ميقاتي لـ«الشرق الأوسط»: «حوار بري» مَخرج للجميع

حمّل القوى السياسية المسيحية مسؤولية التأخير في إقرار الإصلاحات

TT

ميقاتي لـ«الشرق الأوسط»: «حوار بري» مَخرج للجميع

ميقاتي متحدثاً إلى الشرق الأوسط في نيويورك (الشرق الأوسط)
ميقاتي متحدثاً إلى الشرق الأوسط في نيويورك (الشرق الأوسط)

حمّل رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، القوى السياسية المسيحية مسؤولية التأخير في تطبيق الإصلاحات المطلوبة من المجتمع الدولي و«صندوق النقد الدولي»، قائلاً إن حكومته أنجزت مشاريع القوانين الإصلاحية وأحالتها إلى مجلس النواب الذي ترفض القوى السياسية المسيحية انعقاده لتشريعها، في ظل الشغور الرئاسي، وأنها تعطي أولوية لانتخاب الرئيس على ما عداه.

وإذ شدد على ضرورة انتخاب رئيس للجمهورية بوصفه «بداية الحل للأزمات»، وصف المبادرة التي أعلنها رئيس البرلمان نبيه بري لحوار تليه جلسات متتالية لانتخاب الرئيس بأنه «مَخرج للجميع»، وتمنى أن تُصدر اللجنة الخماسية المعنية بالملف اللبنانية نداءً للبنانيين لتلبية دعوة بري للحوار.

وقال ميقاتي في حديث لـ«الشرق الأوسط» على هامش مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن لبنان عضو مؤسس بالأمم المتحدة ويبقى موجوداً وفاعلاً، وإذا كان ملفه لم يعد أولوية في ظل الملفات الدولية الأخرى، فإنه «بالنسبة إلينا يبقى أولوية أساسية، وسنبقى نعرض قضيته ومشكلاته أمام كل المؤتمرات التي تُعقد، ولا يمكن أن نتأخر عن الحضور»، مشدداً على أن «لبنان لن يغيب، ولا يمكن لأحد أن يُغيّبه».

صورة من حساب الحكومة اللبنانية في أكس لميقاتي بنيويورك

ورفض ميقاتي التقديرات القائلة إن المسؤولين اللبنانيين يستجدون التدخل الخارجي في شؤونهم الداخلية، قائلاً: «صحيح أن بعض اللبنانيين يستنجدون بالدول الفاعلة للضغط على الأفرقاء اللبنانيين، لكن في نفس الوقت، هم أنفسهم يقولون إن أي استحقاق لبنان داخلي يجب أن يُحلّ محلياً»، مشيراً إلى أنه «من أنصار وجوب أن يكون الحل لبنانياً، لأنه لا أحد يفهم طريقة الحل مثل اللبنانيين أنفسهم».

ولفت ميقاتي إلى أن «المعضلة الأساسية اليوم في لبنان هي انتخاب الرئيس»، وعليه أعرب عن اعتقاده أن «المسار الذي رسمه الرئيس نبيه بري في خطابه الأخير، والقائم على حوار لسبعة أيام تليه جلسات متواصلة لانتخاب رئيس، هو الحل الأفضل لأن الحوار لم يكن وفق طرح بري مشروطاً بشيء، إنما يُطلب من الجميع المجيء إلى مكان معين وأن يسلكوا طريقاً إجبارياً لانتخاب رئيس».

وإذ لفت إلى أن الدستور لا يفرض الحوار قبل انتخاب الرئيس، وأن الأمر قد يكون سابقة، قال: «عندما تبقى سدة الرئاسة شاغرة لسنة، واستُنفدت كل الحلول للوصول إلى انتخاب رئيس، يصبح الحل الذي طرحه بري منطقياً»، سائلاً: «أين الضرر في حوار غير مشروط لسبعة أيام قبل جلسات متواصلة يطالب بها الجميع لإنهاء الشغور؟».

ورأى ميقاتي أن «على الجميع أن يلبّوا نداء بري لإجراء الحوار الذي لن يرأسه ولم يفرض شروطاً مسبقة أو لاحقة فيه»، مشيراً إلى أنه «ممر أساسي وآمن لإنهاء الشغور الرئاسي».

