عبد الرحمن الشقير لـ«الشرق الأوسط»: الملك عبد العزيز حول ذاكرة المجتمع من التشظي إلى الوحدة

وصف شعار «عزّنا بطبعنا» بالقوة الناعمة القابلة للتصدير

الدكتور عبد الرحمن الشقير متوشحاً شعار اليوم الوطني وحاملاً علم بلاده (الشرق الأوسط)
الدكتور عبد الرحمن الشقير متوشحاً شعار اليوم الوطني وحاملاً علم بلاده (الشرق الأوسط)
TT

عبد الرحمن الشقير لـ«الشرق الأوسط»: الملك عبد العزيز حول ذاكرة المجتمع من التشظي إلى الوحدة

الدكتور عبد الرحمن الشقير متوشحاً شعار اليوم الوطني وحاملاً علم بلاده (الشرق الأوسط)
الدكتور عبد الرحمن الشقير متوشحاً شعار اليوم الوطني وحاملاً علم بلاده (الشرق الأوسط)

أكد الدكتور عبد الرحمن الشقير عالم الاجتماع والمؤرخ وأحد أبرز الأصوات الأكاديمية في قراءة المجتمع السعودي وتاريخه الأنثروبولوجي والثقافي، أن اليوم الوطني السعودي بشعار «عزّنا بطبعنا» يلخص تجربة ثقافية عميقة، فهو أقرب إلى طقس عبور بالمعنى الأنثروبولوجي، مشدداً في حواره مع «الشرق الأوسط»، على أن هذا المشروع كان أكثر براعة في استيعاب البنية الاجتماعية. وجاء الحوار وفق ما يلي:

 

شعار اليوم الوطني «عزّنا بطبعنا» يربط بين العزة والهوية، كيف يمكن أن يُفهم هذا الشعار من منظور أنثروبولوجي؟

- شعار «عزّنا بطبعنا» يلخّص تجربة ثقافية عميقة؛ فالعزّة هنا قوة رمزية تتكون من العادات والقيم الاجتماعية الأصيلة، التي صمدت أمام موجة العولمة وتحولات العالم الرقمي الذي يذيب الهويات، فصار الصمود أمام التحديات الحقيقية معياراً للعزة.

طبعنا السعودي قاوم الذوبان، فظلّ محتفظاً بسماته الأصلية مثل الكرم والشعور بالمسؤولية والانتماء والتضامن والإنجاز، إضافة إلى حماية اللهجات المحلية والزي الشعبي والمطبخ والفنون وغيرها ودراستها.

هذه السمات لم تعد محلية، إذ إنه في السنوات الأخيرة تحوّل «طبعنا» إلى قوة ناعمة قابلة للتصدير.

هكذا صار الطبع السعودي نموذجاً يُقدم للعالم كهوية صلبة وسط عالم سريع السيولة والتحوّل، وكتجربة ثقافية فريدة قادرة على المشاركة الفعالة.

 

كيف تقرأ الاحتفاء باليوم الوطني من منظور اجتماعي وأنثروبولوجي؟

اليوم الوطني في نظري تحول إلى طقس اجتماعي عميق، فهو أقرب إلى «طقس عبور» بالمعنى الأنثروبولوجي؛ حيث انتقل المجتمع فيه عام 1351هـ/ 1932م من ذاكرة التشظي إلى ذاكرة الوحدة.

في اليوم الوطني يتوقف إيقاع الحياة العادي، لنستعيد لحظة تاريخية توقّف فيها المسار العسكري، وانطلق المسار التنموي عند نقطة اكتمال توحيد المملكة.

تفاصيل الفعاليات لليوم الوطني تصنع لوحة واسعة المعنى، وتُظهر كيف يتحول اليوم الوطني إلى طقس شعبي متجدد، يحمل في داخله رسالة أن يوم الوطن تجربة حية يعيشها الناس معاً كل عام.

