توسع القتال في «عين الحلوة» يهدد محيطه اللبناني

لا قرار فلسطيني بالحسم... وتقاسم نفوذ على وقع «الخطوط الحمراء»

TT

توسع القتال في «عين الحلوة» يهدد محيطه اللبناني

فلسطينيون ينزحون عن مخيم عين الحلوة هرباً من المعارك (إ.ب.أ)
فلسطينيون ينزحون عن مخيم عين الحلوة هرباً من المعارك (إ.ب.أ)

حالت التناقضات السياسية والتعقيدات الميدانية دون تثبيت حاسم لاتفاق وقف إطلاق النار في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا بجنوب لبنان، حيث تجددت الاشتباكات المتقطعة في ظل تقاسم لمناطق نفوذ ميدانية، ومحاولة الفصائل الإسلامية الاستفادة من غياب قرار سياسي لدى «فتح» بالحسم، حسبما قال مصدر فلسطيني بارز في المخيم لـ«الشرق الأوسط».

ولم يصمد اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه فصائل منظمة التحرير الفلسطيني من جهة، والفصائل الإسلامية من جهة أخرى، بدفع سياسي لبناني وفلسطيني ورعاية الجيش اللبناني حيث استضاف مدير المخابرات في الجنوب العميد سهيل حرب اجتماعاً حضره أمين سر «فتح» فتحي أبو العردات وممثّل حركة «حماس» في لبنان أحمد عبد الهادي.

وتجددت الاشتباكات المتقطعة، وتوسع إطلاق النار إلى خارج المخيم، مما أدى إلى مقتل شخص في بلدة الغازية المحاذية، وإصابة اثنين آخرين، وبقي طريق صيدا - الجنوب مغلقاً عند الأوتوستراد الشرقي بسبب رصاص القنص والرصاص الطائش، فيما ارتفع عدد القتلى إثر الاشتباكات إلى ثلاثة.

اتصال عباس - ميقاتي

حريص على تحقيق هذه التهدئة، وأن تتم معالجة الأمور وفق القانون اللبناني، وبالتنسيق مع الدولة اللبنانية. 

الرئيس الفلسطيني محمود عباس

ومع تمدد القتال داخل أحياء المخيم، توسعت أيضاً الاتصالات السياسية، إذ أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس السبت، أنه أصدر تعليمات مشددة بضرورة تحقيق تهدئة كاملة وشاملة في مخيم عين الحلوة. 

وأكد عباس، في بيان عقب تلقيه اتصالاً هاتفياً من رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، لبحث الأحداث الجارية بمخيم عين الحلوة، «ضرورة التزام الأطراف كافة بتحقيق التهدئة».

وبحسب البيان، شدد عباس على حرصه على «تحقيق هذه التهدئة، وأن تتم معالجة الأمور وفق القانون اللبناني، وبالتنسيق مع الدولة اللبنانية».  

 

ما يحدث في مخيم عين الحلوة لا يخدم القضية الفلسطينية ويشكل إساءة بالغة إلى لبنان

رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي

من جهتها، أعلنت رئاسة وزراء لبنان أن ميقاتي شدد خلال اتصال مع عباس على أولوية وقف الأعمال العسكرية في مخيم عين الحلوة. 

وشدد ميقاتي على أن ما يحدث في مخيم عين الحلوة لا يخدم القضية الفلسطينية ويشكل إساءة بالغة إلى لبنان، مؤكداً أن على الفلسطينيين في المخيم «أن يتعاطوا مع الدولة اللبنانية وفق قوانينها وأنظمتها والحفاظ على سلامة مواطنيها».  

كما أكد رئيس الحكومة خلال الاتصال «أولوية وقف الأعمال العسكرية والتعاون مع الأجهزة الأمنية اللبنانية لمعالجة التوترات القائمة».

