من أين جاء هدوء بوعدي وثقة العيناوي على مسرح المونديال؟

أيوب بوعدي يتألق مع منتخب المغرب في سن الـ18 (أ.ف.ب)
أيوب بوعدي يتألق مع منتخب المغرب في سن الـ18 (أ.ف.ب)
TT

من أين جاء هدوء بوعدي وثقة العيناوي على مسرح المونديال؟

أيوب بوعدي يتألق مع منتخب المغرب في سن الـ18 (أ.ف.ب)
أيوب بوعدي يتألق مع منتخب المغرب في سن الـ18 (أ.ف.ب)

لم يكن المشهد استثنائياً فقط بسبب السحر الجاري فوق العشب، بل بما حمله من طبقات جيوسياسية وثقافية خفية لا تلتقطها كاميرات المونديال.

في بقعة الضوء بتلك الأمسية المونديالية، كان أيوب بوعدي، الشاب الذي لم يتجاوز بعد سنواته الأولى في عالم الاحتراف، يطارد الكرة ببرودة أعصاب لاعب مخضرم عركته الميادين لعقود. وعلى مقربة منه، في دائرة المنتصف ذاتها، كان نائل العيناوي يتحرك بثقة مفرطة، ثقة من اعتاد الضغوط الكبرى منذ طفولته، يطلب الكرة في أعقد اللحظات وكأنها حق طبيعي له ومساحة نفوذ خاصة به.

بدا خط وسط المنتخب المغربي في مونديال 2026 أكبر من مجموع أعمار لاعبيه، وأكثر نضجاً من حسابات الورق والتجارب المفترضة.

لكن هذه الحكاية لم تبدأ في الملاعب الفارهة لكأس العالم، بل صيغت تفاصيلها قبل سنوات طويلة، داخل بيوت عرفت معنى الرياضة كعقيدة يومية قبل أن تدق أبوابها أضواء الشهرة الصاخبة.

في مدينة كريل الفرنسية، نشأ أيوب بوعدي داخل أسرة مغربية مهاجرة جعلت من الانضباط الصارم هندسة لأسلوب الحياة. لم يكن والده نجماً كروياً تلاحقه فلاشات المصورين، بل مارس كرة اليد، تلك الرياضة النبيلة والمليئة بالتحدي، التي قد تبتعد قليلاً عن صخب الأضواء الكبرى، لكنها تنحت في الأجساد والعقول قيم العطاء، والتلاحم الجماعي، والالتزام اليومي الراسخ.

كبر بوعدي في بيئة لا تحتفي بالموهبة الفطرية المجردة، بل تعدّها مسؤولية أخلاقية تتطلب الصقل. كان التفوق الدراسي جزءاً لا يتجزأ من تكوينه الشخصي، تماماً كما كانت الحصص التدريبية.

وعندما سئل لاحقاً عن سر هدوئه الجليدي ونضجه المبكر وسط زئير الجماهير، لم يتحدث عن خطط المدربين أو فلسفة الأكاديميات الأوروبية، بل عاد بذاكرته مباشرة إلى عتبة البيت، قاطعاً الشك باليقين بأن والديه هما من نقلا إليه قيمه ومبادئه، وأن قيمة العمل جاءت من التربية العميقة قبل أي شيء آخر.

لهذا، ربما، لا يبدو اندفاعه التكتيكي داخل الملعب متهوراً أو عاطفياً، إنه أقرب إلى ذلك النوع من الفلاسفة المشائين الذين يولد الفكر لديهم من رحم الحركة، فيقيسون الخطوات بميزان الصائغ الدقيق قبل خطوها، ويزنون القرار في أجزاء من الثانية قبل تنفيذه، كأنهم يحملون معهم صوت الأسرة الموجه ووقارها إلى أرضية الميدان.

نايل العيناوي يبدع مع أسود الأطلس في المونديال (إ.ب.أ)

على الضفة الأخرى، كانت رحلة نايل العيناوي تعزف على أوتار مختلفة تماماً. في منزله بمدينة نانسي، كانت الرياضة حاضرة بصوت أعلى، وبإيقاع عالمي النبرة. فوالده، يونس العيناوي، ليس مجرد رياضي سابق مر عابراً في التاريخ، بل هو أحد أعظم الأيقونات في سجل الرياضة المغربية والعربية، لاعب تنس شق طريقه بضرباته الساحقة ليبلغ المركز الـ14 عالمياً، ووقف يوماً في مواجهة عمالقة اللعبة على الملاعب الرملية والعشبية، حاملاً اسم المغرب إلى منصات لم يكن أشد المتفائلين يعتقد أن لاعباً عربياً قادر على ملامستها.

