«تحويلات المصريين بالخارج»... أين تذهب وكيف يُمكن استعادتها؟

وزيرة الهجرة أكدت تراجعها بنحو 10 مليارات دولار خلال 2023

وزيرة الهجرة وعدد من الوزراء المصريين يشهدون انطلاق مؤتمر «أخبار اليوم» الاقتصادي العاشر (مجلس الوزراء المصري)
وزيرة الهجرة وعدد من الوزراء المصريين يشهدون انطلاق مؤتمر «أخبار اليوم» الاقتصادي العاشر (مجلس الوزراء المصري)
TT

«تحويلات المصريين بالخارج»... أين تذهب وكيف يُمكن استعادتها؟

وزيرة الهجرة وعدد من الوزراء المصريين يشهدون انطلاق مؤتمر «أخبار اليوم» الاقتصادي العاشر (مجلس الوزراء المصري)
وزيرة الهجرة وعدد من الوزراء المصريين يشهدون انطلاق مؤتمر «أخبار اليوم» الاقتصادي العاشر (مجلس الوزراء المصري)

سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج انخفاضاً قدره نحو 10 مليارات دولار خلال العام الماضي، لتسجل 22 مليار دولار في 2023، مقابل أعلى مستوى سجلته خلال 2022، وبلغ حينها 31.6 مليار دولار، وفق تصريح حكومي.

وقالت سها جندي، وزيرة الهجرة وشؤون المصريين في الخارج، إن مصر احتلت المركز السادس كأعلى دولة في العالم فيما يتعلق بتحويلات مواطنيها العاملين بالخارج عام 2022، وفقاً لمؤشرات البنك الدولي. وأرجعت جندي، خلال مشاركتها في مؤتمر اقتصادي، السبت، سبب انخفاض تحويلات العاملين بالخارج إلى الأزمات العالمية والكوارث الطبيعية والحروب في المناطق المجاورة.

وأوضحت أنه خلال عام 2023 حققت مصر المركز الخامس فيما يتعلق بتحويلات العاملين بالخارج رغم انخفاض قيمة التحويلات، معتبرة ذلك دليلاً على «تأثير الأزمات العالمية على جميع الدول وليس مصر فقط».

ولفتت الوزيرة إلى أن الأزمات الاقتصادية العالمية، وما تعرض له الاقتصاد المصري، أديا إلى توسيع الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والسوق الموازية، بالإضافة إلى وجود ما سمته «جماعات الشر»، موضحة أن تلك الجماعات كانت تستهدف أموال المصريين بالخارج حتى لا تدخل الاقتصاد المصري، حتى وإن اشتروها من المصريين بالخارج بسعر يفوق سعر الصرف في السوق الموازية.

ويُقدر عدد المصريين العاملين بالخارج بنحو 14 مليون شخص، يعمل معظمهم في دول الخليج العربي، حيث تأتي السعودية في صدارة وجهات العاملين المصريين، ويعمل بها نحو 2.5 مليون مصري، تليها الإمارات والكويت، ويعمل بكل منهما نحو 600 ألف مصري، حسب تصريحات متلفزة لوزيرة الهجرة العام الماضي.

وتمثل تحويلات المصريين بالخارج أهم مصادر العملات الأجنبية للاقتصاد المصري، إلى جانب عائدات السياحة، وقناة السويس. وواجه الاقتصاد المصري ضغوطاً قويةً نتيجة تراجع الموارد الدولارية خلال السنوات الأخيرة، فإلى جانب انخفاض تحويلات المصريين بالخارج، تسببت التوترات الراهنة في البحر الأحمر، نتيجة الهجمات الحوثية على سفن تجارية في منطقة باب المندب، في تراجع العائدات الدولارية لقناة السويس بما يزيد على 42 في المائة، وفق بيان سابق لهيئة القناة.

ونتيجة تلك الضغوط على العملات الأجنبية، شهدت السوق الموازية لتداول العملات في مصر انتعاشاً كبيراً، وتجاوز سعر الدولار أحياناً 70 جنيهاً، وفق تقارير لوسائل إعلام مصرية، فيما يبلغ السعر الرسمي بالبنوك 30.9 جنيه، إلا أن المصارف المصرية لا تلبي متطلبات عملائها بهذا السعر.

وتوقع الدكتور إسلام جمال الدين شوقي، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن تواصل تحويلات المصريين بالخارج تراجعها إذا ما استمرت حالة التذبذب في أسعار العملات الأجنبية والتفاوت الواضح بين السعرين الرسمي وغير الرسمي، إضافة إلى غياب أوعية استثمارية جاذبة لتلك التحويلات في الداخل المصري.