 

ما وجه الاختلاف بين مشروع الملك عبد العزيز في التوحيد عن غيره من مشاريع بناء الدول؟

- مشروع الملك عبد العزيز في توحيد المملكة تميّز عن غيره لأنه استعاد الأراضي التابعة للدولة السعودية الأولى، وأعاد بناءها، وكذلك عمل على إحداث تنمية يشارك فيها جميع أبناء المملكة والخبراء العرب، فأحدث بذلك نهضة تنموية في أرجاء شاسعة من الأراضي، وبمنهجية موحدة، لكنه أعاد بناءها على قواعد جديدة.

وخرجت القبيلة من كونها إطاراً ضيقاً للعصبية، ودخلت في نسيج وطني أوسع، وهجرت أسلوب الترحال وسكنت البلدان، بذلك، تحوّل مفهوم الولاء تحولا جذريّاً، فلم يعد الفرد يعرف نفسه فقط بقبيلته أو بلدته، بل صار يضع الدولة إطاراً جامعاً يتقدم على كل الروابط.

الذاكرة الشعبية من مؤلفات الشقير رصد فيها تاريخ الحياة اليومية للإنسان في المجتمع السعودي

هذا التحول انعكس في تفاصيل الحياة اليومية، في لغة الخطاب، حيث أصبحت مفردات مثل «الوطن» و«المجتمع» و«المملكة» هي الدارجة؛ وفي طقوس الاحترام، حيث غدا السلام على راية الدولة أو صورتها رمزاً متفقاً عليه.

 

كيف يمكن أن نفهم الأمن كـ«هابيتوس» يعيش مع الناس في حياتهم اليومية؟

يتشكل «الهابيتوس» من عوامل عديدة مثل الدين والتاريخ والتربية والعادات، فيصير جزءاً طبيعياً من أسلوب حياتهم ويؤثر على قراراتهم بشكل تلقائي.

حين نصف الأمن كهابيتوس، فإننا نراه وقد ترسّخ في اللاوعي الجمعي كإيقاع يومي يُمارس بقدر ما يُفكَّر فيه. فالأمن يظهر في الطمأنينة التي ترافق الطفل إلى مدرسته، وفي استقرار الأسرة داخل منزلها بلا خوف ولا سلاح، وفي ثقة الأفراد بأن القانون والتقاليد معاً يشكلان شبكة حماية غير مرئية. ولا تُستدعى هذه الطمأنينة كقرار عقلاني في كل مرة، بل تُمارس كتلقائية اجتماعية، مثلما يتحدث الناس لغتهم أو يؤدون طقوسهم الدينية.

 

لماذا كان الأمن ركيزة لمشروع التوحيد السياسي؟

حين بدأ الملك عبد العزيز مشروعه، أدرك أن الخوف يفتت المجتمع، وأن الطمأنينة هي الشرط الأول لأي بناء سياسي، وحين استتب الأمن توقفت الغارات، واستقر الزمن على إيقاع جديد يمنح الناس يقيناً بأن الغد امتداد لليوم.

ومع تثبيت الأمن، تشكّل عقد ثقة بين الدولة والمجتمع، فالقبائل التي عاشت قروناً في دوامة الغزو سلّمت جزءاً من استقلالها مقابل حماية مواردها، والمدن شعرت أن حرماتها مصونة، والقوافل سارت آمنة على طرق الحج والتجارة. وبهذا أصبح الأمن رابطة معنوية تشد الناس إلى الدولة.

ومن هذه القاعدة وُلد رأس المال الرمزي للمملكة، ومعه انطلقت مؤسسات الحكم، وانتظمت الأسواق، وازدهرت الحواضر وانفتحت المملكة على العالم الخارجي ودخلت مراحل تحديث بلا رجعة.

 

ما دلالة الرموز الوطنية في اليوم الوطني: الراية، والنشيد، والألوان؟

- هذه رموز بداخلها «وصف كثيف»: فالراية هي إعلان سيادة يذكّر الناس بقدرة الدولة على فرض النظام وحق استخدام القوة، وهي أيضاً وعاء تختزل فيه الجماعة ذاتها في صورة بصرية واحدة، وذاكرة تاريخية تحمل سرديات التأسيس والانتصار، ويولد معها شعور نفسي بأن الفرد محمي داخل جماعة كبرى. وعلى المستوى الدولي، تظل الراية لغة دبلوماسية تختصر الوطن أمام العالم.

