قطار التنمية السعودي يمر بجنوب شرقي وشرق آسيا

محمد بن سلمان التقى بـ11 زعيماً آسيوياً خلال 4 أيام

تسعى السعودية ودول الخليج لاستدامة الاجتماعات على مستوى القمة بين مجلس التعاون و«الآسيان» لتكون مرة كل سنتين (واس)
تسعى السعودية ودول الخليج لاستدامة الاجتماعات على مستوى القمة بين مجلس التعاون و«الآسيان» لتكون مرة كل سنتين (واس)
TT

قطار التنمية السعودي يمر بجنوب شرقي وشرق آسيا

تسعى السعودية ودول الخليج لاستدامة الاجتماعات على مستوى القمة بين مجلس التعاون و«الآسيان» لتكون مرة كل سنتين (واس)
تسعى السعودية ودول الخليج لاستدامة الاجتماعات على مستوى القمة بين مجلس التعاون و«الآسيان» لتكون مرة كل سنتين (واس)

على مدى 4 أيام فقط، استقبل ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، 11 زعيماً لدول جنوب شرقي وشرق آسيا، مؤسّساً لمرحلة جديدة من التعاون السعودي مع الجهة الأخرى من القارة الأكبر في العالم.

وفضلاً عن احتضانها للقمة التاريخية الأولى بين «مجلس التعاون الخليجي» ورابطة دول جنوب شرقي آسيا «الآسيان»، الجمعة، في العاصمة الرياض، تقود السعودية الجانب الخليجي في هذا الإطار، حيث دفعت أيضاً إلى استدامة الاجتماعات على مستوى القمة بين الكتلتين المهمّتين مرة كل سنتين، وأعرب القادة عن تطلعهم في هذا الشأن إلى عقد القمة المقبلة في ماليزيا في عام 2025.

قيادة العمل الخليجي مع «الآسيان»

من جانبها، لا تعمل السعودية فقط على تعزيز شراكتها مع دول (الآسيان)، بل تقود الجانب الخليجي لرفع مستوى الشراكة بين المنطقتين، حيث برهن انضمام خمس دول من مجلس التعاون الخليجي إلى معاهدة الصداقة والتعاون مع رابطة جنوب شرقي آسيا خلال العام الماضي والعام الجاري فقط، عن الأهمية التي توليها دول الخليج لتلك المنطقة، من خلال إنشاء «إطار التعاون بين مجلس التعاون ورابطة «الآسيان» للفترة (2024 - 2028)، الذي يحدد التدابير وأنشطة التعاون التي ستنفذ بين الجانبين على نحو مشترك في المجالات ذات الاهتمام المشترك بما يعود بالمنفعة المتبادلة، بما في ذلك الحوار السياسي والأمني والتجارة والاستثمار، والتواصل بين الشعوب، والتعليم والثقافة والسياحة والإعلام والرياضة، كما ستستضيف السعودية «المؤتمر الاقتصادي والاستثماري الأول لدول مجلس التعاون ودول رابطة «الآسيان» في النصف الأول من العام المقبل في العاصمة السعودية الرياض.

توافق سياسي بشأن غزة

وسلّط التصريح اللافت لوزيرة الخارجية الإندونيسية ريتنو مارسودي، التي قالت إن «قمة الرياض» كتبت تاريخاً جديداً لـ«علاقات أوثق وأقرب بين منطقتين مهمتين، وبنَت جسراً قوياً يربط بين منطقتينا، وطوّرت تعاوناً يدرّ الفوائد على شعوبنا»، مزيداً من الضوء على التقدّم الحاصل، كما أظهر اتفاق المجتمعين على إصدار بيانين مشتركين، يتعلّق الأول بالعلاقات بين مجلس التعاون الخليجي ورابطة «الآسيان»، والثاني بشأن تطورات الأوضاع في غزة، عن توافق سياسي أيضاً بين الجانبين، حيث اتفق القادة على «استنكار كل الهجمات التي حدثت في قطاع غزة، وطالبوا بالوصول إلى حل دائم لوقف إطلاق النار ووصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع والخدمات وغيرها».

السعودية استضافت القمة التاريخية الأولى بين دول الخليج وجنوب شرقي آسيا (واس)

وأضافت وزيرة الخارجية الإندونيسية، خلال مؤتمر صحافي مع نظيرها السعودي الأمير فيصل بن فرحان، الجمعة، أن القمة طالبت بـ«إطلاق سراح الرهائن من المدنيين والمعتقلين خاصةً النساء والأطفال والمرضى وكبار السن، ونحث جميع الأطراف ذوي العلاقة للعمل تجاه تحقيق حل سلمي قائم على حل الدولتين، ودعم مبادرة السعودية والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية لإحياء مبادرة السلام العربية بالتنسيق مع مصر والأردن، وتسوية النزاع بين إسرائيل وجيرانها وفقاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة».