وأشار شوقي لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تقلبات سعر الصرف دفعت بكثير من المصريين العاملين بالخارج، خصوصاً أن قطاعاً عريضاً منهم من الحرفيين الذين يعولون أسراً كبيرةً إلى تحويل النفقات الضرورية لأسرهم والاحتفاظ بالدولار لأطول فترة ممكنة، أو بيعه في سوق موازية للدولار نشطت في الدول التي توجد بها تلك الجاليات.

وأضاف أن الفارق الكبير بين السعرين الرسمي والموازي للعملات الأجنبية، دفعت كثيرين بالفعل إلى تفضيل خيار التحويل بعيداً عن البنوك للاستفادة بتلك الفوارق الكبيرة بين السعرين، حيث تتم عملية التداول والتحويل بطرق غير مرصودة لدى أجهزة الدولة الرسمية، ولا تدخل تلك التحويلات إلى الأوعية المصرفية.

وأكد الخبير الاقتصادي أن استقرار سعر الصرف «سيساهم في استعادة تحويلات المصريين بالخارج لمستوياتها المعتادة»، مطالباً الحكومة والبنك المركزي بـ«العمل على زيادة الثقة بينهم وبين المصريين بالخارج» من خلال إعطاء حوافز حقيقية من أجل تشجيع التحويلات وتغيير النظرة إليهم على أنهم «مصدر للدخل من العملة الأجنبية فقط».

وكانت الحكومة المصرية أطلقت خلال الآونة الأخيرة عدة مبادرات لزيادة إسهام جاليات المصريين بالخارج في سد الفجوة الدولارية التي تعانيها البلاد، إذ أطلقت مبادرة تتيح الفرصة للمصريين العاملين في الخارج باستيراد سيارة معفاة بالكامل من الجمارك والضرائب مقابل وديعة بالبنك المركزي بالعملة الأجنبية لمدة خمس سنوات ترد بعدها بالجنيه المصري، كما أتاحت فرصة تسوية الموقف من التجنيد للمصريين بالخارج مقابل تحويل مبلغ 5 آلاف دولار، إضافة إلى إطلاق وثائق تأمين ومعاش بالدولار.

وأعلنت الحكومة المصرية العام الماضي عزمها إطلاق شركة استثمارية جديدة للمصريين بالخارج، برأسمال يبلغ 100 مليون دولار وقد يزيد مستقبلاً إلى مليار دولار، فضلاً عن طرحها في البورصات المحلية والدولية، وفقاً لتصريحات رسمية.

وحسب تصريحات سابقة لوزير الهجرة المصرية، فإن تلك الشركة الجديدة ستعمل خلال مرحلة إطلاقها الأولى في مجالات التكنولوجيا، والزراعة، والتصدير والاستيراد، إضافة إلى إتاحة صندوق استثماري لصغار المستثمرين الذين يرغبون في شراء بعض الأسهم.

من جانبه، أكد النائب عمرو هندي، عضو مجلس النواب المصري عن المصريين بالخارج، أن المتغيرات الإقليمية والدولية، فضلاً عن «الاختناقات» التي تشهدها سوق الصرف المحلية تلقي بتبعاتها على تحويلات المصريين في الخارج، مؤكداً أن التراجع في قيمة التحويلات يعكس «حالة ترقب» من جانب فئات واسعة من العاملين المصريين لتطورات الموقف، خصوصاً أن أغلبهم من الحرفيين وصغار الموظفين، الذين تمثل تلك التحويلات بالنسبة إليهم كل ما يمتلكون، وبالتالي فهم يسعون إلى تحقيق أفضل استثمار لها.

وشدد هندي لـ«الشرق الأوسط» على ضرورة إيجاد ما وصفه بـ«مقاربة غير تقليدية» لحث المصريين في الخارج على استثمار مدخراتهم في مصر، وليس فقط تحويلها، معتبراً أن المبادرات التي سبق طرحها من جانب الحكومة «أمر جيد لكنه لا يكفي ولا يحقق الهدف المنشود». وأضاف البرلماني المصري أن المطلوب طرح مؤسسات استثمارية ذات أصول واضحة تقوم على إدارتها كيانات عالمية ذات سمعة معروفة، تعطي ثقة لكل المصريين في الخارج، سواء العاملين في دول الخليج، أو حتى المهاجرين في الولايات المتحدة وأوروبا، بما يشجعهم على ضخ استثمارات في تلك الشركات، وهو ما سيكون له عائد إيجابي على جميع الأطراف.


