إسرائيل لاستهداف سلاح سمحت بتدفقه إلى الضفة قبل أن يرتد إليها

غضت البصر عنه سنوات لخلق الفوضى

الجيش الإسرائيلي يقوم بتمشيط حوارة بالضفة الغربية  في أعقاب هجوم إطلاق نار 19 أغسطس  (د.ب.أ)
الجيش الإسرائيلي يقوم بتمشيط حوارة بالضفة الغربية في أعقاب هجوم إطلاق نار 19 أغسطس (د.ب.أ)
TT

إسرائيل لاستهداف سلاح سمحت بتدفقه إلى الضفة قبل أن يرتد إليها

الجيش الإسرائيلي يقوم بتمشيط حوارة بالضفة الغربية  في أعقاب هجوم إطلاق نار 19 أغسطس  (د.ب.أ)
الجيش الإسرائيلي يقوم بتمشيط حوارة بالضفة الغربية في أعقاب هجوم إطلاق نار 19 أغسطس (د.ب.أ)

يدرس الجيش الإسرائيلي إطلاق عملية واسعة في الضفة الغربية، هدفها الرئيسي جمع السلاح المكدس في أيدي الفلسطينيين، وهو سلاح طالما أرادت إسرائيل لأسباب متعلقة بالفوضى والفلتان، أن يتدفق إلى الضفة، لكنه أصبح يرتد إليها.

وقال مسؤول عسكري إسرائيلي كبير لموقع «واللا» العبري، إن الجيش سيضطر إلى إطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق في الضفة الغربية.

واستند المسؤول إلى تقديرات تشير إلى أن الجيش لا يجد مناصا من الشروع في عملية واسعة النطاق لجمع الأسلحة والذخيرة واعتقال المطلوبين في وقت واحد في الضفة. وتعزز هذا التوجه بعد قتل ثلاثة مستوطنين مؤخرا في عمليتين، الأولى في حوارة شمال الضفة الغربية والثانية في الخليل جنوبا.

عملية الخليل دقت ناقوس الخطر لدى الجيش الذي كان يركز جهوده في شمال الضفة الغربية، فوجد نفسه في خضم تصعيد في الجنوب.

نقطة تفتيش عند المدخل الجنوبي المغلق لمدينة الخليل في 22 أغسطس قرب مستوطنة «بيت حجاي» (أ.ف.ب)

ويتوقع الجيش عمليات أخرى في منطقة الخليل، المدينة الأكبر في الضفة الغربية الغارقة في سلاح بلا عدد تحتفظ به العائلات الكبيرة التي ينتمي أبناؤها إلى مختلف التنظيمات.

وقالت صحيفة يديعوت أحرونوت إن المنظومة الأمنية الإسرائيلية ترى أن دخول الخليل على خط الهجمات «يحمل مؤشراً خطيراً»، باعتبار أنها الأكبر وكانت هادئة حتى الآن ويوجد فيها بنية تحتية كبيرة لحماس ومحاطة بأكبر تجمع استيطاني في الضفة ويعيش في قلبها مستوطنون كذلك.

وبحسب يديعوت، فإن كل ذلك يخلق تحدياً كبيراً للأجهزة الأمنية، الأمر الذي سيتطلب استخدام قوات واسعة النطاق بما في ذلك قوات احتياط.

الخليل المسلحة

الخليل المعروفة بأنها عاصمة الاقتصاد الفلسطيني تتشكل من عائلات كبيرة وممتدة وجميعها مسلحة بشكل كبير.

والسلاح الكثير مع العائلات جزء من السلاح المنتشر في الضفة الغربية والذي ينقسم إلى نوعين رسمي مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وغير رسمي مع العائلات والتنظيمات والجماعات الأخرى مثل تشكيلات منخرطة في الجريمة إلى حد ما.

وقال مسؤول أمني فلسطيني لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل هي التي أغرقت الضفة الغربية بالسلاح، لأنها تهدف من خلاله إلى خلق حالة من الفوضى والفلتان تساعد في إضعاف السلطة الفلسطينية.

أسلحة إسرائيلية وأميركية

وأضاف «الإسرائيليون يعرفون أين يوجد معظم السلاح ومع من. إذ في مناطق في الخليل وبيت لحم وأماكن أخرى، كانت تجري اشتباكات واسعة عائلية تحت أنظار الجيش الإسرائيلي في مناطق تسيطر عليها إسرائيل ولا يسمح للسلطة بالعمل فيها».

وتابع أن «السلاح متكدس هنا بمعرفة إسرائيل، وهو سلاح أكثر تطورا من السلاح الموجود في أيدي عناصر الأمن الفلسطيني».

عمليا، لا تنكر إسرائيل ذلك، فقد سمحت خلال السنوات القليلة الماضية بتهريب كميات أكبر من السلاح إلى الضفة الغربية، وعندما راح هذا السلاح يصوب نحوها بشكل متزايد، فطنت إلى أن هذا الوضع أصبح لا يطاق.

نتنياهو مع مساعديه العسكريين خلال زيارة ميدانية لقاعدة عسكرية قرب جنين (مكتب الصحافة الحكومي)

ورصد تقرير سابق لصحيفة يديعوت أحرونوت كيف أغرقت الضفة الغربية بالسلاح من العراق وسوريا عبر الأردن، ومن الداخل وعبر سرقة الجيش الإسرائيلي نفسه.

وقالت يديعوت إن النظام الأمني في إسرائيل استيقظ متأخرا ويحاول سد الثغرة لكن يواجه صعوبات، ليس أهمها أنه لا يوجد رقم أو تقدير لعدد هذه الأسلحة.

والعام الماضي فقط، تم تعريف المشكلة في إسرائيل على أنها «تتطلب اهتماماً فورياً على المستوى الوطني». وبدأ الشاباك في الانخراط في التحقيق في سرقات الأسلحة والذخيرة من قواعد الجيش، وتم إنشاء وحدة عملياتية للحد من تهريب الأسلحة من الأردن.

أحد الأسباب لكل هذا الاستنفار في إسرائيل ليس فقط عدد الأسلحة، بل أيضا لأن معظم الأسلحة التي ضبطت كانت أميركية من قواعد تم التخلي عنها في العراق وتم نهبها حتى وصولها إلى الضفة.

محاولة حل إشكال بين عائلات في الخليل بحضور السلاح (مواقع)

وعمليا لا يمكن تصنيف السلاح في الضفة بالنسبة لإسرائيل إلى «سلاح خطير وآخر لا»، رغم أنها عملت على ذلك، لأن الارتفاع الكبير في عدد الأسلحة يشبه الارتفاع الكبير في عدد الهواتف المحمولة في السنوات الماضية.

وترجم كل ذلك في هجمات تركزت في الشمال وبدأت تنتقل إلى الجنوب «عبر أشخاص منظمين وآخرين لا ينتمون للفصائل وآخرين لم تتوقع إسرائيل أنهم سيهاجمونها يوما»، وكانوا بلا ماضٍ أمني أساسا، وهو الواقع الذي جعل رئيس الشاباك رونين بار يطلق تحذيرا استراتيجيا وجهه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول التزايد المتوقع في نطاق الهجمات، إلى الحد الذي أصبحت معه إسرائيل على عتبة فقدان السيطرة.

وبحسب أرقام إسرائيلية، جرى منذ بداية العام الحالي إحباط 350 عملية إطلاق نار، مقابل خروج الكثير من العمليات التي قتلت هذا العام 35 إسرائيليا حتى الآن، وهو العام الأسوأ بالنسبة لهم منذ الانتفاضة الثانية عام 2000.

لكن حتى مع أو من دون عملية مخصصة لجمع الأسلحة، قررت إسرائيل تصعيد النشاطات الهجومية، ويمكن فهم هذا التوجه عبر حملة الاعتقالات الواسعة التي نفذت منتصف الشهر الحالي، وطالت 50 فلسطينيا، وجرى خلالها ضبط أسلحة، وهي عملية قادت كذلك إلى اعتقال منفذي الهجوم في الخليل.

عمليات لن تجلب السلام

لكن السلطة الفلسطينية حذرت من أن ما تفعله إسرائيل وتنوي فعله لن يجلب السلام والاستقرار لأحد.

وقال الناطق الرسمي باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة أن حملة الاعتقالات الكبرى التي تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمترافقة مع عمليات القتل اليومية، بالإضافة إلى استمرار الاقتحامات الاستفزازية للمسجد الأقصى المبارك، وتواصل إرهاب المستوطنين، كل ذلك أوصل الأمور إلى طريق مسدود وخطير.

الطريق المسدود الذي تتحدث عنه الرئاسة الفلسطينية تدركه إسرائيل ولا تريد الوصول إليه في حقيقة الأمر.

وقالت مصادر إسرائيلية إن السياسة العامة لن تتغير وتصعيد الهجمات سيكون بشكل حذر لا يضر بنسيج الحياة والاقتصاد الفلسطيني، وهي مسألة أخرى معقدة ثمة شكوك أن تنجح فيها إسرائيل.

وأعربت مصادر سياسية رفيعة عن مخاوفها من أن أي تغيير ضد الفلسطينيين وتجاه السلطة سيعني انتفاضة شاملة وتصاعد الهجمات.


مقالات ذات صلة

انتخابات محلية فلسطينية... «بروفة» النظام السياسي الجديد

المشرق العربي الرئيس عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية الفلسطينية في رام الله السبت (الرئاسة الفلسطينية)

انتخابات محلية فلسطينية... «بروفة» النظام السياسي الجديد

الفلسطينيون ينتخبون في أول انتخابات منذ الحرب وتكتسب أهميتها في أنها شملت جزئياً قطاع غزة وتستجيب لمطالب إصلاح وتؤسس لنظام سياسي جديد.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز) p-circle

حكومة نتنياهو صادقت على إقامة 103 مستوطنات منذ توليها السلطة

رفعت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدد المستوطنات التي صادقت عليها منذ توليها السلطة قبل أكثر من 3 سنوات إلى 103 مستوطنات.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)

نيران إسرائيلية تقتل 5 فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

أفاد مسؤولون فلسطينيون بأن غارات جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في قطاع غزة، فيما قتل جنود بالرصاص فتى في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة - نابلس)
المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.