عبد الرحمن الشقير لـ«الشرق الأوسط»: الملك عبد العزيز حول ذاكرة المجتمع من التشظي إلى الوحدة

وصف شعار «عزّنا بطبعنا» بالقوة الناعمة القابلة للتصدير

الدكتور عبد الرحمن الشقير متوشحاً شعار اليوم الوطني وحاملاً علم بلاده (الشرق الأوسط)
الدكتور عبد الرحمن الشقير متوشحاً شعار اليوم الوطني وحاملاً علم بلاده (الشرق الأوسط)
TT

عبد الرحمن الشقير لـ«الشرق الأوسط»: الملك عبد العزيز حول ذاكرة المجتمع من التشظي إلى الوحدة

الدكتور عبد الرحمن الشقير متوشحاً شعار اليوم الوطني وحاملاً علم بلاده (الشرق الأوسط)
الدكتور عبد الرحمن الشقير متوشحاً شعار اليوم الوطني وحاملاً علم بلاده (الشرق الأوسط)

أكد الدكتور عبد الرحمن الشقير عالم الاجتماع والمؤرخ وأحد أبرز الأصوات الأكاديمية في قراءة المجتمع السعودي وتاريخه الأنثروبولوجي والثقافي، أن اليوم الوطني السعودي بشعار «عزّنا بطبعنا» يلخص تجربة ثقافية عميقة، فهو أقرب إلى طقس عبور بالمعنى الأنثروبولوجي، مشدداً في حواره مع «الشرق الأوسط»، على أن هذا المشروع كان أكثر براعة في استيعاب البنية الاجتماعية. وجاء الحوار وفق ما يلي:

 

شعار اليوم الوطني «عزّنا بطبعنا» يربط بين العزة والهوية، كيف يمكن أن يُفهم هذا الشعار من منظور أنثروبولوجي؟

- شعار «عزّنا بطبعنا» يلخّص تجربة ثقافية عميقة؛ فالعزّة هنا قوة رمزية تتكون من العادات والقيم الاجتماعية الأصيلة، التي صمدت أمام موجة العولمة وتحولات العالم الرقمي الذي يذيب الهويات، فصار الصمود أمام التحديات الحقيقية معياراً للعزة.

طبعنا السعودي قاوم الذوبان، فظلّ محتفظاً بسماته الأصلية مثل الكرم والشعور بالمسؤولية والانتماء والتضامن والإنجاز، إضافة إلى حماية اللهجات المحلية والزي الشعبي والمطبخ والفنون وغيرها ودراستها.

هذه السمات لم تعد محلية، إذ إنه في السنوات الأخيرة تحوّل «طبعنا» إلى قوة ناعمة قابلة للتصدير.

هكذا صار الطبع السعودي نموذجاً يُقدم للعالم كهوية صلبة وسط عالم سريع السيولة والتحوّل، وكتجربة ثقافية فريدة قادرة على المشاركة الفعالة.

 

كيف تقرأ الاحتفاء باليوم الوطني من منظور اجتماعي وأنثروبولوجي؟

اليوم الوطني في نظري تحول إلى طقس اجتماعي عميق، فهو أقرب إلى «طقس عبور» بالمعنى الأنثروبولوجي؛ حيث انتقل المجتمع فيه عام 1351هـ/ 1932م من ذاكرة التشظي إلى ذاكرة الوحدة.

في اليوم الوطني يتوقف إيقاع الحياة العادي، لنستعيد لحظة تاريخية توقّف فيها المسار العسكري، وانطلق المسار التنموي عند نقطة اكتمال توحيد المملكة.

تفاصيل الفعاليات لليوم الوطني تصنع لوحة واسعة المعنى، وتُظهر كيف يتحول اليوم الوطني إلى طقس شعبي متجدد، يحمل في داخله رسالة أن يوم الوطن تجربة حية يعيشها الناس معاً كل عام.

