العراق... «أعراس الدم» حوّلت لحظات الفرح إلى مآتم

نتيجة ضعف القانون الرادع وغياب إجراءات السلامة وإهمال المواطنين

الدمار يظهر داخل صالة للأعراس تعرضت لحريق ضخم في العراق (د.ب.أ)
الدمار يظهر داخل صالة للأعراس تعرضت لحريق ضخم في العراق (د.ب.أ)
TT

العراق... «أعراس الدم» حوّلت لحظات الفرح إلى مآتم

الدمار يظهر داخل صالة للأعراس تعرضت لحريق ضخم في العراق (د.ب.أ)
الدمار يظهر داخل صالة للأعراس تعرضت لحريق ضخم في العراق (د.ب.أ)

شهد العراق خلال أسبوع واحد 3 حوادث وصفت بالكارثية رغم التباين في هولها، إلا أن عاملاً مشتركاً جمع فيما بينها، وهو أن الحوادث الثلاثة وقعت في غمرة أفراح الناس وسعادتها، وذلك حين يحضرون بكامل لياقتهم وحماسهم لمباركة أخ أو قريب في ليلة عرسه.

اللافت أن هذه الحوادث وقعت في ترتيب زمني متقارب، وفي ثلاث محافظات تمتد من شمال البلاد إلى شرقها، وكأن إرادة ما رغبت في وقوعها، لكن الواقع يشير إلى ضعف القانون الرادع وغياب إجراءات السلامة وإهمال المواطنين، وفق معظم الآراء والتعليقات الصادرة حول الحوادث الثلاثة المؤلمة.

قاعة الأفراح المتضررة بعد حريق مميت خلال حفل زفاف في الحمدانية محافظة نينوى العراقية (رويترز)

قاعة «الهيثم»

كارثة قاعة «الهيثم» في قضاء الحمدانية بمحافظة نينوى التي أودت بحياة ما لا يقل عن 100 شخص وما زالت جثامين 38 شخصاً مجهولة في انتظار فحوصات الحمض النووي، فضلاً عن عشرات المصابين الذين نقل عدد صغير منهم للعلاج في تركيا. هذه الكارثة مثلت ذروة ما عُرف بـ«أعراس الدم» التي اختبرها العراقيون بمرارة وحزن شديدين خلال الأسبوع الأخير.

في اليوم التالي من كارثة عرس الحمدانية أُعلن عن تسمم أكثر من 100 شخص في عرس مماثل في محافظة صلاح الدين المجاورة، نقل معظمهم إلى المشافي القريبة لتلقى العلاج، ولحسن الحظ لم يسفر الحادث عن وفاة أشخاص رغم تحوّل المناسبة المفرحة إلى مأساة حزينة.

وفي اليوم الثالث، وقع حادث سير مروع في «زفة عرس» آخر في قضاء الزبيدية بمحافظة واسط بجنوب العراق، أودى بحياة 8 أشخاص من أسرة واحدة ليتحول العرس من جديد إلى مأتم كبير. ووقع الحادث بعد اصطدام شاحنة حمل بعجلة باص صغيرة تحمل 8 أشخاص وقتلتهم فوراً، في مؤشر على التهور في سرعة قيادة العجلة، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط» أحد سكان القضاء. وأضاف: «يبدو أن سنوات طويلة من الحروب الداخلية والخارجية التي حصدت مئات الآلاف من الأرواح لم تكن كافية لتأتي بعدها الحوادث العرضية وتكمل شهية الحروب السابقة في حصد أرواح العراقيين».

السوداني يتحدث إلى طاقم طبي في مستشفى الحمدانية بعد الحريق المميت (رويترز)

الإهمال وغياب القانون

في الحوادث الثلاثة ثمة ما يشبه الإجماع الرسمي والشعبي، حول تحميل المسؤولية للسلطات بدرجة أكبر، والمواطنين بدرجة أقل؛ إذ في حادثة قاعة «الهيثم» بقضاء الحمدانية، تشير معظم التقارير الرسمية إلى أن القاعة لم تكن مشيدة بطريقة تكفل سلامة الموجدين بداخلها؛ إذ شيد سقفها من مادة تعرف محلياً بـ«السندويج بنل»، وهي عبارة عن صفائح مضغوطة بالإسفنج العازل وتستخدم لأغراض خاصة وغير مسموح اعتمادها في بناء المباني.