أما النشيد فهو ممارسة جسدية جماعية تذيب الأصوات الفردية في لحن واحد، ورمز سياسي يرسخ الشرعية، وطقس اجتماعي ينظم المناسبات ويوحّد الإيقاع، كما يمنح الأفراد دفعة نفسية تثير الحماسة والانتماء، ومسرح للذاكرة، حيث تتحول التضحيات إلى لحن موسيقي متكرر يرسّخ الوجدان الوطني.

 

هل يمكن القول إن اليوم الوطني ينتج رأس مال رمزياً؟

نعم، يمكن القول إن اليوم الوطني ينتج رأس مال رمزياً بالمعنى الذي حدّده عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. فالمشاركة في الاحتفالات، وارتداء اللون الأخضر، ورفع الراية، أو نشر الصور والرموز الوطنية عبر الفضاء الرقمي، كلها ممارسات تبدو بسيطة لكنها تولّد قيمة معنوية مشتركة. هذه القيمة تعيد توزيع الشرعية والانتماء داخل المجتمع، وتُشعر الأفراد أنهم شركاء في إنتاج الهوية الوطنية.

اليوم الوطني مناسبة تُتيح للأفراد والجماعات والمؤسسات أن يضيفوا إلى رصيدهم الاجتماعي، ويجعلوا من حضورهم ومشاركتهم وسيلة لتعزيز مكانتهم داخل الجماعة الوطنية، فتتراكم قوة رمزية تُعيد إنتاج الهوية كل عام.

 

هناك حضور قوي للجسد والفضاء في اليوم الوطني، كيف تقرأ هذه الظاهرة؟

- يتحول الجسد في اليوم الوطني إلى لوحة فنية رمزية متحركة، فهو يلتحف بالعلم ويعلق عليه الشارات ويُرسم العلم على الوجه ويوشم على اليد، أو يُرتدى الأخضر كلباس على الجسد، أو تُرفع اليد لتحمل العلم، فإن هذه الأفعال البسيطة تجعل الجسد حاملاً للهوية، ويُعلن انتماءه في الفضاء العام.

وحين يلعب الشباب «العرضة» أو «رقصة السيف»، فهم يستعيدون طقساً عريقاً كان في الأصل فعلاً قبلياً للدفاع والفخر، لكنهم يعيدون شحنه بمعنى وطني جديد، فيصير الجسد ذاكرة تربط الماضي بالحاضر.

ويتحول الفضاء العام، لمدة يوم واحد إلى مسرح كبير للهوية الجماعية، فالشارع والساحة والسماء تنقلب إلى منصات احتفال، حيث تتزين بالأعلام وأشعة الليزر الذكية والألعاب النارية للفرجة، ويجتمع فيها الناس بلا تمييز.

تتحول المدينة بكاملها، بمواطنيها وتفاعل حي من أبناء الجاليات العربية والإسلامية إلى نص اجتماعي تُكتب حروفه بالألوان، والهتاف، والتجمع، والحركة. وكل زاوية في الفضاء العام تُستعار لتأكيد معنى «الوطن» بصور محسوسة.

في هذه اللحظات يذوب الفرد في الجماعة، حيث يجدها ضمن هوية أكبر، وجميعهم يصنعون معاً لوحة حية تُجسّد ما تعنيه المواطنة، أن يتحول الانتماء إلى تجربة ملموسة يشارك فيها الجميع، وأن تتجلى الهوية في الجسد والفضاء في آن واحد.


مقالات ذات صلة

الحاضر امتداد للتاريخ الأول... السعودية تحتفل بـ«يوم التأسيس»

الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

الحاضر امتداد للتاريخ الأول... السعودية تحتفل بـ«يوم التأسيس»

يحتفي السعوديون اليوم بمرور 299 عاماً على ذكرى خالدة في التاريخ، حين أسس الإمام محمد بن سعود في 22 فبراير (شباط) 1727 الدولة السعودية الأولى في الدرعية.

