مخيم جنين... رمز لقضية «الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني»

تُركت المخيمات في ظروف غير إنسانية فنشأت في داخلها مقاومة من «الجيل الجديد»

مدخل مخيم جنين وقد عمّه الدمار... وفي الخلفية عربة عسكرية إسرائيلية (إ.ب.أ)
مدخل مخيم جنين وقد عمّه الدمار... وفي الخلفية عربة عسكرية إسرائيلية (إ.ب.أ)
TT

مخيم جنين... رمز لقضية «الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني»

مدخل مخيم جنين وقد عمّه الدمار... وفي الخلفية عربة عسكرية إسرائيلية (إ.ب.أ)
مدخل مخيم جنين وقد عمّه الدمار... وفي الخلفية عربة عسكرية إسرائيلية (إ.ب.أ)

ليست هذه هي المرة الأولى، التي تقدم فيها السلطات الإسرائيلية على عملية اجتياح لمخيم جنين للاجئين الفلسطينيين بهدف «تدمير البنى التحتية» للنشاط المسلح للمنظمات الفلسطينية.

ومن الواضح أن هذه العملية «لن تكون الأخيرة»، لسبب بسيط هو أن «التدمير»، كما في عمليات سابقة، ليس مضموناً. وسنستمع بعد سنوات قليلة إلى تصريحات تتحدث عن خطة أخرى «لتدمير البنى التحتية». فالقضية ليست قضية بضعة مقاتلين فلسطينيين اختاروا الكفاح ضد الاحتلال، بل هي قضية وجود المخيم برمته، كرمز للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني.

مخيم اللاجئين هذا، أُقيم في عام 1953 في الحي الغربي لمدينة جنين، الواقعة في أحد الأطراف الشرقية من مرج بن عامر. وهو يعد ثاني أكبر مخيم لاجئين في الضفة الغربية بعد مخيم بلاطة.

وتم إنشاؤه في حينه بواسطة وكالة «الغوث» التابعة للأمم المتحدة، بالتعاون مع المملكة الأردنية، على مساحة 372 دونماً، واضطرت السلطات الأردنية إلى توسيعه قبل سنة 1967، ليستوعب التكاثر الطبيعي. ويسكن فيه اليوم ما يقارب 27 ألف نسمة (25 ألفاً وفق إحصاءات سنة 2005)، غالبيتهم كانوا في الأصل من أهالي مدينة حيفا وغيرها من بلدات جبل الكرمل.

حالما احتلت إسرائيل الضفة الغربية، دخلت في نقاشات حول مخيمات اللاجئين، فهي كانت تتهم الدول العربية المجاورة (سوريا ولبنان والأردن)، بإقامة مخيمات اللاجئين لـ«تخليد الصراع». وتقول إنها؛ أي إسرائيل، استوعبت مئات ألوف اليهود المهاجرين من الدول العربية، لكنها لم تقم لهم مخيمات، بل سارعت إلى دمجهم في المجتمع الإسرائيلي وتوطينهم في البلدات الإسرائيلية.

مسعفون ينقلون جريحاً خلال العملية الإسرائيلية واسعة النطاق في مدينة جنين يوم الاثنين (د.ب.أ)

لكن الآن أصبح تحت سيطرتها 32 مخيم لاجئين للفلسطينيين (24 مخيماً في الضفة الغربية و8 مخيمات في قطاع غزة)، ولم تفعل شيئاً مغايراً، وأبقت على هذه المخيمات غير صالحة للسكن الإنساني، قابعة في فقر مدقع وبطالة واسعة وظروف معيشة غير إنسانية. وفي ظل حكمها المتواصل منذ 56 عاماً (باستثناء فترة «أوسلو» من 1995 وحتى 2002)، تعاملت معها كـ«بؤر عداء»، وهاجمتها بقوات عسكرية كبيرة.

الانتفاضة الفلسطينية الثانية

وفي سنة 2002، علا نجم مخيم اللاجئين في جنين بشكل خاص، بسبب الأحداث التي شهدها في شهر أبريل (نيسان)، حيث اجتاحته قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي. وفي حينه، اعتبروه معقلاً لقيادة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي كانت مسلحة. وقرروا أيضاً «تصفية البنية التحتية للإرهاب». وتبين أن الشباب الفلسطيني في المخيم، نصبوا كميناً لهذه القوات، وبضربة واحدة كبّدوها 23 قتيلاً ما بين ضباط وجنود. وردت القوات الإسرائيلية بهجوم جنوني استمر 10 أيام، دمرت خلاله 150 بيتاً وقتلت 53 فلسطينياً (نحو نصفهم مدنيون).

نشطاء فلسطينيون يشتبكون في معركة بالأسلحة النارية مع الجيش الإسرائيلي في جنين (إ.ب.أ)

ورغم مرور 21 سنة على تلك المعركة، بقي العداء سافراً بين إسرائيل والمخيم؛ فنشأت في داخله قوة مقاومة من «الجيل الجديد»، الذي يشبه «عرين الأسود» في نابلس، و«كتائب جبع» و«كتائب طولكرم»، وغيرها، التي تتمرد على جميع الفصائل الفلسطينية التقليدية وترفض الانقسام بينها، ويتعاون فيها شباب «فتح» و«حماس» و«الجهاد» وغيرهم، معاً، ويصبون كل همهم ضد الاحتلال. ويطلقون عمليات نوعية موجعة ضد الجنود الإسرائيليين والمستوطنين، وفي السنة الماضية نفذوا عمليات حتى داخل تل أبيب وغيرها من البلدات الإسرائيلية.

تحريض اليمين

وقد استخدم اليمين الإسرائيلي المتطرف هذا المخيم، كأداة تحريض على الجيش وغيره من الأجهزة الأمنية، فاتهم قادته بالتخلي عن عقيدة الإقدام القتالية وعن عقيدة الاشتباك مع العدو، واستفزوا الجيش قائلين: «أنتم لا تجرؤون على دخول مخيم جنين».

وراحت قيادة الجيش تجاري هذه الاتهامات وتحاول البرهنة على أنها لا تخاف. ووضعت خطة اقتحام جديدة للمخيم في زمن حكومة يائير لبيد، وتدربت عليها طيلة السنة الماضية. ووضعت لها العنوان القديم نفسه: «تصفية البنى التحتية للإرهاب» في جنين. وشملت التدريبات حتى سلاح الجو.

نقل فلسطيني إلى المستشفى بعد إصابته خلال هجوم القوات الإسرائيلية على جنين الاثنين (د.ب.أ)

وفي 19 يونيو (حزيران) الماضي، حاولت تنفيذ عملية اجتياح، لكنها فوجئت برد الفعل؛ فقد نصب لها الشباب الفلسطينيون كميناً، وقاموا بتفعيل عبوات ناسفة ثقيلة ضد السيارات العسكرية المصفحة، وتمكنوا من تدمير مدرعة إسرائيلية حديثة عندما دخلت منطقة ملغومة، بعبوة ناسفة محلية الصنع وزنها 40 كيلوغراماً، كما أعطبوا سبع مدرعات بقذفها بالصواريخ. وخرجت القوات الإسرائيلية بسبع إصابات بين صفوف جنودها. ورغم أنها قتلت في حينه خمسة فلسطينيين وتسببت بجراح لـ30 شخصاً، أدركت أن الإخفاقات زادت على الإنجازات.

وانتظرت القوات الإسرائيلية مرور عيد الأضحى، لتعيد التجربة. وبدأت فجر (الاثنين) المعركة بواسطة شن غارات جوية عبر الطائرات المسيّرة وطائرة «أباتشي» مروحية مقاتلة.