وعند هذه النقطة تدور معظم الأسئلة حول الكيفية التي سمحت بموجبها السلطات الرسمية ببناء قاعة بهذا الحجم وبهذه المواد، وكيف حصلت الجهات المالكة على التصاريح الرسمية الخاصة بالتشييد من قبل 5 أو 6 جهات رسمية؟ ما يعزز فكرة وجود الفساد ويلقي باللائمة على الجهات الحكومية بدرجة كبيرة. وفي مقابل ذلك، تحدث كثيرون عن الإهمال الذي مارسه المشرفون على القاعة والضيوف على حد سواء، حين سمحوا باستعمال ألعاب نارية في قاعة مغلقة، وأدت إلى وقوع الكارثة.

وفي هذا الصدد يقول أستاذ الاقتصاد عماد عبد اللطيف سالم، عبر تدوينة في «فيسبوك»، إن «خطأ الإداريّين يكمن في أنّهم سمحوا باستخدام الألعاب النارية داخل القاعة. غير أنّ منظومة فساد حكوميّة متكاملة هي التي تتحمّل المسؤوليّة عن هذه الكارثة، وليس تسعة أشخاص فقط كانوا مسؤولين عن إدارة القاعة أثناء حفل الزفافِ، الذي يبدو أنّهُ قد أُقيمَ في جهنّم، وليس في قضاء الحمدانيّةِ المنكوب».

وأضاف: «المسؤولون الرئيسيّونَ عن هذه الفاجِعة، هم الجهة الحكومية التي منحت إجازة البناء، والجهة الحكومية المسؤولة عن توفر شروط الأمن والسلامة في هكذا منشآت، قبل وأثناء التشييد وبعد الاستخدام، والجهة الحكومية المسؤولة عن متابعة الالتزام بهذه الشروط».

مسيحيون عراقيون يغادرون بعد حريق مميت في حفل زفاف بكنيسة الحمدانية شمال العراق (رويترز)

حوادث قابلة للتكرار

وإذا كانت الجهات الرسمية تتحمل المسؤولية الأكبر في حادث الحمدانية، فإن المواطنين العاديين يتحملون أيضاً، بحسب الكثيرين، مسؤولية غير قليلة خاصة مع تهاونهم في شروط الأمان والسلامة الشخصية، مثلما حدث في عرسي محافظتي صلاح الدين وواسط.

إلى جانب مشاعر الحزن والأسى التي ارتبطت بحوادث الأسبوع المأساوي، فإن مشاعر أخرى مرتبطة بالغضب كانت حاضرة، وناجمة عن الاعتقاد الشعبي شبه الراسخ بأن مثل هذه الحوادث قابلة للتكرار مرات عدة، خاصة مع سلسلة طويلة من حوادث مماثلة وقعت خلال الأشهر والسنوات الأخيرة. فما زالت «محرقة» مستشفى «ابن الخطيب» في بغداد أبريل (نيسان) 2021، حاضرة، والتي راح ضحيتها أكثر من 80 شخصاً حرقاً وأصيب أكثر من 100 كانوا يرقدون في المستشفى المخصص لعزل المصابين بفيروس «كوفيد - 19». وفي يوليو (تموز) لقي نحو 100 شخص مصرعهم في حريق مماثل بمستشفى الناصرية جنوب العراق.

أحد أفراد الجيش يقف أمام قاعة مناسبات في أعقاب حريق مميت لحفل زفاف في الحمدانية بمحافظة نينوى العراقية (رويترز)

معايير السلامة

ويتوقع عضو لجنة الخدمات البرلمانية حسين حبيب، تكرار حوادث الحرق وغيرها ما لم «يتم تطبيق القانون ولوائح السلامة بشكل حازم وجيد». وقال حبيب لـ«الشرق الأوسط» إن «ما حدث في الحمدانية كارثة حقيقية، وكذلك ما يحدث في بقية الأماكن. المشكلة أن لدينا خروقات فاضحة للقوانين في أغلب المنشآت، مثل قاعات المناسبات والمدارس وحتى الدوائر الحكومية، حيث نفتقر بطريقة كارثية لتأمين شروط السلامة».