بدر الخريف (الرياض)
عالم الاعمال «مجموعة أباريل» تختتم حملتها الحصرية في «بارك أفنيو مول» بفعالية كبرى للسحب على السيارات

«مجموعة أباريل» تختتم حملتها الحصرية في «بارك أفنيو مول» بفعالية كبرى للسحب على السيارات

اختتمت مجموعة «أباريل»، الشركة العالمية الرائدة في مجال التجزئة، حملتها الحصرية احتفالاً باليوم الوطني السعودي في «بارك أفنيو مول».

الخليج حضور تمثل بمسؤولين ودبلوماسيين وشخصيات فاعلة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وإعلامياً (واس)

احتفال سعودي باليوم الوطني يجتذب اهتمام الباريسيين

اجتذب الاحتفال السعودي باليوم الوطني الـ95 اهتمام الباريسيين والسياح، حيث صدحت الموسيقى التقليدية في مقر الحدث وجواره، واستمتع الضيوف والمارة برقصة «العرضة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة سعودية احتفالات متنوعة أقامها القادسية بمناسبة اليوم الوطني (نادي القادسية)

بيسغروف: مجتمع الخبر هو القلب النابض لتراث القادسية

أكّد الأسكوتلندي جيمس بيسغروف، الرئيس التنفيذي للقادسية، أن اليوم الوطني الـ95 يمثل مناسبة استثنائية للمملكة بشكل عام، ولناديه بشكل خاص.

سعد السبيعي
رياضة سعودية النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو قائد فريق النصر (الشرق الأوسط)

رونالدو وفينالدوم ورينارد يشاركون السعوديين احتفالات اليوم الوطني الـ95

تفاعلت الأندية السعودية ولاعبوها المحترفون الأجانب مع احتفالات المملكة باليوم الوطني الـ95، حيث امتلأت منصات التواصل الاجتماعي ورسائل التهاني بأجواء الفخر.

«الشرق الأوسط» (الرياض )

السفيرة العراقية في الرياض: تفويج الحجاج براً فرضته ظروف المنطقة

السفيرة العراقية في الرياض صفية طالب السهيل (تصوير: تركي العقيلي)
السفيرة العراقية في الرياض صفية طالب السهيل (تصوير: تركي العقيلي)
TT

السفيرة العراقية في الرياض: تفويج الحجاج براً فرضته ظروف المنطقة

السفيرة العراقية في الرياض صفية طالب السهيل (تصوير: تركي العقيلي)
السفيرة العراقية في الرياض صفية طالب السهيل (تصوير: تركي العقيلي)

قالت السفيرة العراقية لدى السعودية، صفية طالب السهيل، إن عدد الحجاج العراقيين هذا العام بلغ نحو 41 ألف حاج، بدأت قوافلهم في الوصول إلى الأراضي السعودية بمعدل 1500 حاج يومياً عبر منفذ جديدة عرعر شمال المملكة، وسط منظومة خدمات متكاملة.

السفيرة العراقية في الرياض صفية طالب السهيل (تصوير: تركي العقيلي)

وأكدت السهيل، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن التنسيق بين بغداد والرياض يجري على أعلى المستويات، عبر وزارتي الحج والعمرة والداخلية في البلدين، لبحث الترتيبات الأمنية وضمان تفويج الحجاج حتى أداء مناسكهم بيسر وطمأنينة.

وأوضحت السفيرة أن اعتماد العراق التفويج البري حصراً هذا العام جاء حرصاً على سلامة الحجاج في ظل الأوضاع الإقليمية الراهنة، وتجنباً لأي طارئ قد يعيق إتمامهم الفريضة، مشيدة بمنفذ جديدة عرعر وما يوفره من تجهيزات وبنية تحتية متطورة.

41 ألف حاج

أوضحت صفية السهيل أن حصة العراق لهذا الموسم بلغت 41 ألف حاج، وفق المعلومات المتاحة، إضافة إلى 200 طبيب، حسب ما أعلنته الجهات الرسمية في هيئة الحج والعمرة العراقية.

وبيّنت أن هذه الحصة تشمل حجاج جميع المحافظات العراقية وإقليم كردستان، إلى جانب الكوادر المرافقة من البعثات الإدارية والطبية والإرشادية والإعلامية.