مقالات ذات صلة

مصر: حبس نجل «ميدو» 7 أشهر لحيازة المخدرات

رياضة عربية أحمد حسام «ميدو» (صفحته على فيسبوك)

مصر: حبس نجل «ميدو» 7 أشهر لحيازة المخدرات

أصدرت محكمة الطفل بمصر، الثلاثاء، حكماً بالحبس 7 أشهر ضد «حسين» نجل اللاعب أحمد حسام الشهير بـ«ميدو» لاعب المنتخب القومي سابقاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

رغم الحوادث المتكررة... لماذا تستمر محاولات «الهجرة غير الشرعية» في مصر؟

عادت وقائع «الهجرة غير الشرعية» إلى الواجهة في مصر بعد سقوط ضحايا جدد على متن ما يُعرف بـ«قوارب الموت» التي تُقلهم إلى السواحل الأوروبية.

أحمد جمال (القاهرة)
عالم الاعمال «مغربي للتجزئة» توقع اتفاقية للاستحواذ على حصة أغلبية في «بركة للبصريات»

«مغربي للتجزئة» توقع اتفاقية للاستحواذ على حصة أغلبية في «بركة للبصريات»

أعلنت مجموعة «مغربي للتجزئة» عن الاستحواذ المقترح على 51 في المائة من رأس المال المصدر لمجموعة «بركة للبصريات».

الاقتصاد خضراوات في إحدى أسواق الجملة بمصر (الصفحة الرسمية لسوق العبور على فيسبوك)

تصدير الغذاء في مصر... خلاف مستمر بين توفير الدولار وكبح الغلاء

يتواصل النقاش في مصر حول ما إذا كان التصدير هو السبب المباشر في ارتفاع أسعار بعض المنتجات الغذائية داخل السوق المحلية.

محمد عجم (القاهرة )
الاقتصاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعرف خلال اجتماع حكومي، الاثنين، على موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة (الرئاسة المصرية)

توجه مصري لخفض الاعتماد على الوقود مع تصاعد أسعاره

طالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة بـ«التوسع المدروس» في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وخفض الاعتماد على الوقود التقليدي.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
TT

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)

أكد الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الجزائري، اليوم (الثلاثاء)، أن «التفوُّق العسكري الحقيقي لا يُقاس بنوعية السلاح فقط، بل يكمن في القدرة على الصمود، وامتلاك البدائل التكتيكية، واكتساب الجاهزية العملياتية النوعية».

وشدَّد شنقريحة، في كلمة له خلال زيارة عمل وتفقد إلى الناحية العسكرية الخامسة شرق البلاد، أنَّ الجيش الجزائري «مصمم على مواصلة مسار بناء مقدراته العسكرية، والرفع من جاهزيته العملياتية، بما يمكِّنه من أداء مهامه الدستورية على أكمل وجه، وبما يسمح لنا بالتحكم في أدوات أمننا، والدفاع عن سيادتنا ومصالحنا العليا».

وأضاف شنقريحة أنه «لن يتأتَّى لنا ذلك إلا من خلال مواصلة تنفيذ برامج التحضير القتالي، بجدية وصرامة لبناء منظومة دفاعية قائمة على التحضير العالي والجاهزية العملياتية والصلابة الشاملة»، مبرزاً أن «الطريق الأقوم لبلوغ هذه الجاهزية يبدأ أولاً، وقبل كل شيء، من ميدان التدريب، ومن الإيمان الراسخ بأنَّ كل خطوة نخطوها باحترافية، وكل خطة تُنفَّذ بدقة ستسهم بفاعلية في بناء القدرة على الردع والحسم».

في سياق ذلك، حثَّ شنقريحة أفراد الجيش في المنطقة الحدودية الحساسة المتاخمة لتونس إلى «العمل بمثابرة أكثر من أجل اجتثاث آخر العناصر الإرهابية من أرض بلادنا الطاهرة، ودحر شبكات دعمهم وإسنادهم، للتفرغ نهائياً لمهام تحضير القوات وإعدادها الجيد، لتتوافق مع التزاماتنا الجمهورية، وتسمح لنا برفع تحديات السياقات الإقليمية والدولية الراهنة».