وأضاف: «ما حدث يمكن أن يتكرر في أكثر من مكان مع غياب معايير السلامة. الحصول على موافقات البناء غير القانونية لا شك يرتبط بالفساد... الأمر المؤسف أن لدينا ما يكفي من التشريعات لتحقيق شروط الأمان والسلامة في المشيدات، لكنها غير فاعلة للأسف. ونحن في اللجنة البرلمانية لا نشعر بأننا بحاجة لاقتراح تشريعات جديدة؛ لأنها موجودة بالفعل، لكنها غير مطبقة».

ويضيف حبيب أن «السلطات تتحمل مسؤولية كبيرة في تكريس قوانين الأمان والحماية للمواطنين، ومع ذلك يبدو أن هذه المسألة لا تتحملها السلطات لوحدها. وأستطيع القول إنها مسؤولية تضامنية». وتابع: «أكرر وأحذر من أحداث وحرائق مماثلة بانتظارنا في حال لم تتخذ التدابير اللازمة. لاحظ أن الدفاع المدني يتحدث عن 7 آلاف بناية مشيدة بمواد غير صالحة للاستخدام، وهذا مؤشر على ما ينتظرنا من كوارث».

وفوق حوادث الحرق الناجمة عن استخدام مواد غير صالحة في البناء، قالت مديرية الدفاع المدني في مارس الماضي، إن «أكثر من 2500 مبنى في العاصمة بغداد والمحافظات الأخرى آيلة إلى السقوط، ما يُشكّل خطراً كبيراً يُهدّد حياة ساكنيها».


مقالات ذات صلة

بغداد ترجع هجمات الفصائل إلى «محاولات فردية»

المشرق العربي أفراد من «الحشد الشعبي» يقفون للحراسة خلال مظاهرة مؤيدة لإيران في ساحة التحرير ببغداد بتاريخ 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

بغداد ترجع هجمات الفصائل إلى «محاولات فردية»

سعت الحكومة العراقية، الجمعة، إلى احتواء تداعيات تصاعد الحرب الإقليمية، بعدما أطلقت الولايات المتحدة تحذيرات أمنية حادة بشأن احتمال تعرُّض مصالحها لهجمات.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي ضباط الجيش العراقي حديثو التخرج يشاركون في عرض عسكري خلال احتفالات يوم الجيش في الكلية العسكرية ببغداد 6 يناير 2026 (أ.ف.ب)

العراق يؤكد «بذل أقصى الجهود» لمنع التصعيد على أراضيه

أكّد العراق، الخميس، أنه «يبذل أقصى الجهود» لمنع أي تصعيد على أراضيه.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

بحث وزير النفط السوري مع نظيره العراقي تأهيل أنابيب نقل النفط، وعلى رأسها خط «كركوك - بانياس» لتعزيز عملية التصدير.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

تحذير أميركي حاد من «الميليشيات» يفاقم التوتر مع بغداد

دخلت العلاقة بين بغداد وواشنطن مرحلة جديدة من التوتر، بعد صدور سلسلة بيانات من السفارة الأميركية في بغداد ووزارة الخارجية الأميركية، تضمنت تحذيرات أمنية حادة.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد يعمل رجال على صيانة أنبوب في محطة إزالة الغازات في حقل الزبير النفطي بالقرب من البصرة (أ.ب)

بغداد تفاوض دول الخليج لاستخدام أنابيبها التصديرية نحو الموانئ المفتوحة

كشفت شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، يوم الخميس، عن إجراء مفاوضات مستمرة وجارية للاستفادة من شبكة الأنابيب لدى دول الجوار الخليجي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

السفارة الأميركية في بيروت: إيران وحلفاؤها يعتزمون استهداف جامعات بلبنان

مشهد عام لبيروت (رويترز)
مشهد عام لبيروت (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في بيروت: إيران وحلفاؤها يعتزمون استهداف جامعات بلبنان

مشهد عام لبيروت (رويترز)
مشهد عام لبيروت (رويترز)

قالت السفارة الأميركية في بيروت، اليوم الجمعة، إن إيران والجماعات المسلّحة المتحالفة معها «قد تستهدف جامعات في لبنان».

