة التي تلامس حد التناقضات في مواقف الأطراف المعنية في الداخل أساساً، ثم بين الجانبين اللبناني والدولي، وهي تشكل عملياً، العقبة الأكثر استعصاء في خلفية الشروط التي تم إدراجها من قبل فريق الصندوق في الاتفاق الأولي، وفق ما قالت مصادر مالية ووزارية لـ«الشرق الأوسط».

وفي مؤشر على استبعاد أي تقدم حصل بعد توقيع الاتفاق الأولي في ربيع العام الماضي، سقط من جدول الترقبات المحلية والدولية أي احتمال لأن ترد اتفاقية لبنان المعلّقة مع «صندوق النقد الدولي»، على جدول أعمال الاجتماعات السنوية للعام الحالي لمجموعة البنك الدولي والصندوق التي ستنعقد في الفترة من 9 إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي في مراكش بالمغرب، علماً بأن الترجيحات السابقة كانت تميل لأن يتم عرض ملف لبنان في اجتماعات خريف 2022.

ومن المستبعد الآن، وفق مسؤول معني في القطاع المالي اللبناني، أن يحضر الملف في أي اجتماعات دورية مشتركة أو منفردة لاحقة لمجلس محافظي الصندوق وإدارته، ما لم يستكمل الجانب اللبناني التزاماته التنفيذية والتشريعية الآيلة إلى صوغ الاتفاق النهائي والمعزز ببرنامج تمويلي، والواردة في مندرجات الاتفاق الأولي الذي تم إبرامه في ربيع العام الماضي على مستوى فريقي العمل بين لبنان وإدارة الصندوق.

وفي تبسيط غير مخلّ بمضمون الخلافات، يمكن تصنيف المودعين بمنزلة «الطرف الأضعف» ضمن رباعية تضمهم إلى جانب الدولة والبنك المركزي والجهاز المصرفي، إذ يحوز المودعون على أرقام دفترية لدى البنوك تناهز 93 مليار دولار، وفيما وظّفت بنوكهم معظم هذه المدخرات ومبالغ استثمارية لها بما يتعدى 89 مليار دولار لدى المركزي (وفق السعر الرسمي لليرة)، وبدوره قام «المركزي» بدور الممول لاحتياجات الدولة خلال العقد الماضي، بما يناهز 48 مليار دولار.

وتجد مقاربات الصندوق قبولاً لدى الفريق الحكومي المعنيّ، وفي المقابل، تواجه معارضة شرسة من كتل نيابية وازنة، وتركز هذه المقاربات على معادلة تفضي بالمحصلة إلى عدم المس بموارد الدولة حالياً بسبب العجز، ومستقبلاً للحفاظ على حقوق الأجيال القادمة، باعتبار «أن استخدام الموارد العامة ينبغي أن يكون محدوداً، وأن يتناسب مع هدف استدامة الدين». وهو ما يظهر حرص إدارة الصندوق على استعادة أقساط التمويل المنشود من قبلها أو من الدول والمؤسسات المانحة.

واستطراداً، يجري التركيز على تحرير البنك المركزي من الجزء الأكبر من أعباء ميزانيته، مما ينقل الأحمال تلقائياً إلى الجهاز المصرفي برساميله المتآكلة، لتنتقل طرداً إلى الحل الأسهل والمؤدي إلى اقتطاع الجزء الأكبر من حقوق المودعين، مع وعد غير مضمون بسداد متدرج وطويل الأجل للجزء البالغ 100 ألف دولار لكل مودع.

أما على أرض الواقع الداخلي، فيواجه فريق الصندوق المعنيّ بالملف برئاسة إرنستو راميرز، صعوبات استثنائية في إيجاد قاسم مشترك بين جدليتيّ «قدسية» حقوق المودعين التي تنادي بها السلطة التشريعية برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه برّي وإسناد معلن من قبل لجنة المال والموازنة النيابية، وبين «شطب» التزامات واردة في قيود ميزانية البنك المركزي لصالح الجهاز المصرفي، وفق تعهدات غير مضمونة وردت في خطط حكومية متنوعة.