 

ما وجه الاختلاف بين مشروع الملك عبد العزيز في التوحيد عن غيره من مشاريع بناء الدول؟

- مشروع الملك عبد العزيز في توحيد المملكة تميّز عن غيره لأنه استعاد الأراضي التابعة للدولة السعودية الأولى، وأعاد بناءها، وكذلك عمل على إحداث تنمية يشارك فيها جميع أبناء المملكة والخبراء العرب، فأحدث بذلك نهضة تنموية في أرجاء شاسعة من الأراضي، وبمنهجية موحدة، لكنه أعاد بناءها على قواعد جديدة.

وخرجت القبيلة من كونها إطاراً ضيقاً للعصبية، ودخلت في نسيج وطني أوسع، وهجرت أسلوب الترحال وسكنت البلدان، بذلك، تحوّل مفهوم الولاء تحولا جذريّاً، فلم يعد الفرد يعرف نفسه فقط بقبيلته أو بلدته، بل صار يضع الدولة إطاراً جامعاً يتقدم على كل الروابط.

الذاكرة الشعبية من مؤلفات الشقير رصد فيها تاريخ الحياة اليومية للإنسان في المجتمع السعودي

هذا التحول انعكس في تفاصيل الحياة اليومية، في لغة الخطاب، حيث أصبحت مفردات مثل «الوطن» و«المجتمع» و«المملكة» هي الدارجة؛ وفي طقوس الاحترام، حيث غدا السلام على راية الدولة أو صورتها رمزاً متفقاً عليه.

 

كيف يمكن أن نفهم الأمن كـ«هابيتوس» يعيش مع الناس في حياتهم اليومية؟

يتشكل «الهابيتوس» من عوامل عديدة مثل الدين والتاريخ والتربية والعادات، فيصير جزءاً طبيعياً من أسلوب حياتهم ويؤثر على قراراتهم بشكل تلقائي.

حين نصف الأمن كهابيتوس، فإننا نراه وقد ترسّخ في اللاوعي الجمعي كإيقاع يومي يُمارس بقدر ما يُفكَّر فيه. فالأمن يظهر في الطمأنينة التي ترافق الطفل إلى مدرسته، وفي استقرار الأسرة داخل منزلها بلا خوف ولا سلاح، وفي ثقة الأفراد بأن القانون والتقاليد معاً يشكلان شبكة حماية غير مرئية. ولا تُستدعى هذه الطمأنينة كقرار عقلاني في كل مرة، بل تُمارس كتلقائية اجتماعية، مثلما يتحدث الناس لغتهم أو يؤدون طقوسهم الدينية.

 

لماذا كان الأمن ركيزة لمشروع التوحيد السياسي؟

حين بدأ الملك عبد العزيز مشروعه، أدرك أن الخوف يفتت المجتمع، وأن الطمأنينة هي الشرط الأول لأي بناء سياسي، وحين استتب الأمن توقفت الغارات، واستقر الزمن على إيقاع جديد يمنح الناس يقيناً بأن الغد امتداد لليوم.

ومع تثبيت الأمن، تشكّل عقد ثقة بين الدولة والمجتمع، فالقبائل التي عاشت قروناً في دوامة الغزو سلّمت جزءاً من استقلالها مقابل حماية مواردها، والمدن شعرت أن حرماتها مصونة، والقوافل سارت آمنة على طرق الحج والتجارة. وبهذا أصبح الأمن رابطة معنوية تشد الناس إلى الدولة.

ومن هذه القاعدة وُلد رأس المال الرمزي للمملكة، ومعه انطلقت مؤسسات الحكم، وانتظمت الأسواق، وازدهرت الحواضر وانفتحت المملكة على العالم الخارجي ودخلت مراحل تحديث بلا رجعة.

 

ما دلالة الرموز الوطنية في اليوم الوطني: الراية، والنشيد، والألوان؟

- هذه رموز بداخلها «وصف كثيف»: فالراية هي إعلان سيادة يذكّر الناس بقدرة الدولة على فرض النظام وحق استخدام القوة، وهي أيضاً وعاء تختزل فيه الجماعة ذاتها في صورة بصرية واحدة، وذاكرة تاريخية تحمل سرديات التأسيس والانتصار، ويولد معها شعور نفسي بأن الفرد محمي داخل جماعة كبرى. وعلى المستوى الدولي، تظل الراية لغة دبلوماسية تختصر الوطن أمام العالم.