أوضحت صفية السهيل أن حصة العراق هذا الموسم بلغت 41 ألف حاج عراقي (إمارة منطقة الحدود الشمالية)

اعتماد التفويج البري

وذكرت السفيرة أن بغداد اعتمدت هذا الموسم خيار التفويج البري حصراً عبر منفذ جديدة عرعر شمال السعودية، وهو قرار اتُخذ حرصاً على سلامة الحجاج، وانسجاماً مع الواقع الميداني الراهن في المنطقة، على حد تعبيرها.

وأضافت: «انطلقت أولى قوافل الحجاج العراقيين مساء الأحد 26 أبريل (نيسان) الحالي، وجرى استقبال طلائعهم بإشراف الأمير فيصل بن خالد، أمير منطقة الحدود الشمالية، الذي يولي هذا الملف عناية متواصلة نقدرها عالياً، إذ حرص، ومعه المسؤولون في عرعر، على أن يكون استقبال ضيوف الرحمن العراقيين على أعلى مستوى من الضيافة والتسهيلات والخدمات».

منفذ جديدة عرعر

أشادت صفية السهيل بمنفذ جديدة عرعر، مشيرة إلى أنه «يتمتع ببنية تحتية متطورة اطّلعنا عليها شخصياً برفقة كادر السفارة، وتشمل صالة حج تتجاوز مساحتها 9 آلاف متر مربع، بطاقة استيعابية تصل إلى 20 ألف حاج يومياً، 68 شباك جوازات، 6 نقاط تفتيش، إلى جانب منظومة طبية وأمنية متكاملة تعمل على مدار الساعة».

حاج عراقي لدى وصوله إلى منفذ جديدة عرعر شمال السعودية (إمارة منطقة الحدود الشمالية)

ولفتت السفيرة إلى أنه «يجري التفويج بمعدل يقارب 1500 حاج يومياً، عبر قوافل من الحافلات السياحية الحديثة المكيّفة، ومحطات استراحة على طول الطريق داخل الأراضي السعودية، ضمن مدينة خيام متكاملة أعدّتها وزارة الحج والعمرة السعودية وفق أرقى المعايير، توفّر للحجاج المبيت والإعاشة والرعاية الصحية وأماكن الصلاة».

التنسيق مع الجانب السعودي

شدّدت السهيل على أن العلاقات بين العراق والسعودية علاقات تاريخية راسخة، وتجمع بين البلدين روابط الدين والجوار والدم والمصالح المشتركة، ويحرص قادة البلدين على رعايتها وتطويرها في مختلف المجالات، لافتة إلى أن ملف الحج يحتل مكانة خاصة في هذه العلاقة، باعتباره ملفاً ذا بُعد ديني وإنساني يسمو فوق أي اعتبار آخر.

وأشارت إلى أن العراق كان أول دولة من بين أكثر من 150 دولة وقّعت اتفاقية ترتيبات شؤون الحج لموسم 1447هـ مع وزارة الحج والعمرة السعودية، وهي خطوة تعكس عمق التنسيق المتبادل وحرص البلدين الشقيقين على تذليل العقبات أمام ضيوف الرحمن، حسب وصف السفيرة.

التنسيق بين بغداد والرياض على أعلى المستويات حسب السفيرة العراقية (إمارة منطقة الحدود الشمالية)

وأضافت: «لقد جرى التنسيق هذا الموسم على أعلى المستويات بين الهيئة العليا للحج والعمرة في العراق ووزارة الحج والعمرة السعودية، وعلى التوازي بين وزارتَي الداخلية في البلدين، إذ عقد وزير الداخلية العراقي اجتماعات موسعة لمناقشة الاستعدادات الأمنية وتأمين تفويج الحجاج، بحضور رئيس الهيئة العليا للحج والعمرة ورئيس هيئة المنافذ الحدودية وقادة العمليات وشرطة المحافظات، بالتعاون مع نظرائهم في الجانب السعودي».