ويسعى النواب إفرادياً وخلال اجتماعات اللجان المعنية، إلى إشهار صلابة وقوفهم إلى جانب المودعين في الجهاز المصرفي. وبرز هذا التوجه في الإصرار على إدخال تعديلات جوهرية على مشروع قانون وضع ضوابط استثنائية على الرساميل والتحويلات (الكابيتال كونترول)، ليرد في المادة الأولى منه، «حقوق المودعين المحفوظة والمكرسة بالدستور، لا يجوز المساس بها إطلاقا»، والضوابط الاستثنائية والمؤقتة على التحاويل المصرفية والسحوبات النقدية التي تتضمنها مواد هذا القانون ونصوص أي قانون آخر، لا تشكل مساساً بحقوق المودعين وأصول ودائعهم.

بالمحصلة، فإنه من غير المحتمل، وفق مسؤول مالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إحداث تحوّل جديّ في المواقف النيابية بشأن مسألة الودائع وما تضمره من حقوق عائدة لأكثر من مليوني حساب في الجهاز المصرفي، فيما يلاحظ فتور الحماس لدى مراجع حكومية تؤيد بقوة طروحات الصندوق بأولوية الاستجابة لشرط «موافقة مجلس الوزراء على استراتيجية إعادة هيكلة البنوك التي تقر مقدماً بالخسائر الكبيرة التي تكبدها القطاع وتعالجها، مع حماية صغار المودعين والحد من الاستعانة بالموارد العامة».

وبموجب توصيات إدارة الصندوق، يتعيّن استعادة صحة القطاع المالي والمقومات اللازمة لاستمراره حتى يتمكن لبنان من تبديد عدم اليقين الحالي وتهيئة الظروف المواتية لتحقيق نمو اقتصادي قوي. وهناك احتياجات ضخمة لإعادة الرسملة الكلية في الجهاز المصرفي، ويتوجب الاعتراف بالخسائر في البداية والعمل على توزيعها، مع حماية صغار المودعين.

ووفق التكييف المحاسبي للاستجابة «الحكومية»، يقتضي تحرير ميزانية البنك المركزي من «الخصوم» الثقيلة في قوائمه والمنتجة للعجز الهائل قياساً بالأصول المتوفرة. وهذا ورد فعلياً في وثيقة حكومية تحدثت عن إعادة تكوين رأس مال مصرف لبنان إلى المستوى السليم، مع التنويه بأن «التقديرات تشير إلى ضخامة رأس المالي السلبي المتراكم، حيث يزيد على 60 مليار دولار أميركي، غير أن القيمة الحقيقية بحاجة إلى مزيد من التدقيق»، فضلاً عن ذلك سوف يتكبد مصرف لبنان خسائر أخرى من جراء إعادة هيكلة الدين الحكومي وتوحيد أسعار الصرف.

واستتباعاً، فإنه وبناءً على نتائج هذه المراجعة، سوف نشطب جزءاً كبيراً، أي نحو 60 مليار دولار من التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية إزاء البنوك التجارية، وذلك من أجل إغلاق صافي وضع المصرف فيما يتعلق بالعملات الأجنبية المفتوحة وتتضمن الاستراتيجية أيضاً إعادة رسملة مصرف لبنان جزئياً بسندات تبلغ قيمتها 2.5 مليار دولار. أما ما تبقى من الخسائر السلبية في رأس المال، فسوف تُلغى تدريجياً على مدى 5 سنوات.

أما في الأساس، فإن الجامع في قناعات الأطراف كافة، يتمثل بالإقرار بوجود فجوة خسائر مالية تقدرها الحكومة بنحو 73 مليار دولار، تسببت بانزلاق البلاد إلى نفق أزمات اقتصادية ومعيشية لا تقل حدة، وتشرف على ختام عامها الرابع على التوالي منتصف الشهر الحالي.


