السعودية وروسيا لوقف حرب غزة... وحل الدولتين هو السبيل للاستقرار

أكدتا ضرورة التزام جميع الدول المشاركة باتفاقية «أوبك+» بما يخدم مصالح المنتجين والمستهلكين

TT

السعودية وروسيا لوقف حرب غزة... وحل الدولتين هو السبيل للاستقرار

جانب من لقاء الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر اليمامة بالرياض (واس)
جانب من لقاء الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر اليمامة بالرياض (واس)

شددت السعودية وروسيا على ضرورة وقف العمليات العسكرية في الأراضي الفلسطينية، وأكدتا على أنه لا سبيل لتحقيق الأمن والاستقرار في فلسطين إلا من خلال تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بحل الدولتين. وأعربتا عن بالغ قلقهما حيال الكارثة الإنسانية في غزة... كما أكدتا الاتفاق على تعزيز التعاون الدفاعي والأمني بين البلدين.

ونقلت وكالة الأنباء السعودية (واس)، الخميس، عن بيان مشترك صدر في ختام محادثات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته للمملكة، أن الجانبين، اتفقا على تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات البترول والغاز، وعلى «ضرورة التزام جميع الدول المشاركة باتفاقية (أوبك+) بما يخدم مصالح المنتجين والمستهلكين ويدعم نمو الاقتصاد العالمي». وأشادا بالتعاون الوثيق بين بلديهما و«بالجهود الناجحة لدول مجموعة (أوبك+) في تعزيز استقرار أسواق البترول العالمية».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الرياض (واس)

وجاء في البيان، إن الأمير محمد بن سلمان والرئيس بوتين، «استعرضا العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين البلدين الصديقين، وسبل تطويرها في جميع المجالات، وتم تبادل وجهات النظر حول مجمل الأوضاع الإقليمية والدولية الراهنة». وقدم بوتين التهنئة للأمير محمد بن سلمان بفوز مدينة الرياض لاستضافة المعرض الدولي «إكسبو 2030».

وفي المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، أشاد الجانبان بنمو حجم التجارة في عام 2022 بمعدل (46 في المائة) مقارنة بعام 2021، منوهين بحجم المصالح الاقتصادية المشتركة بين البلدين، مؤكدين عزمهما مواصلة العمل المشترك على تعزيز وتنويع التجارة بينهما، والعمل على تكثيف التواصل بين القطاع الخاص في البلدين لبحث الفرص التجارية والاستثمارية الواعدة وتحويلها إلى شراكات فاعلة. وأكد الجانبان على استمرار العمل في سبيل تعزيز الاستثمارات المتبادلة والمشتركة بين البلدين، وتمكين القطاع الخاص، وتبادل الزيارات، وعقد المنتديات والفعاليات الاستثمارية المشتركة، وتطوير البيئة الجاذبة للاستثمار، وتوفير الممكنات اللازمة، ومعالجة أي تحديات في هذا المجال.

جانب من الاجتماع السعودي الروسي بحضور الأمير محمد بن سلمان وفلاديمير بوتين (واس)

 

الطاقة

وفي مجال الطاقة، أشاد الجانبان بالتعاون الوثيق بينهما، وبالجهود الناجحة لدول مجموعة «أوبك+» في تعزيز استقرار أسواق البترول العالمية، وأكدا على أهمية استمرار هذا التعاون، وضرورة التزام جميع الدول المشاركة باتفاقية «أوبك+»، بما يخدم مصالح المنتجين والمستهلكين ويدعم نمو الاقتصاد العالمي.

وأشاد الجانبان بنجاح عقد أعمال الدورة (الثامنة) للجنة السعودية - الروسية المشتركة التي عُقدت في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بمدينة موسكو؛ لتعزيز التعاون الوثيق بين البلدين، حيث شهد الاجتماع اتفاق الجانبين على مجالات تعاون جديدة بين البلدين.

واتفق الجانبان على تعزيز التعاون في المجالات الآتية: 1- البترول والغاز مثل الشراء والتوريد والتوحيد القياسي للمعدات في مجال البترول والغاز، وخدمات البحث والتطوير في البترول والغاز، والبتروكيماويات، وتقييم استخدام التقنيات الحديثة في هذا المجال بين الشركات في البلدين، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والكهرباء والطاقة المتجددة بما في ذلك الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الجوفية والحرارية، وتطوير مشروعاتها وتقنياتها، وتطوير سلاسل الإمداد لقطاعات الطاقة واستدامتها، وتمكين التعاون بين الشركات لتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية في البلدين بما يسهم في تحقيق مرونة إمدادات الطاقة وفاعليتها، وكفاءة الطاقة وترشيد استهلاكها ورفع الوعي بأهميتها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال الاجتماع (واس)