 

استمرار الاشتباكات بين الفصائل الفلسطينية في عين الحلوة هو محض جنون وانتحار

الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة

 وأبدى رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة استنكاره الشديد لتجدد الاشتباكات المسلحة في مخيم عين الحلوة ودعا إلى وقفها فوراً. وقال السنيورة إنّ «استمرار الاشتباكات بين الفصائل الفلسطينية في عين الحلوة هو محض جنون وانتحار، فهم يدمرون منازل الفلسطينيين واللبنانيين»، مشيراً إلى أنّه «يجب تسليم من قتل العرموشي فوراً إلى السلطات اللبنانية الأمنية والقضائية لنيلهم العقاب القانوني». 

وأضاف: «مدينة صيدا التي حضنت الأخوة الفلسطينيين تدفع الثمن الكبير من أمنها واستقرارها وحياة سكانها، وهذا أمر لا يجوز السكوت عليه والقبول به». وتابع: «هذا الشطط والإجرام يجب أن يوضع له حد بأسرع وقت ويجب التفكير في الحلول الناجعة والنهائية، فلا يمكن أن نقبل باستمرار تعرض المدينة لهذه الأوضاع مع اقتراب موعد بدء العام الدراسي». وأضاف: «ما يجري في صيدا يفوق التصور والقدرة على الاحتمال وهل هذا هو جزاء المعروف؟». ولفت إلى أن «كل الحلول الممكنة يجب أن تبحث ويتم التفكير بها». 

توسع القتال 

فلسطينيون ينزحون عن مخيم عين الحلوة هرباً من المعارك (إ.ب.أ)

واندلعت الجولة الجديدة من الاشتباكات يوم الخميس الماضي، بعد شهر على هدنة كانت الأطراف المتقاتلة قد توصلت إليها في الشهر الماضي، لكن هذه الفترة لم تنهِ أسباب التوتر. وقالت مصادر في «فتح» لـ«الشرق الأوسط» إن أحد القياديين الإسلاميين نمر عيسى الذي كان يتحصن في حطين، افتتح المعركة الخميس انطلاقاً من حي حطين، حيث هاجمت مجموعته مقرات لـ«فتح»، مما اضطرها لصد الهجوم، وملاحقة العناصر الإسلامية إلى حي السينما في الحي، مشيرة إلى أن عيسى «حاول تخفيف الضغط الذي مارسته (فتح)، حين ألزمتهم في المعركة الأخرى على البقاء في الحي وعدم التحرك». 

وقالت وسائل إعلام لبنانية إن حدة الاشتباكات تصاعدت في مخيم عين الحلوة ظهر السبت، في حي حطين وجبل الحليب غرب المخيم، وسرعان ما امتدت إلى المحاور التقليدية في البركسات والطوارئ والبستان اليهودي.  

وقالت المصادر إن القوى الإسلامية «آزرت مجموعة العيسى التي كانت تتحصن في مجمع المدارس، وفتح المعركة في حي الطوارئ لتخفيف الضغط عن المجموعة الأولى»، فيما توسع القتال ليصل السبت إلى حي المنشية حيث «هاجمت مجموعة أخرى مواقع لفتح، وبلغ القتال أطراف حي الطيري، الذي تتحصن فيه فصائل فتح».  

واللافت، بحسب مصادر «فتح»، أن مجموعات لبنانية تتحصن في المخيم، شاركت الإسلاميين في القتال، وهم أربعة «معروفون بالاسم من جماعة (القيادي السلفي الموقوف لدى السلطات اللبنانية) أحمد الأسير، فيما يتحصن أربعة آخرون في حي حطين». وقالت إن مناطق سيطرة الإسلاميين «باتت ملاذاً للمطلوبين اللبنانيين الفارين إلى مخيم عين الحلوة، وهم معروفون بالاسم، وبينهم لبناني يهرّب المطلوبين إلى إدلب السورية بالتواصل مع فارين مطلوبين للسلطات اللبنانية يوجدون في الشمال السوري».  