مقالات ذات صلة

عراقجي رفض تفتيش 4 «حقائب يد» في مطار بيروت فأعيدت إلى الطائرة

المشرق العربي عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت (الخارجية الإيرانية)

عراقجي رفض تفتيش 4 «حقائب يد» في مطار بيروت فأعيدت إلى الطائرة

اضطر عراقجي إلى إعادة 4 حقائب يد، كانت بحوزته والفريق المرافق له، إلى الطائرة التي أقلته من طهران إلى بيروت، على خلفية رفضه إخضاعها للتفتيش لتبيان ما بداخلها.

محمد شقير (بيروت)
خاص عقد الإمام موسى الصدر مؤتمراً صحفياً، ألقى خلاله كلمته متوسطاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، النائب حسين الحسيني، نقيب الصحافة رياض طه (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)

خاص محمد مهدي شمس الدين: إيران ليست مرجعاً سياسياً ولا دينياً للشيعة في العالم

تنشر «الشرق الأوسط» حلقة ثانية من نص حوار بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان، الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين، وأعضاء قريبين من «حزب الله»، عام 1997.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون في زيارة لجنوب لبنان في ذكرى عيد الاستقلال (الرئاسة اللبنانية)

ملف الأمن تحدٍّ مركزي لعهد الرئيس اللبناني في عامه الثاني

تزامن مرور عام على تولّي الرئيس اللبناني جوزيف عون رئاسة الجمهورية مع مرحلة سياسية وأمنية واقتصادية معقّدة يشهدها لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام مجتمعاً مع المفتي دريان (رئاسة الحكومة)

سلام: الحكومة اللبنانية ملتزمة باستكمال إنجازاتها

شدد رئيس الحكومة نواف سلام على أن «فرض هيبة الدولة هو السبيل الوحيد لإعادة بناء الثقة بين لبنان ومحيطه العربي والدولي».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري جوزيف عون إثر انتخابه رئيساً للبنان بجلسة عقدت في 9 يناير 2025 (رويترز)

تحليل إخباري عام على عهد جوزيف عون: رهان على وضع أسس بناء الدولة

قبل عام بالتمام والكمال، خلع قائد الجيش السابق العماد جوزيف عون البزة المرقّطة، وانتقل من مقر القيادة العسكرية إلى القصر الرئاسي باللباس المدني

بولا أسطيح (بيروت)

الجيش السوري يستنفر بعد رصد حشود عسكرية لـ«قسد» شرق حلب

قوات الشرطة العسكرية السورية تنتشر في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب (د.ب.أ)
قوات الشرطة العسكرية السورية تنتشر في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب (د.ب.أ)
TT

الجيش السوري يستنفر بعد رصد حشود عسكرية لـ«قسد» شرق حلب

قوات الشرطة العسكرية السورية تنتشر في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب (د.ب.أ)
قوات الشرطة العسكرية السورية تنتشر في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب (د.ب.أ)

أعلن الجيش السوري، اليوم (الأحد)، حالة الاستنفار بين قواته بعد رصد حشود عسكرية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في شرق حلب.

وقالت هيئة العمليات في الجيش لوكالة الأنباء السورية (سانا): «رصدت طائراتنا استقدام تنظيم (قسد) مجاميع مسلحة وعتاداً متوسطاً وثقيلاً إلى جبهة دير حافر شرق حلب».

وأضافت: «لم نعرف بعد طبيعة هذه الحشود والتعزيزات التي استقدمها تنظيم قسد لشرق حلب»، متابعة: «استنفرنا قواتنا وقمنا بتعزيز خط الانتشار شرق حلب، ومستعدون لكل السيناريوهات».

كانت مديرية الصحة بحلب أعلنت تسجيل 24 حالة وفاة و105 إصابات خلال الاشتباكات بين القوات الحكومية ومسلحي «قسد» في حلب، منذ يوم (الثلاثاء) الماضي وحتى أمس (السبت)، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويتهم الجيش السوري قوات «قسد» بتحويل حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب منطلقاً لهجماتها المتكررة على مواقع الجيش وقوى الأمن الداخلي، إضافة إلى استهداف المدنيين في الأحياء المجاورة.

