لم يعتد كثيرون في كأس العالم الحالية بعد على مشهد التوقفات الإلزامية للترطيب، ومن بينهم مدافع المنتخب الأميركي أنتوني روبنسون وذلك وفقاً لشبكة «The Athletic».
ففي المباراة الافتتاحية للولايات المتحدة أمام باراغواي، ومع إعلان الحكم فترة التوقف الأولى خلال الشوط الأول، تجمع اللاعبون الأحد عشر حول جهاز حاسوب محمول يستخدمه الجهاز الفني لمناقشة الجوانب التكتيكية ومراجعة بعض اللقطات المصورة. وهو أمر لم يكن متاحاً عادة للاعبين والأجهزة الفنية أثناء سير المباريات.
ويقول روبنسون إن الأمر بدا أكثر غرابة عندما استعد اللاعبون لاستئناف اللعب، قبل أن يُطلب منهم الانتظار.
وأضاف: «كان الحكام يقولون لنا: لا، لا يزال لديكم وقت إضافي، لا بأس، لأن الإعلانات التلفزيونية ما زالت مستمرة».
وبذلك، لم تعد مباريات كرة القدم تتكون من شوطين متواصلين كما جرت العادة لعقود طويلة، بل أصبحت فترات التوقف للترطيب جزءاً ثابتاً من المشهد في هذه النسخة من كأس العالم، حتى باتت اللعبة تعيش ما يشبه «الاستراحات التلفزيونية» المعروفة في رياضات مثل كرة السلة وهوكي الجليد، لتتحول المباراة عملياً إلى أربعة أجزاء خلال تسعين دقيقة.

وعلى مقاعد البدلاء، لا تزال المنتخبات تبحث عن أفضل السبل للتكيف مع هذا الواقع الجديد.
وقال مدرب أوروغواي مارسيلو بيلسا: «اللعب بأربعة أشواط بدلاً من شوطين يغيّر المفهوم الذي تشكل تاريخياً لفهم كرة القدم. لا يضيف شيئاً للعبة، بل يسلبها الكثير».
وأضاف: «عندما جرى تقسيم المباراة إلى أربعة أجزاء، لم يُنظر إلى تأثير ذلك على العناصر التي جعلت كرة القدم رياضة آسرة للجماهير، بل إلى اعتبارات أخرى لا أرغب في مناقشتها أو تحليلها».
وفي المباراة التي جمعت فرنسا والعراق، الاثنين، وأُوقفت لأكثر من ساعتين بسبب عاصفة رعدية، أُلغيت فترة التوقف الثانية للترطيب في الشوط الثاني بعد استئناف اللقاء.

أما مدرب كرواتيا زلاتكو داليتش، فقد رأى أن لهذه الفترات جوانب إيجابية وسلبية في آن واحد، قائلاً: «أحياناً تكون مفيدة وأحياناً لا تكون كذلك. إنها تقطع إيقاع المباراة. عندما يمر فريقك بفترة صعبة ويحتاج إلى التقاط أنفاسه، تصبح فترة التوقف أمراً جيداً».
وتُفرض فترات التوقف للترطيب بهدف المحافظة على سلامة اللاعبين والحكام خلال المباريات التي تُقام في درجات حرارة مرتفعة. وفي البطولة الحالية، تُمنح فترة توقف مدتها ثلاث دقائق في الدقيقة الثانية والعشرين من كل شوط، بينما تستمر ساعة المباراة في العمل. ويظهر على الشاشات داخل الملعب عدّ تنازلي حتى موعد استئناف اللعب.
وقال مدافع غانا جيديون منساه: «لم أشاهد شيئاً كهذا في حياتي داخل كرة القدم».
لكن اللافت أن هذه الفترات تُطبق في جميع المباريات بغض النظر عن حالة الطقس أو طبيعة الملعب، وغالباً ما تُقابل بصيحات استهجان من الجماهير الحاضرة.