أما النشيد فهو ممارسة جسدية جماعية تذيب الأصوات الفردية في لحن واحد، ورمز سياسي يرسخ الشرعية، وطقس اجتماعي ينظم المناسبات ويوحّد الإيقاع، كما يمنح الأفراد دفعة نفسية تثير الحماسة والانتماء، ومسرح للذاكرة، حيث تتحول التضحيات إلى لحن موسيقي متكرر يرسّخ الوجدان الوطني.

 

هل يمكن القول إن اليوم الوطني ينتج رأس مال رمزياً؟

نعم، يمكن القول إن اليوم الوطني ينتج رأس مال رمزياً بالمعنى الذي حدّده عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. فالمشاركة في الاحتفالات، وارتداء اللون الأخضر، ورفع الراية، أو نشر الصور والرموز الوطنية عبر الفضاء الرقمي، كلها ممارسات تبدو بسيطة لكنها تولّد قيمة معنوية مشتركة. هذه القيمة تعيد توزيع الشرعية والانتماء داخل المجتمع، وتُشعر الأفراد أنهم شركاء في إنتاج الهوية الوطنية.

اليوم الوطني مناسبة تُتيح للأفراد والجماعات والمؤسسات أن يضيفوا إلى رصيدهم الاجتماعي، ويجعلوا من حضورهم ومشاركتهم وسيلة لتعزيز مكانتهم داخل الجماعة الوطنية، فتتراكم قوة رمزية تُعيد إنتاج الهوية كل عام.

 

هناك حضور قوي للجسد والفضاء في اليوم الوطني، كيف تقرأ هذه الظاهرة؟

- يتحول الجسد في اليوم الوطني إلى لوحة فنية رمزية متحركة، فهو يلتحف بالعلم ويعلق عليه الشارات ويُرسم العلم على الوجه ويوشم على اليد، أو يُرتدى الأخضر كلباس على الجسد، أو تُرفع اليد لتحمل العلم، فإن هذه الأفعال البسيطة تجعل الجسد حاملاً للهوية، ويُعلن انتماءه في الفضاء العام.

وحين يلعب الشباب «العرضة» أو «رقصة السيف»، فهم يستعيدون طقساً عريقاً كان في الأصل فعلاً قبلياً للدفاع والفخر، لكنهم يعيدون شحنه بمعنى وطني جديد، فيصير الجسد ذاكرة تربط الماضي بالحاضر.

ويتحول الفضاء العام، لمدة يوم واحد إلى مسرح كبير للهوية الجماعية، فالشارع والساحة والسماء تنقلب إلى منصات احتفال، حيث تتزين بالأعلام وأشعة الليزر الذكية والألعاب النارية للفرجة، ويجتمع فيها الناس بلا تمييز.

تتحول المدينة بكاملها، بمواطنيها وتفاعل حي من أبناء الجاليات العربية والإسلامية إلى نص اجتماعي تُكتب حروفه بالألوان، والهتاف، والتجمع، والحركة. وكل زاوية في الفضاء العام تُستعار لتأكيد معنى «الوطن» بصور محسوسة.

في هذه اللحظات يذوب الفرد في الجماعة، حيث يجدها ضمن هوية أكبر، وجميعهم يصنعون معاً لوحة حية تُجسّد ما تعنيه المواطنة، أن يتحول الانتماء إلى تجربة ملموسة يشارك فيها الجميع، وأن تتجلى الهوية في الجسد والفضاء في آن واحد.


مقالات ذات صلة

الحاضر امتداد للتاريخ الأول... السعودية تحتفل بـ«يوم التأسيس»

الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

الحاضر امتداد للتاريخ الأول... السعودية تحتفل بـ«يوم التأسيس»

يحتفي السعوديون اليوم بمرور 299 عاماً على ذكرى خالدة في التاريخ، حين أسس الإمام محمد بن سعود في 22 فبراير (شباط) 1727 الدولة السعودية الأولى في الدرعية.

