النهب والتخريب يطال مواقع أثرية عراقية

أثريون يشيرون إلى أن 6 % فقط من المواقع في محافظة واحدة محمية أمنياً

أحد المواقع الأثرية العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المواقع الأثرية العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

النهب والتخريب يطال مواقع أثرية عراقية

أحد المواقع الأثرية العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المواقع الأثرية العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

يأتي العراق في صدارة بلدان العالم من حيث عدد المواقع الأثرية التي تحتضنها أراضيه، إذ يتحدث الأثريون عن وجود نحو 20 ألف موقع أثري تمتد من أقصى الشمال لأقصى الجنوب، فلا تكاد توجد بقعة في البلاد إلا وتحوي مواقع أثرية أو تراثية تعود إلى حقب زمنية مختلفة.

لكن عدد المواقع التي جرى الكشف عنها حتى الآن قليلة جدا ولا يتناسب مع هذا العدد الهائل من المواقع والتلال التاريخية، إضافة إلى أن أغلب تلك المواقع باتت عرضة لعمليات التهريب والتخريب بفعل الإهمال والفراغ الأمني.

ويقول الباحث الأثري فلاح الجباري لوكالة أنباء العالم العربي: «المواقع الأثرية مهملة وبعيدة عن أعين الحراسة الأمنية، ما جعلها عرضة للسرقة والتخريب والاندثار بفعل عوامل الطبيعة»، مشيرا إلى أن ذلك يحدث في الشتاء خصوصا وفي أثناء هطول الأمطار التي تتسبب في انهيار هذه المواقع أو تأثرها بعوامل التعرية.

ويلاحظ الجباري أن مواقع بابل الأثرية فقط هي التي بقيت موضع اهتمام وتركيز من ناحية الحماية ووضع الأسوار الأمنية الخارجية فيما تُركت المواقع الأخرى بلا حماية رغم أنها لا تقل أهمية عن الأولى، «الأمر الذي عرضها ولا يزال للاندثار والسرقة بفعل عوامل الطبيعة والتجاوزات».

وما زالت مئات المواقع الأثرية والتراثية في العراق تفتقر للحراسة الأمنية الكافية، ما قد يعرّضها للنهب تارة والتخريب والإزالة تارة أخرى تحت عناوين مختلفة.

وتضم محافظة بابل أكثر من 800 موقع أثري مسجل رسميا لدى هيئة الآثار والتراث، لكن المعلن عنها والمعروف لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وهي آثار بابل وكيش وبورسيبا وكوثا وسوق دانيال اليهودي، وفق ما يقوله الخبير الأثري عايد الطائي.

ويضيف الطائي أن هناك مواقع أثرية كثيرة مطمورة وبحاجة إلى أعمال تنقيب واستكشافات، مشيرا إلى أن الآثار المكتشَفة حاليا لا تصل إلى ثمانية في المائة من العدد الكلي.

ويقول «مدينة بابل الأثرية هي الوحيدة التي سُلطت عليها الأضواء بعد أن تعرضت سابقا لتجاوزات من قبل النظام السابق والقوات الأميركية عند دخولها العراق، إذ اتخذتها ثكنة عسكرية لعدة سنوات».

وفي عهد النظام السابق، بُني قصر رئاسي توسط المدينة التاريخية، ونُقِش اسم الرئيس السابق على طوب المباني وأحجارها. وتظهر إلى الآن عبارة «من نبوخذ نصر إلى صدام حسين... بابل تنهض من جديد» على جدران تاريخية في آثار بابل.

الكشف عن آثار في العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)

ونبوخذ نصر (627 - 560 قبل الميلاد) هو أحد ملوك بابل وبناتها التاريخيين وأحد الملوك الكلدان الذين حكموا بابل وأحد أقوى الملوك الذين حكموا بلاد الرافدين.

وبعد سقوط نظام صدام حسين في 2003، تحولت أغلب القصور الرئاسية إلى مقارّ للقوات الأميركية، ومن بينها القصر المُقام في مدينة بابل التاريخية والذي بقي يغلفه الإهمال حتى بعد خروج القوات الأميركية على الرغم من الدعوات إلى جعله متحفا أو شاهدا على حقبة تاريخية من أهم الحقب في تاريخ المدينة.