وحضّت السفارة المواطنين الأميركيين، في بيان أمني نقلته وكالة «رويترز» للأنباء، على مغادرة لبنان «ما دامت خيارات الرحلات الجوية التجارية متاحة».

ونصحت السفارة الأميركية في بغداد، الخميس، الرعايا الأميركيين بمغادرة العراق فوراً.

وفي إشعارٍ لها على منصة «إكس»، قالت السفارة إن «ميليشيات إرهابية عراقية متحالفة مع إيران قد تعتزم تنفيذ هجمات في وسط بغداد، خلال الـ24 إلى 48 ساعة المقبلة».

وأشارت إلى أن «الميليشيات الإرهابية» قد تستهدف المواطنين الأميركيين والشركات والجامعات والمرافق الدبلوماسية والبنى التحتية للطاقة والفنادق والمطارات، وغيرها من المواقع التي يُعتقد أنها مرتبطة بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى مؤسسات عراقية وأهداف مدنية.

وهدَّد «الحرس الثوري» الإيراني، الأحد، باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفاد بأن ضربات أميركية وإسرائيلية دمّرت جامعتين في إيران.


«إطار ملادينوف»... رهان الضمانات بين نزع سلاح «حماس» وانسحاب إسرائيل

فتاة تقف بجوار خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة تقف بجوار خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إطار ملادينوف»... رهان الضمانات بين نزع سلاح «حماس» وانسحاب إسرائيل

فتاة تقف بجوار خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة تقف بجوار خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

محادثات بشأن تنفيذ بنود اتفاق غزة استضافتها القاهرة مع حركة «حماس» بعد لقاءات مع الممثل السامي لقطاع غزة بمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، شهدت مطالبات بضمانات للتطبيق، وسط تمسك إسرائيل بنزع السلاح، وتمسك الفصائل الفلسطينية بانسحاب كامل لقوات الاحتلال.

ذلك الحديث عن الضمانات يأتي في خضم مناقشات بشأن إطار ملادينوف، القائم على نزع السلاح مقابل الإعمار، دون الحديث عن موعد الانسحاب الإسرائيلي، اعتبره خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه يجعل المفاوضات أمام «عقدة التزام» من الطرفين، لن يكون حلّها سهلاً إلا بضغوط أميركية ومقاربات من الوسطاء.

والتقى وفد من حركة «حماس» الوسطاء من مصر وتركيا وقطر، لبحث تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وفق بيان للحركة، الخميس.

وقال مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، إن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف (أرشيفية - أ.ف.ب)

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

وكشف 3 مصادر، وهم مسؤولان مصريان وآخر فلسطيني، لـ«رويترز»، أن الحركة أبلغت الوسطاء بأنها لن تناقش نزع سلاحها دون الحصول على ضمانات بانسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة، وفق المنصوص عليه في خطة نزع السلاح، التي وضعها «مجلس السلام».

وجاءت اجتماعات «حماس» غداة زيارة أجراها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، إلى القاهرة وأنقرة، بشأن خطته لتنفيذ اتفاق غزة، وفق مقترح «مجلس السلام» الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

يقف الفلسطينيون النازحون في طوابير لتلقي الطعام الذي يوزعه مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، أن الضمانات التي تطالب بها «حماس» عليها توافق، وهي انسحاب إسرائيل وتشكيل قوات الاستقرار بالقطاع، لكن العقدة في إسرائيل التي تريد انسحاباً شكلياً، وتتمسك بتسليم السلاح كذريعة لتهديد الاتفاق، وليس لضمان نجاحه.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، مشيراً إلى أن الضمانات حقّ فلسطيني واجب على إسرائيل الالتزام به، بينما ما تطرحه إسرائيل ليس ضمانات، بل ذرائع لإفشال الاتفاق، وسيكون الرهان منصباً على تحرك الوسطاء للوصول لمقاربات أو تفاهمات.

تلك التباينات جعلت مصدراً منفصلاً مقرباً من «مجلس السلام»، وفق ما ذكرته «رويترز» الخميس، يتوقع أن ردّ «حماس» يعني أن المحادثات بشأن نزع سلاح الحركة لن تُفضي على الأرجح إلى تقدم فوري، مؤكداً أن الحركة ستجتمع مع الوسطاء مجدداً الأسبوع المقبل.