مستوى جديد من التعاون

من جانبها، سعت الرياض خلال الأيام الأربعة الماضية، إلى خلق مستوى جديد من علاقاتها مع أربعة من أهم البلدان في «الآسيان» التي يقترب عدد سكانها من 670 مليون نسمة، وتتمتّع بعضوية بلدان من أسرع الاقتصادات نموّاً في العالم، وفقاً لبيانات رسمية، ومن جوار «الآسيان» أيضاً، حيث أجمع كافة القادة الخليجيّين والآسيويّين، خلال «قمة الرياض» والمباحثات الرسمية التي عقدها ولي العهد السعودي وضيوفه من سنغافورة وإندونيسيا وماليزيا، ثم كوريا، على دعم كامل لترشح مدينة الرياض لاستضافة المعرض الدولي «إكسبو 2030»، وترشح السعودية لاستضافة «كأس العالم 2034».

وتحقيقاً لهذه المساعي، عقد ولي العهد السعودي لقاءات قمة على التوالي، الأربعاء، مع رئيس الوزراء السنغافوري لي هسين لونغ، والخميس، مع الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو، وبينما التقى ولي العهد السعودي، الجمعة، على هامش «قمة الرياض» بكافّة زعماء دول رابطة «الآسيان»، استقبل، السبت، أيضاً رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم.

والأحد، استقبل الأمير محمد بن سلمان، الرئيس الكوري يون سيوك يول، الذي تسعى بلاده في الوقت ذاته إلى الارتقاء بعلاقاتها مع رابطة «الآسيان» إلى شراكة استراتيجية شاملة العام المقبل من خلال «مبادرة التضامن بين كوريا والآسيان»، مما أظهر الانسجام بين أهداف البلدين تجاه العلاقات مع منطقة جنوب شرقي آسيا.

التقى ولي العهد السعودي بزعماء «الآسيان» المشاركين في القمة الخليجية الأولى (واس)

كبار «الآسيان» في ضيافة ولي العهد السعودي

وأفرزت اللقاءات الثنائية التي أجراها ولي العهد السعودي مع ضيوفه من كبار (الآسيان) عن نوعيّة متقدّمة من الطموح لدى كل الأطراف لتعزيز العلاقات الثنائية والتعاون، حيث اتفق الجانبان السعودي والسنغافوري على الارتقاء بمستوى العلاقة بينهما إلى مستوى (شراكة استراتيجية)، وفقاً لبيان مشترك نشرته وكالة الأنباء السعودية (واس).

كما اتفق الجانبان على تعزيز التعاون في مجالات البيئة والمياه والزراعة والأمن الغذائي، والاقتصاد الرقمي والابتكار، والنقل البري والجوي والسككي والموانئ والربط اللوجيستي، والسياحة والثقافة والشباب، والتعليم، والصحة.

ومع الجانب الإندونيسي، ساهمت الزيارتان السابقتان للملك سلمان بن عبد العزيز إلى إندونيسيا في مارس (آذار) 2017، والزيارة التي قام بها فخامة الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو للسعودية في عام 2019، في توسيع نطاق التعاون بين البلدين في جميع المجالات، ونمو حجم التجارة البينية في عام 2022 بمعدل 43 في المائة مقارنة بعام 2021، مما يجعل السعودية الشريك التجاري الأكبر لإندونيسيا في المنطقة، ونتيجةً لذلك، وعدد من العوامل الأخرى، وقّع الجانبان في هذه الزيارة على اتفاقية (إنشاء مجلس التنسيق الأعلى السعودي الإندونيسي).

وبالنسبة لماليزيا التي قفز حجم تجارتها البينية مع السعودية في العام الماضي بنسبة 160 في المائة مقارنة بعام 2021، فقد اتفق الجانبان خلال جلسة المباحثات التي جمعت الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، على تعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة وتقنياتها وتطوير مشروعاتها من مصادرها المتنوعة، بما في ذلك الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الحرارية الأرضية، ودراسة الفرص الاستثمارية في هذه المجالات، ومشاريع الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة وتطوير البيئة الحاضنة لها، وتطوير سلاسل الإمداد لقطاعات الطاقة واستدامتها، والبيئة والمياه والزراعة والأمن الغذائي، والاتصالات، والتقنية، والاقتصاد الرقمي، والابتكار، والفضاء، ومجالات النقل والخدمات اللوجيستية، والمجال السياحي، والسياحة المستدامة، وتنمية الحركة السياحية بين البلدين، ومختلف المجالات الثقافية، والتعليم العالي والبحث والابتكار، والإعلام، والصحة.

رمزية خاصة للعلاقات مع كوريا

بينما جاءت الزيارة الرسمية للرئيس الكوري يون سيوك يول، الأحد، بعد يومين فقط من ختام «قمة الرياض» ومغادرة آخر زعماء «الآسيان»، حافلةً بعدد من النشاطات في العاصمة السعودية الرياض، حيث التقى يول بالأمير محمد بن سلمان لمرتين، وعقدا جلسة مباحثات رسميّة، والتقى أيضاً بعدد من المسؤولين السعوديين، قبل أن يشارك، الثلاثاء، في جلسة حوارية خاصة في «منتدى مبادرة مستقبل الاستثمار»، حضرها ولي العهد السعودي وجمْع من كبار الشخصيات المحلية والإقليمية والدوليّة.

وتتشكّل استثنائية زيارة الرئيس الكوري إلى السعودية في عدد من العوامل التي تجمع البلدين؛ أبرزها ما أظهرته الأرقام الرسمية من نمو حجم التبادل التجاري بين البدين بمقدار 400 ضعف منذ إقامة العلاقات قبل 6 عقود، حيث وصل حجم التعاون الاقتصادي بين البلدين إلى مستويات عالية، فضلاً عن الشعبية المتزايدة للثقافة الكورية في السعودية بما في ذلك افتتاح «معهد الملك سيجونغ» لتعليم اللغة الكورية في السعودية العام الماضي.

التقى الرئيس الكوري بولي العهد السعودي مرتين خلال زيارته الأخيرة للرياض (واس)

الطريق إلى تحويل الشرق الأوسط لـ«أوروبا الجديدة»

الباحث في الدبلوماسية العامة عماد المديفر، أكد أن «تعزيز السعودية لعلاقاتها وشراكاتها مع دول جنوب شرقي وشرق آسيا يأتي في إطار الدور السعودي المتنامي وفق رؤية السعودية 2030، الهادفة لوضع البلاد في مكانتها المستحقة وفق ثقلها السياسي والاقتصادي والأمني والدفاعي والثقافي والاجتماعي والحضاري».

وأضاف المديفر في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التحركات تتوافق وتتماشى مع عدد من المعطيات مثل «التقارب الثقافي، والاجتماعي، والحضاري بين الشعب العربي السعودي والشعوب والمجتمعات الشرق وجنوب شرقي آسيوية، والتاريخ والقيم والثقافة المشتركة، وتعبّر عن شراكة هذه الأطراف في عمق الطموحات الاقتصادية والصناعية والتقنية والتكنولوجية والتنموية والتطويرية بين الجانبين، ويتوافق أيضاً مع الأدوار الكبيرة الهادفة لتعزيز حالة الأمن والسلم والاستقرار الإقليمي والدولي، لا سيما إذا ما علمنا أن دفة الاقتصاد الشرق وجنوب شرقي آسيوي قائمة بالأساس على الصناعات الأساسية والبترولية وأمن الطاقة الذي توفره لهم السعودية بالدرجة الأولى، بوصفها المصدر الأساس والآمن والمستمر للطاقة والمواد الخام والصناعات الأساسية التي تسيّر عجلة الصناعة في تلك الدول».

وبالنسبة لرؤية ولي العهد السعودي لمنطقة الشرق الأوسط، لفت المديفر إلى أن تعزيز الرياض لعلاقاتها مع «الآسيان» ومنطقة جنوب شرقي وشرق آسيا، يصب بالضرورة في صالح رؤية الأمير محمد بن سلمان الهادفة لأن يكون الشرق الأوسط «أوروبا الجديدة» في المستقبل.

العاصمة السعودية رحّبت بقادة «الآسيان» في «قمة الرياض» (الإخبارية السعودية)

وتوقع المديفر أن تحقق السعودية من خلال تعزيز علاقاتها مع دول جنوب شرقي وشرق آسيا، «أقصى استفادة مشتركة من الموارد اللوجيستية، والبنى التحتية، وخطوط الإمداد، وتعزيز التعاون في المجالات السياحية والأنشطة الثقافية، والتواصل بين الشعوب، وإقامة شراكات متنوعة بين قطاع الأعمال في السعودية وتلك الدول».

من جانبه، أوضح محمد شهداء عثمان، نائب البعثة الماليزية في الرياض، أن القمة التي احتضنتها الرياض «ارتقت بديناميكيات العلاقات بين الجانبين، وناقشت الطريق للأمام، وتعزيز التعاون بين المنظمتين ومجالات التعاون القائمة التي تشمل مكافحة الجرائم الدولية والإرهاب. كما أنها فرصة لتحديد مجالات تعاون جديدة في الأمن والسياسة والاقتصاد والركائز الثقافية». وتابع عثمان أن «مخرجات القمة تمثل أساساً للتعاون بين الجانبين في السنوات الخمس المقبلة في مجالات الاستثمار والسياحة والزراعة ومنتجات الحلال والتعليم والتدريب».



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.