في طفولته، لم يكن نائل بحاجة إلى البحث عن قدوة بعيدة أو بطل أسطوري في شاشات التلفاز، فالقدوة كانت تجلس معه على طاولة العشاء. كان يرى بأم عينيه ما يعنيه الاستيقاظ في الفجر لتحدي العالم، وماذا تعني الهزيمة القاسية في شوط كاسر للتعادل، وكيف يمكن تحويل انكسارها إلى وقود حيوي للمحاولة التالية.

تشرَّب نائل مبكراً كيف يبدو النجاح الحقيقي حين يبنى على سنوات من السفر المضني، والتدريب الانفرادي، والوحدة الوجودية التي تفرضها الرياضات الفردية على أبطالها. ورغم ذلك الإرث الثقيل، لم يختر السير على خطى والده بالمضرب الأصفر، جرب التنس في سنواته الأولى، قبل أن تستولي المستديرة على خياله بالكامل.

كان ذلك أشبه بتمرد هادئ وذكي على الإرث، لا رفضاً له؛ إذ اختار لعبة مختلفة في الشكل، لكنه احتفظ بجوهر ما ورثه في المضمون. الصلابة النفسية الفولاذية، والقدرة على تحمل الضغط عندما يضيق الوقت، والإيمان الراسخ بأن التفاصيل الصغيرة والمخفية هي التي تصنع الفارق بين البطل والعابر.

وهكذا، التقت المدرستان وتكاملتا في قلب الرئة الجديدة للمنتخب المغربي.

من صرامة كرة اليد وعزلتها عن الأضواء، جاء بوعدي بفلسفة الجماعة والانضباط الصامت والالتزام الذاتي. ومن بريق التنس ومواجهاته الثنائية الحارقة، جاء العيناوي بعقلية المقاتل الفردي الذي يعرف أن المسؤولية في اللحظات الحرجة لا يمكن تقاسمها مع أحد، وأن أصعب المعارك الميدانية والتكتيكية تحسم داخل الرأس قبل أن تترجمها القدمان.

ولعل هذا التمازج هو ما يجعل جيل المغرب الجديد يخط مساراً مغايراً عن أسلافه، فجيل الأمس، الذي صنع ملحمة قطر 2022 التاريخية، كان في معظمه من أبناء الهجرة الكلاسيكية الذين شقوا طريقهم بمرارة ضد ظروف التهميش والشكوك والأحكام المسبقة في ضواحي أوروبا.

أما جيل اليوم، فيبدو أنه يضيف طبقة أرسطية وجديدة إلى السردية الكروية المغربية، جيل نشأ داخل بيوت مستقرة تؤمن بالرياضة كثقافة وبنية معرفية يومية، لا كمجرد طوق نجاة أو حلم وحيد للهروب من واقع اقتصادي صعب. إنه جيل ورث من آبائه معرفة مسبقة ومثبتة بثمن النجاح، وعدد الساعات الطويلة والمرهقة التي يتطلبها الصعود إلى القمة، والبقاء فيها.

عندما ينظر المشجع المغربي اليوم إلى أيوب بوعدي وهو يستخلص كرة مستحيلة ببرود دون ارتكاب خطأ، أو إلى نائل العيناوي وهو يفرض إيقاعه الموسيقي الخاص في وسط الميدان، فإنه يرى، بلا شك، لاعبين موهوبين يحملان قميصاً وطنياً غالياً.

لكن خلف هذا المشهد البصري، تختبئ رواية أخرى أكثر عمقاً، قصة أب حمل كرة اليد إلى غرب فرنسا وترك لابنه إرث القيم المكتوبة في دفاتر الصبر، وقصة أب حمل مضرب التنس إلى أكبر ملاعب العالم وترك لابنه جينات الطموح الذي لا يعترف بالسقوف.

وبين هذين الإرثين المتكاملين، ولد قلب جديد لأسود الأطلس، قلب لا يكتفي بتوارث الموهبة الفطرية، بل يرث جينات الثقافة الرياضية نفسها، ليعيد صياغتها بطريقته الفريدة على أكبر وأعظم مسارح الكرة العالمية.


