السعودية تشارك في «العشرين» متسلّحةً بـ«أسرع اقتصادات المجموعة نموّاً»

بعد عام استضافت خلاله أكثر من منصة حوار لإنهاء عدد من الأزمات الدولية

لقاءات منتظرة تجمع ولي العهد السعودي بعدد من قادة الدول في «مجموعة العشرين» على هامش القمة في الهند (واس)
لقاءات منتظرة تجمع ولي العهد السعودي بعدد من قادة الدول في «مجموعة العشرين» على هامش القمة في الهند (واس)
TT

السعودية تشارك في «العشرين» متسلّحةً بـ«أسرع اقتصادات المجموعة نموّاً»

لقاءات منتظرة تجمع ولي العهد السعودي بعدد من قادة الدول في «مجموعة العشرين» على هامش القمة في الهند (واس)
لقاءات منتظرة تجمع ولي العهد السعودي بعدد من قادة الدول في «مجموعة العشرين» على هامش القمة في الهند (واس)

بدأ زعماء «مجموعة العشرين» التوافد على العاصمة الهندية نيودلهي، الجمعة؛ لحضور اجتماعهم السنوي، الذي يستمرّ حتى العاشر من سبتمبر (أيلول) الحالي، تحت شعار «أرض واحدة، عائلة واحدة، مستقبل واحد».

ومن المنتظر أن تنطلق، السبت، أعمال القمة، وسط مشاركة منتظرة لولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، في رئاسة وفد السعودية إلى قمة التكتّل، الذي يمثّل أكثر من 85 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأكثر من ثلاثة أرباع التجارة العالمية، وما يقرب من ثلثي سكان العالم.

مشاركة منتظرة

وأشارت وسائل إعلام دولية إلى مشاركة ولي العهد السعودي في القمة، كما توقعت لقاءات قمة تجمع ولي العهد بعدد من نظرائه قادة الدول الأعضاء في المجموعة، والدول والمنظّمات المدعوّة لمناقشة مستجدّات الأحداث، في الوقت الذي تعوِّل فيه الدول الأعضاء في «مجموعة العشرين» ودول أخرى خارجها على مُخرجات القمة لتحقيق الأجندة التي يعمل عليها القادة، وسط التحديات التي تواجه جدول أعمال القمة نظير الانقسام غير المسبوق الذي يمرّ به العالم ودول المجموعة، لعوامل عدة، آخِرها الحرب القائمة بين روسيا وأوكرانيا، والتوترات السياسية التي حدثت، في الآونة الأخيرة، بعدد من البلدان الأفريقية.

الرئيس الإندونيسي مستقبلاً ولي العهد السعودي لدى وصوله للمشاركة في القمة السابقة للمجموعة في جزيرة بالي بإندونيسيا (واس)

دعم العضوية الكاملة للاتحاد الأفريقي

وفي حين جرى تداول أنباء إعلامية عن قرب انضمام «الاتحاد الأفريقي» بعضوية كاملة إلى «مجموعة العشرين»، كانت السعودية قد أعلنت، في يونيو (حزيران) الماضي، دعمها انضمام «الاتحاد الأفريقي»، مؤكّدة، عبر وزارة المالية، أنها «تتطلع لانضمام الاتحاد الإفريقي لمجموعة العشرين، والعمل معه لإيصال صوت القارة الأفريقية، والمساهمة في تعزيز العمل المشترك لمواجهة التحديات العالمية». بينما أعربت «الخارجية» السعودية، في بيان، عن «دعم وتأييد السعودية لانضمام الاتحاد الأفريقي ليكون عضواً دائماً في مجموعة العشرين».

اهتمام بالقضايا الجيوسياسية والأمنية

وينوّه مختصون بالدور الفاعل للبلد العربي الوحيد؛ ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، وإنما في القضايا الجيوسياسية والأمنية والتنموية، ضمن التكتل الذي يضم أكبر 20 اقتصاداً حول العالم، منذ انضمامها إلى المجموعة، في سبتمبر (أيلول) من عام 1999، إبّان تشكيل المجموعة على مستوى الوزراء، قبل أن تُشارك في الاجتماعات على مستوى القمة، منذ دورتها الأولى في ذروة الأزمة التي عصفت بالاقتصاد العالمي وعُرفت بالأزمة المالية العالمية، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2008، واحتضنتها حينذاك العاصمة الأميركية واشنطن.