2 - المجال العلمي الجيولوجي وتبادل المعرفة، بما يسهم في زيادة القدرات الفنية الجيولوجية من خلال الدراسات الجيولوجية والتعدينية والبيئية، والاستفادة من الفرص الاستثمارية في القطاعات المستهدفة في استراتيجية المملكة الوطنية للصناعة بما في ذلك الصناعات الدوائية، والأجهزة الطبية. 3 - البيئة والمياه والزراعة والأمن الغذائي. 4 - الاتصالات، والتقنية، والاقتصاد الرقمي، والابتكار، والفضاء، والنقل والخدمات اللوجيستية. 5 - القضاء والعدل، والبدء بالتباحث بشأن مشروع اتفاقية تعاون بين البلدين في المجال القضائي في المسائل المدنية والتجارية. 6 - السياحة المستدامة، وتنمية الحركة السياحية بين البلدين. 7 - الرياضة. 8 - التعليم، والتعليم العالي، والبحث والابتكار والتدريب الطبي، والتدريب التقني والمهني، وتعليم اللغتين العربية والروسية. 9 - الإعلام. 10 - الصحة.

 

المناخ

ورحّب الجانب الروسي بمبادرتَي «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر»، اللتان أطلقتهما المملكة، مؤكداً دعمه لجهود المملكة في مجال التغير المناخي من خلال تطبيق نهج الاقتصاد الدائري للكربون الذي أطلقته المملكة وأقرّه قادة دول مجموعة العشرين، وأكد الجانبان أهمية الالتزام بمبادئ الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي، واتفاقية باريس، وضرورة تطوير الاتفاقيات المناخية وتنفيذها بالتركيز على الانبعاثات دون المصادر.

وعبر الجانبان عن رغبتهما في تعظيم الاستفادة من المحتوى المحلي في مشاريع قطاعات الطاقة، والتعاون على تحفيز الابتكار، وتطبيق التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة وتطوير البيئة الحاضنة لها.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر اليمامة بالرياض (واس)

وأشاد الجانبان بمستوى الاستثمارات المشتركة بين البلدين في المشروعات الصناعية في المملكة بما فيها 4 مصانع في مدن الهيئة الملكية للجبيل وينبع باستثمارات تصل إلى 300 مليون ريال.

 

التعاون الدفاعي

وفي الجانب الدفاعي والأمني، اتفق الجانبان على تعزيز التعاون الدفاعي، بما يدعم ويحقق المصالح المشتركة بين البلدين. وأكّدا رغبتهما في تعزيز التعاون الأمني القائم، والتنسيق حيال الموضوعات ذات الاهتمام المشترك بما في ذلك مكافحة الجرائم بجميع أشكالها، ومكافحة الإرهاب والتطرف وتمويلهما، وتبادل المعلومات لمواجهة التنظيمات الإرهابية، بما يحقق الأمن والاستقرار في البلدين.

وأكد الجانبان عزمهما على تعزيز وتنسيق التعاون الدولي الثنائي فيما بين الأجهزة المعنية لديهما لمكافحة جرائم الفساد العابرة للحدود بجميع أشكالها، وملاحقة مرتكبيها، واسترداد العائدات المتحصلة من جرائم الفساد، وذلك من خلال الاستفادة من شبكة العمليات العالمية لسلطات إنفاذ القانون المعنية بمكافحة الفساد (غلوب إي).

ورحّب الجانب الروسي باستضافة المملكة للمؤتمر الوزاري (الرابع) حول مقاومة مضادات الميكروبات المقرر انعقاده في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى وصوله إلى الرياض (واس)

واتفق الجانبان على أهمية تعزيز التنسيق والتعاون بين البلدين في المنظمات الدولية، بما فيها صندوق النقد والبنك الدوليين، ومجموعة العشرين لمواجهة التحديات الاقتصادية التي يمر بها العالم.

 

السلام وغزة

وفي الشأن الدولي، جدّد الجانبان عزمهما على مواصلة التنسيق وتكثيف الجهود الرامية إلى صون الأمن والسلم الدوليين. وتبادل الجانبان وجهات النظر حول القضايا التي تهم البلدين على الساحتين الإقليمية والدولية، وأكدا عزمهما على تعزيز التعاون والتنسيق المشترك تجاهها، ومواصلة دعمهما كل ما من شأنه إرساء السلام والاستقرار في المنطقة والعالم.

وناقش الجانبان تطورات الأوضاع في فلسطين، وأعربا عن بالغ قلقهما حيال الكارثة الإنسانية في غزة، وشدّدا على ضرورة وقف العمليات العسكرية في الأراضي الفلسطينية، وضرورة حماية المدنيين وفقاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

وشددا على ضرورة تمكين المنظمات الدولية الإنسانية من القيام بدورها في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى الشعب الفلسطيني بما في ذلك منظمات الأمم المتحدة، خاصة وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ودعم جهودها في هذا الشأن.

