ضعف سوق الإسكان يواصل الضغط على اقتصاد الصين

استقرار نسبي بالمدن الكبرى يقابله تراجع أوسع في الطلب والاستثمار

رجل على دراجة يمر أمام أحد المشروعات العقارية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
رجل على دراجة يمر أمام أحد المشروعات العقارية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

ضعف سوق الإسكان يواصل الضغط على اقتصاد الصين

رجل على دراجة يمر أمام أحد المشروعات العقارية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
رجل على دراجة يمر أمام أحد المشروعات العقارية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

واصلت سوق الإسكان الصينية إظهار علامات ضعف خلال أغسطس (آب) الماضي، مع تراجع أسعار المنازل الجديدة لثالث شهر على التوالي، في مؤشر يعزز المخاوف من بقاء القطاع العقاري أحد أبرز مصادر الضغط على ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وأظهرت حسابات؛ استناداً إلى بيانات «المكتب الوطني للإحصاء»، أن أسعار المنازل الجديدة انخفضت 0.1 في المائة خلال أغسطس مقارنة مع يوليو (تموز) الماضيين، وهي النسبة نفسها المسجلة في الشهرين السابقين عليهما. وعلى أساس سنوي، تراجعت الأسعار 3 في المائة، مقابل انخفاض 3.2 في المائة خلال يوليو، في أبطأ وتيرة هبوط هذا العام.

ويشير تضاؤل وتيرة التراجع السنوي إلى قدر من الاستقرار، لكنه لا يعني حتى الآن بداية تعافٍ واسع. وقال تشانغ داوي، كبير المحللين في وكالة العقارات «سنتالاين بروبرتي»، إن انخفاض الأسعار على أساس سنوي أصبح أقل حدة في مختلف فئات المدن، بما يوحي بأن السوق تجاوزت ربما ذروة التشاؤم، لكنه استبعد انتعاشاً سريعاً على مستوى البلاد.

وأظهرت البيانات تبايناً واضحاً بين المدن الكبرى والأسواق الأصغر، فقد ارتفعت أسعار المنازل الجديدة في مدن الدرجة الأولى 0.1 في المائة على أساس شهري، منهية سلسلة من الانخفاضات السابقة، بينما واصلت مدن الدرجتين الثانية والثالثة تسجيل تراجعات. كما تحسنت أسعار إعادة بيع المنازل في المدن الكبرى بصورة طفيفة؛ مما ساعد أسهم شركات العقارات على تعويض خسائرها المبكرة.

غير أن الصورة الأشمل لا تزال ضعيفة، إذ تراجعت مبيعات العقارات والاستثمارات وعمليات بدء البناء الجديدة بشكل حاد خلال الأشهر الـ8 الأولى من العام.

* ضغط على الاستهلاك والائتمان

يمثل استمرار أزمة الإسكان عبئاً مزدوجاً على الاقتصاد الصيني؛ فمن ناحية، يؤدي انخفاض أسعار العقارات إلى إضعاف ثقة الأسر، التي تتركز نسبة كبيرة من ثروتها في المساكن، ومن ناحية أخرى يضغط تراجع النشاط العقاري على إيرادات الحكومات المحلية المعتمدة تاريخياً على مبيعات الأراضي. ويظهر أثر ذلك أيضاً في الائتمان. فقد انخفضت قروض الأسر، بما فيها الرهون العقارية، بنحو 202.9 مليار يوان، أي نحو 30.2 مليار دولار، في أغسطس الماضي، بعد انخفاض أكبر بلغ 460.3 مليار يوان في يوليو. وتعكس هذه الأرقام استمرار عزوف الأسر عن الاقتراض، رغم الإجراءات التي اتخذتها السلطات لتشجيع الطلب.

* إجراءات دعم محدودة

أطلقت بكين خلال الشهر الماضي مجموعة جديدة من التدابير تستهدف إعادة بناء الثقة بالقطاع، من بينها دفع المطورين تدريجياً بعيداً عن نموذج البيع المسبق للمساكن، الذي أثار استياء المشترين بعد توقف مشروعات دفعوا ثمنها خلال أزمة القطاع. كما مددت السلطات المالية الحد الأقصى لمدة القروض العقارية الشخصية إلى 40 عاماً بدلاً من 30 عاماً، في محاولة لخفض الأعباء الشهرية عن المشترين وتحفيز الطلب. لكن المحللين يرون أن هذه الإجراءات قد تكون أعلى فاعلية في تقليل المخاطر على المدى الطويل منها في تحفيز مبيعات المنازل سريعاً.

وقال تشانغ إن قدرة السوق على تسجيل تحسن إضافي ستعتمد أساساً على عودة ثقة المشترين، وظهور طلب حقيقي على السكن، ومدى نجاح الحكومات المحلية في تنفيذ سياسات الاستقرار.

وتأتي بيانات العقارات في وقت فقد فيه الاقتصاد الصيني بعض الزخم. فقد تباطأ النمو إلى 4.3 في المائة خلال الربع الثاني، فيما تشير مؤشرات أحدث إلى استمرار اعتماد الصين بصورة كبيرة على الصادرات والقطاع الصناعي لتعويض ضعف الاستهلاك والاستثمار المحلي.

وترى مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس» أن أزمة العقارات قد تكون أكبر امتداداً مما كان متوقعاً. وقالت كبيرة الاقتصاديين، شيانا يو، إن المؤسسة تتوقع استمرار ركود الإسكان طيلة فترة الخطة الخمسية الحالية، مع عدم عودة الاستثمار السكني إلى النمو قبل 2031.

وخفضت المؤسسة توقعاتها لنمو الاقتصاد الصيني في 2027 إلى 4.3 في المائة، مشيرة إلى أن استمرار أزمة العقارات سيبقي النمو ضعيفاً حتى مع زيادة الاستثمار الحكومي. ويضع هذا المشهد مزيداً من الضغط على صناع السياسات لتقديم دعم أقوى للطلب المحلي. فمع أن وتيرة تراجع الأسعار بدأت تهدأ، فإن القطاع لم يستعد بعدُ قدرته على دعم الاستهلاك والاستثمار.

وبالنسبة إلى بكين، فلم يعد التحدي يقتصر على وقف هبوط أسعار المنازل، بل أصبح يتمثل في إعادة بناء الثقة لدى الأسر والمطورين معاً، وتحويل استقرار محدود في المدن الكبرى إلى تعافٍ أوسع يمكنه تخفيف اعتماد الاقتصاد على الصادرات والصناعة.


مقالات ذات صلة

صعود الين يواجه اختبار بنك اليابان

الاقتصاد شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار الأميركي في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

صعود الين يواجه اختبار بنك اليابان

يدخل الين الياباني مرحلة حاسمة بعد أقوى موجة صعود له في نحو 18 شهراً؛ إذ بات استمرار مكاسبه مرتبطاً بقدرة بنك اليابان على تلبية توقعات الأسواق.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد عامل في مصنع للألياف الضوئية بمقاطعة شيجيانغ وسط الصين (رويترز)

طفرة التكنولوجيا تعزز الصناعة الصينية وتكشف اختلالات النمو

قدَّمت المصانع الصينية في أغسطس إشارة جديدة إلى قدرة قطاع التكنولوجيا المتقدمة على دعم ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (الشرق الأوسط)

محافظ «ساما»: استثمارات التقنية المالية في السعودية تتجاوز 8 مليارات دولار

كشف محافظ البنك المركزي السعودي (ساما)، أيمن السياري، عن ارتفاع عدد شركات التقنية المالية العاملة في السعودية إلى 371 شركة بنهاية أغسطس (آب) الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ورقة نقدية من فئة ألف ين ياباني (رويترز)

اليابان توازن بين الإنفاق الدفاعي وضغوط المالية العامة

تواجه اليابان اختباراً متزايد الصعوبة في موازنة أولوياتها الاستراتيجية والاقتصادية، مع بحث الحكومة رفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

اليوان يتراجع والأسهم الصينية تستقر تحت ضغط البيانات

تراجع اليوان الصيني بشكل طفيف أمام الدولار يوم الثلاثاء، بينما استقرت الأسهم في الصين وهونغ كونغ.