وتعزَّز الدور السعودي الفاعل داخل «مجموعة العشرين» باستضافة البلاد واحدة من أفضل نسخ اجتماعات «مجموعة العشرين» على الإطلاق، خلال جائحة «كوفيد 19» التي ألقت بظلالها على العالم لعامين متتاليين، وما زالت آثارها الاقتصادية ماثلة في كثير من البقاع حول العالم. ورغم التحديات الصحية التي رافقت عام 2020 وما زالت، فإن «مجموعة العشرين» أشادت بالتنظيم والاستضافة السعودييين، حيث لم تمنعها جائحة «كورونا» التي أثقلت كاهل الاقتصاد العالمي، من عقد اجتماعات على مستوى الفنيين والوزراء ومحافظي البنوك المركزية والرؤساء لـ«مجموعة العشرين»، خلال العام نفسه، قبل أن يترأس الملك سلمان بن عبد العزيز اجتماع القمة على مستوى القادة بالتقنية الافتراضية.

الملك سلمان بن عبد العزيز ترأس اجتماع القمة في عام 2020 على مستوى القادة بالتقنية الافتراضية لأول مرة في تاريخ المجموعة (موقع G20)

عوامل الثقل السعودي في G20

ويرتكز ثقل السعودية في المجموعة على عوامل عدة؛ كونها أكبر مُصدِّر عالمي للنفط، وقائد أهم وأكبر تحالف في تاريخ صناعة النفط الخام منذ عام 2016، وتمتلك ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم، علاوةً على أنها تمثل أكبر اقتصاد عربي بناتج محلي إجمالي يقترب من 3 تريليونات ريال، ما يشكل ثقلاً فاعلاً بين اقتصادات دول «مجموعة العشرين» الكبرى، وتحتل الترتيب الخامس من حيث الأصول الاحتياطية الأجنبية للبنك المركزي السعودي، بقيمة بلغت 440 مليار دولار.

وفي تقرير حديث، كشف «صندوق النقد الدولي» أن السعودية كانت أسرع اقتصادات «مجموعة العشرين» نمواً، في عام 2022، مع نمو كبير في الناتج المحلي غير النفطي، وتراجع معدلات البطالة بين السعوديين إلى أدنى مستوى تاريخي لها.

تقارير دولية رأت أن الرياض «أحد النماذج الناجحة ضمن دول المجموعة»، ونسبت ذلك إلى أنها «لم تكتفِ بتطوير صناعتها في قطاعي النفط والبتروكيماويات، بل باتت، اليوم، تُنافس دول مجموعة العشرين في تنوع اقتصاداتها، من خلال تحقيق أهداف خططها ضمن رؤيتها التنموية (رؤية 2030)» التي تهدف إلى تخفيف اعتمادها على النفط بوصفه مصدراً أساسياً للإيرادات، عبر ضخ استثمارات في قطاعات عدة؛ منها التكنولوجيا والصناعة والزراعة.

الريادة في التنمية الاقتصادية

ولفتت الباحثة في «مركز سياسات الطاقة العالمية» كارين يونغ إلى الرؤية الوطنية في السياسات الاقتصادية الجديدة للرياض، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، «بعيداً عن منحى المصالح السياسية». وأضافت يونغ أنه «إذا تمكنت السعودية من حماية اقتصادها مع تقلبات الطلب العالمي على الطاقة والنفط، فلا يمكن لأحد أن يمنعها من أخذ الريادة في نوع مختلف من التنمية الاقتصادية».

إنهاء الجمود السياسي وتحقيق الاستقرار

من جهته، قال المختص في الشؤون الاقتصادية والسياسية الدكتور ذاكر حسين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «لدى السعودية كثيراً لتساهم به في قمة نيودلهي، بدءاً من الاستقرارين الاقتصادي والسياسي للعالم»، مشيراً، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «نموذج النمو الذي تتبنّاه الرياض، والذي يقوم على رؤية مشتركة للتعاون والتآزر، يمكن أن يقدم رؤية عظيمة لقمة مجموعة العشرين في نيودلهي».

وأضاف حسين أن السعودية تقدم خريطة طريق حول كيفية إنهاء الجمود السياسي، والمساعدة في تحقيق استقرار العالم الذي تمزقه التوترات الجيوسياسية المتزايدة، كما «يمكن المُضيّ قدماً في قمة العشرين، بجهود السعودية للتوسط في عملية السلام الروسية الأوكرانية».

وفضلاً عن ذلك، تعمل الرياض على أخذ زمام المبادرة في ملفات حيوية مرتبطة بمصائر العالم، ومن ذلك دورها في الوساطة بين الجانبين الروسي والأوكراني، ضمن الصراع الدائر بتأثيراته الواسعة، حيث استضافت محافظة جدة غرب البلاد، في أغسطس (آب) المنصرم، اجتماع مستشاري الأمن الوطني وممثلين لأكثر من 40 دولة ومنظمة دولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، الذين اتفقوا على «بناء أرضية مشتركة تمهيداً للسلام في أوكرانيا».