كانت هيئة العمليات في الجيش السوري أعلنت، أمس (السبت)، عن وقف جميع العمليات العسكرية داخل حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وتأمين «عودة آمنة للأهالي»، سبقها تمشيط حي الشيخ مقصود بالكامل من الألغام والمتفجرات.

كما جرى ترحيل مسلحي «قسد» باتجاه مدينة الطبقة، مع سحب أسلحتهم.


اعتقال مادورو يفتح ملفات «حزب الله» المالية في فنزويلا

مناصرون يحملون أعلام «حزب الله» اللبناني في بيروت (رويترز)
مناصرون يحملون أعلام «حزب الله» اللبناني في بيروت (رويترز)
TT

اعتقال مادورو يفتح ملفات «حزب الله» المالية في فنزويلا

مناصرون يحملون أعلام «حزب الله» اللبناني في بيروت (رويترز)
مناصرون يحملون أعلام «حزب الله» اللبناني في بيروت (رويترز)

يطرح ما شهدته فنزويلا أخيراً، من تطورات سياسية وأمنية، أسئلة مباشرة بشأن انعكاساته المحتملة على «حزب الله» في لبنان، لا سيما في ظل ما يُتداول عن ارتباطات مالية وتنظيمية لـ«الحزب» في أميركا اللاتينية، وبالتالي مما قد ينعكس عليه، في ظل الضغوط الإقليمية والدولية التي يتعرض لها التنظيم في هذه المرحلة.

وجاء أحدث التقديرات في تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز»، واستعادت فيه علاقة الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، بـ«الحزب»، التي بدأت في عام 2007، حين كان وزيراً للخارجية، خلال لقاء سري جمعه بمسؤول في العمليات الخارجية في «الحزب» بدمشق، في أثناء زيارة رسمية من مادورو إلى العاصمة السورية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول استخباراتي وشخص آخر مطّلع على الملف، قولهما إن «حزب الله» طوّر علاقات بمسؤولين حكوميين في كاراكاس خلال عهد الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز، وتعززت هذه العلاقات أعمق في عهد مادورو.

وقال أحد المطلعين: «فجأة بدأت أنشطة (حزب الله) تتوسع: تهريب مخدرات، وتبييض أموال، ومخططات للحصول على جوازات سفر، وأسلحة، واستخبارات... كل ذلك يجري بغطاء دبلوماسي». وأشار إلى أن «حزب الله» والسلطات الفنزويلية نفيا تلك الاتهامات.

ضربة لمسار تمويل

في هذا الإطار، يقول مدير «معهد العلوم السياسية» في «جامعة القديس يوسف»، الدكتور سامي نادر، إنّ «التطورات المرتبطة بملف فنزويلا تحمل دلالات مباشرة على وضع (حزب الله ولبنان)؛ إذ تشكّل عملياً ضربة أساسية لأحد أهم مسارات التمويل غير المباشر الذي اعتمد عليه (الحزب) خلال السنوات الماضية، في مرحلة تزامنت مع تضييق غير مسبوق على قنواته المالية داخل لبنان وخارجه».

وأوضح نادر لـ«الشرق الأوسط» أنّ «الحزب» وجد نفسه، خلال العقد الأخير، «أمام بيئة مالية خانقة؛ وعقوبات أميركية ودولية، عبر تشديد رقابي على القطاع المصرفي اللبناني، والتضييق على الجمعيات والمؤسسات الداعمة، وتراجع قدرة إيران على توفير الدعم بالوتيرة السابقة». ورأى أن أميركا اللاتينية، لا سيما فنزويلا، «تحولت إلى مساحة بديلة لتأمين التمويل، بعيداً عن أعين الرقابة التقليدية».

جنازة رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي وآخرين قتلوا معه بضربة إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وعدّ أنّ أهمية الضربة الحالية لا تكمن فقط في بعدها المالي، بل في توقيتها السياسي؛ «إذ تأتي فيما يعيش (الحزب) ضغوطاً مركّبة: أزمة اقتصادية عميقة في لبنان، وتراجع في هامش الحركة الإقليمية لإيران، وتحوّل في المزاج الدولي حيال شبكات التمويل غير النظامية». وبرأيه، فإنّ «إقفال المساحة اللاتينية يعني عملياً ضرب صمام أمان مالي كان يُعوَّل عليه لتعويض الخسائر المتراكمة».

«مشروع كاساندرا»

ويعود معظم الأدلة على الصلات بين «حزب الله» وفنزويلا إلى مشروع «كاساندرا»، الذي يُعدّ أحد أوسع التحقيقات الجنائية شمولاً بشأن العلاقات الدولية لـ«الحزب». ورغم أن هذا التحقيق انتهى عام 2016، فإن «فاينانشال تايمز» ذكرت أن علاقات «الحزب» بفنزويلا استمرت بعد ذلك. وذكّر نادر بما عُرف بـ«مشروع كاساندرا»، وهو تحقيق أطلقته إدارة مكافحة المخدرات الأميركية للكشف عن شبكات عابرة للحدود لتهريب المخدرات وتبييض الأموال، أظهر أنّ جزءاً منها استُخدم لتمويل أنشطة «حزب الله» عبر أميركا اللاتينية. وأوضح أنّ «هذه الشبكات لم تكن هامشية، بل شكّلت بنية مالية موازية، جرى تفعيلها كلما ضاقت قنوات التمويل التقليدية في لبنان والمنطقة».

وفي هذا الإطار، كان قد حذر وكيل وزارة الخزانة الأميركية السابق لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، مارشال بيلينغسلي، بأن «حزب الله» وسع نفوذه وحصل على الدعم من نظام مادورو.

وخلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأميركي بشأن مكافحة المخدرات الدولية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قدّم بيلينغسلي وثائق تُظهر كيف منح النظام الفنزويلي، منذ عام 2001، عقوداً لـ«شركات واجهة» مرتبطة بـ«الحزب»، مشيراً إلى أنه بعد تولي مادورو السلطة «اتسع نطاق وعمق وجود (حزب الله) في فنزويلا بشكل كبير».

رسائل سياسية

وعدّ نادر أنّ «ما يجري اليوم لا يقتصر على محاصرة موارد (الحزب)، بل يحمل رسالة سياسية غير مباشرة إلى الداخل اللبناني؛ مفادها بأنّ مرحلة إدارة الوقت والمراهنة على تبدّل الإدارات الأميركية قد انتهت، وبأنّ أي رهان على إعادة فتح قنوات تمويل خارجية سيُواجَه بإجراءات أشد صرامة».

ورأى نادر أنّ «الرسائل الأميركية الأخيرة لا تقتصر على فنزويلا، بل تمتد إلى كل ساحات نفوذ المحور، بما فيها لبنان»، مشدداً على أنّ الإدارة الأميركية الحالية «تبعث بإشارة واضحة مفادها بأنّ قواعد اللعبة تغيّرت، وبأنّ المواجهة باتت تُدار بأدوات جِدّ مباشرَة؛ مالياً وسياسياً».

منظومة مترابطة

في المقابل، يقول الكاتب السياسي علي الأمين، لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن إنكار وجود ترابط ضمني بين فنزويلا وإيران و(حزب الله)، في إطار منظومة سياسية ترى نفسها في موقع المواجهة مع الولايات المتحدة؛ مما يفتح الباب أمام شبكات مصالح متبادلة، بعضها سياسي وبعضها مالي أو غير رسمي، خصوصاً في ظلّ صراعات مفتوحة تُستخدم فيها أدوات متعددة تحت عناوين الضرورات أو (تبرير الاستثناءات)».

وكانت وزارة الخزانة الأميركية أدرجت في وقت سابق أسماء (بينهم دبلوماسيون فنزويليون) على قائمة الإرهاب بتهمة تقديم دعم لوجيستي وتمويل لـ«حزب الله».