«الشرق الأوسط» (بكين)

منتدى اليونيسكو في الرياض يبحث أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ومخاطر تسارعه

إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)
إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

منتدى اليونيسكو في الرياض يبحث أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ومخاطر تسارعه

إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)
إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)

في وقت تتسارع فيه قدرات الذكاء الاصطناعي بوتيرة تسبق قدرة الحكومات والمؤسسات على وضع أطر فعالة لإدارة مخاطره، جاء المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض لبحث الانتقال من وضع المبادئ العامة إلى تطبيقها عملياً، وسط جدل متصاعد حول ما إذا كانت وتيرة تطوير التقنيات المتقدمة قد أصبحت أسرع من قدرة أنظمة الحوكمة والسلامة على مواكبتها.

ويأتي المنتدى في ظل دعوات من قيادات في كبرى شركات الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء تطوير بعض القدرات المتقدمة لإتاحة مزيد من الوقت لتعزيز إجراءات السلامة والحوكمة، في مقابل توجهات سياسية تؤكد ضرورة مواصلة السباق التقني والحفاظ على التفوق في هذا المجال.

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، داريو أمودي، دعا شركات الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء وتيرة تطوير قدرات النماذج المتقدمة، مقترحاً إطاراً يتضمن وجود جهات مستقلة لتقييم السلامة، ووضع معايير مشتركة، وتعزيز التعاون الدولي لإدارة المخاطر. وحظيت دعوته هذه بتأييد الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان، وإيلون ماسك، فيما أيدها كذلك ديميس هاسابيس من «غوغل ديب مايند».

وقال أمودي إن التطور «يجب أن يكون أبطأ»، معتبراً أن إتاحة مزيد من الوقت لإجراءات السلامة ضرورية مع استمرار التقدم السريع في قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الدعوات إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي، داعياً إلى الحفاظ على ريادة الولايات المتحدة في هذا المجال، في ظل المنافسة مع الصين.

وتضع هذه التطورات قضية الحوكمة في صلب النقاش الذي يناقشه المنتدى في الرياض، مع انتقال الاهتمام الدولي من وضع المبادئ العامة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى كيفية تطبيقها وإدارة المخاطر المرتبطة بالتطور السريع للتقنية.

وقالت آسيا ريجينيه، المديرة العامة المساعدة للعلوم الاجتماعية والإنسانية في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، خلال افتتاح المنتدى، إن العالم يمر «بلحظة حاسمة» مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن التقنية «تتقدم بسرعة غير مسبوقة، وربما بسرعة أكبر من اللازم، فيما تكافح الحوكمة للحاق بها».

وأضافت أن التطورات الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي تؤكد الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي في حوكمة التقنية، مشيرة إلى أن توصية اليونيسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي اعتمدتها 193 دولة عضواً قبل خمس سنوات، انتقلت إلى مرحلة جديدة من التنفيذ.

الدول الأعضاء

وأوضحت أن 109 دول أعضاء تحركت نحو تنفيذ التوصية، فيما بدأت أو استكملت 78 دولة تقييم الجاهزية للذكاء الاصطناعي وفق منهجية اليونيسكو، مؤكدة أن الهدف لم يعد يقتصر على الاتفاق على المبادئ، وإنما دعم المؤسسات والأفراد في تحويلها إلى تطبيقات عملية.

وفي السياق ذاته، ذكر رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) الدكتور عبد الله بن شرف الغامدي، أن المخاوف التي عبرت عنها مؤخراً قيادات شركات كبرى بشأن تسارع تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة تتطلب تحويل المبادئ المشتركة إلى تطبيق عملي.

ووفق الغامدي فإن «المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه المبادئ المشتركة وتحويلها إلى تطبيق عملي من خلال سياسات قابلة للتنفيذ، وأدوات فاعلة لإدارة المخاطر، وقدرات مؤسسية تمكّن الدول من تطبيقها في واقعها».

وأوضح أن تطبيق الحوكمة لا يعني تبني نموذج موحد بين الدول، قائلاً: «لا يعني بالضرورة أن تتبنى الدول نموذجاً موحداً، بل أن ننطلق من مبادئ مشتركة، وأن نتبادل الخبرات والأدوات مع احترام أولويات كل دولة وثقافتها».

جانب من الحضور في المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)

البنية التحتية

وشدد الغامدي على أهمية ربط الحوكمة بالقدرة على الاستفادة من التقنية، قائلاً: «لا ينبغي أن تنفصل الحوكمة عن التمكين؛ فالدول تحتاج إلى الأطر كما تحتاج إلى المهارات، والبيانات، والبنية التحتية التي تمكّنها وتعظّم الاستفادة من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي».

ولفت إلى أن السعودية أطلقت في 2026 الإطار الوطني لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب علامات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بما يجعل الحوكمة وإدارة المخاطر جزءاً من عملية تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ويشارك المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (إيكايِر) في استضافة المنتدى إلى جانب اليونيسكو والسعودية ممثلة في «سدايا»، ويضطلع المركز بدور في دعم البحث وبناء القدرات في مجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بعد انضمامه إلى شبكة مراكز الفئة الثانية التابعة لليونيسكو.

ويبحث المنتدى، الذي تستضيفه السعودية في الرياض، سبل الانتقال من المبادئ الأخلاقية للذكاء الاصطناعي إلى تطبيقها عملياً، في وقت يتزايد فيه الضغط على الحكومات والمؤسسات لتطوير أطر قادرة على مواكبة سرعة تطور التقنية وإدارة مخاطرها.


«منظمة التجارة العالمية» تدعو لإصلاح النظام وتحذر من تكلفة الانقسام

شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)
شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)
TT

«منظمة التجارة العالمية» تدعو لإصلاح النظام وتحذر من تكلفة الانقسام

شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)
شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)

دعت «منظمة التجارة العالمية»، الثلاثاء، أعضاءها إلى إصلاح قواعد التجارة العالمية، محذرة بأن الفشل في ذلك قد يدفع بالاقتصاد العالمي نحو مزيد من الانقسام والتشرذم، بما يهدد بخفض الإنتاج الاقتصادي العالمي وإلحاق أضرار جسيمة بالدول الأكبر فقراً.

وقالت «المنظمة»، التي تتخذ من جنيف مقراً لها، في تقريرها السنوي، إن القواعد التجارية الحالية تواجه صعوبة متصاعدة في مواكبة تحولات موازين القوى الاقتصادية العالمية، وصعود السياسات الصناعية، واتساع نطاق التجارة الرقمية، فضلاً عن تصاعد التوترات السياسية بين القوى الكبرى، وفق «رويترز».

ويأتي هذا التحذير بعد إخفاق الدول الأعضاء الـ166 بـ«المنظمة» في التوصل إلى اتفاق بشأن حزمة إصلاحات خلال الاجتماع الوزاري الذي عُقد في ياوندي بالكاميرون خلال مارس (آذار) الماضي، قبل استئناف المفاوضات في جنيف بشأن قضايا تشمل آليات اتخاذ القرار، وتسوية النزاعات التجارية، والتحديات المرتبطة بالدعم الحكومي وتدخل الدولة في الاقتصاد.

وتواجه «المنظمة» صعوبات في تحقيق توافق بين جميع أعضائها؛ نظراً إلى اختلاف مستويات التنمية الاقتصادية وتباين المصالح بين الدول الأعضاء، في ظل اعتمادها على مبدأ الإجماع في اتخاذ القرارات.

وأظهرت نماذج أعدها اقتصاديون في «المنظمة» أن انقسام العالم إلى كتل جيوسياسية متنافسة قد يؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 5.1 في المائة، وانخفاض الصادرات العالمية بنسبة 18.6 في المائة، بحلول عام 2050، مقارنة بالمسار الأساسي.