النفوذ الإيراني

وفي ردٍّ على تقديرات المعارضة أن نفوذ إيران يمنع الوصول لانتخاب رئيس، لم ينفِ ميقاتي أن هناك دوراً لـ«حزب الله» في لبنان، لكنه سأل: «هل اجتمع اللبنانيون واتخذوا قراراً وعارض الحزب ذلك؟»، وأضاف: «من اليوم أقول: ليس بالضرورة أن يُنتج هذا الحوار اتفاقاً معيناً، ولكن كان اقتراحاً من بري للقيام بهذا الإخراج. فليكن هذا الإخراج مَخرجاً للجميع، وبعدها نرى مَن يعطل ومَن يريد انتخاب رئيس ومَن لا يريد».

ولفت إلى اجتماعات اللجنة الخماسية التي تمثل الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية وقطر ومصر، حول الملف اللبناني، مشيراً إلى أن الدول العربية الثلاث الممثلة فيها «هم من الأصدقاء الحميمين للبنان»، وأضاف: «بالتالي آمل أن يكون نداؤهم في الجلسة القادمة لتلبية الدعوة للحوار لإنهاء الشغور».

ميقاتي متحدثاً إلى الشرق الأوسط في نيويورك (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أن انتخاب الرئيس «لن يحل أزمة لبنان بالكامل، لكنه سيكون الباب أو الأمل الذي سيُفتح لهذه النافذة من أجل الوصول إلى حكومة جديدة بدم جديد، والقيام بالإصلاحات المطلوبة، ولا يكون مبرراً للبرلمان الذي يقول بعض الممثلين فيه إننا لا ننظر إلى الإصلاحات في ظل الشغور الرئاسي»، وعندها «يبدأ البرلمان ورشة عمل حقيقية لإنتاج قوانين إصلاحية مطلوبة من المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي وهي في النهاية لمصلحة لبنان وانتظام الدولة اللبنانية».

ورأى ميقاتي أن انتقاد «صندوق النقد» للبنان «ناتج عن عدم اجتماع البرلمان لإنتاج القوانين المطلوبة». وأشار إلى مقاطعة قوى سياسية مسيحية، وفي مقدمها «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية» لجلسات تشريعية في البرلمان في ظل الشغور الرئاسي، قائلاً إن انتخاب الرئيس هو الأولوية بالنسبة إليهم.

ونفى ميقاتي أي مسؤولية مترتبة على حكومته في تأخير الإصلاحات، قائلاً إنها أرسلت مشاريع القوانين إلى البرلمان لإقرارها، لكنَّ البعض يقول إنه لن يشارك قبل انتخاب رئيس، وسأل: «كيف تُحل الأزمة في ظل هذه المقاطعة؟».

وإذ شدد على أن الحل يبدأ بانتخاب رئيس، قال: «إذا لم يريدوا ذلك، عليهم النظر بالقوانين المطروحة بالمجلس النيابي من أجل إجراء الإصلاح اللازم، وتكون رسالة جدية لصندوق النقد والدول الغربية لإعادة فتح المساعدات الدولية للبنان ومن ضمنها أموال مشروع سيدر بقيمة 11 ملياراً».

وقال عن «حزب الله» إنه «متعاون وإيجابي من حيث تأييد معظم الإصلاحات المطلوبة، ولكن الفريق المسيحي لا يرى ضرورة لأي أمر ما طارئ قبل انتخاب رئيس للجمهورية». وأضاف: «الموضوع غير متعلق بالحزب، بل متعلق بالشغور الرئاسي، وهو ما يريده الفريق المسيحي. هذا الفريق يطالب بأولوية انتخاب رئيس للجمهورية. فلينتخبوا رئيساً اليوم».

السعودية الأم والأب

وأعرب ميقاتي عن اسفه حيال من يقول إن المملكة العربية السعودية لا ترى أن لبنان أولوية لديها. وتابع: «بالنسبة لي السعودية تبقى بكل الحالات الأم والأب والأخ بالنسبة للبنان. عندما تريد أن تستشرف المستقبل عليك أن تنظر إلى الماضي. كانت دائماً إلى جانب لبنان. أنا على يقين أن المملكة لن تتخلى عن لبنان».