في هذا الصدد، هنَّأ شنقريحة عناصر الوحدات المقحمة في مكافحة الإرهاب والتخريب على «النتائج النوعية المُحقَّقة في هذا المجال، والتي سمحت بالقضاء على كثير من الإرهابيين والمجرمين، خونة الأمة، وإحباط مشروعاتهم الدنيئة التي تستهدف المساس بأمن الوطن والمواطن».


باريس «مطمئنة» لطريقة تعامل الجزائر مع صحافي فرنسي مسجون لديها

الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
TT

باريس «مطمئنة» لطريقة تعامل الجزائر مع صحافي فرنسي مسجون لديها

الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

قال وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، اليوم الثلاثاء، إنه «مطمئن جداً» إلى الطريقة التي يُعامل بها الصحافي كريستوف غليز في الجزائر حيث يُحتجز، وذلك غداة زيارة للجزائر العاصمة.

وأورد دارمانان خلال برنامج بثته إذاعة وقناة تلفزيون خاصتان: «ذكّرنا بأنه يجب إعادة كريستوف غليز، لا إلى فرنسا، بل إلى والدته»، مضيفاً أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «سيكون متفهماً لذلك، في أي حال (...) أنا أثق به في هذا الأمر»، مشيراً إلى أنه أجرى معه «محادثات معمقة جداً».

كان الصحافي الرياضي الفرنسي قد أوقف في مايو (أيار) 2024 في منطقة القبائل، شمال شرق الجزائر، حيث كان ينجز تحقيقاً صحافياً، وحُكم عليه في يونيو (حزيران) 2025 بالسجن سبع سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وكشفت عائلته أنه سحب في مارس (آذار) طعناً قضائياً في مسعى إلى إفساح المجال لعفو من الرئيس تبون.

واعتبر وزير العدل الفرنسي أن الرئيس الجزائري قادر على «القيام بهذه المبادرة من أجل هذه العائلة، وبالطبع من أجل علاقتنا الجيدة».

وأجرى دارمانان زيارة استمرت يومين للجزائر لبحث قضية غليز، إضافة إلى التعاون القضائي بين البلدين. وجسدت هذه الزيارة تهدئة بين البلدين بدأت في الأشهر الأخيرة، بعد أزمة حادة استمرت نحو عامين.


المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
TT

المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

قال ‌مدعون عامون لقضاة المحكمة الجنائية الدولية، الثلاثاء، إن الليبي خالد الهيشري، المتهم بالإشراف على أحد أسوأ السجون سمعة في ليبيا، كان معروفاً بأنه «يعذب من دون رحمة»، مما دفع المعتقلين لتلقيبه بـ«عزرائيل». ويمثل هذا الإجراء أول مثول فعلي لمتهم أمام المحكمة، يواجه اتهامات بجرائم ارتكبت داخل الأراضي الليبية منذ بدء تفويض المحكمة قبل نحو 15 عاماً. وذكر المدعون العامون أن الهيشري (47 عاماً) كان يشرف على جناح النساء في سجن معيتيقة، الذي يديره «جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة» في ليبيا. مضيفين حسب وكالة «رويترز» أن «آلاف الضحايا اعتقلوا واحتجزوا دون أساس قانوني في ظروف غير ‌إنسانية، وتعرضوا ‌للإساءة والتعذيب على نحو ممنهج».

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

وقالت نزهة ‌شميم ⁠خان، نائبة المدعي ⁠العام، في بداية الجلسات التي تستمر ثلاثة أيام، والمقرر أن تحدد التهم التي ستوجه للمشتبه به: «كان الهيشري معروفاً على نطاق واسع بأنه (رجل) سيئ السمعة، يمارس التعذيب وهو من أكبر المسؤولين في سجن معيتيقة».

وأضافت، خلال الجلسة، أن قضية الهيشري تمثل «محطة مفصلية ومهمة في مسار العدالة الدولية لمحاسبة المشتبه بارتكابهم جرائم في ليبيا، بغض النظر عن نفوذهم أو سلطتهم»، مشددة على أن القضية تبعث برسالة واضحة مفادها أن «لا أحد فوق القانون».