ومع أن حكومة بنيامين نتنياهو ليست المبادرة إلى هذه العملية، التي، كما أشرنا، بدأ الإعداد لها في عهد لبيد، فإن الحكومة الحالية تحمست لها وصادقت على كل بنودها ومنحت الجيش حرية التصرف بالكامل فيها، على أمل أن ينشغل الإسرائيليون بها ويتخلوا عن حملة الاحتجاج على خطتها الانقلابية على منظومة الحكم والجهاز القضائي.

مركبات قتالية إسرائيلية على الطريق في جنين بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

الجيش من جهته يريدها عملية محدودة، ليقلل من فوائدها لهذه الحكومة، لكنه ليس الجهة الوحيدة المسيطرة على زمام الأمور. فمثل هذه المعارك، تعرف كيف تبدأ، ولكنك لا تعرف كيف تتطور لاحقاً، وكيف سيتصرف بقية اللاعبين، وما إن كانت ستتدحرج إلى صدام أكبر.

وتبقى قصة مخيم جنين رمزاً للقضية الكبرى؛ «الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني»، الذي يخطئ الإسرائيليون كثيراً عندما يحسبون أنه يعالَج بالطرق العسكرية.


مقالات ذات صلة

«رسالة قبل الهجوم»... لماذا أدى مستوطنون طقوساً تلمودية في «حمامات المالح» الفلسطينية؟

خاص إسرائيليون يهود يؤدون طقوساً في البلدة القديمة بالقدس في 5 أبريل الحالي (رويترز) p-circle 02:05

«رسالة قبل الهجوم»... لماذا أدى مستوطنون طقوساً تلمودية في «حمامات المالح» الفلسطينية؟

ينطلق المستوطنون الإسرائيليون في مهاجمة فلسطينيي الضفة الغربية من ذرائع يروجون أنها «دينية»؛ لكن منطقة «حمامات المالح» بدت جديدة ضمن أهدافهم... فلماذا الآن؟

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي سيارة أحرقها المستوطنون الإسرائيليون في هجوم على بلدة اللبن قرب نابلس بالضفة الغربية يوم الاثنين (إ.ب.أ)

المستوطنون يكثفون هجماتهم على الضفة غداة توقيف 8 منهم

بعد يوم من إعلان الشرطة الإسرائيلية توقيف ثمانية منهم، هاجم المستوطنون مناطق متعددة في الضفة الغربية، يوم الاثنين، وأحرقوا منزلاً، وخيمتين، و3 مركبات.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جنديان إسرائيليان يشاركان في حراسة جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز) p-circle

توقيف 8 مستوطنين إسرائيليين بعد تحذير أميركي من العنف في الضفة

أعلنت الشرطة الإسرائيلية توقيف 8 مستوطنين للاشتباه في هجومهم على قرية فلسطينية شمال الضفة الغربية المحتلة، بعد إفادات عن بدء «الكابينت» إجراءات للحد من عنفهم.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الخليج أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

السعودية ودول عربية وإسلامية تدين قرار «إعدام الفلسطينيين»

دان وزراء خارجية السعودية، وتركيا، ومصر، وإندونيسيا، والأردن، وباكستان، وقطر، والإمارات، بأشد العبارات سنَّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي قانون «إعدام الفلسطينيين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

في رام الله وسط الضفة الغربية، اعتصم أهالي معتقلين فلسطينيين وممثلون للفصائل الفلسطينية ورجال دين ونشطاء أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)

الأمن الغذائي مهدد في قرى جنوب لبنان المحاصرة

مواطنون يعاينون مبنى تم قصفه بغارة إسرائيلية في منطقة صور بجنوب لبنان (رويترز)
مواطنون يعاينون مبنى تم قصفه بغارة إسرائيلية في منطقة صور بجنوب لبنان (رويترز)
TT

الأمن الغذائي مهدد في قرى جنوب لبنان المحاصرة

مواطنون يعاينون مبنى تم قصفه بغارة إسرائيلية في منطقة صور بجنوب لبنان (رويترز)
مواطنون يعاينون مبنى تم قصفه بغارة إسرائيلية في منطقة صور بجنوب لبنان (رويترز)

أثارت تصريحات نقلت عن برنامج الأغذية العالمي بشأن اقتراب لبنان من أزمة أمن غذائي نتيجة تعطيل الحرب للإمدادات، صدمة في صفوف اللبنانيين الذين لم يلاحظوا انقطاع أي من المواد الغذائية في السوبرماركت والمحال التجارية. ليتبين بعد التدقيق أن مديرة برنامج الأغذية العالمي في لبنان، أليسون أومان لاوي، كانت تتحدث عن أزمة تحيط بقرى الجنوب المحاصرة.

وأشارت لاوي في إحاطة قدمتها للأمم المتحدة إلى أنه «في حين أن الأسواق في مختلف أنحاء لبنان لا تزال تعمل بشكل عام على المستوى الوطني، فإن هذا يخفي واقعاً أكثر خطورة بكثير في المناطق المتأثرة بالنزاع»، لافتة إلى أنه «في الأجزاء الجنوبية من لبنان لم يعد أكثر من 80 في المائة من الأسواق يعمل، حيث أفاد العديد من التجار بأن لديهم مخزوناً من المواد الغذائية الأساسية يكفي أقل من أسبوع واحد فقط».

ارتفاع عدد مَن يعانون من انعدام الأمن الغذائي

وأوضحت رشا أبو ضرغام، الناطقة باسم برنامج الأغذية العالمي في لبنان، أن «نحو 900 ألف شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي حتى قبل اندلاع الحرب الراهنة» مؤكدة أن «الأرقام في تصاعد بعد الحرب وستصدر قريباً». وشرحت رشا أبو ضرغام أن «المشكلة ليست في عدم توفر الغذاء، وإنما في وصول الناس إلى الغذاء نتيجة ارتفاع كبير في الأسعار، ففي شهر مارس (آذار) الماضي مثلاً ارتفعت أسعار الخضار 20 في المائة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «لكن تبقى الأسواق في مختلف أنحاء لبنان تعمل بشكل طبيعي والأزمة التي تحدثت عنها مديرة البرنامج تلاحظ حصراً في المناطق المتأثرة بالنزاع جنوباً».

حصار لقرى قضاء بنت جبيل

ومنذ أكثر من أسبوعين تتجه الأنظار إلى 13 بلدة في جنوب الليطاني، معظم سكانها من المسيحيين، بعد قرار الجيش اللبناني الانسحاب من مواقع انتشاره فيها إثر تقدم القوات الإسرائيلية إليها وتجنبه أي اشتباك أو مواجهة مباشرة معها.

وأصبحت الطرق التي تربط مثلث رميش ودبل وعين إبل بباقي المناطق اللبنانية تحت النار ما جعل هذه البلدات الثلاث معزولة، وأدى إلى رفع أهلها الصوت لتأمين ممرات إنسانية لإيصال المواد الغذائية والأدوية والمحروقات وغيرها من السلع الضرورية.

ويُعتبر وضع القرى في قضاء مرجعيون مقبولاً نسبياً باعتبار أن هناك طريقاً مفتوحاً إليها بخلاف وضع قرى قضاء بنت جبيل التي باتت تحت الحصار المطبق.

مدخل بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها وبدء عودة الأهالي إليها بعد انتهاء الحرب في شهر نوفمبر 2024 (إ.ب.أ)

ولم يتمكن السفير البابوي هذا الأسبوع الذي كان يحمل مساعدات غذائية وطبية من الوصول إلى هذه القرى نتيجة اشتداد المعارك في المناطق المحيطة، رغم الحماية التي كانت تؤمنها له قوات «اليونيفيل» والجيش اللبناني ما اضطره ومن كانوا معه بعد انتظار أكثر من ساعتين في بلدة الطيري للانسحاب بعدما كانوا على بُعد 10 دقائق فقط من بلدة دبل.

وجال البطريرك الماروني بشارة الراعي الأربعاء على عدد من البلدات الحدودية في قضاءي مرجعيون وحاصبيا، شملت كوكبا، جديدة مرجعيون، القليعة، وحمل معه مساعدات إليها.

الوضع في رميش

ويوضح رئيس بلدية رميش، حنا العميل، إحدى البلدات المحاصرة تماماً، أنه «منذ أواخر شهر مارس لم تصل أي مساعدات غذائية إلى البلدة»، واصفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» وضع الأمن الغذائي بـ«الدقيق». وقال: «هناك شح بالطحين الذي نصنع منه الخبز، ولم يعد يكفي إلا لبضعة أيام». ويشرح العميل أن الأزمة تطال أيضاً «مياه الشرب وحتى مياه الصرف، كما أنه لا توجد كهرباء ولا اتصالات، وبعض الأدوية لم تعد متوافرة، مع العلم أن هناك 7 آلاف شخص في البلدة».

ويتحدث العميل عن وعود كثيرة يتلقونها بمساعدات ستصل إليهم، لكن احتدام المعارك يجعل الطريق للوصول إلينا صعباً.

سكان عين إبل بجنوب لبنان يرحبون بالبطريرك الراعي في زيارة سابقة له إلى المنطقة (البطريركية المارونية)

الوضع في عين إبل

ويبدو وضع الأمن الغذائي في عين إبل أفضل حالاً، إذ يقول رئيس بلديتها، أيوب خريش، لـ«الشرق الأوسط»، إن المواد المتوافرة، مثل الأرز والعدس، قد تكفي أسبوعين أو 3 أسابيع، لافتاً إلى أن ما يفتقرون إليه بشكل أساسي هو مياه الشرب والخضار «فنحن غير قادرين على الوصول إلى مزروعاتنا».

ويشير خريش إلى أنه تواصل مع القيمين على بلدة رميش لمدهم ببعض الطحين، فيعيدون الكميات بعد أن تصل القوافل المنتظرة إلى هذه القرى.


لبنان يفرض نفسه على طاولة المفاوضات: كسر لـ«وحدة المسار»... وضربة لحسابات «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صورة لأمين عام الحزب السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث الدمار يعم المكان (رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صورة لأمين عام الحزب السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث الدمار يعم المكان (رويترز)
TT

لبنان يفرض نفسه على طاولة المفاوضات: كسر لـ«وحدة المسار»... وضربة لحسابات «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صورة لأمين عام الحزب السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث الدمار يعم المكان (رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صورة لأمين عام الحزب السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث الدمار يعم المكان (رويترز)

في خطوة غير مسبوقة، من المفترض أن يدخل لبنان مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل للمرة الأولى، بما يُشكِّل تطوراً يعكس تحولاً أساسياً في مقاربة الدولة لإدارة الصراع، ويؤكد تمسكها بقرار سيادي بعيداً عن أي وصاية خارجية.

وجاء هذا التحوُّل بعد محاولات إيرانية للإبقاء على ما تُعرف بـ«وحدة المسار والساحات»، ضمن المفاوضات التي ستعقد في باكستان، مقابل تأكيد لبناني عبر رئيسَي الجمهورية جوزيف عون، والحكومة نواف سلام أنَّ الدولة وحدها هي المخولة التفاوض باسم لبنان، وهو ما كرَّس واقعاً جديداً فرض نفسه على طاولة التفاوض.

وتكتسب هذه المفاوضات أهميةً إضافيةً كونها تأتي للمرة الأولى بعد سلسلة قرارات مفصلية اتخذتها الدولة اللبنانية، أبرزها حظر الجناح العسكري لـ«حزب الله»، إلى جانب قرار حصر السلاح في بيروت بالقوى الشرعية، وبعد قرارات عدة مرتبطة برفض تدخل إيران في لبنان، وكان آخرها طرد السفير الإيراني.

وتتقاطع هذه الإجراءات بشكل مباشر مع مطلب نزع سلاح «حزب الله» الذي سيكون في صلب المفاوضات المقبلة، خصوصاً في ظلِّ توجه إسرائيلي لربط أي انسحاب من جنوب لبنان بتقدُّم ملموس في هذا المسار.

سيدتان تقفان على نافذة مبنى متضرر جراء القصف الإسرائيلي وترفعان علامة النصر (رويترز)

وهذه الوقائع مجتمعة أثارت امتعاض «حزب الله»، وقد ارتفعت أصوات مسؤوليه ومناصريه المنتقدة لهذا المسار، حيث وصلت إلى حدِّ تخوين رئيس الحكومة نواف سلام، عادين أنَّ رفض إدراج لبنان ضمن التفاهمات التي تسعى إليها إيران أدى إلى استبعاده من الهدنة التي بدأت يوم الثلاثاء، ومن ثم تنفيذ الهجوم الإسرائيلي على بيروت، كما نفَّذ مناصرون لـ«حزب الله» تحركاً ضد سلام، يوم الخميس، إثر اتخاذ الحكومة قراراً لجعل «بيروت منزوعة السلاح».

تفاوض الدولة «ضربة» لرهانات «حزب الله»

وانطلاقاً من كل ما يجري، قال عضو حزب «القوات اللبنانية» النائب رازي الحاج: «من الواضح أن رهان حزب الله كان أن يشمل إعلان وقف إطلاق النار لبنان، ضمن الاتفاق بين أميركا وإيران؛ كي يعلن وفق حالة الإنكار التي يعيشها (الانتصار الوهمي)، وأن ينفِّذ في الداخل محاولات للضغط على الحكومة للعودة عن قراراتها، ومحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإعادة تجربة محاصرة السراي الحكومي لرئيس مجلس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة، أو أحداث 7 مايو (أيار) 2008 عند اجتياح بيروت».

وعدّ الحاج أن «الدولة جادة أكثر من أي وقت بالسير قدماً بملف حصر السلاح، والمفاوضات ليست إلا تعبيراً حقيقياً عن عدم تبني الدولة اللبنانية الرسمية سردية (حزب الله)».

من جهته، يرى المحلل السياسي علي الأمين أن «(حزب الله) دأب على استثمار مختلف المحطات السياسية والميدانية وتحويلها إلى ما يشبه (الانتصار)، حتى ولو كان انتصاراً وهمياً، مستفيداً من ماكينة دعائية منظمة، وقدرته على التأثير داخل بيئته الحاضنة». ويقول لـ «الشرق الأوسط»: «لو تَحقَّق وقف إطلاق النار في لبنان بالتوازي مع هدنة في إيران، لكان الحزب سارع إلى إعلان النصر الإلهي، وتنظيم احتفالات تعبِّر عن هذا الخطاب».

ويضيف الأمين: «إلا أنَّ مسار الأحداث الأخيرة جاء مغايراً لما سعى له (حزب الله)، وضربة له ومن خلفه إيران، إذ تزامن استمرار الضربات الإسرائيلية مع تحرك رسمي لبناني واضح، ما أضعف قدرة الحزب على توظيف التطورات لصالحه»، مشيراً إلى «مبادرة رئيس الحكومة نواف سلام، وجهود رئيس الجمهورية جوزيف عون، في تكريس معادلة أن الدولة اللبنانية هي الجهة التي تفاوض باسم لبنان، وهو ما أثار انزعاج (حزب الله)».

«حزب الله» لا يرفض التفاوض... بل خروجه منه

من هنا، يرى الأمين أن «المشكلة الأساسية لدى (حزب الله) لا تكمن في مبدأ التفاوض، إذ لطالما شارك فيه عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري في محطات سابقة، أو خلال مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، إنما الإشكالية اليوم تتمثَّل بالنسبة له في أنَّه لم يعد الطرف الذي يقود هذا المسار أو يحتكره، ولا حتى إيران من خلفه».