وشدد ميقاتي على وجوب «أن يحصل تغيير في الذهنية اللبنانية وليس بالنصوص»، مؤكداً أن اتفاق الطائف «هو الاتفاق الصالح لهذا الزمن، ولكن تطبيقه هو المشكلة». وقال: «على الطبقة السياسية أن تجتمع وتضع لمرة واحدة نوعاً من تحليل كامل لكيفية تطبيق اتفاق الطائف. لا يمكن أن نطبق مادة دون أخرى. الموضوع متكامل، ويجب أن يطبَّق الدستور كاملاً». وأضاف: «على اللبناني أن يُصلح نفسه ويعي أنْ لا خيار له إلا الدولة القوية العادلة التي يمكن أن تحكم بين كل اللبنانيين، المشكلة أن البعض يريد الدولة على غيره وليس على نفسه»، مؤكداً أنه «لا خيار غير الدولة».


مقالات ذات صلة

نتنياهو يفرض شروطه بالنار على جنوب لبنان

المشرق العربي الدخان يتصاعد من تلة علي الطاهر في النبطية جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)

نتنياهو يفرض شروطه بالنار على جنوب لبنان

تبقى الأنظار مشدودة إلى السباق المحموم بالنار بين إصرار رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو على سيطرته على تلال «علي الطاهر» ما لم يستجب «حزب الله» لشروطه

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يخشى على المفاوضات من «الاستباحة» الإسرائيلية

ندّد لبنان الرسمي بالتصعيد الإسرائيلي المفاجئ في جنوب لبنان؛ إذ قرأ فيه رسائل سياسية، أُولاها «للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مسعفون وعناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي لبلدة دير الزهراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تحاول فرض قواعد اشتباك مرتبطة بالسيطرة على «علي الطاهر»

فجّرت إسرائيل الهدوء النسبي في جنوب لبنان، بتصعيد مفاجئ أسفر عن مقتل 10 أشخاص، بينهم 4 أطفال، وسقوط جرحى آخرين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

قاسم يهاجم المفاوضات مع إسرائيل ويتمسك باتفاق 2024

صعّد الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، الجمعة، هجومه على مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، ورأى أن الجولات السبع التي عُقدت حتى الآن لم تحقق نتائج.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صورة متداولة لمؤسسة كهرباء لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

«كهرباء لبنان» تعتزم قطع التيار عن مؤسسات الدولة المتخلّفة عن السداد

أنذرت مؤسسة «كهرباء لبنان» بقطع التيار عن الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات ومصالح المياه وسائر جهات القطاع العام المتخلّفة عن تسديد فواتيرها ومستحقاتها

«الشرق الأوسط» (بيروت)

إيقاف ضابط من عهد الأسد في درعا عاد إلى سوريا بعد إدانته بالنمسا

احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 (أرشيفية-د.ب.أ)
احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 (أرشيفية-د.ب.أ)
TT

إيقاف ضابط من عهد الأسد في درعا عاد إلى سوريا بعد إدانته بالنمسا

احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 (أرشيفية-د.ب.أ)
احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 (أرشيفية-د.ب.أ)

أكد مصدر أمني في محافظة درعا جنوب سوريا لـ«الشرق الأوسط»، السبت، أن إدارة مكافحة الإرهاب أوقفت المقدم السابق في الشرطة مصعب أبو ركبة في بلدته نوى بريف المحافظة، بعد أن عاد إليها من النمسا عقب صدور عقوبة بالسجن بحقه بتهمة إساءة معاملة معتقلين إبان نظام حكم بشار الأسد المخلوع.

وفي السياق، نقلت مصادر محلية في درعا لـ«الشرق الأوسط» عن عائلة أبو ركبة قولها إن وزارة الداخلية أصدرت مذكرة توقيف بحق أبو ركبة عقب عودته، وقد قام بمراجعة الوزارة، وهو «حالياً موقوف لدى إدارة مكافحة الإرهاب بدرعا ويخضع للتحقيق».

ونفت العائلة التهم التي أدانت بها المحكمة النمساوية أبو ركبة، وذكرت أن «هناك إفادات لشهود من المحيط الذي خدم به في محافظة الرقة ومن خارج هذا المحيط بأنه لم يرتكب الجرائم المنسوبة إليه». وأشارت إلى أن المحكمة النمساوية «استمعت إلى أقوال شخص سوري يحاكم فيها، وكان يخدم في جهاز الأمن السياسي في الرقة، وقد أدلى خلال المحاكمة بأقوال ضده».