وفي سيناريو أكبر تشدداً، يتمثل في انهيار التعاون متعدد الأطراف واستبدال شبكة متفرقة من اتفاقيات التجارة الحرة به، قد يتراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 6.9 في المائة وتنخفض الصادرات بنحو 27 في المائة.

في المقابل، أشار التقرير إلى أن تعزيز التعاون متعدد الأطراف يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.9 في المائة ويزيد الصادرات العالمية بنحو 18 في المائة.

وأكدت «المنظمة» أن الدول الأقل نمواً ستكون المستفيد الأكبر من تعزيز التعاون الدولي، لكنها في الوقت نفسه ستكون الأكبر عرضة للخسائر إذا تسارع تفكك النظام التجاري العالمي.

التجارة العالمية عند مفترق طرق

وقال كبير الاقتصاديين في «منظمة التجارة العالمية»، روب ستايغر، لـ«رويترز»، إن نظام التجارة العالمي يقف عند «منعطف حاسم»، مشيراً إلى 4 تحديات رئيسية تواجهه، هي: اتساع توزيع القوة الاقتصادية عالمياً، وازدياد تدخل الحكومات في الاقتصادات الوطنية، والتحولات التي فرضتها الرقمنة وسلاسل القيمة العالمية على طبيعة التجارة، إضافة إلى تصاعد الاحتكاكات السياسية بين الدول.

وأضاف: «القواعد الحالية تتعرض لضغوط متصاعدة، وهذا يترك أثراً ملموساً بالفعل. وإذا انهار النظام متعدد الأطراف على المستوى العالمي، فإن السيناريوهات التي أعددناها تشير إلى أن التكاليف الاقتصادية ستكون كبيرة للغاية».

وتأتي هذه التقديرات في وقت تتجه فيه دول كثيرة إلى إبرام ترتيبات تجارية إقليمية وقطاعية خاصة، وسط تصاعد التوترات التجارية وفرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية واسعة النطاق.

وفي مارس الماضي، وافقت مجموعة من أعضاء المنظمة على المضي قدماً في أول مجموعة أساسية من القواعد المنظمة للتجارة الرقمية من خلال اتفاق متعدد الأطراف، متجاوزة اعتراضات بعض الأعضاء.

ورأى ستايغر أن الاتفاقيات التجارية الإقليمية والمبادرات متعددة الأطراف المحدودة قد تسهم في تعزيز النظام التجاري العالمي، لكنه حذر بأنها قد تتحول كتلاً متنافسة تقوض هذا النظام إذا ابتعدت عن الإطار متعدد الأطراف.

وأوضح أن غياب إطار قوي لـ«منظمة التجارة العالمية» قد يدفع بهذه الترتيبات إلى توجيه التجارة نحو شركاء مفضلين بدلاً من المنتجين الأعلى كفاءة، كما قد يشجع التكتلات التجارية على إقامة حواجز جديدة أمام الأطراف الخارجية.

وأضاف أن قواعد «المنظمة» تلعب دوراً أساسياً في الحد من التمييز ضد الدول غير الأعضاء في الاتفاقيات التجارية، وفي ضبط كيفية تصميم اتفاقيات التجارة الحرة.

وأشارت «المنظمة» إلى أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية بلغت مستويات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، مع ازدياد استخدام الحكومات الرسوم الجمركية، والدعم الحكومي، وقيود التصدير، والسياسات الصناعية.

ورغم أن نحو 72 في المائة من تجارة السلع العالمية لا تزال تجري وفق مبدأ «الدولة الأولى بالرعاية» المعتمد في «منظمة التجارة العالمية»، مقارنة بنحو 80 في المائة عام 2022، فإن ستايغر وصف هذا التراجع بأنه «اتجاه مقلق»، يعكس خطر التآكل التدريجي للنظام التجاري متعدد الأطراف.


أسعار النفط والفائدة تضيّقان هوامش تقدم الجمهوريين قبيل انتخابات نوفمبر

أميركي يزود سيارته بالوقود داخل محطة وقود بولاية كاليفورنيا وسط ارتفاع كبير في أسعار الديزل 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أميركي يزود سيارته بالوقود داخل محطة وقود بولاية كاليفورنيا وسط ارتفاع كبير في أسعار الديزل 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

أسعار النفط والفائدة تضيّقان هوامش تقدم الجمهوريين قبيل انتخابات نوفمبر

أميركي يزود سيارته بالوقود داخل محطة وقود بولاية كاليفورنيا وسط ارتفاع كبير في أسعار الديزل 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أميركي يزود سيارته بالوقود داخل محطة وقود بولاية كاليفورنيا وسط ارتفاع كبير في أسعار الديزل 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)

مع بدء اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي يوم الثلاثاء، يواجه الجمهوريون اختباراً اقتصادياً تتضاءل فيه قدرتهم على فصل اضطرابات الشرق الأوسط عن ضغوط تكاليف المعيشة المحلية في الولايات المتحدة. فتكلفة الحرب تصل إلى الناخب الأميركي بطريقتين: عند دفع فواتير الوقود، وعند طلب القروض لشراء منزل أو تمويل مشروع تجاري. وبين هذين العبئين، تبرز احتمالات تشديد السياسة النقدية، في توقيت يحتاج فيه الحزب إلى إقناع الأميركيين بأن سياسات الرئيس دونالد ترمب تقربهم من الرخاء.

حسب جدول أعمال مجلس الاحتياطي الفيدرالي، من المتوقع صدور القرار يوم الأربعاء. ومع ذلك، فقد بدأ التأثير السياسي يظهر بالفعل: فارتفاع تكاليف الطاقة يُهدد باستمرار التضخم، بينما يُثير توقع رفع أسعار الفائدة القلق بشأن تكلفة كبحه. وهذا يُعقّد السؤال المطروح في عام الانتخابات: متى سيشعر المواطنون بتحسن في أوضاعهم إذا كانت مكافحة ارتفاع الأسعار تتطلب إبطاء الإنفاق ورفع تكاليف الاقتراض؟

عبء مزدوج

تكشف بيانات شهر أغسطس (آب) عن حجم المشكلة وحدودها. فقد ارتفعت أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة الأميركية، بنسبة 0.4 في المائة شهرياً و3.4 في المائة سنوياً، بينما ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 3.9 في المائة خلال الشهر، مما يمثّل أكثر من ثلث الزيادة الإجمالية. ووفقا لمكتب إحصاءات العمل الأميركي، بلغ الارتفاع السنوي في تكاليف الطاقة 16.3 في المائة.

ومع ذلك، بلغ معدل التضخم الأساسي -الذي يستثني الغذاء والطاقة- 2.4 في المائة سنوياً، منخفضاً من 2.5 في المائة في يوليو (تموز). هذه التفاصيل تمنع اختزال الوضع إلى سيناريو ارتفاع أسعار جنوني شامل. فبينما تلعب الطاقة دوراً مهماً، لا تتسارع جميع مكونات التضخم بالوتيرة نفسها. ومع ذلك، لا تقتصر صدمة الوقود على المحطات. إذ يمكن أن تنتقل تكاليف النقل والإنتاج المتزايدة تدريجياً إلى السلع والخدمات، مما يضغط على أرباح الشركات وميزانيات المستهلكين. وتوضح دراسة أجراها «الاحتياطي الفيدرالي»، أنه كيف يمكن لصدمات إمدادات النفط أن ترفع الأسعار الأساسية أيضاً عندما تنقل الشركات جزءاً من تكاليفها الإضافية إلى المستهلكين.

وتضيف تكاليف الاقتراض طبقة أخرى من الضغط. إذ حسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات لفترة وجيزة حاجز 5 في المائة، يوم الاثنين. ونظراً إلى تأثير هذه العوائد على أسعار التمويل طويلة الأجل، فقد تتشدد شروط القروض حتى قبل اتخاذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي أي إجراء، مع تغير توقعات السوق.