وفي عرض الادعاء، نقلت نائبة المدعي العام عن أحد الشهود قوله إن الهيشري كان «من أسوأ المحرّضين على العنف»، فيما أشار شاهد آخر إلى أنه كان يُلقَّب بـ«ملاك الموت». لافتة إلى أن «إحدى طرق التعذيب المفضّلة لديه، حسب الشهادات، كانت إطلاق النار على الأشخاص خصوصاً في الساق والركبة». كما كان «يعلّق الأشخاص وأيديهم مقيّدة خلف ظهورهم ويضربهم بالمجارف»، وفق الادعاء. وتحدّثت عن ظروف «لا يمكن تصوّرها» داخل السجن، مشيرة إلى أن الهيشري، الذي كان مسؤولاً عن سجن النساء، استخدم الأمراض «سلاحاً» من خلال وضع المعتقلين في زنازين يحتمل أن يُصابوا فيها بعدوى. وبيّنت أن المتهم كان يرتكب بنفسه عمليات اغتصاب وقتل وتعذيب بحقّ السجناء. كما أوضح المدعون أن ⁠الهيشري اعتدى شخصياً على سجينات، وعذبهن واغتصبهن ‌في إطار نمط ‌من التعذيب الجنسي. وطلبوا من القضاة تأكيد 17 تهمة ضده، من بينها ارتكاب ‌جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، والاغتصاب والاضطهاد والاستعباد من فبراير «شباط» 2015 حتى أوائل 2020.

كما تشمل لائحة الاتهام الموجهة للمسؤول السابق في السجن، الذي احتجز فيه آلاف الأشخاص لفترات طويلة، ارتكاب أعمال تعذيب وقتل، والشروع في القتل، والاعتداء الصارخ على الكرامة الشخصية، والمعاملة القاسية وغير الإنسانية، بالإضافة إلى الاغتصاب وغير ذلك من أشكال العنف الجنسي ضد المحتجزين.

واجهة المحكمة الجنائية الدولية (أ.ب)

وأوضحت النيابة العامة للمحكمة أن هناك «أسساً قوية» تدعو للاعتقاد بأن الهيشري يتحمل مسؤولية جنائية فردية عن هذه الانتهاكات، مشيرة إلى أن المتهمين استغلوا حالة «الإفلات من العقاب»، والفراغ الأمني الذي أعقب سقوط نظام القذافي، واستمرار النزاع المسلح غير الحكومي لتمرير جرائمهم.

وكشفت وثائق المحكمة أن الهيشري، الذي اعتقل ⁠في ألمانيا في يوليو (تموز) 2025، لم يقدم رداً رسمياً بعد على التهم المذكورة، لكنّ محاميه طلبوا من ‌القضاة رفض التهم، وطعنوا على اختصاص المحكمة في نظر هذه القضية.

في هذا السياق فند محامي الدفاع عن الهيشري التهم الموجهة لموكله أمام المحكمة، مؤكداً أن الوقائع المنسوبة إليه صيغت «على خلاف الحقيقة»، ودفع بأن سجن «معيتيقة» هو مؤسسة تابعة رسمياً للنيابة العامة، وتخضع لرقابة وإشراف وزارة العدل الليبية، وليس لسيطرة «جهاز الردع».

ويعتقد الدفاع بأن «جهاز الردع» هو جهة «حكومية شرعية»، منشأة بموجب قرارات سيادية صادرة عن الدولة، وليس «جماعة أو ميليشيا مسلحة كما روجت له النيابة العامة للمحكمة».

وإذا أكد القضاة التهم، فقد تصبح قضية الهيشري أول محاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية تركز على ليبيا. يشار إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تنظر في مزاعم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، منذ أن أحال مجلس الأمن الدولي القضية إلى المحكمة في 2011. وتهدف هذه الجلسات الإجرائية إلى تحديد ما إذا كانت هناك أدلة كافية لإثبات وجود «أسباب جوهرية» للاعتقاد بأن المتهم قد ارتكب هذه الجرائم؛ وفي حال اعتماد الدائرة التمهيدية تهمة واحدة أو أكثر، ستحال القضية رسمياً إلى الدائرة الابتدائية لبدء مرحلة المحاكمة الفعلية.

وبالتزامن مع بدء الجلسات، نظم عدد من الناشطين والحقوقيين وقفة تأييد أمام مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بينما ينظر مراقبون إلى هذه القضية باهتمام بالغ، كونها تفتح «الصندوق الأسود» لانتهاكات المجموعات المسلحة في طرابلس، خصوصاً وأن سجن معيتيقة خاضع لسيطرة واحدة من أقوى الفصائل الأمنية والعسكرية في الغرب الليبي، مما يضع ملف المحاسبة الدولية على طاولة الصراع الراهن بين سلطة الدولة وقوة السلاح.