وعندما أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في ديسمبر (كانون الأول) الماضي اعتماد هذه الآلية في جميع مباريات البطولة، أوضح أن الهدف هو «ضمان تكافؤ الظروف لجميع المنتخبات وفي كل المباريات».
ومن الأمثلة التي أثارت التساؤلات، فترة التوقف التي شهدتها مباراة غانا وبنما في تورونتو رغم هطول الأمطار طوال اللقاء.
وقال منساه: «الترطيب أمر جيد، لكن ينبغي أيضاً تحديد المباريات التي تستدعي هذه الفترات. اليوم لم يكن الطقس حاراً إطلاقاً، بل كانت الأمطار تتساقط طوال الوقت».
كما شهد ملعب «مرسيدس بنز» المغطى في أتلانتا فترة توقف مماثلة، وهو ما أثار استياء مدرب جنوب أفريقيا هوغو بروس.
وقال: «في هذا الملعب لا يحتاج اللاعبون إلى شرب الماء بعد عشرين دقيقة فقط من اللعب».
وخلال هذه الفترات، بينما يتبادل اللاعبون التعليمات ويتناولون السوائل، يتابع المشاهدون في الولايات المتحدة وكندا فواصل إعلانية حتى استئناف المباراة.

وقال روبنسون: «من منظور المشجع الذي يتابع المباراة، فإن الإعلانات تخرجه من أجواء اللقاء».
وأضاف المدافع الهولندي فيرجيل فان دايك: «بالنسبة للمشاهد المحايد أمام التلفاز، لا أعتقد أنها تجربة مثالية. إذا كان الطقس حاراً جداً، فمن المنطقي تطبيقها، لكن ينبغي تقييم كل مباراة على حدة».
ولا يقتصر اعتراض الجماهير على انقطاع سير المباريات، إذ يشارك بعض اللاعبين والمدربين المخاوف ذاتها بشأن تأثير هذه التوقفات على الزخم والتركيز.
وقال لاعب وسط الأردن عامر جاموس بعد خسارة منتخب بلاده أمام النمسا 3 - 1: «شعرت أحياناً، خصوصاً في الشوط الثاني، بأن فترة التوقف أثرت علينا سلباً، لا سيما خلال المرحلة التي كنا نسيطر فيها على المباراة».
وأضاف: «هذه هي القواعد ويجب الالتزام بها، لكن الطقس كان مثالياً اليوم، ولذلك ربما لم تكن هناك حاجة لإيقاف اللعب».
كما أشار مدرب هايتي سيباستيان ميغني إلى أن منتخب اسكوتلندا سجل هدفاً بعد دقائق قليلة من إحدى فترات التوقف، موضحاً: «التحدي الحقيقي يكمن في قدرة اللاعبين على استعادة تركيزهم بعد العودة إلى أرض الملعب».
وأضاف: «لا أبحث عن أعذار، لكن لاعبينا احتاجوا بعض الوقت للعودة إلى نسق المباراة».
وأكد منساه أن بعض زملائه واجهوا صعوبة في استعادة تركيزهم خلال رمية تماس عقب إحدى فترات التوقف أمام بنما.
وقال: «إذا لم تحافظ على تركيزك بالكامل، فقد تفقد الإحساس بمجريات المباراة».

وفي المقابل، ترى بعض المنتخبات أن هذه الفترات قد تكون وسيلة لإيقاف زخم المنافس، وإن لم يكن نجاح ذلك مضموناً دائماً.
وكشف لاعب وسط كوراساو لياندرو باكونا أن منتخب بلاده كان يأمل في الاستفادة من فترات التوقف لإبطاء اندفاع المنتخب الألماني المرشح بقوة للفوز، غير أن الأمور سارت في اتجاه مختلف تماماً.
وقال: «اعتقدنا أنها قد تكون إيجابية بالنسبة إلينا، لأننا كنا نتوقع التعرض لضغط كبير، لكننا سجلنا هدف التعادل قبل التوقف مباشرة. لا يمكنك أن تعرف مسبقاً كيف ستؤثر هذه الفترات على سير المباراة».
ورغم هذه الانتقادات، لا يتفق الجميع على أن التوقفات أمر سلبي.
فمدرب البرتغال روبرتو مارتينيز يرى أن منح الفرق فرصاً إضافية لإجراء التعديلات الفنية خلال المباراة يمثل تحولاً مهماً.
وقال: «ليس من موقعي الحكم على ما إذا كان الأمر جيداً أم سيئاً، لكن علينا الاستفادة منه بأفضل طريقة ممكنة. إنها ثلاث دقائق إضافية تسمح بإجراء تعديلات تكتيكية».