ولا يعني هذا بالضرورة ارتفاعاً فورياً في الأقساط لجميع المقترضين، إذ إن حاملي قروض الرهن العقاري ذات الفائدة الثابتة الحالية محميون من التغييرات الفورية. ومع ذلك، يواجه مشترو المنازل الجدد، والراغبون في إعادة تمويل قروضهم، والشركات الباحثة عن الائتمان، وضعاً أقل ملاءمة.

معضلة «الفيدرالي»

أفادت «رويترز» بأن بنوكاً كبرى، من بينها «غولدمان ساكس» و«جيه بي مورغان»، تتوقع رفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في اجتماع سبتمبر(أيلول)، في أعقاب بيانات التضخم الأخيرة. ورغم أن هذه تقديرات ما قبل القرار، فإنها تعكس تحولاً في معنويات السوق، من توقع تيسير السياسة النقدية إلى احتمال تشديدها.

تكمن المعضلة في أن أسعار الفائدة لا يمكنها إصلاح خط أنابيب متضرر أو تأمين ممر ملاحي بحري. فأدوات البنك المركزي تعمل بشكل أساسي من خلال قنوات الطلب والائتمان: فهي تزيد من تكلفة الإنفاق والاستثمار، وتحدّ من استمرار ارتفاع الأسعار. وبالتالي، قد يكون للاستجابة لصدمة الطاقة تكلفة اقتصادية دون معالجة السبب الجذري.

وفي المقابل، قد يكون التقاعس مكلفاً إذا ترسخت توقعات ارتفاع الأسعار وبدأت تؤثر على التسعير والأجور. وسط هذه المخاطر، يصبح منطق «الاحتياطي الفيدرالي» لقراره بنفس أهمية القرار نفسه: هل ينظر إلى الوضع على أنه اضطراب مؤقت سيزول، أم ضغط مستمر يتطلب استجابة أكثر استدامة؟

وسياسياً، لا يقدم أي من السيناريوهين رسالة تروق للجمهوريين. فرفع أسعار الفائدة يعني استمرار الضغط على تكاليف التمويل، بينما لا يضمن تثبيت أسعار الفائدة انخفاض تكاليف الاقتراض أو أسعار الوقود. علاوةً على ذلك، فإن تصوير البنك المركزي على أنه المسؤول الوحيد عن ارتفاع تكاليف المعيشة يتجاهل تأثير أسعار الطاقة، الذي يسبق قرارات سياسة البنك.

وعود تحت الضغط

تتضح محدودية نطاق الحلول السريعة في موقف وزير الداخلية دوغ بورغوم. فقد صرَّح يوم الاثنين، وفقاً لـ«رويترز»، بأن حظر صادرات النفط أو الوقود الأميركي لن يؤدي بالضرورة إلى خفض الأسعار، وقد يُفضي إلى إجراءات انتقامية تضر بالمستهلكين. كما تبحث الإدارة سبلاً لزيادة طاقة التكرير، مع العلم أن الإجراءات الصناعية تستغرق وقتاً للتأثير على الإمدادات.

يُبرز هذا المأزق الذي يواجه الخطاب الجمهوري: فبينما تستطيع الإدارة الدفاع عن أهدافها الأمنية والتأكيد على أهمية الإنتاج المحلي، عليها أيضاً توضيح التناقض بين هذه السياسات والتكلفة اليومية لأن الإشارة إلى تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية لا يمحو الضغط المالي الذي تعاني منه الأسر، حيث تستحوذ تكاليف الوقود والتمويل على نسبة كبرى من دخلها.

تُتيح هذه الفجوة للديمقراطيين فرصة لربط إدارة الحرب بالإدارة الاقتصادية، إلا أنها لا تُحدد نتيجة التصويت النهائية. إذ يُوازن الناخبون هذه العوامل مع قضايا أخرى كالوظائف والدخل. ومع ذلك، فإن تداخل أسعار النفط وأسعار الفائدة يُلقي بعبء إثبات ملموس على الجمهوريين: تقديم مسار موثوق لخفض التكاليف في الأسابيع القليلة المتبقية قبل انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني).