لبنان: مخيم عين الحلوة أمام اختبار وقف جديد لإطلاق النار

«الأمن الوطني الفلسطيني» يتهم القوى الإسلامية بدعم «المتشدد»

موجة نزوح فلسطينية جديدة من عين الحلوة (د.ب.أ)
موجة نزوح فلسطينية جديدة من عين الحلوة (د.ب.أ)
TT

لبنان: مخيم عين الحلوة أمام اختبار وقف جديد لإطلاق النار

موجة نزوح فلسطينية جديدة من عين الحلوة (د.ب.أ)
موجة نزوح فلسطينية جديدة من عين الحلوة (د.ب.أ)

يختبر مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، الواقع جنوب لبنان، منذ ما بعد ظهر يوم الخميس، مدى التزام القوى المتصارعة فيه؛ وعلى رأسها «فتح»، والمجموعات المتشددة، باتفاق وقف إطلاق النار، الذي أعلن عنه رئيس «المجلس النيابي» نبيه بري، والذي قام بجهود حثيثة لتثبيته.

وقالت مصادر «فتح»، لـ«الشرق الأوسط»، إنها «ملتزمة بما اتفق عليه وستعطي فرصة جديدة للمساعي السلمية لتنفيذ المطالب التي كان اتفق عليها، وأبرزها تسليم قتَلة القيادي الفتحاوي اللواء أبو أشرف العرموشي ورفاقه».

وبدا الهدوء الحذِر الذي شهدته شوارع وأزقّة عين الحلوة مع بعض الخروقات، طوال يوم الخميس، أَشبه بـ«استراحة مُحارب» يعلم المقاتلون أنها قد تنتهي في أية لحظة، خصوصاً بعد معارك عنيفة جداً شهدها المخيم، ليل الأربعاء - الخميس، دوّى صداها في مناطق جنوب لبنان استُخدمت خلالها، ولأول مرة، القنابل المضيئة.

في حين أُفيد بسقوط 15 قتيلاً وأكثر ‏من 150 جريحاً، خلال الأسبوع الفائت، بدا واضحاً أن القتال تجاوز إطار المعركة بين حركة «فتح» والمجموعات المتشددة المتحصنة في المخيم، إذ توسَّع بعد دخول قوى وفصائل أساسية أخرى في عين الحلوة لدعم المتشددين.

في هذا السياق قال قائد الأمن الوطني الفلسطيني بمنطقة صيدا، العميد أبو إياد الشعلان، إن «كل القوى الإسلامية، وخصوصاً عصبة الأنصار وحماس والجهاد الإسلامي، أصبحت طرفاً في المعارك، إن كان من خلال دعمها المتشددين، أو المشاركة في القتال لصالحهم ومدّهم بالمقاتلين من خارج المخيم»، مؤكداً، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، «جهوزية (فتح) التامة للمواجهة واجتثاث المتشددين المخرّبين باعتبارهم لا يشكلون خطراً على المخيم وحده، وإنما أيضاً على مناطق الجوار».

وأوضح الشعلان أن «فتح أعطت كثيراً من المُهل والفرص لتسليم قتَلة القيادي الفتحاوي اللواء أبو أشرف العرموشي ورفاقه، لكن كل الوعود ضربها المتشددون عرض الحائط»، لافتاً إلى أن «خوض معركة حقيقية وهجوم كبير بوجههم ليس مستبعَداً، وإن كنا لن نتخذ مثل هذا قرار من دون التنسيق مع القوى الأمنية اللبنانية باعتبارنا في النهاية ضيوفاً على أرض لبنانية».

وتفقّد، الخميس، قائد الجيش، العماد جوزيف عون، لواء المشاة الأول في منطقة صيدا، واجتمع بالضباط والعسكريين، واستمع إلى إيجاز حول المهمات المنفَّذة في ظل الاشتباكات الدائرة داخل مخيم عين الحلوة. وأفيد بأن العماد عون نوّه بـ«صمود العناصر واحترافهم وتضحياتهم في أداء الواجب، خصوصاً خلال الظروف الاستثنائية الحالية في قطاع مسؤولية اللواء».

