لبنان يتحول إلى «جنة للمطلوبين» من مواطنيه... والقانون يمنع تسليمهم إلى المحاكم الدولية

بينهم كارلوس غصن ورياض سلامة والمتهمون باغتيال الحريري

التعامل مع المطلوبين
التعامل مع المطلوبين
TT

لبنان يتحول إلى «جنة للمطلوبين» من مواطنيه... والقانون يمنع تسليمهم إلى المحاكم الدولية

التعامل مع المطلوبين
التعامل مع المطلوبين

يظهر لجوء مطلوبين لبنانيين من قبل القضاء الدولي أن لبنان بات ملاذاً لمطلوبين يحملون الجنسية اللبنانية، ويستفيدون من القانون المحلي الذي يمنع تسليم مطلوبين من مواطنيه، فيما لم تقصّر البلاد بتسليم مطلوبين من حاملي الجنسيات الأخرى، حسب ما تقول مصادر قضائية لـ«الشرق الأوسط».

وتتعدد أسماء الشخصيات المطلوبة للقضاء الدولي من حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، الملاحق من القضاء الأوروبي، إلى رئيس تحالف شركتي «رينو - نيسان» كارلوس غصن المطلوب من القضاء الياباني، إلى جانب مطلوبين من «حزب الله» للقضاء الأميركي، وتم إدراجهم على قوائم العقوبات، فضلاً عن مطلوبين آخرين أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أحكاماً بحقهم في جريمة اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري في عام 2005، وطلبت من السلطات اللبنانية تسليمهم، وتذرعت هذه السلطات بأنها لم تتمكن من العثور عليهم في الأماكن التي تم تحديد وجودهم فيها.

وفيما كان القضاء اللبناني يردّ على طلبات المحكمة الدولية بتسليم المشتبه بهم من «حزب الله»، بعدم العثور عليهم، حسب ما تقول مصادر قضائية، فإن القضاء اللبناني رفض تسليم غصن وسلامة، بالنظر إلى أنهما يحملان الجنسية اللبنانية. وفي حالة مشابهة، إذا ثبت أن الجرائم التي يلاحق اللبناني بسببها هي جدية وقوية، فعندها يقوم القضاء اللبناني بمحاكمة المطلوب في لبنان، بوصفه «صاحب الصلاحية لمحاكمة أي مواطن حتى لو ارتكب الجرم خارج الأراضي اللبنانية، خصوصاً أن القضاء اللبناني لا يسمح بتسليم مواطن إلى دولة أجنبية، حتى لو كان حائزاً على جنسية هذه الدولة».

النشرة الحمراء

ويثير هذا الواقع انتقادات للقانون اللبناني، وسط شكوك بأن يكون هذا القانون يوفر الحماية للمطلوبين من الملاحقات الدولية. ويرفض مدعي عام التمييز الأسبق القاضي حاتم ماضي وصف لبنان بأنه ملاذ للمطلوبين للعدالة الدولية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان عضو في الإنتربول، وهو مجبر على تسليم المطلوب عندما يتسلم طلباً لتسليم شخص أجنبي إلا في حالات معينة محددة في القانون الدولي، لكنه يشير إلى أن الاستثناء من هذا الإجراء هم «المواطنون اللبنانيون وحاملو الجنسيات اللبنانية، ومن ضمنهم من اكتسب الجنسية بمرسوم تجنيس»، مؤكداً أن الدولة «لا تسلم رعاياها بل تحاكمهم أمام القضاء اللبناني».

قرار سياسي وسيادي

ويشير ماضي إلى أن القانون اللبناني يمنع المطلوبين دولياً من دخول الأراضي اللبنانية، لكن بعض المطلوبين «يدخلون خلسة ويختبئون. وفي هذه الحالة، تكثف الأجهزة الأمنية تحرياتها للوصول إليهم والقبض عليهم».

وإذ يشدد على أن معظم المطلوبين الأجانب يجري تسليمهم، يشير إلى آلية قانونية متبعة تتضمن تسليمهم ضمن شروط مجلس الوزراء بالنظر إلى أن تسليم المطلوبين «هو قرار سياسي وسيادي، لذلك يجب أن يصدر عن الحكومة اللبنانية»، شارحاً مراحل التسليم: «يتلقى القضاء اللبناني طلباً بتسليم موقوف أو مطلوب، وتجري دراسة الطلب في قصر العدل، ويُحال الملف مرفقاً برأي القضاء إلى الحكومة، ضمن الآليات القانونية المعمول بها»، أما في الحكومة «فيُدرس المردود السياسي والسيادي، وعليه تتخذ الحكومة القرار وتحيله للتنفيذ». أما في حالات وجود اللبنانيين، فـ«يستحيل تسليمهم»، كما يقول ماضي.