اتفق مستشارو الأمن الوطني وممثلو أكثر من 40 دولة ومنظمة دولية، في السعودية، على «بناء أرضية مشتركة تمهيداً للسلام في أوكرانيا» (واس)

وخلال العام الحالي، احتضنت السعودية ورَعَت محادثات وقف إطلاق النار بين أطراف الصراع في السودان، فضلاً عن استباقها عدداً من قضايا تهمُّ مستقبل العالم على صُعُد المناخ والاستثمار والاقتصاد وتطوير عمليات التحوّل إلى مصادر الطاقة النظيفة، لتخرج تلك المبادرات بنتائج واضحة المعالم في سبيل دعم الجهود الدولية، على غرار إطلاق ولي العهد السعودي، الاثنين، «منظمة المياه العالمية»؛ بهدف تطوير وتكامل جهود الدول والمنظمات لمعالجة تحديات المياه بشكل شمولي، وذلك من خلال تبادل وتعزيز التجارب التقنية والابتكار، كما ينتظر أن يناقش الأمير محمد بن سلمان هذا الملف مع قادة دول المجموعة على هامش القمة.


مقالات ذات صلة

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

أعلن دونالد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، أن جنوب إفريقيا لن تكون مدعوّة لحضور قمة مجموعة العشرين المقررة العام المقبل في ميامي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال جلسة اليوم الثاني لقمة قادة «مجموعة العشرين» (واس)

السعودية تؤكد التزامها بالعمل مع «العشرين» لمنظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة

أكدت السعودية، الأحد، التزامها بمواصلة العمل مع دول مجموعة العشرين لتعزيز منظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة واستدامة، تقوم على التعاون والابتكار وتكافؤ الفرص.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أفريقيا جانب من الجلسة الختامية لقمة العشرين في جوهانسبرغ يوم 23 نوفمبر (حساب مجموعة العشرين على منصة إكس)

«قمة العشرين» تختتم أعمالها بتجديد الالتزام بالتعددية

اختتمت قمة مجموعة العشرين أعمالها في جنوب أفريقيا، الأحد، وسط غياب الولايات المتحدة التي ستتولى رئاسة المجموعة بعد جوهانسبرغ.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الخليج وزير الخارجية السعودي ونظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس (واس)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره الإسباني المستجدات الإقليمية والدولية

التقى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الأحد، نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، وذلك على هامش اجتماع قمة قادة دول «مجموعة العشرين».

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الولايات المتحدة​ شعار مجموعة العشرين في مقر انعقاد قمة قادة المجموعة في جوهانسبرغ (ا.ف.ب)

واشنطن تتهم جنوب أفريقيا بتقويض المبادئ التأسيسية لمجموعة العشرين

قال البيت الأبيض اليوم السبت إن جنوب أفريقيا ترفض تسهيل الانتقال السلس لرئاستها لمجموعة العشرين لأكبر اقتصادات عالمية إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة وتداعياتها الأمنية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي.
جاء ذلك خلال اتصال تلقاه ولي العهد السعودي من رئيس الوزراء الكندي يوم الأربعاء، بحث الجانبان خلاله العلاقات الثنائية بين البلدين، واستعرضا مجالات التعاون القائمة وسبل تعزيزها وتطويرها في عدد من المجالات.


«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
TT

«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)

أعلنت وزارة الداخلية السعودية، الأربعاء، مباشرة الجهات المختصة في حينه الإجراءات النظامية بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية، والتي تمثل خطاً أحمر لا يُقبل المساس به، أو التأثير عليه.

جاء ذلك في بيان للوزارة أشار إلى «ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي من محتوى من شأنه المساس بالوحدة الوطنية، وتهديد السلم والأمن المُجتمعي، متضمناً عبارات مثيرة للتعصب القبلي المقيت»، في تصرف غير مسؤول، ولا يعكس وعي المجتمع السعودي، وإدراكه لخطورة تلك الممارسات الشاذة التي لا تمثل إلا أصحابها.

وحذَّرت «الداخلية» من «كل ما من شأنه المساس بالنظام العام»، مؤكدة أن الجهات الأمنية تقف بحزم أمام كل من يحاول النيل من اللُّحمة الوطنية بإثارة النعرات القبلية المقيتة، وأن الجزاء الرادع سيكون مصيره»، باعتبار أن تلك الأفعال تعدّ جريمة خطيرة يُعاقب عليها القانون.