ضعف الحماية ونقص التمويل

يؤكد المنقب الأثري عامر عبد الرزاق لوكالة أنباء العالم العربي أن العراق «يتربع على أرض هائلة من المواقع الأثرية يربو عددها على العشرين ألف موقع»، لكنه أشار إلى أن هذه المواقع بحاجة إلى اهتمام الحكومة المركزية وتخصيص موارد مالية لوزارة الثقافة والسياحة والآثار من أجل النهوض بهذا القطاع.

ويضيف «بالرغم من وجود قوة أمنية من الشرطة والحراس الأمنيين وانحسار ظاهرة التهريب، لكن هذه المواقع ما زالت بحاجة إلى حماية مشددة». وينوّه إلى أن محافظة ذي قار بجنوب العراق تحوي ما يقرب من 1200 موقع أثري، لافتا إلى أن هذا يتطلب حراسة وميزانية كبيرة.

ويستطرد قائلا «العراق منذ تأسيسه لم يحظ بحكومة عملت على النهوض بالمواقع الأثرية، سواء على صعيد التنقيب والحمايات والصيانة وغيرها، على الرغم من أن هذه المواقع تعد موردا اقتصاديا كبيرا إذا ما تم استثماره بشكل صحيح».

وكان العديد من المواقع الأثرية تعرض للنهب والسرقة خلال فترة الانفلات الأمني إبان دخول القوات الأميركية إلى العراق عام 2003، وفي مقدمتها (تل جوخا) بشمال ذي قار، والتي كانت بمثابة العاصمة الاقتصادية للدولة السومرية.

ويؤكد الباحث في الشأن التراثي أمير دوشي أن أساليب وطرق حماية المواقع الأثرية «بدائية»، ويقول إن اللصوص بدأوا «بتطوير أدوات السرقة». وهو يرى أنه من غير المنطقي أن يظل حراس هذه المواقع مسلحين بالكلاشنيكوف فحسب، «إذ يجب دعم المنظومة الأمنية بأدوات حديثة من قبيل الطائرات المسيرة والكاميرات الحرارية وغيرها».

ويقول دوشي «هذا الإهمال الذي تعانيه الأماكن الأثرية يجعل منها عرضة للسرقة والتخريب»، لافتا إلى أن سبب هذا الإهمال هو «غرق الحكومات في الأزمات السياسية المتتالية في ظل عدم الاستقرار الأمني بشكل تام في جميع أنحاء العراق».

وتعاقب القوانين في العراق بالسجن مدة لا تقل عن سبعة أعوام ولا تزيد عن 15 عاما كل من سرق قطعة آثار أو مادة تراثية في حيازة السلطة الأثرية، وبتعويض مقداره ستة أضعاف القيمة المقدرة للأثر أو المادة التراثية في حالة عدم استردادها.

وتكون العقوبة السجن المؤبد إذا كان مرتكب الجريمة من المكلفين بإدارة أو حفظ أو حراسة الآثار أو المادة التراثية المسروقة. وتصل العقوبة إلى الإعدام إذا كانت السرقة بالتهديد أو الإكراه أو كان مرتكبوها شخصين فأكثر وكان أحدهم يحمل سلاحا ظاهرا أو مخبأ، ويعاقب بالإعدام من أخرج عمدا من العراق مادة أثرية أو شرع في إخراجها.

«قلة الأمن»

يقول شامل الرميض مدير مفتشية الآثار في ذي قار «ما تم تنقيبه في المواقع الأثرية داخل المحافظة لا يشكل سوى واحد في المائة، إذ يبلغ عدد المواقع المنقب عنها حتى الآن ثمانية مواقع أثرية من أصل 1200 موقع منذ عمليات التنقيب الأولى عام 1920، وهناك 70 موقعا منها يحرسها 145 رجل أمن، وهذا يعني أن ستة في المائة فقط من المواقع الأثرية محمية أمنيا».

وكان أول تنقيب أثري في محافظة ذي قار قبل نحو 100 عام، لكن أعمال التنقيب لم تكشف سوى عن واحد في المائة من المواقع الأثرية التي تحتضنها المحافظة. وكان ذلك في مدينة أور الأثرية بمعرفة بعثة مشتركة بريطانية أميركية في عام 1922، ولكن التنقيب توقف في عام 1984 نتيجة ظروف الحرب العراقية الإيرانية ولم يُستأنف حتى عام 2006.

ويضيف الرميض أن الأمر لم يتوقف عند إقدام بعض اللصوص على سرقة المواقع الأثرية، بل إن هناك أيضا «تجاوزات حكومية» مشيرا إلى ما حدث مع جامع السراجي التاريخي الذي أمر محافظ البصرة أسعد العيداني بإزالة مئذنته الشهر الماضي لتوسعة الشارع. وبحسب تصريحاته التي تناقلتها وسائل الإعلام، فإن هذه الخطوة جاءت بعد التنسيق مع ديوان الوقف السني.

وكان وزير الثقافة والسياحة والآثار أحمد البدراني قد أوضح في بيان حول الواقعة أن الوزارة ستتخذ الإجراءات القانونية «لحماية الإرث الحضاري للعراق ضد أي تجاوز إداري أو شخصي يشجع ويعمل على إلحاق الضرر بشكل مقصود أو عفوي، خصوصا حادثة هدم منارة جامع السراجي» الذي يتجاوز عمره 295 عاما.

وطال النهب والتخريب أيضا المواقع الأثرية التي تزخر بها محافظة نينوى بشمال العراق والتي تعود إلى الحضارة الآشورية، خصوصا مدينتي الحضر والنمرود، على يد تنظيم داعش الذي سيطر على المحافظة في يونيو (حزيران) 2014.


مقالات ذات صلة

المشرق العربي من أحد اجتماعات تحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

التحالف الحاكم في بغداد على حافة مهلة دستورية حاسمة

تتجه الأنظار إلى اجتماع «الإطار التنسيقي» المرتقب، الجمعة، والذي يصادف اليوم الأخير من المهلة الدستورية لتسمية مرشح رئاسة الوزراء في العراق.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي لافتة لأهالي المعتقلين المرحّلين إلى سجون العراق في اعتصام وسط دمشق (متداولة)

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

يلتقي في الشدادي بالحسكة وفدٌ أممي أهاليَ المرحّلين من سجون «قسد» إلى العراق، ويطالب الأهالي بإعادتهم ومحاكمتهم في سوريا.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي 
من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)

صراع على الحصص يعطل مفاوضات الحكومة العراقية

شهدت قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي في العراق حالة من الانسداد السياسي لتكليف رئيس جديد للوزراء، في ظل خلافات داخلية.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

واشنطن تضغط على بغداد بالدولار لتفكيك الميليشيات

أفادت تقارير أميركية، الأربعاء، بأن واشنطن ربما منعت نقل شحنة مالية تُقدر بنحو 500 مليون دولار من عائدات النفط العراقي إلى بغداد.

فاضل النشمي (بغداد)

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
TT

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)

كشف تقرير إعلامي، الخميس، أن محكمة الجنايات الرابعة ستباشر، الأحد المقبل، جلسات المحاكمة العلنية لرئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب في عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وأوضح المصدر لموقع «تلفزيون سوريا»، أن هذه الخطوة تأتي بعد استكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بالقضية، ضمن ملف العدالة الانتقالية، وذلك بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام.

وعاطف نجيب، هو ابن خالة بشار الأسد، اعتقل خلال حملة أمنية لملاحقة فلول النظام في محافظة اللاذقية، في يناير (كانون الثاني) 2025، وتتهمه منظمات حقوقية وفصائل الثورة السورية لأنه كان المسؤول المباشر عن قمع الاحتجاجات الشعبية في محافظة درعا الجنوبية، بارتكاب جرائم قتل مروعة بحق الأطفال المشاركين في الحراك السلمي في مدينة درعا، وأبرزهم حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب في عام 2011.

وقال المصدر المشار إليه أعلاه، إن المحكمة ستعقد وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية، ريثما يقر مجلس الشعب السوري بعد انعقاده مشروع (قانون العدالة الانتقاليّة)، الذي بُنيت مواده وفقاً للقوانين السوريّة المعمول بها، التي تصل في بعض موادها إلى عقوبة الإعدام، والذي أصبح جاهزاً بانتظار إقراره.

كسر حالة الإفلات من العقاب

ورغم أن قناة «الإخبارية السورية» نقلت، اليوم، عن رئيس «لجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل»، القاضي جمعة الدبيس العنزي، أن جلسة محاكمة علنية لعاطف نجيب بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام ستعقد قريباً، فهذا لا يتناقض مع التصريح المنشور في موقع «تلفزيون سوريا»، إذ إنه من الواضح أن المحاكمة لم تعد بعيدة.

عبد الله يرفع صورة شقيقه حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب عام 2011

«الشرق الأوسط» سألت المعتصم الكيلاني، وهو خبير قانوني سوري مقيم في باريس ومتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، عن تقييمه لسير المحاكمات وإيقاعها في محاكمة مجرمي الحرب في عهد نظام بشار الأسد، وإن كان مسار العدالة الانتقالية يشوبه بعض البطء، أم أنه من طبيعة الأمور في القضاء عموماً؟

العميد عاطف نجيب الذي شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا (مواقع)

يعتبر الكيلاني، أن الإعلان عن بدء جلسات المحاكمة العلنية لعاطف نجيب يشكّل خطوة مهمة في اتجاه كسر حالة الإفلات من العقاب، خاصة مع حضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام، بما يعزز الشفافية وحق المجتمع في معرفة الحقيقة. هذا التطور، من حيث المبدأ، ينسجم مع أحد أعمدة العدالة الانتقالية، وهو «العلنية والمساءلة».

لكن وبمنظور قانوني أوسع، يقول إنه لا يمكن اعتبار هذه الخطوة كافية بحد ذاتها، فالعدالة الانتقالية ليست محاكمة فردية، بل منظومة متكاملة تتطلب إصلاحاً تشريعياً ومؤسسياً عميقاً.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تعديل قانون العقوبات السوري ليشمل معايير التجريم الدولية، لا سيما جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفق التعريفات المعتمدة في القانون الدولي. فغياب هذه النصوص يخلق فجوة قانونية خطيرة، ويحدّ من قدرة القضاء الوطني على التعامل مع الانتهاكات الجسيمة بشكل صحيح.

كما أنه من المتطلبات الأساسية أيضاً إلغاء مبدأ «التقادم» على الجرائم الجسيمة، لأن طبيعة هذه الجرائم - بما فيها التعذيب والقتل خارج القانون - تستوجب عدم سقوطها بمرور الزمن، انسجاماً مع المعايير الدولية وضماناً لحقوق الضحايا في الملاحقة والمساءلة مهما طال الزمن.

كتابة على جدار في درعا تسببت بحبس أطفال وتعذيبهم في سجون النظام (متداولة)

ومن جهة أخرى، يقول الحقوقي السوري: «لا يمكن إغفال البعد المؤسسي، إذ يجب تدريب القضاة وأعضاء النيابة العامة وكوادر المحاكم تدريباً تخصصياً على معايير التجريم الدولية، وعلى كيفية التعامل مع الأدلة في قضايا الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك شهادات الضحايا، والأدلة السياقية، وسلاسل المسؤولية. فمن دون هذا التأهيل، تبقى المحاكمات مهددة بالقصور، حتى لو توفرت الإرادة السياسية. الاستفادة من تجارب سابقة، مثل محاكمات الساحل، أمر ضروري هنا. فقد أظهرت تلك التجربة بعض الإيجابيات، مثل العلنية، لكنها كشفت أيضاً ثغرات منها ضعف التأهيل المتخصص أحياناً، والحاجة إلى إطار قانوني أوضح يواكب طبيعة الجرائم».

صورة لبشار الأسد في القامشلي ممزقة بعد الإعلان عن سقوط النظام الحاكم 8 ديسمبر (رويترز)

وفي المحصلة، يؤكد الكيلاني أن لا سلم أهلياً حقيقياً دون عدالة انتقالية شاملة. وأي محاولة لبناء استقرار دون معالجة جذرية للانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها ضمن إطار قانوني سليم، ستبقى هشّة وقابلة للانهيار

من حيث المبدأ، تتسم المحاكمات في القضايا الكبرى المرتبطة بانتهاكات جسيمة بالتعقيد، وهذا يفرض بطئاً نسبياً لضمان دقة الإجراءات واحترام حقوق جميع الأطراف. هذا جانب طبيعي في أي نظام قضائي يحترم الأصول.

لكن في الحالة السورية، لا يمكن الاكتفاء بهذا التبرير. فالتأخير الطويل في إطلاق مسار العدالة أصلاً، إلى جانب استمرار بعض الانتهاكات، يجعل من عامل الزمن عنصراً حساساً للغاية. البطء المفرط هنا قد يُفهم باعتباره استمراراً غير مباشر للإفلات من العقاب، ويؤثر سلباً على ثقة الضحايا بالمؤسسات القضائية.

لذلك، المطلوب ليس تسريعاً على حساب العدالة، بل يجب تحقيق توازن دقيق: قضاء مهني، مستقل، مدرّب، يعمل وفق معايير واضحة، وفي إطار زمني معقول.

ويشدد المعتصم الكيلاني، على أنه إذا جرت المحاكمات (ضد مرتكبي جرائم حرب ضد الإنسانية) ضمن هذا الإطار المتكامل، يمكن اعتبارها خطوة إيجابية. أما إذا بقيت جزئية، أو افتقرت إلى الأساس القانوني المتين، أو لم تُدعَم بإصلاح مؤسسي حقيقي، فإنها قد تتحول إلى مسار محدود الأثر.

وفي جميع الأحوال، يبقى المبدأ الحاكم واضحاً: لا يمكن تحقيق السلم الأهلي في سوريا دون عدالة انتقالية حقيقية، قائمة على المساءلة، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وبناء عقد اجتماعي جديد يحترم كرامة الإنسان وحقوقه.


3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

قُتل ثلاثة أشخاص بغارة إسرائيلية على جنوب لبنان، اليوم الخميس، وفق ما أعلنت وزارة الصحة، في أحدث هجوم رغم الهدنة القائمة منذ عشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت الوزارة، في بيان أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «غارة العدو الإسرائيلي على طريق شوكين قضاء النبطية»، والتي تبعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود اللبنانية الجنوبية، «أدت إلى 3 شهداء»، في حين أسفرت غارة أخرى على بلدة ياطر إلى إصابة شخصين؛ بينهما طفل.

تأتي هذه الهجمات قبل ساعات من اجتماعٍ ثان يُعقَد في واشنطن بين سفيريْ لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة، حيث يُتوقع أن يطلب لبنان تمديد وقف إطلاق النار.

في غضون ذلك، أفاد الجيش الإسرائيلي، في بيان، بأن جنوده قتلوا «رجلين مسلّحين في جنوب لبنان، بعد أن اقتربا من جنود».


تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
TT

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاط الفصائل الفلسطينية وتعافي حركة «حماس».

وقتلت القوات الإسرائيلية، منذ مساء الأربعاء وحتى منتصف نهار الخميس في غزة، 9 فلسطينيين، منهم 5 في غارة بطائرة مسيرة استهدفت خياماً للنازحين في منطقة مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلمت «الشرق الأوسط»، من مصادر ميدانية، أن المستهدف الرئيسي بالغارة أصيب بجروح خطيرة، وهو قيادي ميداني في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، فيما قُتل اثنان من أطفاله، وطفل ثالث، ومواطنان آخران كانا يجلسان في نفس المكان.

فلسطيني يمرّ بجوار نقالة ملطخة بالدماء بعد غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وبعد ساعات قليلة، قتلت القوات الإسرائيلية ناشطاً من «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، جنوب خان يونس جنوبي قطاع غزة، بعد أن استهدفته بمسيرة.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان له عن الحدثين، إنه قضى على عناصر من «حماس» عملوا بمنطقة قريبة من الخط الأصفر شمالي قطاع غزة، فيما هاجم عدداً آخر جنوب القطاع، ما أدى للقضاء على أحدهم خلال نقلهم وسائل قتالية، وفق زعمه.

وتبع ذلك حدث ثالث، بقصف مركبة، ظهر الخميس، في أثناء مرورها على شارع صلاح الدين الرئيس، وتحديداً جنوب مخيم البريج وسط قطاع غزة، ما أدى لمقتل 3 فلسطينيين كانوا على متن المركبة.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

ووفقاً لمصدر ميداني، فإن المستهدفين في المركبة هم بعض نشطاء في «كتائب القسام»، وبينهم نجل أحد مسؤولي جهاز الدفاع المدني في وسط قطاع غزة، وجميعهم من سكان مخيمي البريج والمغازي.

ووفقاً لإحصائية وزارة الصحة بغزة، فإن عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ارتفع إلى 975 قتيلاً، وأصيب أكثر من 2235 بجروح متفاوتة بعضها خطيرة، فيما زاد إجمالي الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 72568 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مفاوضات في القاهرة

ويأتي التصعيد الإسرائيلي على وقع مطالبات من «حماس» في القاهرة بوقف الخروقات المستمرة داخل القطاع، في إطار الالتزام بالمرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، فيما تتجاهل إسرائيل تلك المطالب بتوسيع هجماتها واستهداف نشطاء الفصائل، وخاصةً حركتي «حماس» و«الجهاد».

واعتبر حازم قاسم، الناطق باسم «حماس»، عمليات الاستهداف المتواصلة بأنها تمثل دليلاً جديداً على استمرار «حرب الإبادة ونشر الموت في مختلف مناطق القطاع دون توقف». كما قال، معتبراً أن هذه «الجرائم تكشف عن عجز متزايد لـ(مجلس السلام) عن إلزام الاحتلال بوقف خروقاته أو تنفيذ التزاماته ضمن أي اتفاقات قائمة».

يشق فتيان فلسطينيان طريقهما عبر أنقاض المباني المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأضاف قاسم، في تصريح صحافي له: «هذه الجرائم تعكس بوضوح أن الآلة العسكرية للاحتلال مسؤولة عن ارتكاب أعمال الإبادة وانتهاك القانون الدولي والإنساني»، مطالباً الوسطاء والدول الضامنة والمشاركين في «مجلس السلام» بالوقوف أمام مسؤولياتهم وإلزام الاحتلال بوقف «حرب الإبادة» ضد قطاع غزة. كما قال.

وتقول إسرائيل مؤخراً إنها تعمل على مهاجمة أي محاولات من «حماس» والفصائل الأخرى التي تنشط في داخل القطاع، لإعادة امتلاك السلاح أو تأهيل ما لديها من أسلحة وعتاد وغيره، ومنعها من إقامة تدريبات، كما أنها تعمل على تصفية مشاركين بهجمات سابقة ضدها.

وثيقة استخبارية

وتزامن التصعيد الإسرائيلي مع ما نقلته القناة الـ12 العبرية، مساء الأربعاء، عن وثيقة استخباراتية قدمها الجيش الإسرائيلي لجهات محددة في المستوى السياسي، خلال الأيام الأخيرة، تزعم أن حركة «حماس» تنجح في التعافي مجدداً بشكل ملحوظ، مستغلةً وقف إطلاق النار.

ووفقاً للوثيقة المسربة، فإن «حماس» تكسب الوقت المتعلق بوقف إطلاق النار، وتعمل على تنظيم وتحسين وبناء قوتها في القطاع، وإعادة تأهيل الجناح العسكري، وتسريع تجنيد نشطاء جدد، والسيطرة على البضائع، وإظهار السيادة المدنية والحكومية في المناطق التي تسيطر عليها. ونقلت أن «الحركة لم تنجح بعد في تحقيق قفزة نوعية، لكنها تتعافى تدريجياً».

وتسيطر إسرائيل على نحو 53 في المائة من مساحة قطاع غزة، بينما تسيطر «حماس» على ما تبقى منها.

جانب من الدمار في قطاع غزة جراء الحرب (رويترز - أرشيفية)

ويرى مسؤولون أمنيون إسرائيليون، نقلت عنهم «القناة الـ12»، أن «التطورات في الجبهات المختلفة، وخاصةً الحرب مع إيران ولبنان تخدم (حماس)؛ لأن الانتباه الأميركي موجه إلى مكان آخر، فيما تستغل الحركة ذلك، وتكسب الوقت ببساطة ولا تفي بالتزاماتها كما وردت في خطة السلام التي عرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفق قولهم.

وأكدت المصادر ذاتها أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ترى أنه في حال لم يكن هناك عملية نزع سلاح، وتفكيك للبنية التحتية لـ(حماس) وفصائل غزة، فإنه سيتم العودة إلى نقطة الصفر، وأن ما يحدث الآن هو تعافٍ مقابل لا شيء»، وفق قولهم.

فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع (صورة من فيديو بثته رويترز)

وما زالت قضية سلاح غزة مثار جدل بين حركة «حماس» والوسطاء والولايات المتحدة و«مجلس السلام»، وتصر إسرائيل على تسليمه كاملاً بلا استثناء، وهو أمر نصت عليه خطة المجلس التي قدمها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف إلى قيادة الحركة.

وفي المقابل تخوض الفصائل الفلسطينية مباحثات لإجراء تعديلات تتضمن إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار التي تركز على الاحتياجات الإنسانية وإدخال المساعدات، قبل الحديث عن المرحلة الثانية التي تركز على نزع السلاح من القطاع. ويسعى الوسطاء إلى تقديم مقاربة جديدة لدمج المرحلتين، أو تنفيذهما بالتزامن.