ووفقاً للسفيرة، «شمل التنسيق تأمين الطرق البرية داخل العراق حتى منفذ عرعر، ومن ثَمّ تسلّم الجانب السعودي مهمة التأمين من المنفذ وحتى المشاعر المقدسة، في منظومة عمل متكاملة تُجسّد ما يمكن وصفه بـ(التنسيق الأمني الأخوي بين البلدين الجارين)».

تجهيز مدينة خيام لإيواء الحجاج

وفي ما يتعلق بالتسهيلات، ثمّنت الجهود التي تبذلها المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد، في خدمة ضيوف الرحمن، مشيرة إلى أن الخدمات تشمل إجراءات جمركية وجوازاتية ميسّرة، وخدمات صحية وإسعافية على مدار الساعة، ودعماً لوجستياً كاملاً، وخدمات النقل والإرشاد، إضافة إلى مدينة الخيام المخصصة لإيواء الحجاج، مؤكدة أن الكوادر السعودية العاملة في المنفذ تؤدي دوراً مشهوداً.

وأكدت السهيل أن «البعثة الدبلوماسية العراقية، وبالتنسيق مع القنصلية العامة في جدة وبعثة الحج العراقية، نعمل على متابعة شؤون حجاجنا وتقديم ما يلزم من خدمات قنصلية وإدارية».

ثمّنت السهيل الجهود التي تبذلها المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي العهد في خدمة ضيوف الرحمن (إمارة منطقة الحدود الشمالية)

واستعادت السهيل، في حديثها عن المسار البري، ذكرى «درب زبيدة»، أحد أعرق طرق الحج في التاريخ الإسلامي، الذي ارتبط باسم زبيدة بنت جعفر، زوجة الخليفة هارون الرشيد، التي سخّرت ثروتها لتطويره وتوفير المياه للحجاج بين الكوفة ومكة المكرمة.

وفي ختام حديثها، أكدت السفيرة أن «العراق، بحكومته وشعبه ومرجعياته الدينية، يضع رحلة الحج فوق كل اعتبار، ويعمل بروح الشراكة مع الأشقاء في المملكة لضمان أن يكون موسم هذا العام موسماً ميسوراً وآمناً وموفقاً بإذن الله».


من الوكلاء إلى «نسك»… كيف أعادت السعودية رسم خريطة شركات الحج

صحن المطاف (نسك)
صحن المطاف (نسك)
TT

من الوكلاء إلى «نسك»… كيف أعادت السعودية رسم خريطة شركات الحج

صحن المطاف (نسك)
صحن المطاف (نسك)

قبل سنوات قليلة، كانت رحلة الحاج تبدأ من مكتب صغير في إحدى العواصم، وتنتهي عبر شبكة طويلة من الوكلاء والوسطاء. اليوم، تُختصر هذه الرحلة في منصة واحدة، ضمن منظومة مركزية أعادت تشكيل سوق الحج العالمي بالكامل.

هذا التحول، الذي قادته وزارة الحج والعمرة، نقل القطاع من نموذج مفتوح متعدد الأطراف إلى نظام منظم تحكمه لوائح تشغيل دقيقة ومنصات رقمية، في واحدة من أوسع عمليات إعادة الهيكلة في تاريخ خدمات الحج.

قبل هذه الإصلاحات، كان تنظيم الحج يعتمد إلى حد كبير على وكلاء محليين في الدول المختلفة، يتولون التنسيق مع مقدمي خدمات داخل المملكة، مما أدى إلى تفاوت في جودة الخدمات واختلاف في الأسعار وصعوبة في الرقابة.

لكن مع تطبيق نظام مقدمي خدمة حجاج الخارج، دخل القطاع مرحلة جديدة تقوم على تقنين السوق ووضع إطار واضح للترخيص والتشغيل والتقييم، بهدف رفع جودة الخدمات، وفق الأدلة التنظيمية الصادرة عن وزارة الحج والعمرة.

2022... بداية التحول المتدرّج

مثّل عام 2022 نقطة الانطلاق الفعلية، مع تطبيق اللائحة التنفيذية للنظام وتوسيع الاعتماد على المنصات الرقمية، بالتوازي مع إطلاق نموذج الحجز المباشر عبر منصة «نسك»، مما قلّص دور الوكلاء التقليديين ونقل مركز اتخاذ القرار إلى داخل المملكة.