كارلوس غصن

كارلوس غصن

وبعد فرار كارلوس غصن إلى بيروت، وتأكيده أنه ليس فوق القانون، وأنه «يتطلع إلى الحقيقة»، وقوله: «لم أهرب من وجه العدالة إنما هربت من اللا عدالة»، استدعى النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات في يناير (كانون الثاني) 2020، غصن إلى جلسة تحقيق للاستماع إلى إفادته حول مضمون النشرة الحمراء الصادرة عن القضاء الياباني، والتي تتهمه بارتكاب جرائم على الأراضي اليابانية وتطالب بتوقيفه.

رياض سلامة

رياض سلامة

وفي ملف رياض سلامة الذي رفض القضاء اللبناني تسليمه للسلطات الفرنسية، استمع القضاء اللبناني إلى سلامة والمتهمين الآخرين في ملفه، بحضور الوفد القضائي الأوروبي، ويحاكم الآن في لبنان، حيث يفترض أن يمثل في 29 أغسطس (آب) أمام الهيئة الاتهامية في بيروت، وتحسم فيها الأخيرة إما إصدار مذكرة توقيف بحقّ الحاكم السابق، وإما تصديق قرار قاضي التحقيق وتركه حرّاً، فيما يفترض أن يخضع شقيقه رجا سلامة، المعاقب دولياً أيضاً، في 30 أغسطس أمام القاضية الفرنسية أود بوريزي في باريس، حول حسابات شركة «فوري» والتحويلات المالية العائدة لهذه الشركة.

محكمة الحريري

وفي ملف المطلوبين للمحكمة الدولية من عناصر «حزب الله» المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري، فإن القانون اللبناني الساري على غصن وسلامة، وقبلهما مروان خير الدين الذي تم التحقيق معه في فرنسا وبات الملف في القضاء اللبناني، لا يسري على المطلوبين من المحكمة الدولية.

المتهمون في اغتيال الحريري

وتقول مصادر قانونية إن هؤلاء «يجب تسليمهم للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بالنظر إلى أن هناك اتفاقية بين لبنان ومجلس الأمن الدولي على تشكيلها، وهي لا تخضع قانوناً لنفس القانون الذي يتم التعامل فيه مع المطلوبين للقضاء في دول أخرى، بل لها قانون مستقل بناء على اتفاقية لبنان مع الأمم المتحدة، وعليه وجب تسليمهم للمحكمة الخاصة بلبنان التي شكل القضاة اللبنانيون جزءاً من قضاتها.

وكانت محكمة الحريري تطالب بشكل شهري السلطات اللبنانية بتبليغ المتهمين وتسليمهم، لكن الجواب الدائم كان يتمثل في تعذر العثور عليهم في لبنان.

مطلوبون أجانب

وخلافاً للمطلوبين اللبنانيين، لم يتوانَ لبنان عن تسليم المطلوبين الأجانب للقضاء الأجنبي، وكان آخرها تسليم الأمن العام اللبناني بعثة أمنية إيطالية مواطناً إيطالياً مطلوباً لبلاده بموجب مذكرة إنتربول دولية، ومتهماً بالاتجار بالمخدرات وناشطاً بعمليات تهريب الكوكايين بين دول أوروبية وأفريقية. وأصدر النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات مذكرة تقضي بتسليم بارتولو جيوفاني بروزانيتي إلى بلاده، وهو ناشط في عمليات تهريب الكوكايين دولياً، وذلك بعد موافقة وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال هنري الخوري على هذا الطلب.

ويؤكد القاضي ماضي أن هناك عشرات الأمثلة، ويشير إلى حادثة حصلت قبل عقدين حين كان النائب العام في صيدا، حيث طلبت السلطات الألمانية تسليم متهمين بتفجير مقهى في ألمانيا كان يتردد عليه جنود من جنسيات مختلفة، وأسفر عن مقتل 5 أشخاص. ويقول ماضي إن القضاء الألماني اتهم عنصرين في المخابرات الليبية آنذاك، وهما فلسطينيان يقيمان في مخيم «عين الحلوة» للاجئين الفلسطينيين في صيدا بجنوب لبنان، ولأن الفلسطينيين لم يكونا يحملان جنسية أي دولة، رفض لبنان تسليمهما للألمان، وجرت محاكمتهما في لبنان حيث تمت تبرئتهما، لكن بعد فترة «تبين لي أن الحكومة اللبنانية سلمتهما للسلطات الألمانية فيما بعد».