مقالات ذات صلة

هل يستطيع آرسنال الاحتفاظ بلقب الدوري لأول مرة منذ 91 عاماً؟

رياضة عالمية حافلة فريق أرسنال تطوف شوارع شمال انجلترا للاحتفال مع مع جماهيرهم بلقب الدوري الانجليزي (ا ف ب)

هل يستطيع آرسنال الاحتفاظ بلقب الدوري لأول مرة منذ 91 عاماً؟

حتى الخسارة بركلات الترجيح في نهائي دوري أبطال أوروبا لم تُقلل مما حققه الفريق الموسم الماضي، حيث أنهى آرسنال انتظاره الذي دام 22 عاماً للتتويج بلقب البريمرليغ.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية بين تسيفرين وإنفانتنيو صراع لم ينتهي بعد (أ.ب)

تسيفرين يقود جبهة إسقاط إنفانتينو... وترمب يدخل المعركة لإنقاذه

دخلت أزمة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما تحولت المواجهة بشأن مشروع الاستثمار الخاص الذي أطلقه إنفانتينو ثم تراجع عنه إلى معركة.

«الشرق الأوسط» (سالزبورغ: «الشرق الأوسط»)
رياضة عالمية آرني سلوت المدرب السابق لنادي ليفربول الإنجليزي (د.ب.أ)

سلوت يفضل تدريب الأندية على قيادة منتخب هولندا

كشف آرني سلوت، المدرب السابق لنادي ليفربول الإنجليزي، أنه انسحب من الترشيحات لتدريب منتخب هولندا الشاغر لأنه يرغب في البقاء في عالم كرة القدم للأندية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية الهولندي ممفيس ديباي خارج كورينثيانز (رويترز)

كورينثيانز البرازيلي يتخلى عن ديباي لأسباب مالية

قرر نادي كورينثيانز البرازيلي، عدم تجديد عقد اللاعب الهولندي ممفيس ديباي، وقد اتُخذ هذا القرار حصراً مراعاةً للوضع المالي للنادي.

«الشرق الأوسط» (ساو باولو (البرازيل))
رياضة عالمية المهاجم الارجنتيني خوليان ألفاريز (د.ب.أ)

الأرجنتيني ألفاريز يعود إلى أتلتيكو... وتكهنات حول مستقبله

عاد المهاجم الارجنتيني خوليان ألفاريز صباح الثلاثاء، إلى ملعب سيرو ديل إسبينو التدريبي للانضمام مجددًا إلى أتلتيكو مدريد بعد انتهاء إجازته عقب كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

هل يستطيع آرسنال الاحتفاظ بلقب الدوري لأول مرة منذ 91 عاماً؟

حافلة فريق أرسنال تطوف شوارع شمال انجلترا للاحتفال مع مع جماهيرهم بلقب الدوري الانجليزي (ا ف ب)
حافلة فريق أرسنال تطوف شوارع شمال انجلترا للاحتفال مع مع جماهيرهم بلقب الدوري الانجليزي (ا ف ب)
TT

هل يستطيع آرسنال الاحتفاظ بلقب الدوري لأول مرة منذ 91 عاماً؟

حافلة فريق أرسنال تطوف شوارع شمال انجلترا للاحتفال مع مع جماهيرهم بلقب الدوري الانجليزي (ا ف ب)
حافلة فريق أرسنال تطوف شوارع شمال انجلترا للاحتفال مع مع جماهيرهم بلقب الدوري الانجليزي (ا ف ب)

حتى الخسارة بركلات الترجيح في نهائي دوري أبطال أوروبا لم تُقلل مما حققه الفريق الموسم الماضي، حيث أنهى آرسنال انتظاره الذي دام 22 عاماً للتتويج بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز.

استمرت الاحتفالات طوال الصيف بعد مشاهد صاخبة في شوارع شمال لندن عند عودة الفريق من بودابست، على الرغم من تزايد المخاوف بشأن لياقة بعض اللاعبين الأساسيين بعد مشاركتهم في كأس العالم.

أرتيتا ونجوم أرسنال على متن الحافلة المكشوفة يحتفلون وسط جماهيرهم بلقب الدوري الانجليزي (رويترز)

سارع آرسنال بتدعيم خط وسطه بالتعاقد مع برونو غيماريش من نيوكاسل؛ نظراً لضرورة التعامل مع الحالة البدنية لديكلان رايس بعناية فائقة بعد معاناته من آلام في أوتار الركبة وأسفل الظهر منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي. كما يبدو وصول المهاجم اليوناني كريستوس تزوليس ليحل محل لياندرو تروسارد صفقة ذكية للغاية لتعزيز الجانب الأيسر من خط الهجوم. ومع بقاء فينيسيوس جونيور في ريال مدريد، رغم جهود آرسنال الحثيثة للتعاقد معه، يأمل مشجعو المدفعجية أن تتاح للمدير الرياضي، أندريا بيرتا، فرصة التعاقد مع مهاجم قوي قبل إغلاق فترة الانتقالات الصيفية الحالية؛ نظراً لمشاكل بوكايو ساكا البدنية في المواسم الأخيرة.

قد تُشكل إصابة ويليام صليبا في الظهر، والتي ستُبعده عن الملاعب لفترة غير محددة، عاملاً حاسماً في آمال آرسنال بالاحتفاظ باللقب. فالدفاع الذي استقبل 27 هدفاً في الدوري الإنجليزي الممتاز الموسم الماضي قد يُعاني من دون المدافع الفرنسي الموهوب، حتى لو تمكن آرسنال من ضم إزري كونسا من أستون فيلا كما هو مُتوقع. سيكون من المهم للغاية أن يحافظ آرسنال على هيمنته في الكرات الثابتة التي حققها خلال الموسمين الماضيين، مع توقع المزيد من التدقيق من قِبل حكام الفار بعد تداعيات فوزه المثير للجدل على وست هام في مايو (أيار) الماضي.

لم يحتفظ آرسنال بلقبه منذ عام 1935 (أي منذ 91 عاماً)، عندما أصبح ثاني فريق يفوز بثلاثة ألقاب متتالية في الدوري. وبعد أن عزز صفوفه ليصبح صاحب أقوى قائمة في الدوري، سيكون من الصعب إيقافه مجدداً.

لاعبو أرسنال في طريقهم لاستلام ميداليات الوصافة وسط أحزان خسارة النهائي (أ.ف.ب)

لا شك أن المال ليس عائقاً أمام ستان كرونكي؛ فقد أصبح المالك المشارك لآرسنال أكبر مالك أراضٍ خاص في أميركا هذا العام، وأنفق أكثر من 1.5 مليار جنيه إسترليني على التعاقد مع لاعبين جدد منذ أن أصبح المساهم الأكبر في النادي عام 2011 من خلال شركته القابضة «كرونكي للرياضة والترفيه». أما الخطوة التالية على جدول أعماله، فتتمثل في تحديث ملعب الإمارات الذي قد يزيد سعته إلى أكثر من 70 ألف متفرج. وقد بدأت المحادثات مع شركة «بوبولوس»، الشركة المعمارية الأصلية التي أنشأت الملعب، بشأن مشروع قد تصل تكلفته إلى 500 مليون جنيه إسترليني. انتهت صفقة رعاية أكمام قمصان الفريق مع هيئة السياحة الرواندية، والتي لاقت انتقادات واسعة، في الموسم الماضي، وحلّت محلها شركة الموارد البشرية «ديل»، التي تُعدّ بدورها مثيرة للجدل في أوساط بعض مشجعي آرسنال، في حين جددت «طيران الإمارات» شراكتها طويلة الأمد حتى عام 2033.

ديكلان رايس لعب دورا بارزا في عودة لقب الدوري إلى خزائن آرسنال بعد غياب سنوات (أ.ب)

علاقة المالك بالمشجعين

بدا واضحاً للجميع السعادة التي كان يشعر بها كرونكي وابنه جوش - الرئيسان المشاركان – وهما يحملان درع الدوري الإنجليزي الممتاز في ملعب «سيلهرست بارك» قبل تقديمه للقائد مارتن أوديغارد، عقب المباراة الأخيرة لآرسنال في الموسم الماضي في مايو. وبعد أن وُجّهت إليهما انتقادات في السابق لإدارتهما النادي «كأداة استثمارية»، يحظيان الآن بإشادة كبيرة لما حققاه من تأثير هائل للنادي. وكان وعد كرونكي الابن بأنه «لن يكون هناك توقف بعد انتهاء هذا الموسم» بمثابة إشارة تحذيرية لمنافسي المدفعجية؛ نظراً لسمعة «مجموعة كرونكي» كشركة قادرة على تحقيق الفوز باستمرار في عدد من الرياضات في الولايات المتحدة الأميركية.

ولم يتم تأكيد تمديد عقد ميكيل أرتيتا الجديد، والمتوقع أن يكون عقداً ضخماً، والذي سيجعله من بين المديرين الفنيين الأعلى أجراً في العالم، لكن لا شك في التزامه تجاه الفريق. لم يستطع المدير الفني الإسباني تحمل رؤية تعثر مانشستر سيتي أمام بورنموث الموسم الماضي، وكان في حديقته الخلفية يشعل ناراً احتفالاً بفوز آرسنال باللقب. ومع رحيل المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا عن مانشستر سيتي، تتاح لأرتيتا فرصة بناء إمبراطورية انتصارات جديدة خاصة به.

فيكتور غيوكيرس (د.ب.أ)

صفقة مميزة

كان وصول غيماريش بمثابة إعلان قوي آخر عن نوايا آرسنال للموسم الجديد. يريد قائد نيوكاسل السابق الفوز بالمزيد من الألقاب والبطولات بعد أن كسب قلوب وعقول جماهير نيوكاسل، وسيوفر خيارات متعددة لأرتيتا في خط الوسط المدجج بالنجوم. فبالإضافة إلى تخفيف العبء عن ديكلان رايس، يستطيع لاعب خط الوسط البرازيلي البالغ من العمر 28 عاماً اللعب في أكثر من مركز، بما في ذلك صانع الألعاب والمهاجم الصريح. يبقى أن نرى كيف سيقرر أرتيتا توظيف غيماريش في ظل وجود مارتن زوبيميندي، ومايلز لويس سكيلي، وأوديغارد، وميكيل ميرينو ضمن تشكيلته، لكن لا يوجد أدنى شك في أن اللاعب البرازيلي يمتلك موهبة كبيرة ستُعزز جودة فريق آرسنال.

أرتيتا (د.ب.أ)

الكرات الثابتة

طُلب من الحكام الاهتمام بشكل أكبر بالالتحامات خلال الكرات الثابتة هذا الموسم؛ لذا سيكون من المهم معرفة ما إذا كان لهذا أي تأثير على آرسنال. تشير الأرقام والإحصائيات إلى أن ثلاثة فرق فقط في الدوري الإنجليزي الممتاز تفوقت على آرسنال في فارق الأهداف المتوقعة (باستثناء ركلات الجزاء) من الكرات الثابتة فقط.

أرسنال يريد الفوز باللقب تتاليا لأول مرة منذ 1935 (رويترز)

على وشك تحقيق إنجاز كبير

حقق ماكس داومان رقماً قياسياً عندما خاض أولى مبارياته مع الفريق الأول الموسم الماضي، وتشير الدلائل إلى أن اللاعب البالغ من العمر 16 عاماً قد يحصل على المزيد من الفرص بعد تألقه مجدداً خلال فترة الإعداد للموسم الجديد. سجل داومان هدفاً رائعاً وصنع هدفاً آخر ضد جيرونا، ليحصل الجناح الأيمن الشاب على جائزة أفضل لاعب في المباراة. ومع عودة ساكا ونوني مادويكي تدريجياً بعد مشاركتهما في كأس العالم، يستعد داومان لإضافة المزيد إلى مشاركته الوحيدة أساسياً في الدوري الإنجليزي الممتاز، والتي كانت ضد كريستال بالاس في الجولة الأخيرة من الموسم الماضي، ومن المتوقع أن يشارك بانتظام أكبر في بطولات الكأس.

برونو غيماريش خلال تقديمه لأرسنال (أ.ف.ب)

تأثير كأس العالم

وصل رايس وساكا إلى مونديال الولايات المتحدة وهما يعانيان آثار موسم طويل وشاق، لكنهما لعبا رغم الألم ووصلا إلى المباراة الثامنة لإنجلترا في البطولة. لكن توماس توخيل هو الوحيد الذي يعلم سبب إبقاء ساكا على مقاعد البدلاء في مباراة نصف النهائي ضد الأرجنتين، وقد أظهرت الأهداف الثلاثة (الهاتريك) التي سجلها في مباراة تحديد المركز الثالث والرابع بعد أيام قليلة مدى قوته حتى رغم إصابته في وتر أخيل. يحتاج كل من رايس وساكا إلى راحة طويلة قبل العودة إلى المشاركة في المباريات مع النادي، وسيمنحهما آرسنال أطول فترة ممكنة حتى يعودا في أفضل حال.

* خدمة «الغارديان»


«السوبر الأوروبي»... بين طموح باريس سان جيرمان وحلم أستون فيلا

إيمري يوقع على قميص أحد الأطفال في هونغ كونغ (أستون فيلا)
إيمري يوقع على قميص أحد الأطفال في هونغ كونغ (أستون فيلا)
TT

«السوبر الأوروبي»... بين طموح باريس سان جيرمان وحلم أستون فيلا

إيمري يوقع على قميص أحد الأطفال في هونغ كونغ (أستون فيلا)
إيمري يوقع على قميص أحد الأطفال في هونغ كونغ (أستون فيلا)

تتجه أنظار عشاق كرة القدم الأوروبية مساء الأربعاء إلى ملعب «ريد بول أرينا» في مدينة سالزبورغ النمساوية، لمتابعة مباراة فريقي باريس سان جيرمان الفرنسي، بطل «دوري أبطال أوروبا»، وأستون فيلا الإنجليزي، المتوج بلقب «الدوري الأوروبي»، وهي مواجهة تجمع بطلي المسابقتين الكبريين للأندية في القارة، وتمنح أحدهما أول ألقاب الموسم الجديد.