ولم يكن هذا التحول لحظياً، بل جاء عبر مسار متدرّج؛ بدأ بإعادة هيكلة السوق، ثم توسع في السنوات اللاحقة لتعزيز الاعتماد على الحلول الرقمية وتثبيت نموذج الشركات المرخصة، وصولاً إلى مرحلة أكثر نضجاً في المواسم الأخيرة، ركزت على تحسين تجربة الحاج ورفع جودة الخدمات.

ومن أبرز نتائج هذا التحول، تقليص عدد الجهات العاملة في السوق، حيث حُصر النشاط في شركات مرخصة محددة تخضع لمعايير تشغيلية ورقابية واضحة، وفق دليل التعليمات والإجراءات الصادر عن وزارة الحج والعمرة.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» مستشار اللجنة الوطنية للحج والعمرة سابقاً، سعد القرشي، إن هذا التحول يمثل «نقلة نوعية»، موضحاً أن الانتقال من نموذج الوكلاء إلى شركات منظمة أسهم في رفع مستوى الخدمات.

ويضيف: «جميع الخدمات المرتبطة بالحاج، من السكن والتفويج والاستقبال، أصبحت أكثر تنظيماً وجودة، مقارنةً بما كان عليه الوضع سابقاً».

دليل تشغيلي يعيد تعريف الخدمة

تَعزز هذا التحول بإصدار أدلة تشغيلية تفصيلية، تحدد بدقة نوعية الخدمات ومعايير الجودة وآليات التقييم، مما أدى إلى تفكيك تجربة الحاج إلى وحدات قابلة للقياس والمحاسبة، بدلاً من تقديمها بشكل عام.

ولم يخلُ التحول من تحديات، أبرزها تأهيل الكوادر البشرية للعمل وفق النماذج الجديدة.

ويشير سعد القرشي إلى أن هذه التحديات «تم تجاوزها إلى حد كبير»، مع ارتفاع مستوى الجاهزية لدى العاملين وتحسن كفاءة التشغيل، مؤكداً أن المنظومة الحالية «تعمل اليوم بكفاءة أعلى وتنظيم أفضل».

طلب متزايد... ضمن سقف تنظيمي

وعلى الرغم من الإقبال المتزايد، تظل أعداد الحجاج خاضعة لأطر تنظيمية محددة، مما يفرض سقفاً على الأعداد.

ويقول سعد القرشي إن «محدودية الحصص المخصصة لكل دولة تفرض سقفاً على الأعداد، رغم ارتفاع الطلب على الشركات المنظمة»، متوقعاً أن يشهد القطاع توسعاً أكبر مع زيادة الطاقة الاستيعابية في المستقبل.

كما أسهم التنظيم في ضبط الأسعار، بعد أن كانت خاضعة لاجتهادات الوكلاء، مما أدى إلى تقليل التفاوت ورفع مستوى الشفافية في التكاليف.

من الوكيل إلى المنصة

التحول الرقمي شكّل ركيزة أساسية في هذه المنظومة، إذ أصبحت عمليات التعاقد واختيار الخدمات مرتبطة بمنصات رقمية مثل «نسك»، وفق بيانات وزارة الحج والعمرة.

هذا التحول لم يختصر الوقت والجهد فحسب، بل أعاد توزيع الأدوار داخل السوق، لتصبح إدارة الرحلة أكثر مركزية وتنظيماً.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» المهندس عماد سامي قاري، عضو مجلس الإدارة واللجنة التنفيذية بشركة «السراة»، إن المنظومة شهدت انتقالاً من نماذج تشغيل تقليدية إلى منظومة رقمية متكاملة.

ويضيف أن هذا التحول «اعتمد على الربط الإلكتروني بين شركات الطيران ووزارة الحج والعمرة ومنصة (نسك) وشركات تقديم الخدمة، مما أسهم في تحسين كفاءة إدارة رحلة الحاج».