خطوط حمراء 

وتبدو مناطق السيطرة المقسمة والتعقيدات الميدانية والسياسية، «صورة عن التجاذبات السياسية في الداخل الفلسطيني وفي المنطقة»، حسبما تقول مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، في حين تقول مصادر فلسطينية إن «خطوطاً حمراء كثيرة وُضعت بوجه (فتح) ومنعتها من الحسم منذ الجولة الماضية»، شارحة لـ«الشرق الأوسط» أن الحسم «يحتاج إلى قرار سياسي، وهو غير متوفر حتى الآن، مما جعل المخيم يرقد على نار تغطيها الرماد، تشتعل كل فترة». وقالت المصادر الفلسطينية إن الإسلاميين في المخيم «يستفيدون من حالة اللاحسم لتحسين مكاسبهم وفرض مناطق نفوذ، كما يستفيدون منها لعدم تسليم المتهمين باغتيال قائد الأمن الوطني الفلسطيني أبو أشرف العرموشي ومرافقيه في الشهر الماضي». وقالت إن قاتلي العرموشي، كما قاتلي القيادي الإسلامي عبد فرهود «معروفون بالاسم، ومع ذلك لم يتم تنفيذ الاتفاقات بتسليمهم للسلطات اللبنانية».  

تهديد لسكان المخيم ومحيطه 

شخص يشاهد المعارك من منطقة مشرفة على عين الحلوة (إ.ب.أ)

وبات القتال في المخيم يشكل خطراً على المدنيين داخله الذين نزح قسم منهم إلى صيدا والجوار، إثر احتراق ممتلكات ومنازل المدنيين، كما يشكل خطراً على محيط المخيم، وأدى إلى قطع طريق حيوي في صيدا، حيث أُصيب اثنان وقتل آخر برصاصة طائشة بالقرب من المسلخ في منطقة الغازية، ونقلت جثة القتيل إلى مستشفى الراعي في صيدا، كما جرح شخص في سينيق أمام محله لبيع قطع غيار السيارات. 


مقالات ذات صلة

«حزب الله»... مسار طويل من الانقلاب على قرارات الحكومة اللبنانية

المشرق العربي مشاركون في تشييع عدد من القتلى بينهم عناصر في «حزب الله» قتلوا خلال الحرب مع إسرائيل في بلدة المنصوري في جنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله»... مسار طويل من الانقلاب على قرارات الحكومة اللبنانية

ليس جديداً على «حزب الله» الانقلاب على قرارات الحكومة اللبنانية أو تجاوزها عند تعارضها مع خياراته السياسية والعسكرية.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي من الوقفة التضامنية للصحافيين في بيروت (الصورة من الإنترنت)

الصحافة اللبنانية تشكو لـ«الإسكوا» الاستهداف الإسرائيلي المتعمّد

دعا نقيب محرري الصحافة اللبنانية جوزيف القصيفي إلى محاسبة إسرائيل دولياً على استهدافها الصحافيين اللبنانيين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لقطة من فيديو لعنصر من «حزب الله» يجهِّز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

تصعيد ميداني إسرائيلي يوسّع رقعة العمليات في جنوب لبنان

أعاد كلام رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بوجود «تهديدَين رئيسيَّين» يواجهان الجيش الإسرائيلي، هما الصواريخ والطائرات المسيّرة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع.

صبحي أمهز (بيروت)
خاص علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)

خاص اقتصاد لبنان «يتوغّل» في حال عدم اليقين... والتضخم يستعيد زخم الارتفاع

حسم مصرف لبنان المركزي جدليّات التباين الصريح في التقديرات الرقمية لتحديثات حجم الناتج المحلي، ليستقر عند مستوى 33 مليار دولار مطلع العام الحالي.