وأكد الجانبان على أنه لا سبيل لتحقيق الأمن والاستقرار في فلسطين إلا من خلال تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بحل الدولتين، بما يكفل تهيئة الظروف المناسبة للتعايش السلمي والتنمية الاقتصادية وتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه المشروعة في إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي هذا الصدد، ثمّن الجانب الروسي استضافة المملكة للقمة العربية - الإسلامية المشتركة غير العادية في الرياض، وما أثمرت عنه من قرارات تجاه الأحداث الجارية في فلسطين، مشيداً بقيادة المملكة الجهود المبذولة في تنفيذ قرارات القمة لبلورة تحرك دولي لوقف العدوان على غزة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح الوفد السعودي بعد وصوله إلى قصر اليمامة بالرياض (واس)

وفيما يخص الأزمة في أوكرانيا، أعرب الجانب الروسي عن تقديره الجهود الإنسانية والسياسية التي يقوم بها الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ومن ذلك الإفراج عن عدد من الأسرى من جنسيات مختلفة، والجهود المستمرة في هذا الشأن.

وفي الشأن اليمني، أكد الجانبان دعمهما الكامل الجهود الأممية والإقليمية للتوصل إلى حل سياسي شامل للأزمة اليمنية، وأشاد الجانب الروسي بجهود المملكة لتشجيع الحوار والوفاق بين الأطراف اليمنية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية لكل مناطق اليمن، وما تقدمه المملكة من دعم مالي لمعالجة الأوضاع المالية الصعبة التي تواجه الحكومة اليمنية، والمشاريع التنموية التي يقدمها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.

ورحّب الجانب الروسي باستئناف العلاقات الدبلوماسية بين المملكة وإيران، معرباً عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وبما يحفظ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وأكد الجانبان أهمية التزام إيران بسلمية برنامجها النووي، والتعاون بشفافية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأهمية تضافر الجهود في إجراء مفاوضات شاملة تشارك فيها دول المنطقة، وتتناول مصادر تهديد الأمن والسلم الإقليمي والدولي.

ولي العهد السعودي والرئيس الروسي خلال جلسة مباحثات في الرياض (واس)

وفي الشأن السوري، أشاد الجانبان بقرار جامعة الدول العربية استئناف مشاركة وفود الحكومة السورية في اجتماعات مجلس الجامعة والمنظمات والأجهزة التابعة لها، وأعربا عن تطلعهما في أن يسهم ذلك في دعم استقرار الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها، وحل الأزمة السورية وتسيير العودة الطوعية الآمنة للاجئين السوريين إلى بلادهم.

وفي الشأن السوداني، أكد الجانبان على أهمية البناء على إعلان جدة (الالتزام بحماية المدنيين في السودان) الموقّع بتاريخ 11 مايو (أيار) 2023، والترتيبات الإنسانية في إطار القانون الدولي الإنساني الموقع بتاريخ 20 مايو 2023، لإنهاء الصراع القائم في السودان وعودة الحوار السياسي بين جميع الأطراف.

ورحب الجانبان بالتقدم المحرَز في محادثات جدة الثانية بتاريخ 7 نوفمبر 2023، واستئناف الحوار بين طرفي الصراع في السودان بهدف الوصول إلى وقف دائم للأعمال القتالية، وبما يسهم في تخفيف معاناة الشعب السوداني.

وأشاد الجانب الروسي بجهود المملكة في عمليات إجلاء عدد من رعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، وما قدمته من مساعدات إغاثية وإنسانية للشعب السوداني».

أمير منطقة الرياض يودع الرئيس الروسي بمطار الملك خالد الدولي (واس)


مقالات ذات صلة

الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الروسي سيرغي لافروف (الشرق الأوسط)

فيصل بن فرحان ولافروف يناقشان جهود تعزيز أمن المنطقة

ناقش الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة والجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا صورة توضيحية للقرصنة السيبرانية (رويترز)

السويد تحبط هجوماً إلكترونياً لمجموعة موالية لروسيا على محطة توليد طاقة حرارية

أعلن وزير الدفاع المدني السويدي الأربعاء أن السويد أحبطت هجوما إلكترونيا كانت تخطط له مجموعة قراصنة معلوماتية موالية لروسيا على محطة طاقة حرارية بغرب البلاد

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم)
الولايات المتحدة​ صورة لمحطة وقود تابعة لشركة «لوك أويل» في نيوآرك بولاية نيو جيرسي الأميركية 3 مارس 2022 (رويترز)

أميركا تمدّد إعفاء شركة النفط الروسية «لوك أويل» من العقوبات

أعلن مسؤولون أميركيون، الثلاثاء، تمديد إعفاء شركة النفط الروسية العملاقة «لوك أويل» من العقوبات بما يشمل محطات الوقود التابعة لها خارج روسيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم وزيرا خارجية الصين وانغ يي وروسيا سيرغي لافروف بعد توقيعهما على اتفاقية بين البلدين في بكين الثلاثاء (رويترز)

موسكو لتعزيز التنسيق الدبلوماسي مع بكين لمواجهة التحديات

عكست مناقشات أجراها وزير الخارجية سيرغي لافروف مع نظيره الصيني وانغ يي، في بكين، الثلاثاء، حرصاً على تعزيز الخطوات المشتركة بين بلديهما.

رائد جبر (موسكو)

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.