الرأي العام الإيراني يتأثر إيجاباً بالنموذج السعودي

في أعقاب عودة العلاقات بين البلدين في مارس 2023

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي على هامش القمة العربية الإسلامية الاستثنائية في الرياض (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي على هامش القمة العربية الإسلامية الاستثنائية في الرياض (واس)
TT

الرأي العام الإيراني يتأثر إيجاباً بالنموذج السعودي

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي على هامش القمة العربية الإسلامية الاستثنائية في الرياض (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي على هامش القمة العربية الإسلامية الاستثنائية في الرياض (واس)

أظهرت دراسة حديثة أن النموذج التنموي السعودي أصبح يحظى بانجذاب رسمي، إقليمياً ودولياً، بالنظر إلى عديد من التطوُّرات المهمَّة داخلياً وخارجياً، وبالنظر إلى المؤشِّرات والأرقام، التي وضعت المملكة في مكانة مهمَّة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وبحسب الدراسة، فإن إيران من الدول التي ظهر فيها تأثير النموذج السعودي، لا سيّما بين النُّخبة وقطاع عريض من الرأي العام الإيراني، في أعقاب عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في مارس (آذار) 2023.

وخلصت الدراسة التي أجراها الدكتور محمد السلمي، مؤسس ورئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية ومقره الرياض، إلى تشكّل رأي إيجابي بين النخب والرأي العام الإيراني بشأن السعودية، رغم بعض الأصوات «المتشدِّدة»، التي كانت تنظُر إلى العلاقة من منظور آيديولوجي أو مذهبي.

وزير الخارجية الصيني وانغ يي متوسطاً رئيسي الوفدين المفاوضين السعودي الدكتور مساعد العيبان والإيراني علي شمخاني بعد توقيع وثيقة الاتفاق في 10 مارس 2023 (رويترز)

وأوضح السلمي أن النموذج السعودي خلال العقد الأخير كان محطّ اهتمام إقليمي كبير بما في ذلك من إيران، بعد أن حقَّقت المملكة نقلاتٍ نوعية على مسار التنمية الداخلية، وتأكيد المكانة والحضور الإقليمي والعالمي.

ومن المتوقَّع في المستقبل، وفقاً للسلمي، أن يستمِرَّ زخْم الحضور السعودي على الساحة الإيرانية بين النُّخبة والجماهير، نتيجة لوجود نموذج حقيقي بالفعل تقدِّمه المملكة للحضور في المستقبل باعتبارها قوَّة إقليمية لا يمكن تجاوزها، ووجهة دولية ومحطَّة لتقاطع مصالح القُوى العالمية، على حد تعبيره.

كما توقعت الدراسة حدوث تغيُّر أكبر في مواقف شرائح المجتمع الإيراني تجاه السعودية، في حال السماح للشباب الإيراني بزيارة المملكة عبر تأشيرة سياحية، أو دعوة بعض المؤثِّرين الإيرانيين في منصَّات التواصل الاجتماعي لحضور الفعاليات الترفيهية في المملكة، مثل «موسم الرياض»، وزيارة مدينة العُلا التاريخية، وغيرهما.

صورة السعودية

تشير الدراسة إلى أنه بعد عودة العلاقات السعودية - الإيرانية، ظهرت مؤشِّرات على وجود تغييرات مهمَّة تخُصُّ صورة السعودية داخل إيران، إذ أصبحت المملكة موضوعاً مُتداولاً بصورة أكثر إيجابية على مستوى النُّخَب والرأي العام الإيراني.

وتجلت هذه التغيرات في مستوى الإعجاب المتزايد داخل النخب والرأي العام الإيراني بالأداء السياسي للسعودية داخلياً وخارجياً، وذلك من خلال دور الدبلوماسية السعودية في النزاعات الدولية، حيث يرون أن السعودية نجحت في أن تستثمر في علاقات متنوِّعة على الساحة الدولية، بما يخدم مشروعها الوطني، وأنَّ ذلك يعود إلى رؤية قيادة المملكة الشابَّة ممثَّلة في ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بجانب نُخبة مؤهَّلة علمياً.

كما أشادت النُّخبة الإيرانية - وفقاً للدراسة - بالدبلوماسية السعودية، ودورها البارز في حل النزاعات الدولية، وموقف الإيرانيين من اجتماع السلام الذي استضافته مدينة جدة السعودية وحضره ممثِّلون من نحو 40 دولة، بما في ذلك البرازيل وإنجلترا والهند والصين والولايات المتحدة وتركيا وجنوب أفريقيا ودول الاتحاد الأوروبي، لحلِّ الأزمة الأوكرانية.