علي زين الدين (بيروت)

اتصالات داخلية لتوحيد موقف لبنان... ودعم واسع لمواقف عون

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً النائب ملحم رياضي موفداً من رئيس حزب «القوات» سمير جعجع (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً النائب ملحم رياضي موفداً من رئيس حزب «القوات» سمير جعجع (الرئاسة اللبنانية)
TT

اتصالات داخلية لتوحيد موقف لبنان... ودعم واسع لمواقف عون

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً النائب ملحم رياضي موفداً من رئيس حزب «القوات» سمير جعجع (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً النائب ملحم رياضي موفداً من رئيس حزب «القوات» سمير جعجع (الرئاسة اللبنانية)

تتكثف الاتصالات الداخلية في لبنان لتوحيد الموقف حيال المفاوضات مع إسرائيل، في ظل الخلاف في مقاربة الموضوع، لا سيما مع اعتراض «حزب الله» على مسارها والحملة الممنهجة التي يقوم بها ضد رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، مقابل دعم واسع لهما في الداخل اللبناني وفي صفوف معظم الأفرقاء.

آلية عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)

وفيما من المتوقع أن يعقد اجتماع بين عون ورئيسي البرلمان نبيه بري والحكومة نواف سلام في الساعات المقبلة، في محاولة لتوحيد الموقف اللبناني لا سيما في ظل عدم الالتزام بالهدنة، برز موقف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الذي نفى وجود أي نيات لدى بلاده للاستيلاء على أراضٍ لبنانية.

وقال ساعر، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الصربي ماركو ديوريتش، إن «إسرائيل ليس لديها أي مطامع في أراضي لبنان. إنّ وجودنا في المناطق الواقعة على حدودنا الشمالية يخدم غرضاً واحداً وهو حماية مواطنينا»، في إشارة إلى انتشار القوات الإسرائيلية في مناطق بجنوب لبنان، وذلك في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي عملياته الجوية والميدانية ضد «حزب الله» رغم وقف إطلاق النار.

رياشي: دعم كامل للرئيس ونشجعه على لقاء ترمب

وفي إطار الدعم الداخلي الذي يلقاه الرئيس عون لا سيما بعد الموقف الأول من نوعه الذي أطلقه، الاثنين، متهماً «حزب الله» بالخيانة، قائلاً: «الخائن من أخذ بلده للحرب تحقيقاً لمصالح خارجية»، زاره النائب ملحم رياشي موفداً من رئيس حزب «القوات» اللبنانية سمير جعجع. وبعد اللقاء، قال رياشي: «أجرينا جولة أفق حول الأحداث الراهنة، لا سيما المفاوضات بين لبنان وإسرائيل من أجل وقف إطلاق النار، وضبط ما يحصل في الجنوب. وكان اتفاقنا كاملاً على مجمل المشهد الحالي، وأبدينا تأييداً كاملاً لخطوات فخامته، ودعماً كاملاً لأدائه، وللعمل الذي يقوم به».

وفي إشارة إلى الحديث عن لقاء الرئيس عون مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، قال رياشي: «نحن نشجعه على اللقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وإذا كانت هناك لقاءات أخرى ستحصل، فيجب أن تحصل في وقتها وليس الآن، وعلى أثر إنجاز معيّن، ولا تحصل في بداية الطريق بل في نهايته. ونحن لا مانع لدينا تجاه أي خطوة تخلّص لبنان وشعبه، وخصوصاً أهلنا في الجنوب».

ورداً على سؤال حول الموقف الأميركي، قال رياشي: «فهمت من فخامته أن هناك إيجابية كاملة من الولايات المتحدة بالتعاطي معه، وهم إيجابيون جداً حول مسألة المفاوضات وحل مسألة جنوب لبنان بأسرع وقت ممكن، وبالطرق التي يجب أن تُحل من خلالها»

وعن الحديث حول نظام جديد تعمل عليه الولايات المتحدة، أوضح: «كلا، ليس هناك أي شيء جاهز بهذا الخصوص. الأساس اليوم هو وقف إطلاق النار وإحلال السلام في الجنوب، وخطوات المفاوضات التي لا بديل عنها على الإطلاق. نحن نتابع كل ذلك مع فخامة الرئيس وله دعمنا الكامل».