بدر الخريف (الرياض)
عالم الاعمال «مجموعة أباريل» تختتم حملتها الحصرية في «بارك أفنيو مول» بفعالية كبرى للسحب على السيارات

«مجموعة أباريل» تختتم حملتها الحصرية في «بارك أفنيو مول» بفعالية كبرى للسحب على السيارات

اختتمت مجموعة «أباريل»، الشركة العالمية الرائدة في مجال التجزئة، حملتها الحصرية احتفالاً باليوم الوطني السعودي في «بارك أفنيو مول».

الخليج حضور تمثل بمسؤولين ودبلوماسيين وشخصيات فاعلة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وإعلامياً (واس)

احتفال سعودي باليوم الوطني يجتذب اهتمام الباريسيين

اجتذب الاحتفال السعودي باليوم الوطني الـ95 اهتمام الباريسيين والسياح، حيث صدحت الموسيقى التقليدية في مقر الحدث وجواره، واستمتع الضيوف والمارة برقصة «العرضة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة سعودية احتفالات متنوعة أقامها القادسية بمناسبة اليوم الوطني (نادي القادسية)

بيسغروف: مجتمع الخبر هو القلب النابض لتراث القادسية

أكّد الأسكوتلندي جيمس بيسغروف، الرئيس التنفيذي للقادسية، أن اليوم الوطني الـ95 يمثل مناسبة استثنائية للمملكة بشكل عام، ولناديه بشكل خاص.

سعد السبيعي
رياضة سعودية النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو قائد فريق النصر (الشرق الأوسط)

رونالدو وفينالدوم ورينارد يشاركون السعوديين احتفالات اليوم الوطني الـ95

تفاعلت الأندية السعودية ولاعبوها المحترفون الأجانب مع احتفالات المملكة باليوم الوطني الـ95، حيث امتلأت منصات التواصل الاجتماعي ورسائل التهاني بأجواء الفخر.

«الشرق الأوسط» (الرياض )

«التعاون الخليجي»: إيران وجهت أكثر من 85 % من هجماتها لدول الخليج

جاسم البديوي أمين عام مجلس التعاون الخليجي (الشرق الأوسط)
جاسم البديوي أمين عام مجلس التعاون الخليجي (الشرق الأوسط)
TT

«التعاون الخليجي»: إيران وجهت أكثر من 85 % من هجماتها لدول الخليج

جاسم البديوي أمين عام مجلس التعاون الخليجي (الشرق الأوسط)
جاسم البديوي أمين عام مجلس التعاون الخليجي (الشرق الأوسط)

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن دول المجلس تدرس كل الخيارات للرد على الاعتداءات الإيرانية الغادرة على الخليج، في الوقت الذي تفضل فيه الدبلوماسية.

وشدد على أن دول الخليج تتحلى بأعلى درجات ضبط النفس تجاه الاعتداءات الإيرانية، غير أنها آثرت عدم الرد لكي لا تتوسع رقعة الصراع.

واعتبر أن إيران هي المسؤولة عن التصعيد وعليها وقف الهجمات فوراً، مؤكداً أن «حق دول الخليج في الدفاع عن النفس مكفول بالقانون الدولي»، وأن هجمات إيران تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.

وقال جاسم البديوي، في مؤتمر صحافي في الرياض للإحاطة حول الاعتداءات الإيرانية على دول المجلس، أن إيران وجهت نحو 85 في المائة من صواريخها تجاه دول الخليج، مشدداً على أن سلوك إيران في المنطقة تخطى كل الحدود.

وأضاف البديوي أن دول الخليج أبلغت إيران بأنها ليست طرفاً في النزاع، مشدداً على أن «القانون الدولي يحظر تعطيل الملاحة بالمضايق، ولا يمكن لأي طرف تعطيل الملاحة في المضايق».

وأكد أمين مجلس التعاون، خلال المؤتمر الصحافي، ضرورة إشراك دول المجلس في أي محادثات أو اتفاقيات لحل الأزمة الحالية.

