الذكاء الاصطناعي يشق طريقه في غزة

تطبيقات ملهمة وابتكارات متنوعة

صورة أرشيفية من مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي في شنغهاي (رويترز)
صورة أرشيفية من مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي في شنغهاي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يشق طريقه في غزة

صورة أرشيفية من مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي في شنغهاي (رويترز)
صورة أرشيفية من مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي في شنغهاي (رويترز)

ابتكر المهندس الفلسطيني نصر شويخ اختراع «العين الذكية» لتمكين المكفوفين من فهم محيطهم وما يجري حولهم بشكل أفضل، ويعزز قدرتهم على الحركة والاستقلالية ويحسن حياتهم بشكل عام.

«كانت فكرة نابعة من قلب إنسان لإنسان، ثم أضحت اختراعا قد يفتح عيونا أُغلقت لسبب أو لآخر»، هكذا تحدث شويخ مع وكالة «أنباء العالم العربي» عن اختراعه الذي استخدم فيه الذكاء الاصطناعي.

قال إن زميلته في الفريق اقترحت هذه الفكرة لمساعدة صديقتها الكفيفة، مضيفا لأن «آلية هذا المشروع مبنية على استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور، وتوليد وصف مفصل للمشاهد، ثم تحويل هذا الوصف إلى كلام قريب من الواقع باستخدام تقنية تحويل النص إلى كلام (TTS)».

وتابع «تضمنت وظائف النظارة الذكية عدة ميزات تُمكن المكفوفين من استخدامها بسهولة، سواء بالضغط على أزرار أو عبر الأوامر الصوتية، والتي شملت تقديم وصف للمشاهد أمام المستخدم وقراءة النصوص الموجودة في الصور وتحويلها إلى كلام يمكن للمكفوف من خلالها قراءة الكتب والمقالات».

وأضاف أن من بين خوارزميات الذكاء الاصطناعي المتخصصة التي تعتمد هذه الوظائف، مراقبة العناصر الأساسية في المشهد وتحديد التسميات، ومراقبة الوجوه والمشاعر، واستشعار الألوان، وإنشاء تعليق قصير للصورة.

بعدها تؤخذ جميع البيانات التي تقدمها هذه الخوارزميات لتمريرها على تقنية API (واجهة برمجة التطبيقات) من مؤسسة (OpenAI)، وذلك لتوليد وصف شامل ودقيق للمشهد أمام الكفيف، ومن ثم تمرير هذا الوصف عبر برنامج لتحويل النص إلى صوت كي يتمكن الكفيف من تخيل محيطه.

وشويخ مهندس من قطاع غزة متخصص في هندسة الميكاترونيكس التي تجمع بين الهندسة الميكانيكية والكهربائية وهندسة الحاسوب والإلكترونيات.

تحديات واجتهاد

من أكبر التحديات التقنية والمادية التي واجهت شويخ القطع الإلكترونية المكلفة والشحيحة في القطاع.

لكن شويخ نجح في إنجاز مشروعه الذي نال استحسانا وفاز في مسابقة نظمتها مؤسسة «النيزك» على مستوى الأراضي الفلسطينية، وحصل فيها فريقه المكون منه ومن ثلاثة آخرين من قطاع غزة على المركز الأول.

وكان الفريق ضمن الثلاثين الفائزين برحلة تعليمية إلى الوكالة الأميركية للطيران والفضاء «ناسا» في السابع من يونيو (حزيران) الماضي.

ودعا المهندس الفلسطيني الشباب إلى تعلم التكنولوجيا والبرمجة وتطوير أنفسهم باستمرار، مؤكدا أهمية الثقة بقدراتهم الشخصية والعمل المتواصل نحو بلوغ أهدافهم. وأكد أن بإمكانهم تحقيق نجاحات مبهرة بالاجتهاد والإصرار.

التقنيات في قطاع التعليم

من جانبه، قال مازن الخطيب، المدير العام للتقنيات التربوية في وزارة التربية والتعليم العالي في قطاع غزة، «خلال الأعوام السابقة كان الحاسوب يلعب دورا رئيسيا في المجال التعليمي، لكن أصبح هناك تحول جذري تمثل في تغير المفهوم نفسه للتكنولوجيا في المناهج».

وأشار إلى أن هذه المواد تركز على مفاهيم الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، وقال إن وحدات تعليمية تناقش مفهوم أجهزة الروبوت في الصفوف العليا، مما يمنح الطلبة فهما عميقا لعالم التكنولوجيا.

وأضاف «الوزارة تسعى لتبني منهجية جديدة لتعلم البرمجة تهدف إلى تنمية مهارات التفكير الابتكاري للطلبة وتعليمهم كيفية التحكم فيها باستخدام لوحات إلكترونية متخصصة».

واستطرد قائلا: «لدينا طلبة ابتكروا كثيرا من المشاريع مثل تطوير خلايا شمسية متحركة تتبع حركة الشمس، وتوليد طاقة شمسية فعالة، وكذلك تحسين التكنولوجيا الطبية لمساعدة المرضى في تناول العلاج».

وتابع «نعي جيدا التحولات الهائلة التي يشهدها منهج التعليم على مر السنوات، وهذه التغيرات أثرت إيجابا على قطاع التعليم في غزة».

وأضاف الخطيب «نسعى لتطوير بيئة تعليمية تعزز من تفاعل الطلبة والمعلمين مع التطبيقات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، وتعطي أهمية لدور المعلم كشخص محوري في هذه العملية»، مشيرا إلى تنفيذ مشروع تدريب 28 معلماً في مجال الذكاء الاصطناعي والبرمجيات لتمكينهم من تقديم تجربة تعليمية أفضل للطلبة بتمويل من منظمة «اليونسكو».

وأشار إلى تحديات مثل صعوبة إدخال القطع الإلكترونية اللازمة بسبب الحصار والظروف السياسية، مؤكدا جهد الوزارة في التغلب على هذه التحديات بتطوير تطبيقات بسيطة ومبتكرة تعمل بكفاءة على أجهزة محمولة بسيطة، شبيهة بالتطبيقات التي طورها الطلبة أنفسهم.

أجهزة الروبوت في التعليم

وتحدث باسل أصرف، رئيس قسم (مركز الإنتاج - خان يونس) التابع لدائرة المصادر التعليمية في الإدارة العامة للتقنيات التربوية، عن إمكانيات الذكاء الاصطناعي وكيف تفتح فرصا مذهلة لاستخدامه في معالجة البيانات بكفاءة عالية، وتحقيق توقعات دقيقة لتفاعل الطلبة.

وتناول أصرف عدة أمثلة لتجارب نجحت في تحسين جودة التعليم باستخدام التقنيات المتقدمة في قطاع غزة خاصة في مجال التعليم، ومنها روبوت «أديسون» التعليمي.

وعنه قال: «هو روبوت قابل للبرمجة يتبع منهجية STEM (علوم، وتكنولوجيا، وهندسة، ورياضيات) ويقدم مصادر تعليمية تفاعلية في مجالات مختلفة»، مشيرا إلى استخدامه لتعزيز تعلم الطلاب في مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي.

وأضاف «تم تقديم روبوت Weeemake الذي يتمتع بخصائص فريدة، ويمكن تغيير شكله وتعديله وفقا لاحتياجات التعليم، مع تكنولوجيا تشمل الذكاء الاصطناعي»، لافتاً إلى استخدامه لتعزيز تعلم طلبة المرحلة الثانوية.

وتابع «التعلم باستخدام الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على المدارس الحكومية فقط، بل يمتد إلى الخاصة أيضا. وهناك تجربة لمدرسة خاصة بغزة ابتكرت (السيد روبوت)، وهو روبوت تعليمي يتفاعل مع الطلاب ويعلمهم المفاهيم الفيزيائية».

ذكاء اصطناعي يشق طريقه في غزة

في عالم يشهد تطورات تكنولوجية متلاحقة، يبرز اسم الدكتور إياد الأغا الذي يجمع بين الخبرة والعلم في قطاع غزة، إذ يتولى منصب محاضر في كلية تكنولوجيا المعلومات بالجامعة الإسلامية ومساعد نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، ولديه شهادة اعتماد من «غوغل» في مجال التعلم العميق.

وتحدث الأغا عن «التجارب الملهمة» التي تشمل مختلف القطاعات، مشيراً إلى جهود شركة توزيع الكهرباء في تحليل بيانات الاستهلاك والشبكة لتحسين الأداء وتقديم خدمات أفضل. وأضاف أن هذه التقنية تتجسد أيضاً في بلدية القرارة التي أنشأت مدينة ذكية لتحسين الخدمات بشكل آلي.

وقال إن من بين أكبر التحديات التي تواجه تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في غزة نقص البيانات الضرورية ومحدودية البنى التحتية وضعف الأجهزة في مجال التعلم العميق وتطوير النماذج الذكية.

وأشار الأغا أيضا إلى أن استخدام موارد حاسوبية من خلال السحابة Cloud computing مكلف نوعا ما وخارج قدرات المؤسسات البحثية في غزة، فضلا عن عدم وجود الكفاءات البشرية المتخصصة في هذا المجال. وأضاف أن من بين التحديات أيضا الظروف السياسية والاقتصادية التي تعيق تطور البنية التحتية.

وتحدث عن تطبيقات محتملة في مجالات متعددة، مثل التشخيص الصحي الذكي الذي يمكن أن يسهم في اكتشاف الأمراض من خلال تحليل صور الأشعة والتحاليل، وعن قوة تقنيات التحليل لاستشفاف اهتمامات المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي واستهداف حملات دعائية.

وفي مجال السلامة المرورية، أكد الأغا إمكانية تطبيق أنظمة ذكية لرصد حركة المرور وتسجيل مخالفات السير. ويشير كذلك إلى تحسين التعلم باستخدام التحليل الذكي لمستوى الطلاب واقتراح تقديم الدروس وفقا لاحتياجاتهم.

وأكد أهمية العمل على نشر ثقافة الذكاء الاصطناعي واستثمارها في تحسين جودة الحياة وضرورة التحديث المستمر وتطوير معرفتنا في هذا المجال المتطور بشكل سريع.

وأشار خبير تكنولوجيا المعلومات الفلسطيني إلى أن مجال الذكاء الاصطناعي يتيح فرص عمل متنوعة ومجزية على الصعيدين المحلي والدولي خصوصاً أن هذه الفرص تتجاوز القيود المحلية الحالية.


مقالات ذات صلة

الغزيون قلقون من احتمال بقاء نتنياهو في الحكم

المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلوح لأنصاره خلال فعالية لحزبه «الليكود» يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

الغزيون قلقون من احتمال بقاء نتنياهو في الحكم

أبدى سكان بغزة، تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، خشيتهم من أن ينجح بنيامين نتنياهو بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، الأمر الذي سيكون له أثر كبير على مستقبل القطاع

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية جنود من الجيش الإسرائيلي يقفون للحراسة أثناء إغلاقهم حاجز المركبات عند نقطة تفتيش غرب نابلس في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل 25 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

لجنة أممية تتهم إسرائيل بارتكاب «إبادة» في الضفة الغربية

اتهمت لجنة دولية إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، من بينها جريمة «الإبادة»، وبمواصلة تنفيذ إبادة جماعية في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي مشيعون خلال جنازة 3 فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية في مستشفى الشفاء بمدينة غزة الأحد (رويترز)

إسرائيل تكثف غاراتها في غزة وتقتل 7 فلسطينيين

كثّف الجيش الإسرائيلي من نمط هجماته النهارية في غزة؛ إذ شن غارات خلال ساعات قصيرة من صباح الأحد، ما أسفر عن مقتل 7 فلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج قافلة المساعدات المقدمة من السعودية لدى وصولها إلى دير البلح وسط غزة (واس)

قافلة مساعدات إغاثية جديدة من السعودية تصل إلى غزة

وصلت قافلة مساعدات إغاثية جديدة إلى مدينة دير البلح وسط غزة، تحمل خياماً وسلالاً غذائية، ضمن الحملة الشعبية السعودية لإغاثة الشعب الفلسطيني في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص طلاب فلسطينيون يحضرون يومهم الدراسي الأول في العام الدراسي الجديد داخل فصل دراسي أقيم في خيمة بمدرسة في خان يونس جنوب قطاع غزة 19 سبتمبر الماضي (رويترز)

خاص تعافي النظام التعليمي في غزة قد يستغرق 7 سنوات

حذّرت مديرة التعليم في «أونروا» من بقاء أكثر من 200 ألف طفل بغزة خارج التعلّم المنظّم، موضحةً أن تعافي النظام التعليمي في القطاع قد يستغرق حتى سبع سنوات.

شادي عبد الساتر (بيروت)

دمشق تستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ضربات على الجنوب السوري

خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)
خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

دمشق تستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ضربات على الجنوب السوري

خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)
خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية السورية، الأربعاء، استدعاء السفير الأردني في دمشق للاحتجاج على غارات جنوب البلاد، الثلاثاء، أوقعت 7 قتلى بينهم أطفال، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشنّ سلاح الجو الأردني، الثلاثاء، غارات على جنوب سوريا، قالت عمّان إنها أوقعت أكثر من 20 قتيلاً من عناصر تنظيم «داعش»، ردّاً على إطلاق نار في كنيسة بالكرك جنوب الأردن، أسفر عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 25 آخرين، وفق السلطات الأردنية.

وأكّدت السلطات الأردنية أن مهاجمي الكنيسة الثلاثة، وهم أردنيون، كانوا مرتبطين بتنظيمات متمركزة في الجنوب السوري؛ حيث شنّت غاراتها.

وأعلنت «الخارجية السورية»، مساء الأربعاء، استدعاء السفير الأردني وتسليمه «مذكرة احتجاج على خلفية القصف الأردني الذي طال مواقع مدنية في محافظة درعا».

وجاء ذلك بعد ساعات من إعادة سوريا فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن، إثر إغلاقه بُعيد الضربات الأردنية التي طالت، وفق الدفاع المدني السوري، قرية في محافظة السويداء و3 قرى في محافظة درعا، موقعة 7 قتلى بينهم امرأة و3 أطفال، وفق دمشق.

وشكّلت الضربات التي أثارت غضباً واسعاً في سوريا واحدة من كبرى الأزمات في العلاقات بين البلدين منذ وصول السلطات السورية الجديدة إلى الحكم إثر إطاحة بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بعدما تبادلا الزيارات الرسمية مراراً.

وفي محاولة للتهدئة، أجرى وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ليل الثلاثاء اتصالاً بنظيره السوري أسعد الشيباني أكد فيه، وفق بيان مشترك، «احترام الأردن الكامل لسيادة سوريا ووحدة أراضيها وأمنها»، وأعرب خلاله عن «بالغ الأسف والألم على سقوط ضحايا من المدنيين الأبرياء».

وكانت دمشق قد ندّدت بالغارات الأردنية وعدّتها «انتهاكاً واختراقاً غير مقبول للأجواء السورية دون أي تنسيق مسبق».

وأكّدت أن «هذا التصرّف الميداني أمر مرفوض جملة وتفصيلاً... لكونه يمثل خرقاً صريحاً لمبادئ حسن الجوار والسيادة الوطنية السورية». إلا أن الأردن أكّد الثلاثاء أنه نسّق الضربات مع دمشق.

وقال وزير الاتصال الحكومي والناطق باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني، الثلاثاء، إن عمليات القصف «استهدفت مواقع لتنظيم (داعش)، بعد أن نفد صبر الأردن إزاء تحركات هذه التنظيمات الإرهابية واستهدافها الأمن الوطني».

وخلال الاتصال الهاتفي، اتفق الصفدي والشيباني، وفق البيان المشترك، على «تشكيل لجنة أمنية مشتركة للوقوف على جميع تفاصيل وحقائق العمليات الأخيرة ومتابعة تداعياتها، وتطوير آليات التنسيق الميداني والاستخباري للتعامل مع التهديدات الإرهابية».

وسبق أن شنّ الأردن غارات على جنوب سوريا استهدفت شبكات لتهريب المخدرات والأسلحة، إلى جانب مشاركته في غارات ضمن «التحالف الدولي» الذي قادته الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق.


بغداد ودمشق تؤسسان لمنظومة علاقات تضمن الاستقرار

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)
TT

بغداد ودمشق تؤسسان لمنظومة علاقات تضمن الاستقرار

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)

تشير المعطيات إلى توجه دمشق وبغداد نحو بناء شراكة استراتيجية، تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة. وقالت مصادر في دمشق إن زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، إلى دمشق، الأربعاء، شكلت «منعطفاً جوهرياً»، في إطار العلاقات بين البلدين على المدى المنظور، وعلى المدى البعيد، وفي حال تحققت الأهداف التي بنيت عليها الزيارة.

وتكمن أهمية الزيارة كونها الأولى لرئيس حكومة اتحادية في العراق إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد، وأتت تتويجاً «لتحسن تدريجي في العلاقات السياسية والتنسيق الأمني بين الطرفين، عكسته سلسلة زيارات متبادلة على مستوى وزراء الخارجية ومسؤولي أجهزة الاستخبارات»، بحسب الباحث في «مركز جسور للدراسات» عبد الوهاب عاصي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التقارب ترافق مع الاتفاق على تشكيل لجنة عليا للتنسيق المشترك في يونيو (حزيران) الماضي، وتطوير التعاون الميداني في مكافحة الإرهاب والتهريب عبر الحدود، فضلاً عن التعاون في ملف سجناء «تنظيم داعش»، ونجاح تجربة نقل الفيول العراقي بالصهاريج إلى بانياس لتصديره.

لقاء الشرع - الزيدي بحضور وزراء الخارجية والعدل والطاقة والمالية السوريين ومن الجانب العراقي نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الاقتصاد ووزراء الخارجية والمالية والنفط والعدل وعدد من المسؤولين

تمنح زيارة الزيدي، ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع، دعماً سياسياً على مستوى رئاسة البلدين لمسارات تعاون، اختبر الطرفان جدواها عملياً، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بما يعكس تنامي قدرة المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة على بناء الثقة وتوسيع العلاقة بين بغداد ودمشق. وفق الباحث عاصي.

وتجمع البلدين؛ سوريا والعراق، قواسم مشتركة، كما يتناقضان في قضايا متباعدة، وفق رئيس «مركز دراسات النهضة» بدمشق عبد الحميد توفيق، الذي وصف زيارة الزيدي بـ«المنعطف الجوهري». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه من القواسم المشتركة إمكانية تصنيف البلدين «بؤرتي توتر في الإقليم والمنطقة، وأيضاً نقطتي استقطاب للقوى الإقليمية والدولية». ويمكن للتوتر في المنطقة أن يؤجل كثيراً تواصلهما، كما قد يؤجل كثيراً تناقضهما. لكن هناك قوى إقليمية وقوى دولية ذات مصلحة في عودة العلاقات بين البلدين الجارين إلى حالة من الاستقرار والهدوء، بما يخدم مصالح الجميع، سواء قوى إقليمية (تركيا) أو قوى دولية (خاصة الولايات المتحدة الأميركية) التي تلوّح بالخروج من المنطقة على الصعيدين الأمني والعسكري لاحقاً.

عمال يملأون شاحنات صهريجية عراقية بالبنزين في محطة بانياس النفطية بمحافظة طرطوس السورية (د.ب.أ)

في السياق، أفادت مصادر قريبة من الحكومة في دمشق، لـ«الشرق الأوسط»، بمناقشة زيارة الوفد العراقي عدداً من الملفات الحيوية، في دمشق، في مقدمتها ملف النفط والطاقة، وتأمين منافذ بديلة لتصدير النفط العراقي عبر البحر الأبيض المتوسط في سوريا، وتوقيع مذكرات تفاهم لإعادة تأهيل خط أنابيب «حديثة - بانياس» الاستراتيجي. ومن المتوقع تنفيذ المشروع مع شركات إقليمية ودولية كبرى، أبرزها شركة «شيفرون» الأميركية.

كما جرى بحث العلاقات التجارية، في ظل ما تشهده الحدود السورية ـ العراقية من تنامٍ سريع في حركة النقل، مع عبور أكثر من 140 ألف شاحنة (بين استيراد وتصدير وترانزيت) من العراق إلى سوريا خلال الأشهر القليلة الماضية.

يذكر أن سوريا والعراق تشتركان بحدود تمتد لأكثر من 600 كيلومتر، يعدّ ضبطها الركيزة الأساسية للاستقرار الجيوسياسي الإقليمي. وتناولت المباحثات سبل تحقيق بيئة آمنة للمشاريع الاستثمارية الواعدة. إضافة إلى بحث ملف الأمن المائي والزراعي والمساحات الزراعية المشتركة التي تُقدّر بنحو 80 إلى 100 مليون دونم.

زار رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي الجامع الأموي في دمشق ورافقه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي)

وتسعى الحكومتان؛ السورية والعراقية، إلى تطوير مسارات ربط لوجستي ممتدة من ميناء الفاو العراقي وصولاً إلى ميناء طرطوس السوري، في خطوة تهدف إلى ربط أسواق الخليج العربي بالأسواق الغربية عبر الأراضي السورية.

ورغم أهمية التطورات الإيجابية المتسارعة في العلاقات الاقتصادية السورية ـ العراقية، فإنها تتركز على الشق التجاري، بحسب ما قالته مصادر اقتصادية في دمشق، لـ«الشرق الأوسط»، رأت في ذلك تقارباً أو تعاوناً فرضته التوترات الإقليمية وأزمة مضيق هرمز، في حين يجب على بلدين جارين بتاريخهما وجغرافيتهما المشتركة أن يدعما هذا التعاون والتنسيق بتكامل اقتصادي، يشمل القطاعات الإنتاجية، في إطار التنمية المستدامة التي يحتاجها البلدان. وأشارت المصادر إلى أن التحديات السياسية الإقليمية والدولية كانت تاريخياً عائقاً أمام تطوير بناء تكامل الاقتصادي مستدام بين البلدين.

الرئيس أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في مطار دمشق الأربعاء في أول زيارة يقوم بها إلى دمشق (الرئاسة السورية)

الباحث عبد الحميد توفيق تحدث عن وجود «منغصات كثيرة قد تعترض إنجاز العلاقات بين الجانبين، كما هو مأمول أو بوقت مبكر، منها ما يتصل بالعراق، وهو إيران ذات المصلحة بعدم استقرار العلاقات السورية ـ العراقية، ومحاولتها إبقاء أذرعها في البلد (عاملة فاعلة) حتى تحقق أهدافها، في ظل ما تتعرض له من حصار واحتمالات حرب تلوح مؤشراتها في المنطقة. أما المنغصات المتصلة بالجانب السوري فهو إسرائيل التي تسعى دائماً إلى خلق حالة توتر وعدم استقرار في سوريا على كل المستويات».

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (أ.ف.ب)

ويمكن للجانب الاقتصادي أن يشكل حاضنة أساسية ورافعة لتطوير العلاقات السياسية بين البلدين، بحسب الباحث عبد الحميد توفيق، وأيضاً للجانب الأمني «لاشتراك البلدين بتحديات أمنية كثيرة، وامتلاكهما القدرة على الفعل معاً»، لافتاً إلى أن «تنظيم داعش» يشكل تهديداً للبلدين، مشيراً هنا إلى وجود عناصر من «تنظيم داعش» مسجونين في العراق وفي سوريا، ما يعدّ «معضلة كبيرة، في ظل رفض بعض الدول الأوروبية الموافقة على استعادتهم. ما يبقيهم قنبلة موقوتة في البلدين».