كذلك انتشر فيديو، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يُظهر دخول فوج المغاوير في الجيش اللبناني مدينة صيدا، ما فسّره البعض بأنه قد يكون استعداداً لتدخُّلٍ ما فيما يحصل في المخيم. إلا أن مصادر أمنية أكدت، لـ«الشرق الأوسط»، أن «زيارة العماد عون إلى صيدا، كما وجود المغاوير فيها، أمر عادي وطبيعي؛ لمواكبة ما يجري في المخيم، كما أن المغاوير يقومون بجولات في المدينة باستمرار منذ اندلاع المعارك». وجزمت المصادر بأن «الجيش لا يخطط على الإطلاق لدخول المخيم أو المشاركة في المعارك، وتكرار تجربة مخيم نهر البارد؛ لأن الوضع في عين الحلوة معقَّد أكثر بألف مرة».

وقالت «الوكالة الوطنية للإعلام» إن «أنواعاً جديدة من القذائف المدفعية والصاروخية استُخدمت، ليل الأربعاء - الخميس، في المعارك، وقد سُمع دويُّها في أماكن بعيدة من عمق الجنوب، ما أدى إلى اشتعال الحرائق داخل المنازل الواقعة في محاور الاقتتال والأماكن المستهدَفة، وإلى موجة نزوح كثيفة للأهالي التي شملت أحياء جديدة نتيجة اشتداد القصف العشوائي الذي طالها».

كذلك أفيد بإصابة منزل نجل النائب أسامة سعد؛ معروف سعد، برصاص طائش نتيجة اشتباكات مخيم عين الحلوة.

في هذا الوقت، تواصلت الحركة السياسية لاستيعاب هذه الأحداث بعد فشل «فتح» و«حماس» بفرض وقف إطلاق النار، الذي جرى التفاهم عليه بعد اجتماع وفدين من الحركتين في السفارة الفلسطينية بالعاصمة اللبنانية بيروت، بمشاركة عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» عزام الأحمد، وعضو المكتب السياسي لحركة «حماس» موسى أبو مرزوق، اللذين أتيا إلى لبنان بمحاولة لاستيعاب التطورات في المخيم.

والتقى الرئيس بري الأحمد وأبو مرزوق في اجتماعين منفصلين، وبحث معهما ضرورة «وقف القتال فوراً». وقال بري، لـ«الشرق الأوسط»، إنه طرح على المسؤولين الفلسطينيين صيغة حل وافقوا عليها، مشيراً إلى أنه تبلغ من الجميع «النية لتنفيذ هذه الصيغة، ووقف القتال العبثي المدمِّر فوراً».

ورأى أبو مرزوق أن «أي عمل داخل الموضوع الفلسطيني يجب أن يكون بالحوار والتوافق والتفاهم». وقال، بعد لقائه رئيس «مجلس النواب»، على رأس وفد قيادي من الحركة، إن المفروض أن يتوقف ما يحصل في عين الحلوة «فوراً». وأضاف: «وضعنا كل ذلك أمام دولة الرئيس، ونُراهن عليه أن يوقف هذه المهزلة التي تحصل في المخيمات. لا بدّ من وقف لإطلاق النار، وسحب المسلَّحين، وإنهاء العسكرة داخل المخيمات بهذا الشكل المُهين، وعودة الشعب الفلسطيني إلى مكانه في المخيم، وفتح المدارس وانسحاب المقاتلين منها، وعودة العملية التعليمية من جديد».

أما الأحمد فقد لفت، بعد اللقاء، إلى أنه «منذ بداية الشرارة الأولى، تحركت حركة أمل وقيادتها، وجرى اجتماع في مكتبها في صيدا لهيئة العمل الفلسطيني المشترك، وكانت بصمات بري لهذا التشكيل الذي يضم كل القوى الفلسطينية، مهما تباينت خلافاتهم، وهو يلعب دوراً من أجل تعزيز أمن واستقرار مخيم عين الحلوة والمحيط اللبناني في منطقة صيدا».

وأشار إلى «ضرورة الإسراع في إنجاز التحقيق الذي تتولاه لجنة فلسطينية لبنانية مشتركة، والتي بدأت فيه فور تشكيلها، ووصلت إلى كثير من الحقائق والمؤشرات، وهي تعمل ليل نهار، حتى في سماع بعض الشهود وبعض المتهمين في عقر دارهم. واستعمت لهم، نحن لا نريد إلا الحقيقة، ولا نريد إلا أن يتولى القضاء اللبناني محاسبة كل مَن خرج على القانون، وشارك في جريمة اغتيال العرموشي، وشارك الاشتباك المفتعل الذي جرى في بعض مناطق عين الحلوة، وحتى بعض مناطق الجوار اللبناني، في تهجير آلاف العائلات اللبنانية والفلسطينية، وأدى إلى دمار كان يجب ألّا يكون الدمار والسلاح، يجب أن يكون للعدو الصهيوني موجهاً، وليس بين هذا الفصيل أو ذاك».