وجدد أمين مجلس التعاون الخليجي إدانته واستنكاره الشديدين لاستمرار «اعتداءات إيران السافرة والغادرة» على دول مجلس التعاون، وما تشمله من استهدافٍ متعمدٍ للبنية التحتية والمنشآت النفطية، في انتهاكٍ صارخٍ لأحكام القانون الدولي والأعراف الدولية، وتهديدٍ مباشرٍ لأمن واستقرار المنطقة وسلامة إمدادات الطاقة العالمية.

وأكد أن استمرار هذه الاعتداءات يكشف بوضوح عن النهج التصعيدي للحكومة الإيرانية تجاه دول المجلس، ويُعد عملاً عدوانياً مرفوضاً يقوّض جهود التهدئة ويهدد الأمنين الإقليمي والدولي، مطالباً المجتمع الدولي بإرسال رسالة موحدة لإيران لوقف هجماتها.


وزير الخارجية الإسباني لـ«الشرق الأوسط»: نقف مع السعودية... وهجمات إيران «غير مبررة»

خوسيه مانويل ألباريس وزير الخارجية  (وزارة الخارجية الإسبانية)
خوسيه مانويل ألباريس وزير الخارجية (وزارة الخارجية الإسبانية)
TT

وزير الخارجية الإسباني لـ«الشرق الأوسط»: نقف مع السعودية... وهجمات إيران «غير مبررة»

خوسيه مانويل ألباريس وزير الخارجية  (وزارة الخارجية الإسبانية)
خوسيه مانويل ألباريس وزير الخارجية (وزارة الخارجية الإسبانية)

في ظل التحذيرات المتزايدة من انفجار الأوضاع في المنطقة، أكد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس وقوف بلاده مع السعودية، ووصف هجمات إيران على السعودية ودول أخرى في المنطقة بأنها غير مبررة.

وتحدث الوزير الإسباني عن تحرك دبلوماسي متسارع تقوده بلاده ضمن عدة دول أوروبية بالتنسيق مع دول في منطقة الشرق الأوسط، بهدف خفض التصعيد وتغليب الحوار والدبلوماسية، ووضع حد للحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية.

وقال ألباريس، في حوار مكتوب مع «الشرق الأوسط»، إن إسبانيا أدانت الهجمات الإيرانية بشكل واضح وعلني، مضيفاً: «استدعينا السفير الإيراني وأعربنا عن رفضنا القاطع للعنف، ودعونا إلى وقف فوري لهذه الهجمات»، مؤكداً تضامن بلاده الكامل مع السعودية ودول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية، واصفاً تلك الهجمات بأنها «غير مبررة على الإطلاق».

وأشار ألباريس إلى أن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، تلقى اتصالاً هاتفياً من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز قبل أيام، عبّر خلاله عن دعم مدريد وتضامنها مع السعودية في ظل الهجمات غير المبررة التي تتعرض لها، مؤكداً أن موقف إسبانيا يستند إلى مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وليس إلى منطق القوة.

وأوضح ألباريس أن هذا الاتصال بين القيادتين في الرياض ومدريد جاء ضمن مبادرة دبلوماسية أوسع شملت عدداً من دول المنطقة، من بينها السعودية وقطر والبحرين والكويت وعُمان ولبنان والعراق والأردن وتركيا ومصر، مؤكداً أن «شركاءنا في المنطقة يمكنهم الاعتماد على إسبانيا في هذه الظروف الصعبة».

وأضاف أن بلاده نقلت رسائل تضامن واضحة إلى الدول التي تعرضت للهجمات الإيرانية، مؤكدة دعمها لسلامة أراضيها واستقرارها، مشيراً إلى أن هذه الرسائل شملت السعودية والبحرين والكويت والإمارات وسلطنة عُمان وقطر والأردن وتركيا ومصر وأوزبكستان وأذربيجان.