وأشار رياشي إلى أن حزب «القوات اللبنانية» يعمل على «فتح الأبواب الموصدة وإيجاد أرضية مشتركة مع مختلف الأطراف».

«الكتائب»: موقف الرئيس عون يعبر عن إرادة اللبنانيين

وفي الإطار نفسه، اعتبر المكتب السياسي لحزب «الكتائب» في اجتماعه الدوري برئاسة النائب سامي الجميّل، «أن موقف رئيس الجمهورية عبّر عن إرادة اللبنانيين الرافضة لأنْ تنفرد ميليشيا (حزب الله) بفرض إرادتها على اللبنانيين خدمةً لمصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، مؤكداً أن خريطة الطريق التي رسمها لبنان للوصول إلى السلام تترجم عملياً في المسار التفاوضي الذي بدأ برعاية عربية ودولية.

ودعا المكتب السياسي إلى توفير كل الظروف الملائمة لبلوغ المساعي خواتيمها، بما يؤمّن الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات، واستعادة الأسرى، وإنهاء حالة الحرب، ونشر الجيش، وإطلاق مسار إعادة الإعمار.

كما توقّف «الكتائب» عند كلام الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم حول رفضه التفاوض ومخرجاته، معتبراً «أنه يشكّل انقلاباً متمادياً على الدولة ومؤسساتها، ومحاولة مكشوفة لفرض الإرادة بقوة السلاح الذي أعلنت الحكومة اللبنانية أنه محظور»، ومؤكداً أنه «ليس مقبولاً أن تستمر مصادرة القرار الوطني وربط مصير لبنان بشروط إيران وحساباتها في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، فيما يدفع اللبنانيون وحدهم أثمان هذا الارتهان».


تشميع منزل المتهم الرئيسي في «مجزرة التضامن»

نساء يرفعن صوراً لضحايا «مجزرة التضامن» في الحي احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صوراً لضحايا «مجزرة التضامن» في الحي احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
TT

تشميع منزل المتهم الرئيسي في «مجزرة التضامن»

نساء يرفعن صوراً لضحايا «مجزرة التضامن» في الحي احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صوراً لضحايا «مجزرة التضامن» في الحي احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

أغلقت السلطات السورية منزل أمجد يوسف المتهم الرئيسي في «مجازر حي التضامن 2013» بالشمع الأحمر، فيما باشرت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» عملها في استكمال الملف القانوني لـ«مجازر حي التضامن»، من خلال زيارة الموقع جنوب العاصمة دمشق، وجمع مزيد من الأدلة الميدانية ولقاء أهالي الضحايا وشهود العيان وتوثيق الشهادات، في إطار تفعيل مسار المساءلة القانونية وتحقيق العدالة.

ودأب أهالي الضحايا في حي التضامن على زيارة موقع المجزرة، مطالبين بإخراج رفات الضحايا من الحفر وإعادة الدفن في قبور تحمل أسماءهم، وفق ما قالته أم محمد، التي فقدت زوجها في المجزرة، أمام عدد من الإعلاميين كانوا في الموقع الثلاثاء. وتمنت أم محمد إحضار أمجد يوسف وكل من شاركه في ارتكاب المجازر إلى موقع دفن الضحايا والقصاص منهم.

سورية تقبل الأرض خلال الاحتفال بالقبض على المتهم بارتكاب «مجزرة التضامن» في الحي جنوب دمشق الجمعة الماضي (إ.ب.أ)

درة؛ من دير الزور سبق أن ظهرت في مقاطع بثها نشطاء تجلس قريباً من موقع الحفرة، تحكي قصة اعتقال زوجها من منزله عام 2013، وتعرضها للضرب من أحد عناصر الأمن، وكانت حينها حاملاً في شهرها الـ8... قالت إنها كل يوم تزور موقع الحفرة وتخبر ابنها أن والده موجود هنا. وتطالب أم محمد بإنصافها وتعويض الضرر؛ إذ تشكو من فقدان العائل والفقر الشديد.

وفي إشارة إلى تحريك ملف «مجازر التضامن» في مسار العدالة الانتقالية بعد القبض على المتهم الرئيسي فيها، زار وفد من «هيئة العدالة الانتقالية» موقع «حفرة التضامن» وعاينه، واستمع إلى شهادات ميدانية بشأن مواقع تنفيذ المجازر الأخرى في الحي. ثم عقد اجتماع موسع ضم أعضاء اللجان وجمعاً من أهالي الضحايا الذين عبروا عن هواجسهم بشأن مسارات المحاسبة، وتحقيق العدالة. وعدّ الوفد توثيق روايات الأهالي أساس بناء ملف قانوني متكامل لملاحقة الجناة أمام المحافل الدولية والوطنية.

سورية تحمل صور أقارب لها قتلوا في «مجزرة التضامن» بالحي جنوب دمشق الجمعة الماضي (إ.ب.أ)

وأفادت «تنسيقية حي التضامن» الدمشقي بأن أهالي الحي وجهوا رسالة واضحة في الاجتماع بأنهم «لا يبحثون عن انتقام، بل عن عدالة تحفظ كرامة من رحلوا، وتضمن عدم تكرار هذه الفظائع».

وأفادت وسائل إعلام رسمية بأن هذه الخطوة تهدف إلى تفعيل مسار المساءلة القانونية وتحقيق العدالة للضحايا، حيث أكد الوفد التزامه الكشف عن «الحقائق كاملة، وضمان عدم الإفلات من العقاب في الجرائم ضد الإنسانية».

في الأثناء، شَمّعَت السلطات السورية منزل المتهم أمجد يوسف، في قرية عين الطيب بسهل الغاب في ريف حماه الغربي، بعد 5 أيام من إلقاء القبض عليه. وبثت قناة «الإخبارية السورية» الرسمية، الثلاثاء، مقطعاً مصوراً يُظهر وضع ختم بالشمع الأحمر على الباب الخارجي لمنزل قالت إنه يعود إلى المتهم الرئيسي في مجزرة التضامن أمجد يوسف.

وأفادت تقارير إعلام محلي بأن أهالي قرية نبع الطيب لم يكونوا على علم بوجود أمجد يوسف في القرية، حيث كان يتحرك متخفياً، وبأن ما يعرفونه أن والديه وزوجته وأطفاله كانوا يعيشون في المنزل.

صورة وزعتها وزارة الداخلية السورية للمتهم أمجد يوسف بعد إلقاء القبض عليه يوم 24 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

يذكر أنه بعد عمليات رصد وتتبع استمرت أياماً عدة دُوهِم المنزل في 24 أبريل (نيسان) الحالي، وأُلقي القبض على أمجد يوسف من داخل غرفة نومه، دون مقاومة، وفق الجهات الأمنية.

يذكر أن شقيقتَيْ المتهم ظهرتا لاحقاً في مقطع فيديو تستنكران تحميل شقيقهما المسؤولية كاملة عن «مجزرة التضامن»، «الذي كان ينفذ الأوامر» وفقهما، وأكدتا أنه تطوع لدى الأمن العسكري بسبب الفقر، وأن من يتحمل المسؤولية عن المجازر هو بشار الأسد.

سوريون يحتفلون بالقبض على المتهم بارتكاب «مجزرة التضامن» في الحي جنوب دمشق الجمعة الماضي (إ.ب.أ)

إلا إن أمجد يوسف، وفي اعترافات بثت مقاطع منها وزارة الداخلية السورية، اعترف بقتل أكثر من 40 شخصاً، وأنه تصرف دون أمر مباشر من رؤسائه، مؤكداً أنه لم يتلق أوامر من أحد.