وعَدّ السفير الإيراني الأسبق في السعودية، محمد حسيني، أنَّ اجتماع جدة، رغم أنَّه لم ينجح في وقْف الأزمة الروسية - الأوكرانية، لكنَّه كان بمثابة انتصار كبير للسعودية، ونجح في إخراج قوَّة عُظمى مثل الصين، والقوى الناشئة في النظام الدولي مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، من الحياد السلبي، وعزَّز مكانتها إلى جهات فاعِلة ذات دور إيجابي محايد، فضلاً عن أنَّه خلَقَ مكانة عالمية للسعودية، خصوصاً بعد إقناعها الصين بالمشاركة.

النموذج الحداثي

النموذج الحداثي والتنموي السعودي كان حاضراً بين الإيرانيين مقارنة بنموذج التنمية في إيران، كما تقول الدراسة، التي تضيف أن السعودية من وجهة نظر النُّخبة الإيرانية نجحت في استغلال عوائد النفط في التطوير والتحديث، فيما لم تستفِد إيران من مواردها النفطية الهائلة، وضيَّعت فُرصاً مهمَّة.

ونقلت الدراسة حديث النائب السابق في البرلمان والمساعد الأسبق لوزير الجهاد الزراعي وعضو هيئة التدريس بجامعة «تربيت مدرس» علي قنبري، الذي قال: «نحنُ متخلِّفون بمقدار 15 عاماً عن دول الجوار، وفي أحسن الأحوال متخلِّفون 10 سنوات، وفي أكثر الحالات واقعية متخلِّفون 15 عاماً عن الدول المحيطة، مثل السعودية وتركيا، وغيرهما».

كما أصبح الإيرانيون ينظرون بإيجابية للسياسة الخارجية السعودية المتوازِنة وتحركاتها بين الشرق والغرب كما تفيد الدراسة، وعلاقاتها المتنوِّعة والإيجابية مع كل الأطراف الدولية، وتنويع مصادر الدعم السياسي والاقتصادي، بما في ذلك الحفاظ على علاقات مؤثِّرة مع الأطراف كافة.

وأبرزت الدراسة مقالاً لمحمود سريع القلم، مستشار الرئيس السابق حسن روحاني وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة بهشتي، الذي قال: «أحرزت 6 دول مكانة مهمَّة بين القُوى الوسطى، وهي البرازيل والسعودية والهند وجنوب أفريقيا وتركيا وإندونيسيا، وتعمل هذه الدول الست مع الشرق والغرب، وقد حافظت جميعها على علاقات جيِّدة مع روسيا».

ويطرح الكاتب الإيراني مقارنة تلقائية مع سياسة إيران الخارجية، التي بدأت بالتركيز على الشرق والابتعاد عن الغرب، وهي السياسة التي يبدو أنَّها لم تنجح في أن تحلّ مشكلات إيران وأزماتها، وقال: «بينما توسِّع السعودية نشاطها الدبلوماسي ودوائر حركتها، وتنخرط بوصفها طرفاً فاعلاً في النظام الدولي القائم، فإنَّ إيران تتحرَّك في إطار ضيِّق ومحدود ومناهِض لهذا النظام وقِيَمه وقواعده ومبادئه، لهذا تظهر السعودية وسيطاً في أهمِّ الصراعات، وفاعِلاً في مجموعة العشرين، وفاعِلاً إقليمياً ترغب روسيا والصين في ضمِّه إلى تجمُّعاتها، فيما يذهب رئيسي إلى بعض دول أميركا اللاتينية وبعض الدول الأفريقية لمواجهة العُزلة والضغوط والعقوبات».

تصفير المشكلات

على الصعيد الإقليمي، تفيد الدراسة بأن السعودية باتت أهم لاعب إقليمي من جانب إيران بفضل تبنِّيها سياسة تصفير المشكلات والتهدئة والتعاون. وحسب علي بيغدلي، خبير العلاقات الدولية في صحيفة «آرمان ملي»، فإنَّ «السعودية تسعى لإيجاد تنوُّع وتعدُّدية في المنطقة، كما تحاول إحداث تغيير في العلاقات في المنطقة.

كما يرى كوروش أحمدي، الدبلوماسي الإيراني السابق، أنَّ السعودية تتمتَّع بالشروط اللازمة كي تتحوَّل إلى بوّابة العالم العربي، وقد وجدت بهذه الطريقة فُرصة غير مسبوقة للتأثير المباشر وغير المباشر في الشرق الأوسط.

الدكتور محمد السلمي رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (الشرق الأوسط)

ووفقاً للسلمي، رئيس المركز الدولي للدراسات الإيرانية ومُعّد الدراسة، فإن النُّخبة الإيرانية تنظر بإعجاب إلى جهود السعودية على صعيد القوَّة الناعمة، وتسخير الإمكانيات كافَّة لخدمة هذا الهدف.

