رغم أن مباراة تحديد المركز الثالث في كأس العالم تُعدّ من أكثر المباريات إثارةً للجدل، فإنها لا تزال تُحافظ على مكانتها في أجندة البطولة منذ عقود. فبينما يصفها البعض بأنها مباراة لا يرغب أي منتخب في خوضها بعد خيبة الخروج من نصف النهائي، يرى آخرون أنها فرصة لإنهاء البطولة بصورة إيجابية، أو لكتابة أرقام تاريخية جديدة، وذلك وفقاً لشبكة «The Athletic».
وفي النسخة الحالية من كأس العالم 2026، يلتقي منتخبا فرنسا وإنجلترا، اللذان ودّعا البطولة من الدور نصف النهائي، في مواجهة تحديد المركز الثالث يوم السبت 18 يوليو (تموز) على ملعب «هارد روك» في ميامي، قبل يوم واحد من المباراة النهائية التي تجمع إسبانيا والأرجنتين على ملعب «ميتلايف» بالقرب من نيويورك.
وفي النسخة الماضية من البطولة التي أُقيمت في قطر عام 2022، حصدت كرواتيا المركز الثالث بعد فوزها على المغرب بنتيجة 2-1، لتضيف برونزية جديدة إلى سجلها بعد 4 أعوام فقط من بلوغها نهائي مونديال روسيا 2018 أمام فرنسا.
لماذا تُقام مباراة المركز الثالث؟
يُطلق الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على هذه المواجهة اسم «النهائي البرونزي»، ولها عدة أهداف تتجاوز مجرد تحديد صاحب المركز الثالث.
فمن الناحية الاقتصادية، تُمثل المباراة مصدر دخل إضافياً لـ«فيفا» والمدينة المستضيفة، عبر عائدات التذاكر والحقوق التجارية، كما تمنح القنوات الناقلة مباراة كبيرة إضافية يمكن استثمارها إعلانياً، وتسد الفجوة الزمنية بين الدور نصف النهائي والمباراة النهائية.
وعلى الصعيد الرياضي، تحمل المباراة أهمية في تصنيف «فيفا» العالمي، إذ تُحتسب نتائجها رسمياً، وتمنح نقاطاً أكثر من المباريات الودية، ما قد يؤثر في ترتيب المنتخبات، ومن ثَمّ في تصنيفات دوري الأمم الأوروبية أو قرعة التصفيات المؤهلة لكأس العالم المقبلة.
كما تمنح المباراة أحد المنتخبين فرصة لإنهاء مشاركته في البطولة بمنصة التتويج، على غرار ما يحدث في الألعاب الأولمبية التي تُمنح فيها الميدالية البرونزية لصاحب المركز الثالث.
هل كانت موجودة منذ انطلاق كأس العالم؟
لم تكن مباراة تحديد المركز الثالث جزءاً من النسخة الأولى لكأس العالم في أوروغواي عام 1930، إذ لم يخض منتخبا الولايات المتحدة ويوغوسلافيا، اللذان خسرا في نصف النهائي، أي مواجهة فاصلة، قبل أن يُعلن لاحقاً عن احتلال الولايات المتحدة المركز الثالث بفارق الأهداف، في حين حصل قائدا المنتخبين على الميداليات بصورة استثنائية.
وأُدرجت المباراة لأول مرة في مونديال 1934، ثاني نسخ البطولة، حين تفوقت ألمانيا على النمسا بنتيجة 3-2.
كما أُقيمت في نسخة 1938، قبل أن تغيب في مونديال 1950 الذي اعتمد نظام المجموعة النهائية بدلاً من الأدوار الإقصائية، ثم عادت في نسخة 1954، ومنذ ذلك الحين أصبحت جزءاً ثابتاً من بطولة كأس العالم.
وفي المقابل، ألغت بطولة كأس الأمم الأوروبية هذا النظام بعد نسخة عام 1980.
مباراة صنعت أرقاماً تاريخية
وشهدت مباريات تحديد المركز الثالث بعضاً من أبرز الأرقام القياسية في تاريخ كأس العالم. ففي مونديال 2002، سجّل التركي هاكان شوكور هدفاً بعد 11 ثانية فقط أمام كوريا الجنوبية، وهو أسرع هدف في تاريخ البطولة حتى اليوم.
أما الفرنسي جوست فونتين فسجّل 4 أهداف في فوز فرنسا على ألمانيا الغربية بنتيجة 6-3 في نسخة 1958، ليرفع رصيده إلى 13 هدفاً في البطولة، وهو الرقم القياسي لأكبر عدد من الأهداف يسجله لاعب واحد في نسخة واحدة من كأس العالم، وهو إنجاز لا يزال صامداً حتى الآن.
هل يحصل الفائز على كأس؟
لا تُمنح أي كأس للفائز بالمركز الثالث، لكن المنتخب المنتصر يحصل على الميداليات البرونزية، إضافة إلى مكافأة مالية تبلغ 29 مليون دولار، أي بزيادة مليوني دولار عن صاحب المركز الرابع الذي ينال 27 مليون دولار.
وتُعد ألمانيا أكثر المنتخبات تتويجاً بالمركز الثالث في تاريخ كأس العالم، بعدما حققت البرونزية 4 مرات، كان آخرها في جنوب أفريقيا عام 2010، علماً بأنها خسرت أيضاً النهائي 4 مرات.