أثر معنوي

ورأى الأمين أنّ الأثر الأهم لما جرى في فنزويلا سياسي ومعنوي أكثر منه مالياً، عادّاً أنّ «الفكرة التي تمثّلها إيران و(حزب الله)؛ أي خطاب المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة والتحرّر من القيود الدولية، باتت تفقد قدرتها على الاستمرار والاستقطاب». وأضاف أنّ «غياب أي ردود فعل شعبية واسعة على ما حدث يُظهر تراجع جاذبية هذا الخطاب وانكفاءه التدريجي».

وتابع الأمين أنّ «المشهد الذي رافق توقيف الرئيس الفنزويلي السابق، بما حمله من طابع استعراضي، عكس فراغاً في الشعارات؛ مما سينعكس سلباً، ولو بشكل غير مباشر، على (حزب الله) وإيران على المستويين المعنوي والسياسي».

أنصار «حزب الله» يلوحون بعلم «الحزب» خلال استقبال البابا ليو الشهر الماضي في بيروت (د.ب.أ)

فنزويلا قاعدةً متقدمةً للمحور

من جهته، قال النائب اللبناني السابق، العميد المتقاعد، وهبة قاطيشا، إنّ فنزويلا شكّلت خلال السنوات الماضية «قاعدة محمية ومتقدمة لإيران و(حزب الله) خارج الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أنّ «دورها تجاوز الدعم السياسي ليشمل التدريب العسكري، وتصنيع المسيّرات، وشبكات تهريب الأموال والمخدرات على نطاق عابر للقارات». وأوضح قاطيشا لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الأنشطة كانت محمية من الدولة الفنزويلية نفسها؛ مما وفّر بيئة آمنة لتدفقات مالية كبيرة».

وأشار إلى أنّ أي «ضربة تطول نظام الرئيس نيكولاس مادورو ستنعكس مباشرة وبقوة على (حزب الله) وإيران؛ إذ تعني إقفال مصدر مالي أساسي، وخسارة مركز تدريب وتصنيع بعيد المدى، خصوصاً بعد تراجع الدور السوري؛ مما جعل أميركا اللاتينية الساحة الأوسع والأخطر لهذه الشبكات».


عراقجي رفض تفتيش 4 «حقائب يد» في مطار بيروت فأعيدت إلى الطائرة

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت (الخارجية الإيرانية)
TT

عراقجي رفض تفتيش 4 «حقائب يد» في مطار بيروت فأعيدت إلى الطائرة

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت (الخارجية الإيرانية)

الخلاصة التي توصلت إليها مصادر رئاسية لبنانية في تقييمها للأجواء الإيجابية التي سادت لقاءات وزير خارجية إيران عباس عراقجي برؤساء الجمهورية العماد جوزيف عون، والمجلس النيابي نبيه بري، والحكومة نواف سلام، تكمن في أنه أبدى رغبة بطي صفحة السجال الذي دار سابقاً بينه ونظيره اللبناني الوزير يوسف رجّي.

لكنه تجنّب، في الوقت نفسه، كما تقول مصادر وزارية بارزة لـ«الشرق الأوسط»، الحديث عن حصرية السلاح بيد الدولة، ومن خلالها سلاح «حزب الله»، لعدم توفير الذرائع لإسرائيل لتوسيع حربها ضد لبنان، خصوصاً أن زيارته هذه المرة تلازمت مع إغفال كتلة «الوفاء للمقاومة» في اجتماعها الأسبوعي أي ذكر لاحتفاظ الحزب بسلاحه بخلاف بياناتها السابقة.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوفد المرافق (الرئاسة اللبنانية)

ومع أن عراقجي أصر على أن يطل على اللبنانيين من خلال لقاءاته بالرؤساء الثلاثة بـ«وجه جديد»، أي بـ«نيو لوك» بالمفهوم السياسي للكلمة، بخلاف زياراته السابقة التي تخللها تبادل وجهات النظر من موقع الاختلاف، فإن اتباعه الدبلوماسية الناعمة في حديثه عن رغبة بلاده بتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية مع لبنان، لم يحجب الأنظار عن اضطراره إلى إعادة 4 حقائب يد، كانت بحوزته والفريق المرافق له، إلى الطائرة الخاصة التي أقلته من طهران إلى بيروت، على خلفية رفضه إخضاعها للتفتيش لتبيان ما بداخلها.