كما اعترف بأنه هو من ظهر في مقطع الفيديو الذي نشرته صحيفة «الغارديان» في أبريل 2022 يطلق النار على مدنيين عزل مقيدين معصوبي الأعين، قبل رميهم في حفر كبيرة وإحراقهم.

وأشار يوسف، الذي كان يحمل رتبة مساعد أول في «شعبة المخابرات العسكرية - الفرع 227»، إلى أنه كان يتناوب إطلاق النار مع شخص يدعى نجيب الحلبي، وهو عنصر في ما تعرف بـ«ميليشيا الدفاع الوطني».

وبشأن سبب إعدام كل تلك الأعداد من الضحايا المدنيين، قال: «كان يتم اعتقالهم بناء على تقارير أمنية ووشايات تتهمهم بالارتباط بالمعارضة وبالمجموعات مسلحة».


اليأس يحكم قبضته على أسرة لبنانية نازحة وسط استمرار التوترات

أطفال ربيع خريس يتناولون وجبة الإفطار أثناء جلوسهم في مأواهم داخل مخيم مؤقت في بيروت (رويترز)
أطفال ربيع خريس يتناولون وجبة الإفطار أثناء جلوسهم في مأواهم داخل مخيم مؤقت في بيروت (رويترز)
TT

اليأس يحكم قبضته على أسرة لبنانية نازحة وسط استمرار التوترات

أطفال ربيع خريس يتناولون وجبة الإفطار أثناء جلوسهم في مأواهم داخل مخيم مؤقت في بيروت (رويترز)
أطفال ربيع خريس يتناولون وجبة الإفطار أثناء جلوسهم في مأواهم داخل مخيم مؤقت في بيروت (رويترز)

لا يزال ربيع خريس يجد صعوبة في التأقلم مع حياته بظروفها الجديدة رغم مرور نحو شهرين على اندلاع أحدث حرب بين إسرائيل و«حزب الله» اللبناني، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وكان هذا الأب لتسعة أبناء يكسب قوته ويوفر الطعام لعائلته من خلال ورشته لإصلاح السيارات في جنوب لبنان، لكنه الآن يكابد في خيمة بالعاصمة بيروت.

وشأنهم شأن كثيرين، فرت عائلة خريس من بلدة الخيام في جنوب لبنان في الساعات الأولى من صباح الثاني من مارس (آذار) بعد لحظات من تلقيها نبأ قيام جماعة «حزب الله» بإطلاق النار باتجاه إسرائيل، فيما شكل الشرارة لإطلاق حرب جديدة.

وسرعان ما استنتج خريس، وهو فني إصلاح سيارات يبلغ من العمر 45 عاماً، أن إسرائيل ستقصف بلدات جنوب لبنان رداً على ذلك، وهرع ‌لإبعاد عائلته بما عليهم ‌من ملابس.

وبالفعل صدقت توقعاته: بدأت الضربات في غضون لحظات. لكن ‌ما ⁠لم يكن خريس يتخيله ⁠هو أنه سيظل يعيش في شوارع بيروت لما يقرب من الشهرين معتمداً على التبرعات.

ربيع خريس يعرض صوراً لمنزله المتضرر جراء غارة إسرائيلية بينما يجلس في مأواه داخل مخيم مؤقت في بيروت (رويترز)

وقال: «صرت عم حس حالي إني مثل سجين أنا وولادي في غرفة ومحكوم علينا مؤبد بس امتى بييجي الفرج لنطلع من هيدا المؤبد ما حدا عارف... يعني مسكر علينا باب وما عم نقدر نظهر وما عم نقدر نحكي وما نقدر نعمل شي».

مستقبل قاتم في انتظار النازحين

تستيقظ عائلته كل صباح وسط خيام من قطع من الأخشاب والأغطية البلاستيكية التي تصدر صوتاً مزعجاً عندما تكون هناك رياح. وبالنظر لعدم وجود مرش استحمام (دُش) فإنهم يستحمون في ⁠أحواض بلاستيكية ويغسلون ملابسهم يدوياً.

وتعيش شقيقته الكبرى معهم، وهي مصابة بالسرطان وتعاني ‌من أجل الحصول على الرعاية الصحية.

يقول خريس: «بنعيش في خيام، وما عم ‌نعرف وين راح تاخدنا الأيام. نحلم بأن نستيقظ لنجد أنفسنا قد فزنا باليانصيب حتى نتمكن من الخروج من ‌هذه الفوضى».

ورغم وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، تواصل إسرائيل استهداف لبنان وتحتل قواتها ‌مساحات في الجنوب وتدمر منازل تصفها بأنها بنية تحتية لـ«حزب الله».

آدم خريس يشارك في نشاط للرسم داخل مخيم مؤقت في بيروت (رويترز)

ويشمل ذلك عمليات هدم شبه يومية في الخيام التي أصبحت الآن شبه مدمرة بالكامل وخالية من سكانها الذين كان يبلغ عددهم حوالي عشرة آلاف نسمة.

وفي الوقت نفسه، تواصل جماعة «حزب الله» هجماتها ضد القوات الإسرائيلية في لبنان وشمال إسرائيل.

وتتبادل إسرائيل و«حزب الله» الاتهامات بخرق وقف ‌إطلاق النار، الذي أبرمته الحكومتان الإسرائيلية واللبنانية دون «حزب الله».

وأدى استمرار الأعمال القتالية إلى تعميق الشعور باليأس لدى كثير من اللبنانيين، ولا سيما النازحين ⁠الذي يقدر عددهم ⁠بنحو 1.2 مليون شخص، والذين كانوا يأملون في أن يؤدي وقف إطلاق النار إلى ضمان عودتهم إلى ديارهم لكنهم وجدوا أنفسهم بدلاً من ذلك ممنوعين من دخول الجنوب إلى أجل غير مسمى.

آية خريس (19 عاماً) تتحدث مع حماتها سعاد وجارتها فاتن (30 عاماً) خارج الخيام في مخيم مؤقت في بيروت (رويترز)

وقال خريس واصفاً البلدة الواقعة بين التلال والأراضي الزراعية وتضم بساتين زيتون: «الخيام هي بلدتي، منطقتي، أرضي، بيتي، عملي، أهلي، أحبائي، كل شيء. بالطبع، كل ذكرياتي في الخيام. أفتقد كل شيء فيها».

دوامة صراع بين «حزب الله» وإسرائيل

فقد أحد أبناء خريس، وهو الأكبر سناً، عينه عندما أصابت غارة إسرائيلية منزلهم في الخيام خلال حرب «حزب الله» وإسرائيل في عام 2024. سحب خريس أطفاله من تحت الأنقاض بيديه، وقال :«مرقت عليا هيدا الساعة أو الساعة ونص بمقدار سنين».

وتعرضت ورشته لأضرار خلال تلك الحرب لكنه عاد وأعاد بناءها، لكنه لا يعلم ما إذا كانت ورشته ومنزله لا يزالان قائمين الآن.

آدم خريس يشارك في نشاط للرسم داخل مخيم مؤقت في بيروت (رويترز)

ويخشى خريس أن يؤدي قلقه بشأن مستقبل أبنائه إلى إصابته بجلطة دماغية. ويفكر في بيع سيارته إذا لم يتمكن من إيجاد عمل.

وقال: «إيش ذنبهم؟. ما عم يصير لي مجال تا أقدر أكفي، لأقدر أعيشهم لأقدر أخليهم ينبسطوا ويعيشوا بها الدنيا، يكملوا حياتهم، ما يعيشوا اللي أنا عيشته».