بعد إعلان فريق طرابزون سبور التركي لكرة القدم، تعاقده رسمياً مع النجم المصري محمد صلاح، لمدة موسمين، لا يكون النادي التركي قد أبرم مجرد صفقة انتقال جديدة، بل يكون قد نجح في ضم أحد أعظم اللاعبين في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية، ولاعب ترك بصمة استثنائية في الدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا على مدار ما يقرب من عقد كامل.
ومع إسدال الستار على رحلة تاريخية بقميص ليفربول، يبدأ قائد المنتخب المصري تحدياً جديداً في الملاعب التركية، حاملاً معه إرثاً من الإنجازات والأرقام القياسية، وطموحاً لإضافة فصل جديد إلى واحدة من أنجح المسيرات الكروية في تاريخ المنطقة.
ويمثل انتقال صلاح إلى طرابزون سبور واحدة من أكبر الصفقات في تاريخ النادي، كما يعكس رغبة الفريق في استعادة مكانته بين كبار الكرة التركية، مستفيداً من الخبرات الهائلة التي اكتسبها اللاعب خلال رحلته الطويلة في الملاعب الأوروبية، بداية من سويسرا، مروراً بإنجلترا وإيطاليا، وصولاً إلى سنوات المجد مع ليفربول.
ولم يكن الطريق الذي سلكه صلاح نحو النجومية مفروشاً بالورود. فمن قرية نجريج بمحافظة الغربية المصرية، بدأت الحكاية مع ناشئي (المقاولون العرب)، حيث كان يقضي ساعات طويلة يومياً في التنقل بين المدرسة والتدريبات، في رحلة شاقة كانت تستغرق أكثر من أربع ساعات يومياً، مستخدماً عدة حافلات للوصول إلى مقر النادي، قبل أن يعود إلى منزله في وقت متأخر من الليل.
لكن تلك المعاناة صنعت شخصية لاعب لم يعرف الاستسلام، وجعلت حلم الاحتراف الأوروبي هدفاً لا يتراجع عنه. وفي صيف عام 2012، انتقل صلاح إلى بازل السويسري في يوم ميلاده العشرين، في خطوة شكلت نقطة التحول الأولى في مسيرته.
ولم يحتج اللاعب إلى وقت طويل لفرض نفسه، فأسهم في تتويج الفريق بلقب الدوري السويسري مرتين، كما لفت الأنظار بعروضه المميزة في دوري أبطال أوروبا، خاصة أمام الأندية الإنجليزية، ليبدأ اسمه في الظهور على رادار كبار القارة.
وكان تشيلسي أول من نجح في التعاقد معه، لكن التجربة في ستامفورد بريدج لم تسر كما كان يأمل اللاعب أو الجماهير. فقلة المشاركات حالت دون إظهار إمكاناته الحقيقية، ليقرر البحث عن فرصة جديدة في الدوري الإيطالي، حيث بدأت نقطة التحول الحقيقية في مسيرته الاحترافية.
وفي فيورنتينا، ثم روما، استعاد صلاح أفضل مستوياته، وقدم كرة هجومية سريعة جعلته واحداً من أخطر لاعبي الدوري الإيطالي.
ومع روما تحديداً، أسهم في 55 هدفاً خلال 83 مباراة، ليصبح هدفاً لعدد من كبار الأندية الأوروبية، قبل أن يحسم ليفربول الصفقة في صيف 2017 بطلب مباشر من المدرب الألماني يورغن كلوب.
ولم يكن كثيرون يتوقعون أن تتحول تلك الصفقة إلى واحد من أنجح التعاقدات في تاريخ ليفربول. فمنذ موسمه الأول، سجل صلاح 44 هدفاً في جميع المسابقات، وسجل صلاح 32 هدفاً في الدوري الإنجليزي خلال موسم 2017 - 2018، محطماً الرقم القياسي لأكبر عدد من الأهداف في موسم من 38 مباراة، قبل أن يتجاوزه لاحقاً النرويجي إيرلينغ هالاند بتسجيل 36 هدفاً. كما قاد الفريق إلى نهائي دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.

ورغم مرارة خسارة النهائي أمام ريال مدريد في كييف، في المباراة التي تعرض خلالها لإصابة مؤلمة في الكتف، فإن صلاح عاد أكثر قوة في الموسم التالي، وأسهم في قيادة ليفربول إلى الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا السادس في تاريخ النادي، قبل أن يحقق الإنجاز الأكبر في العام التالي، عندما أعاد لقب الدوري الإنجليزي إلى ملعب أنفيلد لأول مرة منذ ثلاثين عاماً.