مقالات ذات صلة

هل أسهمت الحرب الإسرائيلية على لبنان في عودة السوريين إلى بلدهم؟

المشرق العربي نازحون سوريون يعودون إلى بلدهم عبر معبر «المصنع» بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

هل أسهمت الحرب الإسرائيلية على لبنان في عودة السوريين إلى بلدهم؟

لا يزال نحو مليون لاجئ سوري في لبنان يرفضون العودة إلى بلادهم، رغم جولات الحرب المتتالية التي تشهدها البلاد وعدم استقرار الأوضاع الأمنية.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته في الاجتماع غير الرسمي لقادة دول الاتحاد الأوروبي في قبرص (أ.ب)

عون: لبنان يرفض أن يكون «ورقة تفاوض» في الصراعات الإقليميَّة

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن لبنان «يرفض أن يكونَ ورقةَ تفاوض في الصراعاتِ الإقليميَّة»، مشدداً على أنه «يفاوض باسمه، دفاعاً عن مصالحه الوطنيَّة وسيادتِه».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الخليج سفير لبنان لدى السعودية علي قرانوح (الشرق الأوسط)

سفير لبنان بالرياض: السعودية لعبت الدور الأساسي في وقف إطلاق النار

أكد سفير لبنان لدى السعودية علي قرانوح أن السعودية لعبت الدور الأساسي في التوصل لوقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن الأجواء قبل مفاوضات واشنطن تشير لتمديد الاتفاق.

غازي الحارثي (الرياض)
المشرق العربي 
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية يوسف رجي فبراير الماضي (رئاسة الجمهورية)

وزير الخارجية اللبناني لـ «الشرق الأوسط» : التفاوض ليس استسلاماً

شدد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي، على أن تفاوض الدولة اللبنانية مع إسرائيل «ليس استسلاماً» وأن «الأولوية الوطنية اليوم هي استعادة السيادة كاملة غير منقوصة».

ثائر عباس (بيروت)
خاص وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)

خاص وزير الخارجية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: الدولة صاحبة قرار التفاوض مع إسرائيل

أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، أن لبنان «بدأ يستعيد تدريجياً حقه الطبيعي في تقرير مصيره بمعزل عن حسابات الآخرين».

ثائر عباس (بيروت)

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
TT

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)

تحشد واشنطن مع أطراف في بغداد ضغوطها لعزل الفصائل المسلحة الموالية لإيران عن الحكومة العراقية الجديدة، حسبما أفادت مصادر موثوقة.

ورحبت البعثة الأميركية في بغداد، أمس (الأربعاء)، بتكليف علي الزيدي تشكيل الوزارة الجديدة، ودعت إلى «تشكيلها بما ينسجم مع تطلعات العراقيين».

وقالت المصادر، إن «الزيدي أبلغ قادة أحزاب بأن برنامجه يستند إلى إبعاد الجماعات المسلحة»، لكنها أشارت إلى أن «تمرير تشكيلة وزارية بعيدة عن المسلحين يشكل اختبار قوة حاسم».

ويخشى خبراء أن تلجأ فصائل مسلحة إلى خيار المراوغة بشأن وجودها في المؤسسات الحكومية، أو التصعيد مجدداً ضد الأميركيين.

إلى ذلك، قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.


سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
TT

سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)

أشعلت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، سجالاً كلامياً بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، بعد أن قال عون إنه نسَّق كل خطواته في هذا المجال مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليأتي رد بري قاسياً بأن كلامه «غير دقيق، إن لم نَقُلْ غير ذلك».

وكان عون قد قال إنه على إسرائيل أن «تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات»، مؤكداً أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت بتنسيق وتشاور مع بري وسلام». ورد بري على ذلك، سريعاً، إذ قال في بيان، إن الكلام الذي ورد على لسان عون «غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة إلى اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات».

ميدانياً، فرضت إسرائيل بالنار «خطاً أحمر»، يهدد عشرات القرى اللبنانية، ويحاذي منطقة الخط الأصفر التي أُعلن عنها قبل أسابيع، وهي عبارة عن منطقة جغرافية واسعة تتعرض للقصف المتواصل ولإنذارات إخلاء وتمتد إلى مسافة تبعد 25 كيلومتراً عن الحدود إلى العمق.


بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم الأربعاء، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وموضوع المفاوضات، غير دقيق، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب إنه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، فإن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان الرئيس اللبناني قد التقى بعد ظهر اليوم في القصر الجمهوري، وفداً من الهيئات الاقتصادية برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير.

وأفاد عون خلال اللقاء: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام».

رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وعن الانتقادات بأن لبنان وافق في البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، قال الرئيس عون: «إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في نوفمبر 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».