وذكر المصدر، في حديث لـ«رويترز»، أن الولايات المتحدة قد تمضي قدماً في جهود إعادة الإعمار دون نزع سلاح «حماس»، ولكن في المناطق الخاضعة تماماً للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، مستبعداً أن ترفض «حماس» الخطة.

وكان ملادينوف كتب، في منشور على منصة «إكس»، الخميس، قائلاً: إن «المجتمع الدولي يؤيد الخطة، حان الوقت للاتفاق على إطار تنفيذها... من أجل مصلحة الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، لا مجال لإضاعة الوقت».

ويؤكد السفير رخا أحمد حسن أهمية أن يكون هناك ضغط أميركي على إسرائيل وليس مقاربة فقط من الوسطاء خاصة، والانسحاب أولوية قصوى لنجاح باقي تفاهمات الاتفاق، مشيراً إلى أن مصر والوسطاء حريصون على تنفيذ الاتفاق، وسيحاولون مواصلة تحقيق ذلك، بينما إسرائيل ستفكر في تعطيل كل شيء تحت أي ذريعة.

ويتوقع الرقب أن يدفع الوسطاء بمقاربة جديدة، من أجل دفع خطة تنفيذ الاتفاق، مع التمسك بالانسحاب الإسرائيلي باعتباره مفتاح الحل.


تطويق ميداني لبلدة بنت جبيل في جنوب لبنان

ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)
ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)
TT

تطويق ميداني لبلدة بنت جبيل في جنوب لبنان

ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)
ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)

تتسارع وتيرة التطورات الميدانية في جنوب لبنان، على وقع تصعيد إسرائيلي متدرّج يجمع بين الضغط العسكري المباشر وتوسيع نطاق الإنذارات والإخلاءات، في موازاة تثبيت معادلة «العزل الميداني» للبلدات الحدودية، وفي مقدّمتها مدينة بنت جبيل، التي تتصدر المشهد بوصفها هدفاً رئيسياً في المرحلة الراهنة.

وفي هذا السياق، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً إلى سكان الأطراف الشمالية لبلدة عين إبل، القريبة من بنت جبيل، طالباً منهم التوجه إلى داخل البلدة، في خطوة تعكس محاولة إعادة توزيع السكان ضمن نطاقات محددة.

آلية عسكرية للجيش اللبناني عند مدخل بلدة بنت جبيل جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

تطويق بنت جبيل... استراتيجية بديلة للاقتحام

تتجه الأنظار إلى بنت جبيل، حيث يبرز نمط عملياتي مختلف في التحرك الإسرائيلي. ويوضح العميد المتقاعد سعيد قزح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنّ إسرائيل «تعتمد تكتيك التطويق الكامل للمدينة بدل التوغل المباشر داخلها». ويشير إلى أنّ «القوات الإسرائيلية تعمل على إحكام الطوق عبر عدة محاور متزامنة: من جهة عيترون وعيناثا شرقاً وجنوباً، ومن محور عيتا الشعب، حيث وصلت التحركات إلى تخوم حداثا شمالاً، مع ترجيح التقدم عبر محور عين إبل غرباً، ما يعني عملياً عزل بنت جبيل من الجهات الأربع».

ويضيف قزح أنّ «إخلاء مستشفى صلاح غندور في منطقة (صفّ الهوى)، التي تُعدّ عقدة مواصلات حيوية تربط بنت جبيل بمحيطها، يشير إلى نية إسرائيل التقدم نحو هذه النقطة الاستراتيجية، بهدف التحكم بخطوط الإمداد والحركة».

امرأة تتفقد منزلاً مدمراً أصيب جراء غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)

من هنا، يرى أنّ الجيش الإسرائيلي يتجنب تقليدياً خوض معارك داخل المناطق المبنية بسبب تكلفتها المرتفعة، مرجحاً اللجوء إلى سياسة الأرض المحروقة عبر التدمير المكثف قبل أي اقتحام. ويؤكد أنّ «بنت جبيل، بما تحتويه من دفاعات محضّرة، قد تتحول إلى ساحة استنزاف مكلفة، ما يجعل خيار الاقتحام المباشر مؤجلاً لصالح العزل والتطويق».