تفتيش أربع حقائب

وكشفت المصادر الوزارية التي فضّلت عدم ذكر اسمها، أن السلطات الأمنية والجمركية المولجة بتفتيش الحقائب في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، طلبت إخضاع هذه الحقائب للتفتيش كونها تفتقد إلى التصريح المسبق من قبل حامليها عن محتوياتها، ولا تتمتع بأي شكل من أشكال الحصانة لعدم شموليتها بالحقائب الدبلوماسية.

وأكدت أن الوفد الأمني المرافق لعراقجي، لم يستجب لطلب السلطات المختصة بإخضاعها للتفتيش للتدقيق في محتوياتها للسماح بإدخالها، متذرعاً بأنها تخص السفارة الإيرانية في لبنان وتحوي أوراقاً وبطاقات بيضاء، وهذا ما تأكد بعد الكشف عليها إشعاعياً، من دون أن يفصح ما المقصود بكلامه هذا، لجهة طبيعة محتوياتها، خصوصاً وأنه أصر على عدم فتحها للكشف عليها.

وسألت المصادر، ولو من باب تقديرها الأولي، لماذا أصرّ الوفد المرافق على عدم تفتيشها؟ وهل أن محتوياتها تستدعي التكتُّم ما لم تُستعمل لأغراض مالية لجهة استخدامها لسحب الأموال أو للتحويلات المالية؟ مع أن تفتيش الحقائب لا يُستثنى منه جميع الوافدين إلى لبنان عبر المطار، وينسحب على كبار الشخصيات والوفود الرسمية اللبنانية، كما على الموفدين العرب والأجانب لدرء الأخطار عن حركة الملاحة الجوية في ضوء الحملات التي استهدفت المطار، بذريعة أنه يُستخدم لتبييض الأموال وتهريبها وأن بعضها يُستعمل لتمويل العمليات الإرهابية؟

إجراءات غير مسبوقة

ولفتت إلى أن السلطات المولجة بأمن المطار، وبناء على طلب مجلس الوزراء، وبإشراف مباشر من وزيري الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار، والأشغال العامة والنقل فايز رسامني، اتخذت إجراءات وتدابير مشددة غير مسبوقة قوبلت بتأييد دولي، كونه يخضع لرقابة مشددة كانت وراء تعهّد الولايات المتحدة الأميركية وتدخّلها لدى إسرائيل لتحييده وعدم استهدافه بتوسعتها للحرب التي طاولت أكثر من مرة الضاحية الجنوبية لبيروت والتي يقع المطار على تخومها.

وقالت إن قرار الحكومة في حينها بمنع هبوط الطائرات الإيرانية في المطار، وامتناع شركة «طيران الشرق الأوسط» (الناقلة الجوية اللبنانية) عن تسيير رحلاتها إلى طهران، جاء في سياق توفير الحماية لحركة الملاحة الجوية بعد سلسلة إنذارات تلقاها لبنان من إسرائيل بواسطة الولايات المتحدة باستهدافه في حال السماح لها بالهبوط.

حصرية السلاح

وبالعودة لمحادثات عراقجي في بيروت، فإنه اختار التوقيت بالتزامن مع استعداد لبنان للانتقال لتنفيذ المرحلة الثانية من تطبيقه لحصرية السلاح التي تمتد من شمال نهر الليطاني حتى الأوّلي، وإن كان تجنّب التطرق إليها في لقاءاته الرئاسية على نحو يفتح الباب، كما تقول المصادر، عن فحوى اجتماعه بأمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم. وهل كان مشمولاً بجدول أعمال لقاءاته الرئاسية التي غاب عنها كل ما يمت بصلة إلى حصريته، ومن خلالها لسلاح الحزب على الأقل من جانب عراقجي، بينما شدد الرؤساء على التزام الحكومة بتطبيق الخطة التي أعدتها قيادة الجيش وتبنّاها مجلس الوزراء وأنه لا تراجع عنها؟