من جانبها، أكدت النيابة العامة، في منشور على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، أن إثارة النعرات القبلية أو الدعوة للتعصب والكراهية بين أفراد المجتمع جرائم يعاقب عليها النظام، وتعرّض مرتكبيها للمساءلة الجزائية والعقوبات المقررة.

بدورها، قالت «هيئة تنظيم الإعلام»، في منشور عبر حسابها على منصة «إكس»، إن «قيمنا المجتمعية ترفض كل أنواع الفرقة وإثارة النعرات القبلية»، مؤكدة أن «أي محتوى يتضمن تعصباً قبلياً، أو قدحاً بالأنساب تصريحاً أو تلميحاً، يعدّ مخالفة صريحة للفقرة الرابعة من المادة الخامسة من نظام الإعلام المرئي والمسموع».

وأشارت الهيئة إلى ممارسات غير مباشرة تثير النعرات القبلية، هي: «الإيحاء بوجود أفضلية على أساس الانتماء، وإبراز الانتماء القبلي خارج سياق المحتوى، وعبارات عامة تحمل معاني تمييزية مبطنة، وطرح قضايا اجتماعية بإيحاءات توحي بالفرقة».


كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
TT

كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)

وجّه قادة دول مجلس التعاون الخليجي خلال قمتهم التشاورية، في جدة غربي السعودية، الثلاثاء بضرورة استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية، مشيرين إلى أهمية مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس، والإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، ومشروع الربط المائي بين دول مجلس التعاون، والمضي قدماً في دراسة إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي، إلى جانب التأكيد على أهمية تكثيف التكامل العسكري ما بين دول المجلس، والإسراع في إنجاز مشروع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية.

وعكست هذه التوجيهات التي كشف عنها البيان الإعلامي لجاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عقب القمة، إشاراتٍ لافتة جاءت بالتوازي مع أخذ السعودية زمام المبادرة للدعوة لهذه القمة التشاورية، حيث تضمّنت «التوجيهات السامية»، كما وصفها البديوي، مصطلحات واضحة ومباشرة اشتملت على «الاستعجال» و«الإسراع» في مناسبتين، إلى جانب «أهمية»، والدعوة المباشرة لتكثيف التكامل العسكري، الأمر الذي لقي تفاعلاً واسعاً يكشف عن جدية، ووضوح في المبادرة السعودية، واللقاء التشاوري الخليجي، للخروج بنتائج حقيقية لهذا اللقاء في ظل الظروف الراهنة شديدة التعقيد.

ولي العهد السعودي وملك البحرين قبيل القمة (واس)

ودلّلت تعليقات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد عقب القمة على ذلك قائلاً: «قمتنا الخليجية التشاورية اليوم في جدة تجسد الموقف الخليجي الموحد تجاه الأوضاع الراهنة، وما تستلزمه من تكثيف التنسيق، والتشاور، بما يعزز الدور الفاعل لدولنا في دعم المسارات الدبلوماسية، وصون أمن المنطقة، واستقرار شعوبها، وتحقيق تطلعاتها نحو التنمية، والازدهار».

امتداد لجهود ولي العهد السعودي وقادة الخليج

الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، قال لـ«الشرق الأوسط» إن استضافة المملكة للقمة الخليجية التشاورية جاءت استجابة لبحث الظروف التي تمر بها منطقة الخليج العربي جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية، والتشاور، وتنسيق مواقف دول مجلس التعاون الخليجي على ضوء ما أسفرت عنه هذه الحرب، ولاحتواء تداعيات الأزمة الراهنة، سواء من الناحية الأمنية، أو الاقتصادية، أو غيرهما. واستدرك أنها تهدف إلى تعزيز الجهود المبذولة لمعالجة هذه الأزمة، وتداعياتها، لتحقيق استقرار المنطقة، وحفظ مصالح دول مجلس التعاون، وتعزيز أمنها الجماعي، وتابع أنها تأتي امتداداً لجهود الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وقادة دول مجلس التعاون الخليجي.

ولي عهد الكويت لدى وصوله إلى جدة وفي استقباله ولي العهد السعودي (واس)

الدكتور عبد العزيز يرى أن رؤية الملك سلمان بن عبد العزيز -لتعزيز العمل الخليجي المشترك، وترسيخ الوحدة الاقتصادية، وتطوير المنظومتين الدفاعية، والأمنية، وصولاً إلى تكامل خليجي أكثر رسوخاً واستدامة، بما يحقق قيمة مضافة لحماية مصالح دول مجلس التعاون الحيوية، ويعزز التعامل الجماعي مع ما قد تفرضه الأزمة الحالية من تحديات، أو تحسباً لأي أزمات قد تطرأ على المنطقة مستقبلاً- تعد من الملفات التي طرحت على طاولة لقاء القادة.