وخلال الزيارة، كان ملف المعتقلين السوريين في العراق، ويتجاوز عددهم 3 آلاف معتقل، في مقدمة الملفات المطروحة على طاولة المباحثات، إذ طلب الجانب السوري تصنيفهم قانونياً تمهيداً لإعادتهم إلى بلادهم. وطرح الجانب العراقي استئناف الحج الديني إلى المقامات الشيعية وتأمين سلامة الزوار.

وبحسب المعطيات، تظهر دمشق وبغداد جدية في تغليب دبلوماسية المصالح المشتركة وصياغة منظومة أمنية واقتصادية كفيلة بضمان الاستقرار في العلاقات. ويقول الباحث عبد الحميد توفيق إن «الآفاق واعدة، طالما أن الإرادة السياسية متوفرة»، وطالما هناك «قوى إقليمية عربية ودولية لها مصلحة في استقرار العلاقات بين البلدين مستقبلاً».


قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)
TT

قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

قال الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، الأربعاء، إن حزبه لا يعنيه مَن يحكم إسرائيل، مؤكداً في الوقت نفسه أنه سيواصل مواجهة «العدوان»، وذلك غداة انتخابات محتدمة في الدولة العبرية لم تسفر عن فائز واضح، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتقدّم معسكر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد فرز أكثر من 85 في المائة من الأصوات، بفارق طفيف، لكنه ظل دون الأغلبية في انتخابات الثلاثاء، وهي الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي دفع إسرائيل إلى شن حرب على قطاع غزة، بالإضافة إلى خوضها حربين مع «حزب الله» في لبنان في عامَي 2024 و2026 وكذلك مع إيران.

وقبل أسبوع من انعقاد الانتخابات، توعّد نتنياهو بأن إسرائيل لن تتردد في ضرب أعدائها «في اللحظة التي يصبح فيها ذلك ضرورياً».

وقال قاسم في بيان: «لا يعنينا مَن يحكم الكيان الإسرائيلي الغاصب. لكن فليعلم أنَّه لن يتمكن من الاستمرار في احتلاله، وعليه أن يخرج من أرضنا».

وأكّد قاسم كذلك أن «المقاومة مستمرة... وستواجه العدوان عليها وعلى لبنان، ولا محلَّ للنقاش حول سحب سلاحها ما دام الاحتلال موجوداً وعدوانه مستمراً».

وإثر حرب مدمرة خاضها «حزب الله» وإسرائيل لأكثر من عام وانتهت بوقف لإطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أقرّت الحكومة اللبنانية خطة لنزع سلاح الحزب، نصّت على حصر السلاح بيد القوى الشرعية، وكلّفت الجيش بتنفيذها.

لكن «حزب الله»، الذي يرفض نزع سلاحه، انخرط مجدداً في المواجهة بشنه مطلع مارس (آذار) هجمات على إسرائيل رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، ما أعاد لبنان إلى الحرب.

وردّت إسرائيل بقصف مكثف على لبنان، واحتلال قسم من أراضيه، ما أسفر عن مقتل أكثر من 4300 شخص، وفق السلطات.

وكانت حدة الأعمال العدائية في لبنان قد تراجعت منذ أواخر يونيو (حزيران) بفضل مذكرة تفاهم إيرانية - أميركية، واتفاق إطار أبرم بين حكومتي لبنان وإسرائيل في يونيو (حزيران) 2026.

مع ذلك، تواصل إسرائيل شنّ ضربات، قائلة إنها تستهدف بنى تحتية لـ«حزب الله» في الجنوب اللبناني. ولم يعلن الحزب مسؤوليته عن أي هجمات منذ إبرام اتفاق الإطار.