وجه جديد

ولفتت إلى أن عراقجي حضر هذه المرة إلى لبنان تحت عنوان تطوير العلاقات الاقتصادية وإنما بـ«وجه جديد»، بخلاف المرات السابقة التي تخللتها سجالات، اضطرت مصادر رئاسية إلى الرد تحت سقف عدم التدخل في الشأن الداخلي واحترام الخصوصية التي يتمتع بها لبنان. وسألت لماذا أدرج تطوير العلاقات الاقتصادية كبند أساسي على جدول أعمال لقاءاته واختارها عنواناً لتبرير زيارته بصحبة وفد اقتصادي؟

مصافحة بين وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي ونظيره الإيراني عباس عراقجي في بيروت (وزارة الخارجية)

وأكدت أن عراقجي أراد تمرير رسالة للولايات المتحدة بتأكيد حضور بلاده في الملف اللبناني الذي يدخل الآن في مرحلة دقيقة يُراد منها الانتقال بالبلد إلى بر الأمان في حال التزم بتطبيق حصرية السلاح ووافق الحزب على تسليم سلاحه. وهذا ما قيل له رئاسياً في معرض الدفاع عن موقف الحكومة وضرورة انخراط الحزب في مشروع الدولة، ليس بموافقته على البيان الوزاري الذي نص على احتكار الدولة للسلاح، وإنما لمشاركته في الحكومة ومنحها ثقته.

وقالت المصادر إنه لم يقفل الباب، ولو مواربةً، أمام رهانه على معاودة المفاوضات مع واشنطن واستعداد بلاده في المقابل لمواجهة كل الاحتمالات أكانت سلماً أو حرباً، مع استمرار موجة الاحتجاجات التي عزى أسبابها إلى تدهور العملة الإيرانية.

توسيع مروحة اللقاءات

ورأت المصادر أن عراقجي توخى من توسيع مروحة اتصالاته التي شملت للمرة الأولى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، الإيحاء بأن بلاده ليست معزولة لبنانياً، وأن لقاءاته لم تقتصر على «أهل البيت» أو ما تبقى من محور الممانعة.

وقالت إن الموقف اللبناني الرسمي لم يتبدّل في توصيفه لطبيعة العلاقات اللبنانية- الإيرانية، وأن السؤال يكمن في احتمال تبدّل التعاطي الإيراني مع لبنان من زاوية استعدادها لإعادة النظر في مقاربتها للواقع السياسي المستجد في ضوء التحولات التي شهدتها المنطقة وارتدت على الداخل اللبناني، مع فارق يعود إلى الكوارث التي حلت بالبلد بتفرّد «حزب الله» بإسناده لغزة من دون أن يتحسّب لرد فعل إسرائيل؟

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رئاسة البرلمان)

ويبقى السؤال، هل أن عراقجي بحضوره إلى بيروت بـ«وجه جديد» كان وراء إضفائه جواً من الهدوء والليونة على طرحه لمواقف بلاده وأراد منه الاكتفاء بطي صفحة سجاله مع رجّي؟ أم أنه يتوخى التحضير للدخول في فك اشتباك، بالمفهوم السياسي للكلمة، مع خصومه الذين هم خصوم للحزب الذي وافق على اتفاق وقف الأعمال العدائية من دون تسليمه لسلاحه ما لم يحصل على ثمن سياسي، هو من وجهة نظر الآخرين بمثابة خط دفاعه الأول في محاكاته لحاضنته لدفعها للتكيف مع استعداده للانعطاف إيجابياً مع التحولات التي شهدها لبنان، وهو يقف حالياً على مشارف الدخول في مرحلة جديدة لا مكان فيها لاستخدام السلاح كفائض قوة للإمساك بزمام المبادرة أكانت حرباً أم سلماً؟