ويلفت إلى أنَّ «إعلان رئيس الحكومة بشكل صريح أنَّ لبنان يفاوض عن نفسه، ثم تأكيد رئيس الجمهورية هذا التوجه، شكَّلا نقطة تحوُّل، قابلها الحزب بحملة سياسية وصلت إلى حد اتهام سلام بـ(الصهيونية)، ومن ثم فإنَّ إعلان إسرائيل استعدادها للتفاوض زاد من وقع الصدمة، ليس بسبب التفاوض بحد ذاته، بل بسبب خروج زمام المبادرة من يدِّ الحزب».

ويشير الأمين إلى عامل إضافي وهو «التبدل في المقاربة الأميركية، إذ لم تُفتح هذه المرة قنوات خلفية مع (حزب الله)، بل كان هناك دعم واضح للحكومة اللبنانية لتكون الطرف الوحيد في التفاوض، ما يعكس تحولاً في موازين التأثير السياسي».

رهان على الدولة واستعادة السيادة

وبانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات، يؤكد الأمين أن «المرحلة المقبلة تحمل رهانًا كبيراً على الدولة اللبنانية، وتحديداً رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية جوزيف عون؛ لاتخاذ خطوات عملية تُعزِّز موقع الدولة. وأبرز هذه الخطوات تنفيذ قرار جعل بيروت مدينةً منزوعة السلاح، بما يُشكِّل مدخلاً أساسياً لإعادة الاعتبار لسيادة الدولة ومؤسساتها»، مشدداً: «نجاح هذه الخطوة قد يُشكِّل مدخلاً واسعاً لإعادة الاعتبار للدولة، لكنه يحتاج إلى حاضنة عربية ودولية جدية لضمان تنفيذه».

عناصر في الدفاع المدني يقومون بعمليات البحث عن ضحايا في موقع تعرَّض للقصف في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

من جهته، يؤكد الحاج أن «المفاوضات اليوم هي خطوة إلى الأمام، وستتركز على نقطة أساسية، وهي قدرة الدولة على إعطاء ضمانات حول حصرية السلاح، وهو الأمر العالق منذ انتخاب الرئيس عون وتشكيل الحكومة».

وذكَّر بأنَّ وزراء «القوات» تقدَّموا بمذكرة لمجلس الوزراء وضعوا خلالها «المسار القانوني والسياسي الواضح لخطوات عملية للخروج من المستنقع الحالي، ومحاسبة المسؤولين، ومقاضاة إيران أمام المحافل الدولية للخسائر التي تسببت بها للبنان جراء إقحام (حزب الله) في الحرب».


الأمين العام لـ«حزب الله» يحذّر من «التنازلات المجانية» ويربط موقفه بمسار الحرب

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (أ.ب - أرشيفية)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (أ.ب - أرشيفية)
TT

الأمين العام لـ«حزب الله» يحذّر من «التنازلات المجانية» ويربط موقفه بمسار الحرب

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (أ.ب - أرشيفية)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (أ.ب - أرشيفية)

رفع الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، سقف خطابه السياسي والعسكري، الجمعة، معلناً رفض الحزب «العودة إلى الوضع السابق»، وداعياً المسؤولين اللبنانيين إلى «إيقاف التنازلات المجانية»، في موقف يعكس تشدداً حيال أي ترتيبات سياسية أو أمنية قد تُطرح تحت ضغط الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان.

وجاءت رسالة قاسم الثالثة من نوعها منذ بدء الحرب حيث لم يظهر على الشاشة كما جرت العادة، في وقت يشهد فيه لبنان تصعيداً غير مسبوق، بعد أسابيع من المواجهات المفتوحة بين إسرائيل و«حزب الله»، وبعد ساعات على إعلان تل أبيب قبولها بدء مفاوضات مباشرة مع لبنان، وهو ما لم يتطرق إليه قاسم بشكل مباشر، مكتفياً بتكرار مواقفه السابق لجهة تحذيره من تقديم «التنازلات المجانية».

عرض لمسار المواجهة

ورغم تقدم الجيش الإسرائيلي وتوغله في عدد من القرى اللبنانية في منطقة جنوب الليطاني، اعتبر قاسم أن «العدو الإسرائيلي عجز في الميدان عن مواجهة أبطال المقاومة الشجعان، ولم يتمكن من الاجتياح البري كما أعلن مراراً، وسقط جنوده وضباطه في كمائن المجاهدين، ودمّرت آلياته على مفترق البلدات والقرى، وأعلن تغيير أهدافه عدة مرات، فتارة يريد الليطاني، وأخرى التقدم المحدود، وثالثة السيطرة بالنيران، ورابعة الاعتماد على النيران والتدمير... ولم يُفلح في كلّ عدوانه لأكثر من أربعين يوماً في منع الصواريخ والقذائف والطائرات المسيّرة عن مستوطناته القريبة والبعيدة إلى حيفا وما بعد حيفا».

سكان يتجمعون قرب سيارات ومبانٍ متفحمة في موقع غارة إسرائيلية (أ.ب)

واتهم قاسم إسرائيل بالتصعيد ضد المدنيين لتعويض إخفاقه العسكري، قائلاً: «أربعون يوماً والعدو يُراكم فشله، ومستوطناته تضجّ من الألم والرعب، وخططه مرتبكة، ومسؤولوه يهددون يومياً بنبرة عالية الصوت منخفضة الأثر»، مضيفاً: «لجأ العدو إلى الإجرام الدموي يوم الأربعاء في بيروت والضاحية والجنوب والبقاع وجبل لبنان وفي كل مكان باستهداف المدنيين في الأحياء المكتظة والقرى والبلدات لتغطية عجزه في الميدان».

رسائل داخلية... وصمت حيال المفاوضات

وحمل الجزء الأبرز من خطابه بُعداً سياسياً مباشراً؛ إذ قال: «المقاومة مستمرة حتى ينقطع النفس، وتنافس الشباب إلى الميدان لا يغادرونه هو بارقة أمل وعزة، والتضحيات تجعلنا أكثر تشبثاً بتحرير وطننا وكرامتنا. لن نقبل بالعودة إلى الوضع السابق، وندعو المسؤولين إلى إيقاف التنازلات المجانية».

رجل يتفقد مبنى مدمراً استهدفته غارة إسرائيلية (أ.ب)

ورغم حدّة الخطاب، لم يتطرق قاسم بشكل مباشر إلى مسار المفاوضات المباشرة المرتقبة، كما تجنّب الخوض سابقاً، في الجدل الداخلي المتصاعد حول ملف السفير الإيراني في بيروت، وهو ما قرأته أوساط سياسية على أنّه يحمل دلالتين محتملتين: إما أنّ الرسالة أُعدّت قبل هذه التطورات، أو أنّ الحزب يتعمّد، في هذه المرحلة، اعتماد قدر من البراغماتية لتفادي فتح مواجهة سياسية موازية في الداخل، فيما المعركة العسكرية لا تزال مفتوحة.

ويعكس هذا الموقف تمسك الحزب برفض أي تسوية تُفضي إلى تقليص نفوذه العسكري أو فرض وقائع جديدة تحت وطأة الحرب، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الدولية الداعية إلى ربط أي تهدئة بترتيبات أمنية مشددة وحصر قرار السلم والحرب بيد الدولة.

وختم قاسم بالتشديد على موقف الحزب، قائلاً: «نحن معاً كدولة وجيش وشعب ومقاومة نحمي بلدنا ونُعيد سيادته ونطرد المحتل. لن تخيفنا تهديداتهم ولا أسلحتهم، فنحن أصحاب الأرض، نملك الإيمان والإرادة والقدرة لنمنعهم من تحقيق أهدافهم».