يملك أستون فيلا سجلًا مثاليًا عندما تفوق على برشلونة 3-1 في مجموع مباراتي نسخة 1982 (أستون فيلا)

وسيصبح الصومالي عمر أرتان أول حكم غير أوروبي يدير مباراة السوبر؛ إذ اعتمده الاتحاد القاري بعد منعه هذا الصيف من دخول الولايات المتحدة للإشراف على مباريات كأس العالم، على الرغم من حيازته تأشيرة دخول سارية.

ويدخل باريس سان جيرمان المباراة بطموح مواصلة هيمنته على الساحة الأوروبية، بعدما نجح الموسم الماضي في الاحتفاظ بلقب «دوري أبطال أوروبا»، بتفوقه على آرسنال بركلات الترجيح في النهائي بعد التعادل 1 - 1، ليؤكد الفريق الفرنسي أنه أصبح قوة بارزة على مستوى القارة، بعدما كان قد توج باللقب أول مرة في تاريخه عام 2025.

تحمل مواجهة أستون فيلا أهمية إضافية بالنسبة لسان جيرمان بعدما التقى الفريقان في ربع نهائي الأبطال (أ.ف.ب)

ويخوض فريق المدرب الإسباني لويس إنريكي المواجهة بحثاً عن إضافة لقب جديد إلى خزانته، بعدما أصبح «كأس السوبر الأوروبي» أحد أهدافه المبكرة قبل انطلاق الموسم المحلي.

كما تمثل المباراة فرصة لإنريكي لمواصلة حصد الألقاب مع النادي الباريسي، بعدما قاد الفريق إلى 12 بطولة منذ وصوله إلى «ملعب حديقة الأمراء».

وكان باريس سان جيرمان قد مر بفترة إعداد غير مثالية، في ظل غياب عدد من لاعبيه الأساسيين بسبب فترات الراحة التي حصلوا عليها عقب مشاركاتهم الدولية.

وخسر الفريق بثلاثية نظيفة أمام ريال مايوركا في أولى مبارياته الودية، قبل أن يتعادل 1 - 1 مع مانشستر يونايتد.

لكن نتائج المباريات الودية لا تبدو كافية لتقليل حجم التحدي الذي يمثله الفريق الفرنسي، خصوصاً أن باريس سان جيرمان حافظ على سجله التهديفي في 28 مباراة رسمية متتالية منذ خسارته أمام باريس إف سي مباراة ديربي العاصمة في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ مما يعكس قدرته الهجومية الكبيرة حتى في فترات عدم اكتمال الجاهزية.

وتحمل مواجهة أستون فيلا أهمية إضافية بالنسبة إلى باريس سان جيرمان، بعدما التقى الفريقان في دور الـ8 من «دوري أبطال أوروبا» الموسم ما قبل الماضي، عندما حسم النادي الفرنسي المواجهة المثيرة بنتيجة 5 - 4 في مجموع مباراتي الذهاب والإياب.

وفاز باريس 3 - 1 على ملعبه في الذهاب، قبل أن يخسر 2 - 3 في إنجلترا، لكنه حافظ على أفضلية الهدف التي منحته بطاقة التأهل.

أما أستون فيلا، فيدخل اللقاء بمعنويات مرتفعة بعدما عاش موسماً أوروبياً تاريخياً، توج خلاله بلقب «الدوري الأوروبي» بفوزه على فرايبورغ في المباراة النهائية بإسطنبول، ليحصد أول لقب أوروبي كبير له منذ تتويجه بـ«كأس أوروبا» عام 1982.

الجناح الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا (باريس سان جيرمان)

ويأمل المدرب الإسباني أوناي إيمري تحويل هذا النجاح القاري خطوةً جديدةً، عبر قيادة الفريق إلى «كأس السوبر الأوروبي»، خصوصاً أن المدرب المخضرم يملك خبرة كبيرة في البطولة، لكنه خسر محاولاته الثلاث السابقة للفوز بها؛ أبرزها عندما سقط أمام برشلونة بقيادة لويس إنريكي بنتيجة 4 - 5 خلال مدة قيادته إشبيلية.

وعلى الجانب الآخر، يملك أستون فيلا سجلاً مثالياً في مشاركته الوحيدة السابقة بـ«كأس السوبر الأوروبي»، عندما تفوق على برشلونة 3 - 1 في مجموع مباراتي نسخة 1982، بعد أشهر قليلة من تتويجه بـ«كأس أوروبا» على حساب بايرن ميونيخ.

لكن مهمة أستون فيلا لن تكون سهلة، خصوصاً أن الفريق شهد تغييرات مهمة خلال فترة الانتقالات الصيفية، بعد رحيل عدد من العناصر التي كان لها دور في الموسم الماضي. وتحرك النادي سريعاً لتعويض هذه الغيابات، وتعاقد مع الأرجنتيني أليخاندرو غارناتشو، والبرازيلي جواو غوميز، إلى جانب الموهبة السويسري يوهان مانزامبي.

لويس إنريكي (باريس سان جيرمان)

وخاض أستون فيلا 6 مباريات ودية خلال فترة الإعداد، حقق الفوز في 3 منها، وخسر 3. وكانت آخر مبارياته أمام بايرن ميونيخ، حيث تعرض للهزيمة 1 - 2 يوم الجمعة الماضي، لكن الفريق يبدأ مشواره الرسمي فعلياً أمام باريس سان جيرمان، قبل أن يفتتح حملته في الدوري الإنجليزي الممتاز بمواجهة برايتون يوم 23 أغسطس (آب) الحالي.

ويترقب باريس سان جيرمان عودة مجموعة من نجومه الأساسيين إلى التشكيلة، بعدما شارك البرتغاليون فيتينيا، ونونو مينديز، وجواو نيفيز، إلى جانب القائد ماركينيوس، في المباراة الودية أمام مانشستر يونايتد. وقد يحصل مزيد من اللاعبين الدوليين على فرصة المشاركة أمام أستون فيلا؛ بينهم عثمان ديمبلي، وديزيريه دوي، وفابيان رويس، وأشرف حكيمي، ولوكاس هيرنانديز، ووارن زائير إيمري، إذا سمحت حالتهم البدنية.

وفي المقابل، شهدت قائمة باريس سان جيرمان رحيل عدد من اللاعبين خلال الصيف، بينهم: غونزالو راموس، وراندال كولو مواني، ولي كانغ إن، فيما لا يزال مستقبل برادلي باركولا محل اهتمام، في ظل ارتباطه بالانتقال إلى ليفربول.

لاعبو أستون فيلا خلال التدريبات (أستون فيلا)

كما ضم الفريق الفرنسي ماغنيس أكليوش، إلى جانب لوكاس ديني، بينما يقترب من إضافة فيران توريس إلى قائمته.

وعلى الجانب الإنجليزي، قد يسجل غارناتشو وجواو غوميز ظهورهما الرسمي الأول بقميص أستون فيلا، بينما يغيب مانزامبي عن المباراة بسبب إصابة في الركبة تعرض لها خلال مشاركته مع منتخب سويسرا.

كما تحوم الشكوك حول مشاركة القائد جون ماكجين، الذي تعرض لإصابة خلال المباراة الودية أمام بي جي باثوم يونايتد؛ مما قد يضعه خارج الحسابات إلى جانب مانزامبي وأمادو أونانا، المصاب بقطع في الرباط الصليبي. كذلك لم تتضح بعد جاهزية إزري كونسا، وأُولِي واتكينز، وإيميليانو مارتينيز، للمشاركة أساسيين.

الأرجنتيني إيميليانو بوينديا (أستون فيلا)

في المقابل، تلقى إيمري دفعة قوية بعودة لاعب الوسط بوبكر كامارا بعد غياب طويل، بينما فرض المهاجم الشاب برايان مادجو نفسه أحدَ أبرز لاعبي الفريق خلال فترة الإعداد، بعدما سجل 4 أهداف عقب حسم أهليته للمشاركة.


تسيفرين يقود جبهة إسقاط إنفانتينو... وترمب يدخل المعركة لإنقاذه

بين تسيفرين وإنفانتنيو صراع لم ينتهي بعد (أ.ب)
بين تسيفرين وإنفانتنيو صراع لم ينتهي بعد (أ.ب)
TT

تسيفرين يقود جبهة إسقاط إنفانتينو... وترمب يدخل المعركة لإنقاذه

بين تسيفرين وإنفانتنيو صراع لم ينتهي بعد (أ.ب)
بين تسيفرين وإنفانتنيو صراع لم ينتهي بعد (أ.ب)

دخلت أزمة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما تحولت المواجهة بشأن مشروع الاستثمار الخاص الذي أطلقه جياني إنفانتينو ثم تراجع عنه إلى معركة مفتوحة حول مستقبله في رئاسة المنظمة، يقود أحد طرفيها ألكسندر تسيفرين، رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (ويفا)، فيما دخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الخط مانحاً إنفانتينو دعماً سياسياً علنياً، بالتزامن مع تصاعد التساؤلات بشأن تأثير نظام تمويل «فيفا» في مواقف الاتحادات الوطنية الصغيرة.

ويبرز تسيفرين بوصفه حجر الزاوية في التحرك الرامي إلى إنهاء حقبة إنفانتينو، في واحدة من أعنف المواجهات خلال عشر سنوات أمضاها على رأس الكرة الأوروبية. ولا تبدو المعركة مرتبطة بطموح شخصي لدى السلوفيني البالغ 58 عاماً، بعدما استبعد الترشح لرئاسة «فيفا» في انتخابات مارس (آذار) 2027، لكنها تعيد إلى الواجهة سجله في التصدي لمشروعات كبرى، أبرزها الدوري السوبر الأوروبي ومحاولة إقامة كأس العالم كل عامين.

وتعود جذور الأزمة الحالية إلى الكشف عن تحرك إنفانتينو سراً لفتح المجال أمام مستثمرين من القطاع الخاص للحصول على حصة في الأعمال المرتبطة ببطولات «فيفا»، بما فيها كأس العالم. ورغم التخلي عن المشروع تحت الضغط، لم يتراجع «ويفا» عن موقفه، وذهب إلى حد التهديد بمقاطعة مسابقات الاتحاد الدولي، معتبراً أن الثقة في إنفانتينو انكسرت بصورة يصعب إصلاحها.

واكتسب تحرك تسيفرين ثقلاً إضافياً بانضمام اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف) والاتحاد الآسيوي إلى الجبهة المعارضة. وأصدرت الاتحادات الثلاثة رسالة مشتركة شددت فيها على أن كرة القدم «ليست ملكاً لأحد»، وأن القيادة ليست امتلاكاً للسلطة، وإنما مسؤولية لخدمة أسرة اللعبة.

وفي المقابل، تلقى إنفانتينو دفعة قوية من ترمب، الذي وصف التفكير في استبداله بأنه «خطأ فادح». وكتب الرئيس الأميركي عبر «تروث سوشيال» أن إنفانتينو «رائع»، معتبراً أنه أشرف على أنجح نسخة من كأس العالم، وأن المسابقة لن تحقق المستوى نفسه من النجاح والربحية في حال رحيله.

ويأتي دعم ترمب امتداداً لعلاقة وثيقة بين الرجلين، بعدما منح إنفانتينو الرئيس الأميركي «جائزة فيفا للسلام» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، قبل أن تتجدد التساؤلات بشأن طبيعة العلاقة خلال مونديال 2026، عندما طلب ترمب مراجعة البطاقة الحمراء التي حصل عليها الأميركي فولارين بالوغون. وتحولت عقوبة إيقاف اللاعب لاحقاً إلى إيقاف مع وقف التنفيذ، رغم تأكيد إنفانتينو استقلالية الهيئات القضائية في «فيفا».

وبين جبهة تسيفرين ودعم ترمب، تظهر قضية أخرى قد تكون أكثر حساسية، تتعلق بقدرة الاتحادات الوطنية الـ211، صاحبة الحق الفعلي في انتخاب رئيس «فيفا»، على اتخاذ مواقف مستقلة في ظل اعتماد بعضها الكبير على تمويل الاتحاد الدولي.

وقال أليكس دافاني، الدولي السابق مع بابوا غينيا الجديدة ونائب الأمين العام السابق للاتحاد الأسترالي، إن بعض الاتحادات الصغيرة قد تفضل الصمت في الخلافات الداخلية خشية تعريض التمويل الضروري لاستمرارها للخطر، خصوصاً في أوقيانوسيا، حيث يمكن أن تعادل أموال التنمية المقدمة من «فيفا» كامل الميزانية التشغيلية لبعض الاتحادات.

وارتفع التمويل المخصص للاتحادات الصغيرة خلال عهد إنفانتينو من نحو مليونين إلى ثلاثة ملايين دولار في الدورة التي تمتد أربع سنوات، إلى ثمانية ملايين دولار في الدورة الأخيرة، فيما كان المشروع الملغى يفتح الباب أمام مبالغ قد تصل إلى 40 مليون دولار لكل اتحاد في حال موافقة الاتحادات الـ211 على الخطة.

ويرى دافاني أن جوهر المشكلة يكمن في كون تمويل التنمية تقديرياً وليس حقاً مكتسباً، وهو ما قد يخلق بيئة تخشى فيها الاتحادات الصغيرة أن يؤدي التعبير عن موقف مخالف إلى تهديد مصدر رئيسي لتمويلها.

ورغم اتساع جبهة المعارضة، لا تزال نتيجة المواجهة مفتوحة. فالاتحادات القارية لا تصوت مباشرة في الانتخابات، بينما يمتلك كل اتحاد وطني صوتاً، وهو ما يجعل معركة الأشهر المقبلة تدور أساساً حول قدرة الطرفين على استقطاب الاتحادات الأعضاء.