عدم ارتهان القرار الخليجي لجهات أخرى

وتوقع بن صقر خلال حديثه أن القمة سوف تبني على نجاح دول المجلس في التصدي للهجمات الإيرانية بالصواريخ الموجهة، والمسيرات، والبناء على هذا النجاح في وضع استراتيجية دفاعية متكاملة وشاملة لدول المجلس، تبدأ بالتسليح الحديث الذي يناسب الأجيال الجديدة من الحروب، والتدريب، والشراكات الدفاعية الخارجية، بما يرسي قواعد دفاع استراتيجية قوامها الاعتماد على الذات، والشراكات المناسبة، والمفيدة، وعدم ارتهان القرار الخليجي لأي جهات أخرى.

ولي العهد السعودي مستقبلاً أمير قطر (واس)

وكان القادة الخليجيّون أكدوا على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها، فردياً أو جماعياً، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي اتخاذ كافة الإجراءات لحماية سيادتها، وأمنها، واستقرارها، وعلى التضامن الكامل بين الدول الأعضاء، وأن أمن دوله كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو يعد اعتداءً مباشراً على كل دوله، وفق ما نصت عليه اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

كما أشار الأمين العام للمجلس إلى إشادة القادة بما أظهرته القوات المسلحة لدول المجلس من «شجاعة وبسالة عاليتين في الدفاع عن دول المجلس في وجه الاعتداءات الإيرانية السافرة، وبما أبدته هذه القوات من قدرات وجاهزية مكنتها -بعد توفيق الله- من التصدي للاعتداءات الصاروخية، وبالطائرات المسيرة، والتعامل معها باحترافية وكفاءة عاليتين»، إلى جانب الحفاظ على أمن الدول الأعضاء، ومقدرات شعوبها.

الممرات البديلة «نقاش الفترة المقبلة»

وتوقّع بن صقر أن العمل على إيجاد ممرات بديلة لتأمين سلاسل إمدادات الطاقة سوف يكون محل نقاش خليجي جاد في الفترة المقبلة، وهو الأمر الذي تناوله بيان الأمين العام لمجلس التعاون الذي كشف عن توجيه القادة إلى الإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، علاوةً على استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية.

وزير الخارجية السعودي استقبل نظيره الإماراتي عقب وصوله للمشاركة في القمة (واس)

ويتّفق أحمد الإبراهيم، المحلل السياسي، مع هذا الطرح، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن البيان الذي أعقب القمة عكس أهميّتها، وأكّد على أن السعودية كما تولّت الأمر، وأمّنت سلاسل الإمداد لوجستيّاً لدول الخليج خلال الأزمة، وعملت على تأمين ممرات بديلة للطاقة عبر خط أنابيب شرق–غرب كجزء من معالجة أزمة مضيق هرمز، جدّدت اليوم خطواتها المبدئية عبر جمع دول الخليج على طاولة واحدة، للتعامل مع المرحلة المقبلة.

«توجيهات صريحة ومباشرة»

وأضاف: «هذه من المرّات النادرة التي أشهد فيها بياناً مباشراً وصريحاً يتضمن التوجيهات الصارمة، خاصةً في التعامل مع المتطلّبات المستقبلية، والسيناريوهات المفتوحة على كافة الاحتمالات الآن، مع احتمالية تعثر المفاوضات الأميركية–الإيرانية، أو أي سيناريو خطير قادم».

جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي أدلى ببيان عقب القمة (مجلس التعاون)

بدوره يرى المحلل السياسي محمد الدوسري أن أهمية مجلس التعاون الخليجي تكمن في مقدرته على العبور من الكثير من الأزمات، ومن ذلك الحرب العراقية-الإيرانية، وأزمة احتلال العراق للكويت، ودور المجلس -وعلى رأسه السعودية- في تجاوز العديد من المحن، مشدّداً على أن العقل الجمعي لمواطني الخليج يرى أهمية توحيد الموقف الخليجي لعبور الأزمات، ومن ذلك الأزمة الجارية، وانعكاسات إغلاق مضيق هرمز.

«الخيمة السعودية»

ونوّه الدوسري إلى أن اللقاء التشاوري لقادة دول الخليج هو بمثابة رسالة لاجتماعها، واستظلالها في «الخيمة الكبيرة»، وهي السعودية، لتفتح آفاقاً جديدة، وتتفق على معالجة وتجاوز الأخطار الحالية المحدقة.