وأشار إلى أن استخدام تقنيات مثل «QR Code» وبطاقات «نسك» انعكس بشكل مباشر على تجربة الحاج، من خلال تقليل القلق وتسريع الإجراءات.

ويؤكد قاري أن التركيز لم يعد يقتصر على إدارة الحشود، بل امتد إلى تقديم تجربة متكاملة، لافتاً إلى مبادرات حديثة مثل «حاج بلا حقيبة»، التي تهدف إلى تسهيل تنقل الحجاج وتحسين رحلتهم.

ما حدث في قطاع الحج خلال السنوات الأخيرة يتجاوز مجرد تقليص عدد الشركات، ليصل إلى إعادة تشكيل سوق عالمية بالكامل.

فالحج اليوم لم يعد يعتمد على شبكات تقليدية، بل أصبح قطاعاً منظماً قائماً على الحوكمة ومدفوعاً بالتقنية، في تحول يعكس توجهاً أوسع نحو إدارة أكثر كفاءة لأحد أكبر التجمعات البشرية في العالم.


السعودية تُشدد على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية

شددت السعودية على حق الدول الأطراف في الاستخدام السلمي للطاقة النووية دون قيود إضافية (الشرق الأوسط)
شددت السعودية على حق الدول الأطراف في الاستخدام السلمي للطاقة النووية دون قيود إضافية (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تُشدد على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية

شددت السعودية على حق الدول الأطراف في الاستخدام السلمي للطاقة النووية دون قيود إضافية (الشرق الأوسط)
شددت السعودية على حق الدول الأطراف في الاستخدام السلمي للطاقة النووية دون قيود إضافية (الشرق الأوسط)

شدَّدت السعودية على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مؤكدة في الوقت ذاته أن تحقيق السلام في المنطقة يتطلب وقف إطلاق النار في غزة، ومنع التهجير، والمضي نحو إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967.

جاء ذلك في كلمة ألقاها المندوب الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة، الدكتور عبد العزيز بن محمد الواصل، خلال أعمال الدورة الحادية عشرة للمؤتمر الاستعراضي لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وكذلك في سياق المناقشات الأممية حول تطورات الأوضاع الإقليمية.

وأكدت السعودية أن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تمثل ركيزة أساسية لمنظومة عدم الانتشار، مشددة على ضرورة تحقيق التوازن بين ركائزها الثلاث، بما يشمل نزع السلاح، وعدم الانتشار، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية. ودعت الدول الحائزة على الأسلحة النووية إلى الوفاء بالتزاماتها، مؤكدة أن الضمان الوحيد لعدم استخدام هذه الأسلحة يتمثل في التخلص الكامل منها.

كما شددت على حق الدول الأطراف في الاستخدام السلمي للطاقة النووية دون قيود إضافية، بما يعزز الشفافية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

إقليمياً، تطرقت السعودية إلى الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت المدنيين والأعيان المدنية، والتي أدانها المجتمع الدولي بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2817 لعام 2026، مؤكدة أهمية تعزيز الأمن الإقليمي واحترام مبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، إلى جانب ضرورة تعاون إيران الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لضمان سلمية برنامجها النووي.

كما جددت المملكة تأكيدها أن إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية يمثل مسؤولية دولية جماعية، مشيرة إلى أن استمرار رفض إسرائيل الانضمام إلى المعاهدة يشكل عقبة رئيسية أمام إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.

وفيما يتعلق بالأوضاع في الأراضي الفلسطينية، أكدت السعودية خطورة التصعيد، مجددة إدانتها للاعتداءات الإسرائيلية على فلسطين ولبنان، ورفضها أي محاولات لتغيير الوضع التاريخي والقانوني في مدينة القدس ومقدساتها الإسلامية. كما أدانت الاستيطان غير القانوني، معتبرة أنه يقوِّض فرص السلام وينتهك القانون الدولي.

وشددت المملكة على أن تحقيق السلام العادل والشامل يتطلب وقف إطلاق النار، ومنع تهجير السكان، والانسحاب من قطاع غزة، وصولاً إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، وفق قرارات الشرعية الدولية.