خفض التصعيد والتفاوض... ضرورة ملحّة

وشدد ألباريس على أن إسبانيا تدعو بشكل واضح إلى خفض التصعيد، والعودة إلى طاولة المفاوضات والتفاوض واحترام القانون الدولي وإضفاء العقلانية وضبط النفس، قائلاً: «لا يمكننا قبول أن تصبح الحرب وسيلة للتفاعل بين الدول أو آلية لإرساء توازن القوى في الشرق الأوسط، فالعنف لا يجلب السلام أو الاستقرار أو الديمقراطية بل يولد مزيداً من الفوضى».

وأكد أن بلاده تتبنى موقفاً متماسكاً يقوم على قيم السلام والتضامن التي تُشكّل جوهر المجتمع الإسباني، وتشترك فيها غالبية الدول الأوروبية، مشيراً إلى أن إسبانيا تتخذ قراراتها بما يتماشى مع المبادئ الأوروبية وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، على حدّ تعبيره.

وأضاف أن الصراع الحالي امتدت تداعياته إلى خارج الشرق الأوسط، لافتاً إلى إطلاق صواريخ باتجاه تركيا وتأثيرات أمنية على قبرص، محذراً من أن استمرار التصعيد سيؤدي إلى اتساع رقعة الصراع وزيادة المخاطر على الاستقرار الإقليمي.

وقال ألباريس: «نتواصل مع شركائنا في هذا الصدد في المنطقة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. نواجه تصعيداً عسكرياً ذا عواقب لا يمكن التنبؤ بها، على مستوى المنطقة والعالم، لهذا السبب، تعارض إسبانيا الحرب بشكل قاطع وتدعو إلى خفض التصعيد والتفاوض».

وأشار إلى أن الصراع يؤثر كذلك على التجارة الدولية وإنتاج الطاقة، موضحاً أن أي توسع للحرب سيترك آثاراً مباشرة على الاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية، داعياً إلى العمل الجماعي لإيجاد سبل لخفض التصعيد.

وتابع ألباريس: «نواجه نظاماً يطلق صواريخ وطائرات مسيرة على دول في الشرق الأوسط غير متورطة في هذه الحرب ولم تشارك فيها، وهذا يزيد من خطر امتداد الصراع الدائر إلى خارج المنطقة».

وحول تعليقه على الهجمات العسكرية التي تتعرض لها دول الخليج، شدد ألباريس على أنها تفرز حالة من التداعيات غير المتوقعة للصراع الحالي تجعل الوضع بالغ الخطورة على أمن واستقرار الشرق الأوسط، بما في ذلك دول الخليج التي تُستهدف بشكل خاص.

دول على خط المواجهة

وتطرق ألباريس إلى الأوضاع في عدد من دول المنطقة، مشيراً إلى أن لبنان يواجه وضعاً مأساوياً مع ارتفاع أعداد الضحايا وتدهور النظام الصحي ونزوح أكثر من مليون شخص، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية، حيث تتلاشى حياة الشعب اللبناني أمام أعينهم.

وتابع: «أدنّا هجمات حزب الله، التي تُؤجّج المواجهة، ولكن إسرائيل تؤجج هجماتها، ويجري حالياً غزو إسرائيلي بري، وهو خطأ فادح في بلد عانى معاناة هائلة. علاوة على ذلك، لا يمكننا تجاهل هجمات إسرائيل والجهات الفاعلة غير الحكومية على قوات الأمم المتحدة، وعلى (اليونيفيل)، التي توجد فيها إسبانيا بشكل كبير، ولا للانتهاكات المتكررة للقانون الدولي الإنساني».

وأعرب ألباريس عن قلقه من استمرار التوتر في غزة والضفة الغربية، محذراً من غياب رؤية واضحة للحل وتقييد وصول المساعدات الإنسانية، فضلاً عن تصاعد أعمال عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وغياب مشروع المرحلة الثانية للسلام في غزة.

وضع خطير لا يمكن التنبؤ به

وحذر ألباريس من أن التصعيد الحالي يهدد الملاحة البحرية في مضيق هرمز والبنية التحتية الحيوية للطاقة، ما ينذر بعواقب خطيرة على أمن الطاقة العالمي. وقال: «نواجه وضعاً بالغ الخطورة ونزاعاً لا يمكن التنبؤ بمساره، وله تداعيات ملموسة في مختلف أنحاء العالم».

وأكد ألباريس أن إسبانيا تتفهم مخاوف دول الخليج من تداعيات الحرب، مشيراً إلى أن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، التي تشنها إيران، وتدينها إسبانيا بشدة، تسهم في تعقيد الوضع وزيادة المخاطر.

وأضاف أن الوضع في مضيق هرمز يثير قلقاً كبيراً بسبب تأثيره المباشر على أمن الطاقة والتجارة الدولية، محذراً من أن تداعيات الحرب ستزداد حدة في المستقبل إذا لم يتم احتواء التصعيد.

وشدد ألباريس على ضرورة عدم إغفال الأبعاد الإنسانية للصراع، مثل الخسائر في الأرواح والنزوح، إذ ربما تكون لهذا الأخير عواقب مباشرة في أوروبا أيضاً، لذا فإن حلاً مسؤولاً قائماً على التضامن أمر ضروري.

وزاد: «في خضم هذه الأزمة، يصعب التفكير في المدى البعيد، لكننا نفكر في تأثير ما نعيشه الآن على آفاق السلام لشعوب المنطقة، وعلى آمالهم في المستقبل، وعلى مستقبل أبنائهم، وعلى مستقبل أبنائنا. ولذلك، نحتاج إلى إيجاد سبيل سريع للحوار وتهدئة الوضع».

وحدة الموقف

وفيما يتعلق بإمكانية اتساع رقعة الحرب، شدد ألباريس على ضرورة توحيد موقف المجتمع الدولي، مؤكداً أن الحل يكمن في خفض التصعيد والدبلوماسية والعودة إلى المفاوضات.

وحول ما إذا كانت إسبانيا ستنخرط في الحرب في مرحلة من مراحلها، قال ألباريس إن «موقف إسبانيا واضح: يجب علينا العمل بجدٍّ على خفض حدة النزاع. أي عمل يُسهم في تفاقم المواجهة أو تصعيد الحرب الدائرة لن يؤدي إلا إلى زيادة المعاناة».

وحول مدى احتمالية انفجار الوضع الراهن إلى حرب أوسع وصعوبة احتوائه، أكد ألباريس أن «عواقب تصرفات إسرائيل، وكذلك رد إيران، غير قابلة للتنبؤ... نحن ندخل في وضع يصعب فيه تحديد إلى أين سيؤدي التصعيد وما هي آثاره النهائية».

وأكد أن إسبانيا ستواصل دعم الجهود الدولية لخفض التصعيد وتعزيز دور الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة إيجاد مسار سريع للحوار وتهدئة الأوضاع بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة والعالم.


مقتل شخصين وإصابة 3 نتيجة سقوط شظايا صاروخ في أبوظبي

اعتراض صاروخ إيراني في أجواء أبوظبي في 28 فبراير(أ.ف.ب)
اعتراض صاروخ إيراني في أجواء أبوظبي في 28 فبراير(أ.ف.ب)
TT

مقتل شخصين وإصابة 3 نتيجة سقوط شظايا صاروخ في أبوظبي

اعتراض صاروخ إيراني في أجواء أبوظبي في 28 فبراير(أ.ف.ب)
اعتراض صاروخ إيراني في أجواء أبوظبي في 28 فبراير(أ.ف.ب)

أعلنت السلطات الإماراتية، اليوم (الخميس)، مقتل شخصين وإصابة ثلاثة آخرين وتضرر عدد من المركبات نتيجة سقوط شظايا صاروخ باليستي في أبوظبي، وفق بيان رسمي.

وذكر مكتب أبوظبي، في بيان صحافي اليوم، أن الجهات المختصة تعاملت مع حادث نتيجة سقوط شظايا في شارع سويحان، إثر الاعتراض الناجح لصاروخ باليستي من قبل الدفاعات الجوية.

وأشار إلى أن الحادث أسفر عن مقتل شخصين لم يتم تحديد هويتهما بعد، وإصابة ثلاثة أشخاص آخرين، إلى جانب تضرر عدد من المركبات.