ومع مرور السنوات، لم يعد صلاح مجرد هداف، بل أصبح رمزاً لحقبة ذهبية عاشها ليفربول تحت قيادة يورغن كلوب. فقد أسهم في تتويج الفريق بالدوري الإنجليزي مرتين، ودوري أبطال أوروبا، وكأس العالم للأندية، والسوبر الأوروبي، وكأس الاتحاد الإنجليزي، وكأس الرابطة الإنجليزية، والدرع الخيرية، بينما واصل تحطيم الأرقام القياسية الواحد تلو الآخر.
وأصبح النجم المصري ثالث أفضل هداف في تاريخ ليفربول، والهداف الأفريقي التاريخي للدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا، كما عادل الرقم القياسي للفوز بالحذاء الذهبي للبريميرليغ أربع مرات، وأصبح اللاعب الوحيد الذي اختير أفضل لاعب في إنجلترا من قبل رابطة اللاعبين المحترفين ثلاث مرات، إلى جانب سلسلة طويلة من الجوائز الفردية التي كرسته واحداً من أبرز نجوم كرة القدم العالمية في العقد الأخير.
كما ترك بصمات استثنائية على مستوى صناعة اللعب، إذ جمع أكثر من مرة بين لقب الهداف وأفضل صانع ألعاب في الدوري الإنجليزي، وحطم في موسم 2024 - 2025 الرقم القياسي لأكبر عدد من المساهمات التهديفية في موسم واحد، بعدما سجل 29 هدفاً وصنع 18 آخرين، قبل أن يتجاوز واين روني ويصبح صاحب أكبر عدد من المساهمات التهديفية بقميص ناد واحد في تاريخ الدوري الإنجليزي. ولم تتوقف إنجازاته عند حدود الأندية، بل تحول أيضاً إلى أيقونة للكرة المصرية.
فقد لعب الدور الأبرز في إعادة منتخب مصر إلى كأس العالم 2018 بعد غياب دام 28 عاماً، ثم واصل كتابة التاريخ ليصبح الهداف التاريخي للتصفيات الأفريقية المؤهلة للمونديال، وثاني أفضل هداف في تاريخ المنتخب المصري. كما قاد المنتخب المصري لتحقيق أول انتصار في بطولة كأس العالم عندما فاز المنتخب المصري على نظيره النيوزيلندي 3 - 1، وقاده للتأهل إلى دور الـ16 لأول مرة في تاريخه.

ويأتي انتقال صلاح إلى طرابزون سبور في توقيت مهم من مسيرته، حيث يبحث اللاعب عن تحد مختلف بعد سنوات طويلة في قمة الكرة الإنجليزية.
كما يمنح النادي التركي قائداً يمتلك خبرة استثنائية في المنافسات الأوروبية، وقدرة على صناعة الفارق داخل الملعب وخارجه، سواء بأهدافه أو بشخصيته القيادية أو بعقليته الاحترافية التي أشاد بها جميع المدربين الذين عملوا معه.
ولم يكن يورغن كلوب الوحيد الذي تحدث بإعجاب عن صلاح، حيث وصفه بأنه «محترف من الطراز الرفيع وقدوة حقيقية»، فيما عده كيليان مبابي أحد أفضل لاعبي العالم، بينما أكد فيرجيل فان دايك أن المحافظة على هذا المستوى لسنوات طويلة هي أكثر ما يميز النجم المصري، وأشاد سلوت كذلك بقدرته على تكرار الإنجازات.
وسينتظر عشاق طرابزون سبور أن ينقل صلاح هذه العقلية إلى الفريق، وأن يقود مشروعاً جديداً يعيد النادي إلى المنافسة على الألقاب المحلية، وربما الظهور بصورة أقوى في البطولات الأوروبية، في وقت سيحظى فيه الدوري التركي بإضافة فنية وتسويقية كبيرة بوجود واحد من أشهر لاعبي العالم.
وبالنسبة لصلاح نفسه، فإن هذه الخطوة لا تمثل نهاية قصة، بل بداية خرى. فبعد سنوات كتب خلالها اسمه بحروف من ذهب في تاريخ ليفربول، يفتح «الملك المصري» صفحة جديدة مع طرابزون سبور، واضعاً نصب عينيه هدفاً واضحاً هو مواصلة صناعة التاريخ، وإثبات أن الشغف والطموح لا يرتبطان بعمر أو محطة، بل برغبة لا تنتهي في الفوز وترك الأثر أينما كانت الوجهة.