مصادر حقوقية في درعا بينت أن أبو ركبة حالياً موقوف رهن التحقيق في إدارة مكافحة الإرهاب التي ستحوله بدورها إلى الوزارة التي ستتواصل مع إدارة قوى الأمن الداخلي في الرقة، للتحقق ضمن المحيط الذي كان يخدم فيه من صحة ما يُنسب إليه من تهم، وإن تم إثباتها فستقوم بإحالته إلى القضاء لمحاكمته ومحاسبته.

وقالت المصادر الحقوقية خلال تواصل «الشرق الأوسط» معها: «نحن انظلمنا، ولا نريد أن نظلم، وحالياً لا نستطيع أن ندين أو نبرئ أبو ركبة إلى أن تظهر نتائج التحقيق».

ونقلت «وكالة الأنباء السورية» (سانا) عن بيان لقوى الأمن الداخلي أنه ‏«في إطار جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن ‏والاستقرار، ألقت ‏قوى الأمن الداخلي في درعا القبض على المدعو أبو ركبة، المقدّم ‏السابق في فرع الأمن السياسي في الرقة ‏إبان عهد النظام البائد، ‏وذلك ضمن العمليات الأمنية المستمرة لملاحقة المتورطين في ‏قضايا الإرهاب واتخاذ الإجراءات ‏القانونية اللازمة بحقهم».

صورة مركبة لمصعب أبو ركبة لدى عودته الى سوريا ...ولدى إقتياده للمحاكمة في فيينا (صفحة درعا 24 - فيسبوك)

وأفادت الوكالة بأن المحكمة الإقليمية الجنائية في العاصمة النمساوية ‏فيينا كانت أصدرت في يوليو (تموز) الماضي حكماً يقضي بـ«إدانة ‏الضابطين ‌‏السابقين في أجهزة أمن النظام البائد، خالد ‏الحلبي ومصعب أبو ركبة، والحكم على كل منهما ‏بالسجن لمدة ثماني سنوات، إثر ‌‏ثبوت تورطهما في ‏ارتكاب جرائم تعذيب وانتهاكات بحق معتقلين في ‏محافظة الرقة بين عامَي 2011 و2013 ، إلا أن أبو ‌‏ركبة ‏غادر النمسا أثناء فترة استئناف ‏الحكم الصادر بحقه وعاد إلى سوريا».‏

وأثارت عودة أبو ركبة غضباً واستهجاناً في الشارع السوري، خصوصاً في درعا، بعد انتشار أنباء عودته رغم استمرار محاكمته في النمسا، وأقامت عائلته حفل استقبال بمناسبة عودته. وكتب عضو مجلس الأمناء في «المجلس الإسلامي السوري» الشيخ مطيع البطين، المتحدر من مدينة نوى، في منشور بحسابه على «فيسبوك» من دون أن يذكر أبو ركبة بالاسم: «احتفال العشيرة بابنها المجرم لا يمسح جرائمه ولا يُحسِّن صورته، ولكنّه يُسيءُ أكبرَ الإساءة إلى تلك العشيرة وتاريخها»، لكن عاد البطين وحذف المنشور من حسابه.

وقال «المركز السوري للعدالة والمساءلة»، وهو منظمة سورية لحقوق الإنسان، إن القضية «كشفت عن أوجه قصور في النظام القضائي النمساوي بعد أن سمحت السلطات لأبو ركبة بالبقاء طليقاً طوال فترة المحاكمة، وأثناء طعنه بالحكم الصادر ضده بالسجن».


نتنياهو يفرض شروطه بالنار على جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من تلة علي الطاهر في النبطية جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من تلة علي الطاهر في النبطية جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يفرض شروطه بالنار على جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من تلة علي الطاهر في النبطية جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من تلة علي الطاهر في النبطية جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)

تبقى الأنظار مشدودة إلى السباق المحموم بالنار بين إصرار رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو على سيطرته على تلال «علي الطاهر» ما لم يستجب «حزب الله» لشروطه بوضعها كلياً بتصرف الجيش اللبناني، وبين تنقُّل رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد بين بيروت وتل أبيب، في مسعى للتوصل إلى اتفاق بتشكيل الآلية المكلفة بالتحقق من انتشار الجيش في «المناطق التجريبية» الأولى، ومراقبة تنفيذه بالتدقيق من خلوها من أي وجود عسكري للحزب.

وقف النار مقابل «علي الطاهر»

ومع أن مهمة كليرفيلد تبقى في إطارها العملاني، فإن إصرار إسرائيل للسيطرة على تلال «علي الطاهر» حضر بامتياز في لقاءاته استباقاً للجوء رئيس حكومتها نتنياهو لتوسيع غاراته واعتداءاته على عدد من البلدات، كما حصل في الساعات الماضية، وهذا ما يكمن وراء قيام السفير الأميركي ميشال عيسى بعد اجتماعهما ببري بمفاجأته الصحافيين برده على أسئلتهم حول مصير التلال: «ما عليكم إلا الذهاب إلى (حزب الله) والطلب منه بأن ينسحب منها وعندها يتوقف كل شيء»، في إشارة، بحسب مصدر مواكب لتحرك كليرفيلد في بيروت، إلى أن وقف النار بصورة شاملة ونهائية مرتبط بتجاوب الحزب بتسليمه التلال للجيش، وإلا فإن نتنياهو على موقفه بالسيطرة عليها، بعد أن أطبق جيشه الحصار بالنار على عدد من المنافذ والمداخل المؤدية إليها.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري مستقبلاً عيسى وكليرفيلد (الوكالة الوطنية للإعلام)

وكشف المصدر المواكب للقاءات كليرفيلد عن أنه يسعى جاهداً لإحداث خرق بتشكيل الآلية المولج إليها التحقق من انتشار الجيش في «المناطق التجريبية» ومراقبة تنفيذه على الأرض للتدقيق بخلوها من سلاح «حزب الله» ومسلحيه. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه باقٍ في بيروت وربما يضطر للتوجه مجدداً إلى تل أبيب.

توحيد الخرائط

وأكد أن كليرفيلد يولي أهمية لتوحيد الخرائط، على أن يسلم نسخة من الخرائط الحدودية الخاصة بـ«المناطق التجريبية» التي انتشر فيها الجيش إلى الجانبين اللبناني والإسرائيلي والجهة التي تترأس آلية التحقق. وقال إن توحيدها يكمن في تحديد حدود هذه البلدات لمنع إسرائيل من معاودة التوغُّل فيها بذريعة أن بعض المناطق التي دخلها جيشها لا تمت بصلة إلى حدودها المرسومة من قبل الجهات اللبنانية الرسمية المعنية، بعد توفير الاحتياجات التقنية والفنية لهيئة التحقق.

وقال المصدر إن تحديد الحدود جاء في أعقاب الخلاف بتوغُّل قوة إسرائيلية في بلدة زوطر الغربية وتمركزها لفترة من الوقت على مقربة من حاجز الجيش اللبناني، مع أنها مشمولة بـ«المناطق التجريبية»، متذرعةً بأنها تتبع عقارياً لبلدة زوطر الشرقية التي لا تزال تحتلها، في مقابل اتهام الجيش اللبناني لإسرائيل بخرقها البلدة وتجاوز جيشها للساتر الترابي الذي يفصلها عن الشرقية.

وكشف عن أن رئيس البرلمان نبيه بري استوضح المسؤولين الأميركيين اللذين زاراه الجمعة، عن الدولة التي سيوكل إليها رئاسة آلية التحقق، وجاء جوابهما بأن رئاستها ستُسند إلى إحداهما إيطاليا أو سويسرا، مع أن لا شيء نهائياً حتى الساعة؛ لأن هناك عدة دول أبدت استعدادها لتوليها، والمشاركة في عداد فريق المراقبين. ولدى سؤال بري، بحسب المصدر، هل هناك من دول أخرى؟ اكتفى بالقول: يمكن أن تنضم إليهما أذربيجان.

مخطط إسرائيلي لزعزعة الاستقرار

وفي هذا السياق، كشف مصدر سياسي يدور في فلك «الثنائي الشيعي» عن أن بري أكد وجود مخطط إسرائيلي لزعزعة الاستقرار في المنطقة، وأن استمرار نتنياهو بتوسيع اعتداءاته وتجريفه للبلدات وتدميره الممنهج للمنازل ورفضه الانسحاب من المنطقة الأمنية مشترطاً نزع سلاح «حزب الله»، ما هو إلا رسالة للولايات المتحدة الأميركية باعتبارها الراعية لـ«اتفاق الإطار» وتعهدت بالضغط عليه لتسهيل تطبيقه، وهذا ما يضعها أمام تعهدها بتنفيذه. وهنا سأل بري، كما علمت «الشرق الأوسط»: هل لـ«حزب الله» وجود في غزة والضفة الغربية وجنوب سوريا، أم أن هذا يأتي في إطار وجود مخطط إسرائيلي لتقسيم بعض الدول العربية، مع أن موضوع حصرية السلاح بيد الدولة هو شأن لبناني، ونحن من جانبنا نسعى لوضعه موضع التنفيذ.

زحمة سير على مدخل صيدا الشمال باتجاه بيروت إثر تصعيد إسرائيلي مفاجئ في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وبالنسبة لتهديد نتنياهو بالسيطرة على تلال «علي الطاهر»، قال المصدر إن «حزب الله» لا يحبّذ تسليمها للجيش اللبناني، ويحصر موافقته بسيطرته على المناطق المحيطة بها بذريعة أنه يخشى بأن يعيد الجيش تموضعه كما حصل في قلعة الشقيف والبلدات المجاورة لها ما سهّل، نقلاً عن مسؤولين كبار في الحزب، سيطرة الجيش الإسرائيلي عليها.

وأكد المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن تذرّع «حزب الله» ليس في محله، وهو يتصرف على أن التلال هي بمثابة خط أحمر، رغم أنه يفترض بمسؤوليه التوقف ملياً في قراءتهم الموضوعية للوضع على الأرض، وصولاً لتقديرهم للموقف الذي يملي عليهم اتخاذه، بعيداً عن المكابرة والعناد، آخذين بعين الاعتبار مواصلة الجيش الإسرائيلي بالضغط على التلال بالنار، وتَمكَّن، نقلاً عن مصدر أميركي، من إسقاط أكثر من مسيّرة للحزب كانت في طريقها إلى التلال حاملة مواد غذائية وأطعمة لمقاتليه بداخل المنشأة العسكرية، إضافة إلى أن مسيّراته وصلت إلى بعض مداخلها وتولت ضخ مواد سامة في داخلها.

ومع أن المصدر يرفض التكهن ما إذا كان نتنياهو يصر على إطباق سيطرته على التلال قبل حلول موعد إجراء انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، أم أنه سيواصل تشديد حصاره بالنار عليها؟ قال في المقابل إن منسوب المخاوف من إقدامه على تفجيرها بدأ يرتفع لما يترتب عليها من إلحاق أضرار كبيرة بالبلدات المجاورة لها، بدءاً بمدينة النبطية وجارتها بلدة النبطية الفوقا وقرى قضائها امتداداً لإقليم التفاح ومنطقة الريحان.

عنصر في الدفاع المدني يتقصى ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة أنصار بجنوب لبنان (د.ب.أ)

تعنّت «حزب الله»

وتوقف المصدر أمام رهان «حزب الله» على أن نتنياهو قد لا يُقدم على تفجير التلال لما يترتب عليه من رد فعل يستدعي دخول إيران على الخط. وسأل: أين تكمن مصلحة الحزب في هذا الشأن؟ وهل يتحمّل حصول موجات نزوح جديدة؟ وماذا سيقول للنازحين في ظل الاختلال في ميزان القوى؟ مع أن واشنطن تعهدت بوقف شامل لإطلاق النار على كل الجبهات، في مقابل تجاوب الحزب بتسليم التلال للجيش اللبناني، وهي مستعدة لمنع إسرائيل من التمدد، وإلزامها بتقديم التسهيلات لاستكمال تطبيق «اتفاق الإطار».

كما سأل المصدر الحزب: هل يصمد أمام رسم خطوط حمر بعدم تسليمه التلال للجيش في حال أن قيادته وجدت نفسها محصورة تحت ضغط إسرائيل بالنار؟ أم أنه سيضطر لمراجعة حساباته ويبادر، إسناداً للموقف اللبناني، لإيداع ورقة التلال بعهدة بري، الذي يُحسن تدوير الزوايا وهو الأقدر على التواصل مع واشنطن والمجتمعين العربي والدولي؟

لذلك لا بد من ترقُّب ما سيقدم عليه نتنياهو قبل انصرافه لخوض الانتخابات، فيما تسعى واشنطن، من خلال التوصل لاتفاق للتحقق من نشر الجيش، إلى تفعيل تطبيق «اتفاق الإطار»، ولو على دفعات، وإن كانت الأولوية لديها توفير الأجواء لاستمرارية المفاوضات في جولتها الثامنة التي لم يحدد حتى الساعة موعدها.

ومع أن واشنطن، وإن كانت تتريث في توسيع «المناطق التجريبية»، كما يطالب لبنان، وتبقي عليها معلقة على ما سيؤول إليه الوضع على جبهة التلال، فهي تراهن على إحداث خرق لتفعيل المفاوضات، وإنما هذه المرة بتثبيت الخرائط الحدودية بين البلدين طبقاً لما نصت عليه «اتفاقية الهدنة»، على أن يُترك حل المناطق المتداخلة للمفاوضات، إضافة إلى ما تردد حول الضغط على تل أبيب لتسليم دفعة أولى من جثامين مقاتلي الحزب لخلق المناخ المواتي تحضيراً لجولة المفاوضات المرتقبة التي قد تكون الأخيرة استباقاً لانتخابات الكنيست.


لبنان يخشى على المفاوضات من «الاستباحة» الإسرائيلية

عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لبنان يخشى على المفاوضات من «الاستباحة» الإسرائيلية

عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ندّد لبنان الرسمي بالتصعيد الإسرائيلي المفاجئ في جنوب لبنان؛ إذ قرأ فيه رسائل سياسية، أُولاها «للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق»، حسبما قال الرئيس اللبناني جوزيف عون، وثانيها تقويض لدور الجيش اللبناني الذي يضطلع بـ«مسؤولية التعامل مع أي بنى عسكرية، إذا وُجدت على الأراضي اللبنانية»، حسبما أكد رئيس الحكومة نواف سلام، ما يشير إلى أن مؤشرات التصعيد لا تقتصر على العاملَين الأمني والعسكري فقط.

لبناني يتفقد آثار الغارة الإسرائيلية على بلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ب)

وجاء التصعيد الذي أسفر عن مقتل 11 شخصاً، بينهم عائلة كاملة، في ظل تأزم في مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل؛ إذ يرى لبنان أن إسرائيل لم تنفذ التزاماتها، وتشترط بيروت تثبيت وقف إطلاق النار، في وقت يبحث فيه رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، الجنرال جوزيف كليرفيلد مع المسؤولين وقيادة الجيش اللبناني، ترتيبات تقنية. وتشترط إسرائيل إخلاء «حزب الله» لمرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية شرق مدينة النبطية، لقاء تثبيت وقف إطلاق النار.

وقال الجيش الإسرائيلي، السبت، إنه «هاجم بنى تحتية تابعة لـ(حزب الله) في منطقتي النبطية وأنصار»، موضحاً أن الغارات جاءت «في أعقاب نشاط نفذته منظمة (حزب الله) ضد قواتنا في منطقة مرتفعات علي الطاهر» المطلة على النبطية.

عون

ودان رئيس الجمهورية جوزيف عون الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على مناطق الجنوب ولا سيما على منطقة النبطية ومحيطها، وخروقاتها المتكررة لاتفاق الإطار ولعمل مجموعة التنسيق العسكرية وللقوانين الدولية بحماية المدنيين، ما أدى إلى استشهاد عائلة كاملة من بلدة أنصار.

واعتبر الرئيس عون أن هذه الانتهاكات تشكل رسالة واضحة للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق.

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

بري

من جانبه، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن «المجزرتين اللتين ارتكبتهما طائرات الاحتلال الإسرائيلي في بلدة أنصار ودير الزهراني، وأسفرتا عن استشهاد عائلة بكامل أفرادها جُلُّهُم من النساء والأطفال، تندرجان في سياق استكمال حرب الإبادة التي تواصل آلة القتل والدمار الإسرائيلية شنها ضد الحجر والبشر والتراث وكل ما هو متصل بحياة الإنسان في الجنوب، وهي بالدليل القاطع تثبت أن المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية لا تقيم وزناً لأي اتفاقات وقوانين وجهود لإنهاء الحرب والتوتر في لبنان وكذلك في المنطقة».

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (د.ب.أ)

وأضاف بري: «إن العدوان على بلدة أنصار ودير الزهراني والمنصوري وقرى قضاء النبطية هو دعوة ممهورة بدماء الأطفال والنساء إلى اللبنانيين جميعاً وخاصة القوى السياسية على مختلف مواقعها، دعوة لمقاربة العدوان الإسرائيلي وتداعياته وأبعاده مقاربة وطنية بعيدة عن أي شكل مناطقي أو طائفي أو حزبي، هو دعوة لترسيخ مناخات الوحدة الوطنية، وهو أيضاً برسم رعاة المفاوضات واتفاقات وقف النار لتحمل المسؤولية لوقف حرب الإبادة قبل فوات الأوان».

سلام

بدوره، أكد رئيس الحكومة نواف سلام في بيان، أن التصعيد الإسرائيلي «وما رافقه من غارات وقصف كثيف وترهيب للأهالي في منازلهم، أمر بالغ الخطورة ويقوّض مساعي تثبيت الاستقرار في الجنوب».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (د.ب.أ)

وقال سلام «إن شهداء الغارة الإسرائيلية على بلدة أنصار السبعة ليسوا (بنية تحتية عسكرية)، والأطفال والنساء الذين قُتلوا فيه ليسوا أهدافاً عسكرية».

وشدد سلام على أن «مسؤولية التعامل مع أي بنى عسكرية، إذا وُجدت على الأراضي اللبنانية، هي مسؤولية الدولة اللبنانية حصراً، من خلال الجيش اللبناني ومؤسساتها الشرعية، ولا يمنح وجودها إسرائيل حق استباحة الأراضي اللبنانية أو تعريض المدنيين للخطر».

وأكد رئيس الحكومة اللبنانية أن «على إسرائيل وقف هذا التصعيد. فأمن أهلنا وحقهم في الحياة على أرضهم ليسا موضع تفاوض أو مساومة».

«حزب الله»

ويرفض «حزب الله» المدعوم من طهران بشكل مطلق التفاوض المباشر مع إسرائيل والتخلي عن سلاحه. وفي تعليق على التصعيد الإسرائيلي، وصف «حزب الله» ما جرى بأنه «جريمة موصوفة تضاف إلى سجل العدو الحافل بالمجازر والجرائم وسفك دماء اللبنانيين وتفجير منازلهم وجرف حقولهم ومحو معالم قراهم».

عناصر من الصليب الأحمر اللبناني في موقع الاستهداف الإسرائيلي في بلدة أنصار بجنوب لبنان (د.ب.أ)

ورأى أنه «يعبر عن رغبة وإرادة رئيس وزراء العدو المجرم نتنياهو بتصعيد الحرب تعزيزاً لواقعه السياسي الداخلي، وخدمة لأهدافه الانتخابية وإرضاءً لليمين المتطرف».

وقال الحزب إن «هذا التمادي في العدوان وانتهاك سيادة لبنان تتحمل مسؤوليته حكومة العدو والولايات المتحدة التي تؤمِّن الدعم والغطاء لها، فيما يجب على السلطة اللبنانية أن تبحث عن السبل المتاحة لوقف هذا العدوان، وألا تصر على الاستمرار في مسار المفاوضات المباشرة المذلة وتقديم الهدايا المجانية للعدو، رغم كل ما يرتكبه من جرائم واعتداءات، وما يعلنه من نوايا عدوانية وتوسعية تجاه لبنان».

وقال الحزب في بيانه: «لقد آن للسلطة أن تراجع حساباتها مراجعة شاملة بما يحفظ سيادة لبنان وحقوقه، بدل الاستمرار في سياسات تأكّد عجزها عن حماية لبنان وشعبه، وأن تقف موقفاً وطنياً وشجاعاً ومسؤولاً، وأن تتوقف عن اللهاث خلف المفاوضات التي يجرّها إليها الأميركي، وأن تدرك أن الرهان على الضمانة والوساطة الأميركية هو رهان خائب، فالأميركي شريك للعدو الإسرائيلي في جرائمه ومجازره بحق لبنان».

وقال الحزب إن «اعتداءات العدو الإسرائيلي وتجاوزاته ومحاولاته فرْض أمر واقع لا يمكن أن تستمر، وستقابل بما يناسبها، دفاعاً عن لبنان وشعبه وسيادته وكرامته الوطنية».