وحول إمكانية استثمار بعض الجهات على الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني، قال: «أشرت بشكل غير مباشر إلى أن الذي جرى ليس محلياً في لبنان، وما دار ليس بعيداً عما كان في نفس لحظة الاجتماع للأمناء العامّين في الفصائل الفلسطينية في مدينة العلمين بمصر، من أجل تعزيز الوحدة الفلسطينية في مواجهة المحتلّ، وأيضاً في مواجهة النيل من الشعب الفلسطيني، ومحاولات تصفية قضيته على الصعيدين الإسرائيلي والدولي، وحادث هنا وحادث هناك ليسا بعيدين عن نفس المؤامرة؛ اجتياحات جنين ومخيم جنين ونابلس وبلاطة ونور شمس في طولكرم. أيضاً ليس بعيداً عن المحاولات التي تجري هنا لقتل القضية الفلسطينية، لكننا بالمرصاد، ونحن نعمل أولاً على تصحيح تفكير المضللين كي يعودوا إلى رشدهم ونعزز الأمن والاستقرار في مخيم عين الحلوة».

وفي بيان مشترك، أصدراه، الخميس، طالبت حركتا «الجهاد الإسلامي» و«حماس»، بـ«وقف فوري لإطلاق النار، ورفع قوى المقاومة الفلسطينية الغطاء عن كل المتورطين في هذه الاشتباكات، وإلى رصّ الصفوف وتوحيد الموقف الفلسطيني في مواجهة العدو الصهيوني وحده، وضرورة توقيف المتورطين في الجرائم، وتسليمهم إلى الجهات اللبنانية المختصة».


مقالات ذات صلة

الجيش اللبناني يحبط محاولتي تهريب متفجرات من سوريا ومخدرات إليها

المشرق العربي آليات للجيش اللبناني في دورية مؤللة (أرشيفية - مديرية التوجيه)

الجيش اللبناني يحبط محاولتي تهريب متفجرات من سوريا ومخدرات إليها

أحبط الجيش اللبناني عمليتين منفصلتين بين لبنان وسوريا لتهريب مخدرات وقذائف ومتفجرات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مدخل بلدة رميش في جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

قرى مسيحية حدودية في جنوب لبنان تخشى العزلة برحيل «اليونيفيل»

تخشى القرى المسيحية الحدودية الثلاث، رميش ودبل وعين إبل، في جنوب لبنان، أن يؤدي انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) إلى فقدان مقومات الصمود.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

الاتحاد الأوروبي يمهد لبقاء قواته في لبنان بعد «اليونيفيل»

يمدد الاتحاد الأوروبي تنفيذ التزاماته بدعم المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية، بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، عبر استحداث بعثة جديدة لتقديم التدريب والاستشارات.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس (الرئاسة اللبنانية)

أوروبا تدفع للتمديد لـ«اليونيفيل» وتنشئ بعثة لتدريب القوى المسلحة اللبنانية

شهدت بيروت، الخميس، حركة دبلوماسية أوروبية وأميركية، تمحورت حول مستقبل الوضع الأمني في جنوب لبنان، ومصير القوات الدولية العاملة فيه، ومسار تنفيذ «اتفاق الإطار».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي 
دورية لقوات «يونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (يونيفيل)

إطلاق النار على «اليونيفيل» يعيد سؤالاً لبنانياً عن «الشاهد الدولي»

يعيد إطلاق النار على موقع تابع لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» قرب كفرشوبا، طرح سؤال يتجاوز سلامة الجنود إلى مستقبل الرقابة الدولية في الجنوب.

صبحي أمهز (بيروت)

6 جرحى في هجوم إسرائيلي بشمال شرقي لبنان

مركبة تابعة للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)
مركبة تابعة للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)
TT

6 جرحى في هجوم إسرائيلي بشمال شرقي لبنان

مركبة تابعة للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)
مركبة تابعة للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن هجوماً إسرائيلياً وقع، الجمعة، في شمال شرقي البلاد، بالقرب من الحدود السورية، أسفر عن إصابة ستة أشخاص، وتحديداً في منطقة ظلت بمنأى إلى حد كبير عن حوادث مماثلة منذ وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت الوزارة إن «الاعتداء الإسرائيلي في محيط بلدة حوش السيد علي في قضاء الهرمل أدى إلى 6 جرحى من بينهم 5 من الجنسية السورية في عدادهم سيدتان إضافة إلى جريح لبناني»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية أن «مسيّرة حربية معادية استهدفت سيارة في حوش السيد علي».

ودخل لبنان الحرب في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل قال إنها رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في أولى الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وردّت إسرائيل بحملة غارات كثيفة وبتوغل بري لقواتها التي احتلت عشرات البلدات والقرى في جنوب لبنان وبعمليات تفجير واسعة النطاق.

وتراجعت وتيرة أعمال العنف بعد إبرام الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم في يونيو (حزيران)، وتوقيع الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية برعاية أميركية اتفاق إطار نصّ على نزع سلاح «حزب الله» وانسحاب الدولة العبرية تدريجياً من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بدءا من مناطق «تجريبية».

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الخميس، مقتل ضابط وإصابة ثلاثة جنود بجروح طفيفة في جنوب لبنان.


الفلسطينيون بانتظار إعلان تأجيل الانتخابات... خطوة غير مفاجئة

عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلسطينيون بانتظار إعلان تأجيل الانتخابات... خطوة غير مفاجئة

عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (أرشيفية - رويترز)

ينتظر الفلسطينيون إعلاناً رسمياً من الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بتأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، بعدما اتفقت حركة «فتح» مع الفصائل الفلسطينية على ذلك، في خطوة لم تكن مفاجئة.

وقال مصدر فلسطيني مطلع، لـ«الشرق الأوسط»، إن تأجيل الانتخابات كان متوقعاً منذ اللحظة الأولى التي أصدر فيها الرئيس الفلسطيني المرسوم. وأضاف: «جاء المرسوم تلبية لطلبات وضغوط خارجية من أجل تجديد الشرعيات والإصلاح. ولم يكن أحد هنا مستعداً لذلك... لا (فتح) ولا (حماس) ولا الفصائل كانت مستعدة للانتخابات. ورغم إعلان الجميع أنهم مع إجراء هذه الانتخابات، دفع الجميع نحو تأجيلها... حتى الآن لم يشكل أي فصيل رئيسي قائمته ولم يقدمها للجنة الانتخابات».

جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية في اجتماع سابق بالقاهرة (حساب حماس في تلغرام)

وحسب المصدر، يُفترض أن ترفع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، التي تجتمع السبت، توصية للرئيس عباس بتأجيل الانتخابات من أجل إعطاء الحوار الوطني فرصة، ولأن الظروف السياسية والأمنية معقدة وغير مهيأة في هذا الوقت.

ولم يتضح ما إذا كان عباس سيحدد موعداً جديداً، أو سيعلن أنها ستُجرى خلال الربع الأخير من العام القادم كما تقدر الكثير من المصادر.

وأبلغ نائب الرئيس الفلسطيني، حسين الشيخ، فرنسا بتأجيل الانتخابات فعلاً لعدة أشهر، بسبب تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وفق رسالة اطلعت عليها وكالة «رويترز».

وجاء في رسالة من الشيخ إلى وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، أمس (الخميس)، أن التقييم خلص إلى أن الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي كان من المتوقع توافرها لإجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المحدد لم تتحقق.

وأضافت الرسالة أن إجراء الانتخابات في ظل الظروف الحالية يواجه عقبات جوهرية تؤثر في شمولية العملية الانتخابية، وحرية المشاركة فيها، ونزاهتها.

ولم تُجرَ انتخابات تشريعية أو رئاسية فلسطينية منذ عامي 2005 و2006، حين أُجريت آخر انتخابات من هذا النوع، قبل أن تسيطر «حماس» على قطاع غزة وتُخرج منه القوات الموالية للرئيس محمود عباس.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة عن بُعد وجهها إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك (أرشيفية - إ.ب.أ)

وكان عباس أعلن أن الانتخابات التشريعية ستجرى في نوفمبر القادم، ضمن سلسلة إصلاحات ضخمة أطلقها في السلطة الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شملت إعادة تشكيل لجنة الانتخابات المركزية، واستحداث منصب نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ونائب رئيس دولة فلسطين، وتشكيل لجنة لصياغة دستور مؤقت للمرحلة الانتقالية من «السلطة» إلى «الدولة»، وتعيين رؤساء جدد لجميع قادة الأجهزة الأمنية تقريباً، وإحالة مئات الضباط برتبة عميد للتقاعد بمرسوم رئاسي، وانتخابات محلية في الضفة وغزة ثم انتخابات لقيادة حركة «فتح».

لكن على الرغم من كل هذه الإصلاحات، تشكك الفلسطينيون في مسألة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

وجاءت رسالة الشيخ لتقطع الشك باليقين مؤكدة فعلاً تأجيل الانتخابات.

وقالت الرسالة إن المسؤولين الفلسطينيين كانوا يتوقعون تحسن الظروف من خلال تنفيذ مبادرة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للسلام، وتطبيق قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، بما يشمل نشر قوات دولية وشرطة فلسطينية في قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية.

وأضافت أن الجانب الفلسطيني كان يتوقع أيضاً تحركاً أميركياً لمنع المزيد من ضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، والحد من عنف المستوطنين، والإفراج عن أموال فلسطينية تحتجزها إسرائيل وتبلغ قيمتها نحو 7 مليارات دولار.

وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد حركة «فتح» بالقاهرة في أبريل 2025 (الخارجية المصرية)

وجاء في الرسالة: «لكن هذه الخطوات والتفاهمات والوعود لم تتحقق، بل تدهورت الأوضاع في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية»، مشيرة إلى مشكلات أمنية في قطاع غزة والضفة الغربية.

وبناءً على هذا التقييم، أوصى المسؤولون الفلسطينيون الرئيس عباس بتعديل موعد الانتخابات وتأجيلها عدة أشهر، مع مواصلة الحوار بهدف تهيئة الظروف الداخلية اللازمة لإجرائها، حسب الرسالة.

أسباب «فتحاوية» وفصائلية

وإضافةً إلى الأسباب التي ساقها الشيخ، قالت مصادر أخرى، لـ«الشرق الأوسط»، إن عدم الاتفاق داخل «فتح» كان سبباً رئيسياً للذهاب نحو تأجيل الانتخابات.

وأضافت المصادر أنه لم يكن هناك اتفاق واضح مع القيادي الكبير مروان البرغوثي الذي أطلق مبادرة قبل الانتخابات من أجل «توحيد حركة (فتح) بجميع كُتلها وتياراتها»، وكان ثمة مخاوف من أنه قد يدفع نحو تشكيل قائمة خاصة.

وينوي البرغوثي الترشح للرئاسة وليس للتشريعي، لكن دعمه قائمة أخرى غير قائمة «فتح» الرسمية، من شأنه أن يخلط الأوراق.

وكانت «فتح» تواجه كذلك تحدياً يتعلق بتيار الإصلاح الذي يقوده المسؤول السابق في الحركة، محمد دحلان، الذي كان اتفق مع «حماس» على تشكيل قائمة واحدة لخوض الانتخابات تضم فصائل أخرى، ولم يتضح إذا ما كان يمكن أن ينضم إلى البرغوثي، لاحقاً، لو شكل قائمته الخاصة.

وإضافة إلى ذلك، كان ثمة مسؤولون غاضبون في «فتح» شرعوا فعلاً في تشكيل قوائم خاصة.

وتريد «فتح» الذهاب بقائمة واحدة، ويحتاج هذا إلى المزيد من الوقت والمشاورات الداخلية.

قوات إسرائيلية أثناء هدم مبنى فلسطيني قرب الخليل في الضفة الغربية يوم 5 أكتوبر 2026 (رويترز)

كذلك فشلت محاولة التصالح مع تيار دحلان في وقت سابق، رغم محاولات إقليمية لحل مشكلة هذا التيار بعودته إلى «فتح» أو تشكيله حزباً سياسياً جديداً على الساحة الفلسطينية.

وإلى جانب «فتح»، لم تكن «حماس» حسمت أمرها نهائياً، وكانت تحتاج إلى تحالف واسع وقوي بعد أن تعهدت بعدم خوض الانتخابات باسمها أو عبر قادتها وعناصرها المعروفين.

وأيّدت «حماس» و«الجهاد الإسلامي» كذلك تأجيل الانتخابات. وقبل الجميع، طالبت «الجبهة الشعبية» بتأجيلها وإعطاء الحوار الوطني فرصة.

وقال المصدر: «الكل كان يدفع نحو التأجيل. المسألة ليست متعلقة بالسلطة و(فتح) فقط».

ولا يملك الفلسطينيون قرار الانتخابات منفردين، بل لإسرائيل كلمة فصل فيما يخص ذلك.

ورفضت الحكومة الإسرائيلية السماح للجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية بدخول قطاع غزة والقدس لمتابعة التحضيرات للانتخابات.

وكان مصدر فلسطيني مسؤول قال لوكالة الأنباء الرسمية «وفا»، الثلاثاء، إن الحكومة الإسرائيلية رفضت السماح بدخول اللجنة إلى القطاع والقدس، في خطوة وضعت عقبة مباشرة أمام إجراء انتخابات تشمل الأراضي الفلسطينية بكاملها.


رئيس الحكومة اللبنانية: مسارات مترابطة لاستعادة قرار الدولة والإصلاح

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)
TT

رئيس الحكومة اللبنانية: مسارات مترابطة لاستعادة قرار الدولة والإصلاح

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام: «إننا نعمل على مسارات مترابطة» تتمثل في «استعادة قرار الدولة وسلطتها على كامل أراضيها، وإطلاق الإصلاحات اللازمة للنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار»، مشيراً إلى أن «النجاح في أحدها لا يغني عن التقدم في المسارات الأخرى».

وقال سلام خلال افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب: «لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة للحروب والأزمات المتعاقبة. خسروا أرواحاً وأرزاقاً وبيوتاً ومدّخرات، وخسر كثير من شبابنا الثقة بقدرتهم على بناء مستقبلهم في وطنهم».

وإذ أشار إلى المسارات المترابطة، أكد أنه «لا اقتصاد قابلاً للنهوض من دون إصلاح وثقة ومساءلة، ولا إعادة إعمار مستدامة من دون أمن واستقرار، ولا استقرار ثابتاً من دون دولة تملك وحدها قرار الحرب والسلم، ولا دولة قادرة من دون مؤسسات فاعلة».

وتابع: «هكذا لا يبقى مستقبل اللبنانيين رهينة قرارات لا يتخذونها عبر مؤسساتهم الدستورية، أو صراعات لا يريدونها، أو حروب لا يختارونها، بل يدفعون أثمانها مرة بعد مرة»، مشيراً إلى أن «استعادة سيادة الدولة تقتضي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضينا، ووقف الاعتداءات، وعودة النازحين إلى بيوتهم عودة آمنة وكريمة، وإعادة إعمار قراهم ومدنهم».

وقال سلام: «الدولة التي نريد لا تكتمل سيادتها على أرضها إذا بقيت ضعيفة أمام المصالح الفئوية والخاصة، ولا تستعيد ثقة الناس إذا لم تقم على العدالة والمساواة وسيادة القانون، وهذه هي المهمة التي نعمل من أجلها، مدركين أن الطريق ليس سهلاً، وأن التحديات كبيرة، وأن ما تراكم خلال عقود لا يمكن معالجته بين ليلة وضحاها»، مشدداً على أن «صعوبة المهمة لا تبرّر تأجيلها، وحجم التحديات لا يعفينا من تحمّل المسؤولية».

نهضة شاملة للبنان

ورأى سلام أن «الحديث عن النهضة الثقافية يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن النهضة الشاملة التي يحتاج إليها لبنان»، لافتاً إلى أن «بلدنا لا يحتاج إلى إعادة إعمار ما تهدّم فحسب؛ بل إلى إعادة التفكير في الكثير مما أوصله إلى ما هو عليه». وقال: «لا يكفي أن نعيد بناء بعض مؤسسات الدولة، بل علينا أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة نفسه، وإلى مكانتها في وجدان اللبنانيين، وفي علاقتهم بعضهم ببعض، وفي نظرتهم إلى حقوقهم وواجباتهم».

سلام يتوسط رؤساء حكومات سابقين ووزيري الثقافة اللبناني والسوري خلال افتتاح معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)

وشدد على أن «النهضة التي يحتاج إليها لبنان ليست مجرد مشروع اقتصادي أو إداري أو عمراني. إنها أيضاً نهضة في الفكر السياسي، وفي الثقافة الوطنية، وفي مفهوم المسؤولية العامة».

وقال سلام: «نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية لا تختزل السياسة بالصراع على السلطة، بل تراها مسؤولية عن الصالح العام، وإلى ثقافة مواطنة لا تنكر تنوّع اللبنانيين، بل تجعل من الدولة إطاراً جامعاً لهذا التنوع. نحن بحاجة إلى فضاء ثقافي وإعلامي يتيح النقاش الحر، ويشجّع السؤال والمساءلة، ويواجه خطاب الكراهية والتضليل، من دون أن يخشى النقد أو يسعى إلى إسكات الأصوات المخالفة».

بناء المستقبل

وأكد أن «النهضة الفكرية ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الإصلاح السياسي والاقتصادي. إنها أحد شروط نجاح هذا الإصلاح واستدامته».