ويخلص إلى أنّ السيناريو الأرجح في المدى القريب «يتمثل في استمرار فرض الطوق وقطع خطوط الإمداد، مع اندلاع اشتباكات على الأطراف، من دون عملية اقتحام واسعة في الوقت الراهن، إلا إذا تبدلت الظروف الميدانية».

إنذارات تمتد إلى الضاحية والبقاع

بالتوازي مع الجبهة الجنوبية، وسّعت إسرائيل دائرة الضغط لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث جدّد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، إنذاراته صباحاً، داعياً سكان أحياء حارة حريك والغبيري والليلكي والحدث وبرج البراجنة وتحويطة الغدير والشياح، إلى الإخلاء الفوري.

وفي البقاع الغربي، نفّذ الجيش الإسرائيلي تهديده باستهداف الجسر الذي يربط سحمر بمشغرة فوق نهر الليطاني. وكان أدرعي قد أعلن مسبقاً نية استهداف الجسرين، داعياً السكان إلى التوجه شمال نهر الزهراني. ولاحقاً، استهدفت مسيّرة إسرائيلية مصلين أثناء خروجهم من مسجد في سحمر، ما أدى إلى سقوط قتيلين و11 جريحاً، في مؤشر على اتساع رقعة الاستهدافات لتشمل التجمعات المدنية.

مبنى منهار في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

غارات على الضاحية والجنوب وتحركات برية

ميدانياً، سجّلت غارات على الضاحية الجنوبية بعد هدوء يومين، فيما تواصلت الغارات الجوية والقصف المدفعي على نطاق واسع في الجنوب، حيث استُهدف منزل بين كفرا وصربين قرب مركز لـ«الهيئة الصحية الإسلامية»، ما أدى إلى احتراق سيارة إسعاف من دون وقوع إصابات، كما طالت الغارات بلدات صريفا وبرعشيت وجويا وبرج قلاويه ودبعال والرمادية والبستان ويحمر الشقيف والشعيتية، مع تسجيل سقوط ضحايا وجرحى، بينهم سوريون. كما استهدفت غارات بلدتي دبين وصريفا في قضاء صور، فيما تعرضت أطراف حاريص وكفرا لقصف مدفعي متقطع.

وسُجّل تحليق مكثف للطيران المسيّر في أجواء الهرمل والبقاع الشمالي وبيروت وجبل لبنان والضاحية الجنوبية، في إطار تغطية استطلاعية شاملة للمسرح العملياتي.

وفجراً، مشّطت مروحيات «أباتشي» الساحل الممتد من البياضة إلى المنصوري بالأسلحة الرشاشة، وأطلقت صواريخ بالتزامن مع اشتباكات ميدانية، حيث أفيد عن هجوم نفذه عناصر «حزب الله» على قوة إسرائيلية كانت تتقدم في منطقة البياضة باتجاه الطريق الساحلي. كما تعرضت بنت جبيل وحانين وكونين والطيري لغارات بعد منتصف الليل، فيما استُهدف شرق برعشيت بقصف مدفعي.

وفي موازاة ذلك، فجّرت القوات الإسرائيلية ما تبقى من منازل في عيتا الشعب، وسط دوي انفجارات سُمع حتى مدينة صور.

وفي سياق متصل، أفاد «الوكالة الوطنية للإعلام» بإصابة 3 جنود من الوحدة الإندونيسية بجروح داخل مقرهم في العديسة، جراء سقوط قذيفة، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد مصدرها.

تبادل ناري وتصعيد صاروخي

في المقابل، أعلن «حزب الله» إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، وفي سلسلة بيانات، أعلن الحزب استهداف مستوطنة كريات شمونة مرات عدة، إضافة إلى قصف تجمعات للجنود في ثكنة هونين، وبنى تحتية عسكرية في صفد، ومستوطنة المطلة وكفريوفال، فضلاً عن تجمعات في المالكية وديشون وموقع هضبة العجل. كما أعلن تفجير عبوة ناسفة بقوة إسرائيلية في منطقة دير حنّا في بلدة البياضة، ما أدى إلى وقوع إصابات استدعت تدخّل مروحية للإخلاء، قبل استهداف المنطقة لاحقاً بالقذائف المدفعية.