أما مدرب النمسا رالف رانغنيك، فقد رحب بالفكرة، متسائلاً عما إذا كانت ستصبح جزءاً من مسابقات الدوري الأوروبية مستقبلاً.
وقال: «هذه الفترات تمنح المدربين فرصة لإحداث تغييرات، وأتطلع لمعرفة ما إذا كانت ستُعتمد خلال الموسم الأوروبي أم لا».
من جانبه، رأى مدرب إنجلترا توماس توخيل أن التوقفات تغيّر طبيعة كل شوط بصورة ملحوظة.
وقال: «إنها تمنحك فرصة لإعادة تنظيم الصفوف وإجراء التعديلات وإعادة ضبط الفريق. سنستغلها لتبريد اللاعبين ذهنياً وبدنياً».
ويقر بعض اللاعبين بالفوائد التي توفرها هذه الفترات، خصوصاً من ناحية التعافي والتواصل مع الزملاء، لكنهم يفضلون استمرار اللعب عندما لا تستدعي الظروف المناخية ذلك.
وقال روبنسون: «أرى أن هناك إيجابيات وسلبيات في الوقت نفسه. كلاعب، أعتقد أنها مفيدة من ناحية الأداء البدني، لكنني أتفهم أيضاً أسباب اعتراض البعض عليها».
وأضاف: «مع ذلك، لا أعتقد أنها أثرت على متعة البطولة حتى الآن».
أما لاعب وسط إنجلترا جوردان هندرسون فاختصر الموقف بقوله: «إنها جزء من هذه البطولة. الجميع يخضع للظروف نفسها، وسنتعامل معها كما هي».

وشهدت مباراة إنجلترا وغانا التي انتهت بالتعادل السلبي موقفاً استثنائياً، إذ بدا وكأن اللقاء تضمن أربع فترات توقف للترطيب بسبب إصابتين استدعتا توقف اللعب لفترات طويلة قبل الموعدين المحددين للتوقف الرسمي.
وخلال تلك التوقفات الإضافية، توجه اللاعبون إلى الأجهزة الفنية للحصول على التعليمات وتناول السوائل، قبل أن يُوقف اللعب مجدداً بعد استئنافه بثوانٍ قليلة من أجل فترة الترطيب الرسمية.
وبعد أن استمع الجميع إلى آراء اللاعبين والمدربين، يبقى السؤال حول موقف «فيفا» من هذه التجربة.
وبعد ساعات من مباراة إنجلترا، أصدر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو بياناً أكد فيه أن «السبب الرئيسي هو الحرارة»، لكنه شدد أيضاً على أن «الحصول على لحظة للراحة أمر بالغ الأهمية».
وأوضح أن تطبيق فترات التوقف في جميع المباريات يهدف إلى ضمان العدالة بين المنتخبات طوال البطولة، بغض النظر عن درجات الحرارة.

كما نفى إنفانتينو وجود أي مكاسب مالية لـ«فيفا» من وراء هذه التوقفات، قائلاً: «لا نحصل على أي إيرادات إضافية إطلاقاً، فجميع الاتفاقيات التجارية أُبرمت قبل وقت طويل من انطلاق البطولة. لذلك فالأمر ليس مالياً بالنسبة إلينا، بل مسألة رياضية بحتة».
وهكذا، بينما يعتبرها «فيفا» إجراءً رياضياً ضرورياً، تستمر الآراء المتباينة بين اللاعبين والمدربين والجماهير حول جدواها وتأثيرها على متعة اللعبة.