ومن ضمن الموضوعات المُثارة، الدبلوماسية الرياضية والترفيهية، التي استندت إلى استقطاب النجوم وتنظيم الفعاليات الدولية الرياضية، وغيرها من الجهود، حيث يُشير علي فريدوني في صحيفة «ستاره صبح»، إلى ذلك بقوله: «يتنافس السعوديون مع الدول المجاورة، سعياً لترسيخ مكانة المملكة وجهة ترفيهية - رياضية رائدة في منطقة الخليج العربي»، ويضيف: «يسعى السعوديون إلى استخدام الرياضة، خصوصاً كرة القدم، أداة من أجل الانخراط في الدبلوماسية مع دول العالم».


مقالات ذات صلة

إسرائيل ولبنان يتفقان على بدء مفاوضات مباشرة بعد «محادثات مثمرة»

شؤون إقليمية صورة تجمع سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر ومستشار وزارة الخارجية الأميركية مايكل نيدهام وسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وسفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى قبل اجتماعهم في وزارة الخارجية في العاصمة واشنطن 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب) p-circle 00:33

إسرائيل ولبنان يتفقان على بدء مفاوضات مباشرة بعد «محادثات مثمرة»

أعلنت الخارجية الأميركية أن وفدَي إسرائيل ولبنان اتفقا، بعد محادثاتهما الثلاثاء في واشنطن، على استكمال المفاوضات المباشرة بزمان ومكان يتم الاتفاق عليهما.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر (د.ب.أ) p-circle

وزير خارجية إسرائيل: نريد «سلاماً وتطبيعاً» للعلاقات مع لبنان

قال وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر، اليوم الثلاثاء، إن بلاده تريد «سلاماً وتطبيعاً» للعلاقات مع لبنان، وذلك قبيل محادثات بين مسؤولين من البلدين في واشنطن.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي صورة التقطت من مدينة صور لدخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة القليلة (أ.ف.ب)

لبنان وإسرائيل نحو «مواجهة دبلوماسية» حول وقف النار

يعقد لبنان وإسرائيل اجتماعاً غداً في واشنطن للتغلب على عقود من العداء الدامي بينهما، وسط سجال على وقف النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ونزع سلاح «حزب الله».

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا وزير خارجية مالي عبد الله ديوب (رويترز)

مالي تعلن تأييدها خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء

قال وزير خارجية مالي عبد الله ديوب، اليوم الجمعة، إن بلاده «تؤيد خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء الغربية».

«الشرق الأوسط» (باماكو)
شمال افريقيا عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية (الوحدة)

ليبيا وتونس تبحثان التعاون الأمني والاستخباراتي

ليبيا وتونس تبحثان سبل تطوير وتنسيق العمل بين القوات البرية في البلدين، مع التركيز على تنفيذ برامج تدريبية مشتركة، وإجراء تمارين ميدانية على الحدود.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادَِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يؤكد السفير الأسبق أن «السعودية ليست بلد حرب، ولها جهود داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، مضيفاً: «باكستان أيضاً مؤهلة لحيادها بين الطرفين، فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

ويوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، وأشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود أن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من إيران، أبان عسيري أن «إيران كانت عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

وبموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية المملكة 2030) هي خير برهان، حيث تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «لذا؛ سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة حقيقية

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

ويدرك المطيري أن «الجانب الاقتصادي أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع (رؤية السعودية 2030)، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة»، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بـ5 مليارات دولار، يقول السفير الأسبق: «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

وفي سياق متصل، تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.


شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
TT

شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)

استكمالا لجولته المكوكية التي بدأت من السعودية، بحث محمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها التطورات في منطقة الشرق الأوسط، وذلك خلال اجتماع عقد في الدوحة يوم الخميس.

وجدد رئيس الوزراء الباكستاني إدانة بلاده للهجمات التي استهدفت قطر ودول المنطقة، مؤكداً تضامن باكستان الكامل، ودعمها لما تتخذه الدوحة من إجراءات لحماية سيادتها، وصون أمنها، واستقرارها.

وأعرب أمير قطر عن تقديره للدور الباكستاني في دعم المساعي لخفض التصعيد، وتعزيز الحوار الدبلوماسي بما يخدم الأمن والسلم الإقليميين.

بحث الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر ومحمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية (قنا)

ووفقا للمصادر الرسمية، أكد الجانبان ضرورة دعم مسار التهدئة، وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن المنطقة واستقرارها، لا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية.

كما جرى، خلال الاجتماع، استعراض علاقات التعاون والصداقة بين البلدين، وسبل تطويرها بما يعزز الشراكة بين البلدين، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الثنائي.

وأكد الجانبان ضرورة مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين، في ظل الأحداث الجارية وتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها.

وكان رئيس الوزراء الباكستاني وصل إلى الدوحة يوم الخميس في زيارة عمل، وكان في استقباله والوفد المرافق، لدى وصوله لمطار الدوحة الدولي، سلطان المريخي وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية.