أثارت الأنباء عن رفع الحكومة السورية أسعار مواد أساسية، موجة استياء كبيرة في الأوساط الشعبية بدمشق، ورأى البعض أنه يفترض بالحكومة العمل على تحسين الوضع المعيشي المتردي للمواطنين وليس إصدار قرارات تساهم في تعميق القعر الذي وصل إليه، وسط تساؤلات عن حليفَي دمشق، إيران وروسيا، وأسباب عدم مساعدتهما الحكومة السورية، للخروج ولو نسبياً من الأزمات الغارقة فيها.
وبينما لم تظهر بوادر تحسن على الأوضاع الاقتصادية عقب الاتفاقات الاقتصادية الأخيرة بين دمشق وطهران، رأى خبير أن تلك الاتفاقات لا يعوّل عليها في تجاوز الأزمتين الاقتصادية والمالية، ولو نسبياً، وأن ما حصل من تحسن في سعر صرف الليرة السورية قبل أيام قليلة «مؤقت».
ونشرت صحيفة «الوطن» السورية المقرّبة من الحكومة، في تقرير أخير، أنه في خطوة غريبة من نوعها، وفي توقيت يشهد فيه سعر الصرف ارتفاعاً يومياً، قامت «المؤسسة السورية للتجارة» بريف دمشق، بإصدار كتاب رسمي وجّهته إلى جميع المستودعات والمجمعات والصالات ومنافذ البيع يتضمن رفع أسعار مواد المؤسسة (التي تعمل على تقديم تجارة التجزئة للمستهلك بسهر مخفض عن السوق).

في جولتنا الميدانية، لاحظنا أن سعر مبيع كل من مادتي الرز والسكر المتضمن في كتاب «المؤسسة» أغلى من سعر بيعها في الأسواق العادية.
وقال شاب صادفناه داخل بقالية في منطقة الزاهرة جنوب دمشق: «في كل البلدان، الحكومات تعمل على تحسين أوضاع الناس. لكن نحن لدينا وزارة اسمها (وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك)، يفترض أن تحمي المواطن، ولكنها بقراراتها تشجع التجار على رفع الأسعار أكثر».
غياب الحليفين
ويأخذ كثير من المواطنين في الشارع الدمشقي على حليفَي دمشق إيران وروسيا، عدم مساعدتهما الحكومة السورية، للخروج ولو نسبياً من الأزمات الغارقة فيها، وقال رجل في العقد السادس من العمر وهو يتبادل الحديث مع آخر أمام فرن: «الشعب يجوع والصديق عند الضيق. أين الحلفاء (إيران وروسيا)؟».

هذا، وشهد سعر صرف الليرة السورية خلال الشهر الماضي انهياراً غير مسبوق أمام العملات الأجنبية، وسجل في السوق الموازية نحو 13300 مقابل الدولار الأمريكي الواحد، ليعود ويأخذ طريق الهبوط التدريجي، حيث سجل الأحد الماضي في دمشق 11700 ليرة، لكنه عاد وتراجع الاثنين ووصل إلى 12200 وتدهور أكثر صباح اليوم الثلاثاء وسجل نحو 12700.
بالتوازي، شهدت الأسواق موجة ارتفاع قياسية في الأسعار، أشارت الأرقام الرسمية المتداولة إلى أن نسبتها وصلت إلى 25 في المائة، لكن واقع الحال كما رصدناه في جولتنا، يؤكد ارتفاعات بنسبة 100 في المائة لغالبية السلع الضرورية خلال أقل من شهر، مقابل تراجع المبيعات.
يأتي ذلك في وقت يتعمق فيه سوء الوضع المعيشي للغالبية العظمى من المواطنين، حيث لا يتجاوز المرتب الشهري لموظف الدرجة الأولى في المؤسسات الحكومية 12 دولاراً وموظف الدرجة الثانية 8 دولارات، على حين باتت أصغر عائلة تحتاج إلى 5 ملايين ليرة في الشهر.

وعلى مدار الشهر الماضي، سربت وسائل إعلام حكومية وأخرى مقرّبة منها أنباء عن نية الحكومة «زيادة رواتب» الموظفين، ولكن تلك الأنباء اختفت منذ بداية أغسطس (آب) الحالي.
وقلل موظفون حكوميون من أهمية أي زيادة يمكن أن تحصل، وعدّ أحدهم أنه «مهما كانت قيمة الزيادة، حتى لو وصلت إلى عشرة أضعاف الراتب، فلن نستفيد منها إذا استمر الوضع على هذا الحال».
وبما يدل على تفاقم حالة الجوع بين المواطنين، رصد تزايد عملية استجداء رغيف خبر أمام الأفران، ويصل الأمر إلى توسل البعض لإعطائه «قطعة من رغيف خبز».
إدارة مالية خاطئة
خبير اقتصادي قال لنا: إنه لا يوجد لدى الحكومة قدرة على ضبط سعر الصرف، وما حصل من تحسن نسبي في الأيام القليلة الماضية، «مؤقت» ويمكن تسميته «تهدئة». والدليل على ذلك عودته إلى التدهور من جديد، ويُعتقد أن التحسن النسبي المذكور لا يرتبط بالاتفاقات التي جرت بين دمشق وطهران، مرجحاً أنه حصل نتيجة تدخل تجار كبار ونافذين داخل مناطق سيطرة الحكومة يمتلكون كميات كبيرة من الدولار، وليس من قِبل «مصرف سوريا المركزي».
وأضاف أن «الدولار موجود لدى كثير من التجار ولكنهم لا يضخونه في الأسواق، بسبب الإدارة الخاطئة للسياسة المالية والاقتصادية من قِبل الحكومة».

ولفت إلى أن إيران منهكة مالياً واقتصادياً أكثر من الحكومة السورية، وهي تريد الاستفادة من هذه الاتفاقات التي كانت ترفضها دمشق؛ كونها تتضمن تنازلاً لإيران، ولكنها وافقت عليها تحت الضغط، واصفاً تلك الاتفاقات بأنها «اتفاقات ذل».
وبعدما أوضح الخبير، أن المشكلة التي تعاني منها الحكومتان السورية والإيرانية تتمثل بعدم وفرة الدولار، تساءل: هل سترضى إيران استلام ثمن النفط بالتومان؟ ولماذا لا تقوم بإرسال معدات إلى سوريا لإصلاح محطات توليد الكهرباء مثلاً؟
ورجّح الخبير، أن يتواصل تدهور سعر صرف الليرة، ووصوله إلى 15 ألف مقابل الدولار خلال أشهر قليلة، واستمرار الأسعار بالارتفاع.