كما شكلت هذه المباراة فرصة إضافية لعدد من النجوم لتعزيز فرصهم في الفوز بالحذاء الذهبي، إذ نجح كل من البرتغالي أوزيبيو (1966)، والإيطالي سالفاتوري «توتو» سكيلاتشي (1990)، والكرواتي دافور شوكر (1998)، والألماني توماس مولر (2010)، في زيادة غلتهم التهديفية خلال مباراة المركز الثالث قبل التتويج بجائزة هداف البطولة.
وفي نسخة 2026، ستكون المواجهة الأخيرة أمام كيليان مبابي وهاري كين لتحسين رصيدهما في سباق الحذاء الذهبي.
انتقادات متكررة من المدربين
ورغم تاريخ المباراة، فإنها تعرضت لانتقادات واسعة من عدد من المدربين الذين يرون أنها تفرض عبئاً نفسياً على المنتخبات الخارجة من نصف النهائي.
وقال الهولندي لويس فان غال، بعد فوز منتخب بلاده على البرازيل 3-0 في مباراة المركز الثالث عام 2014: «أعتقد أن هذه المباراة ينبغي ألا تُقام أبداً. قلت ذلك منذ 10 سنوات؛ إنها غير عادلة، لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تخسر مباراتين متتاليتين. وبعد بطولة قدمت فيها مستويات رائعة، تعود إلى بلادك وأنت خاسر».
كما عبّر المدير الفني السابق لمنتخب إنجلترا غاريث ساوثغيت عن موقف مشابه قبل مواجهة بلجيكا في مونديال روسيا 2018، قائلاً: «ليست مباراة يرغب أي منتخب في خوضها».
وانتهت تلك المواجهة بخسارة إنجلترا 2-0 أمام بلجيكا، في حين وصف المدرب البلجيكي آنذاك روبرتو مارتينيز الفوز بأنه «محطة مهمة» في تاريخ المنتخب.
أما المهاجم الإنجليزي السابق آلان شيرر، فكتب عبر منصة «إكس» قبل المباراة بأيام: «مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع مجرد فكرة سخيفة، إنها آخر مباراة يرغب أي لاعب في خوضها».
وشهدت مباريات تحديد المركز الثالث عبر تاريخ كأس العالم النتائج التالية: ألمانيا فازت على النمسا 3-2 عام 1934، والبرازيل على السويد 4-2 عام 1938، والنمسا على أوروغواي 3-1 عام 1954، وفرنسا على ألمانيا الغربية 6-3 عام 1958، وتشيلي على يوغوسلافيا 1-0 عام 1962، والبرتغال على الاتحاد السوفياتي 2-1 عام 1966، وألمانيا الغربية على أوروغواي 1-0 عام 1970، وبولندا على البرازيل 1-0 عام 1974، والبرازيل على إيطاليا 2-1 عام 1978، وبولندا على فرنسا 3-2 عام 1982، وفرنسا على بلجيكا 4-2 بعد التمديد عام 1986، وإيطاليا على إنجلترا 2-1 عام 1990، والسويد على بلغاريا 4-0 عام 1994، وكرواتيا على هولندا 2-1 عام 1998، وتركيا على كوريا الجنوبية 3-2 عام 2002، وألمانيا على البرتغال 3-1 عام 2006، وألمانيا على أوروغواي 3-2 عام 2010، وهولندا على البرازيل 3-0 عام 2014، وبلجيكا على إنجلترا 2-0 عام 2018، وأخيراً كرواتيا على المغرب 2-1 في نسخة قطر 2022.
لماذا تختلف نظرة المنتخبات إليها؟
تعاملت بعض المنتخبات مع المباراة باعتبارها فرصة لمنح اللاعبين الاحتياطيين دقائق لعب، أكثر من كونها مواجهة ذات أهمية تنافسية.
ففرنسا، على سبيل المثال، لم تشرك قائدها ميشيل بلاتيني في مباراتي المركز الثالث عامي 1982 و1986، كما يلجأ عدد من المدربين إلى إجراء تغييرات واسعة على تشكيلاتهم بعد الإرهاق الذي يُصاحب مباريات نصف النهائي.
في المقابل، تنظر منتخبات أخرى إلى المركز الثالث باعتباره إنجازاً تاريخياً. فقد احتفلت السويد بشكل كبير ببرونزية مونديال 1994 في الولايات المتحدة بعد اكتساحها بلغاريا برباعية نظيفة، فيما عاشت كرواتيا احتفالات واسعة عقب حصولها على المركز الثالث في أول مشاركة لها بوصفها دولة مستقلة عام 1998، إثر فوزها على هولندا بنتيجة 2-1.
ورغم الجدل المستمر حول جدوى إقامة المباراة، فإنها غالباً ما تُقدم مواجهة مفتوحة وغنية بالأهداف، إذ لم تشهد أي نسخة منذ فوز بولندا على البرازيل 1-0 عام 1974 مباراة انتهت بأقل من هدفين، ما يجعلها واحدة من أكثر مباريات كأس العالم متعة للمشاهدين المحايدين.




