بكين وواشنطن تمهدان لخفض الرسوم قبيل قمة شي وترمب

مشتريات فول الصويا تعزز إشارات التهدئة

أعلام الصين والولايات المتحدة مرفوعة خلال زيارة ترمب إلى بكين في شهر مايو الماضي (رويترز)
أعلام الصين والولايات المتحدة مرفوعة خلال زيارة ترمب إلى بكين في شهر مايو الماضي (رويترز)
TT

بكين وواشنطن تمهدان لخفض الرسوم قبيل قمة شي وترمب

أعلام الصين والولايات المتحدة مرفوعة خلال زيارة ترمب إلى بكين في شهر مايو الماضي (رويترز)
أعلام الصين والولايات المتحدة مرفوعة خلال زيارة ترمب إلى بكين في شهر مايو الماضي (رويترز)

تتسارع مؤشرات التهدئة التجارية بين الصين والولايات المتحدة قبل اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في وقت لاحق من سبتمبر (أيلول)، مع إعلان بكين سعيها إلى التوصل «في أقرب وقت» إلى اتفاق لخفض متبادل للرسوم الجمركية على سلع بقيمة 30 مليار دولار، بالتزامن مع تكثيف مشترياتها من فول الصويا الأميركي. وتجمع التطورات بين مسارين متوازيين؛ الأول تفاوضي يستهدف خفض رسوم على سلع غير حساسة، وإعادة بناء آلية أكثر استقراراً لإدارة التجارة الثنائية، والثاني عملي يتمثل في عودة الصين إلى شراء كميات كبيرة من السلع الزراعية الأميركية، في خطوة يمكن أن تساعد في تحسين أجواء القمة، وتخفيف بعض آثار الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم. وقالت هوانغ لينغ، المتحدثة باسم وزارة التجارة الصينية، إن المفاوضين يعملون على تنفيذ تخفيضات متبادلة للرسوم على سلع بقيمة 30 مليار دولار «في أقرب وقت»، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن القطاعات أو السلع التي قد يشملها الاتفاق. ويأتي ذلك قبل اللقاء المتوقع بين ترمب وشي في واشنطن في 24 سبتمبر الجاري، والذي سيكون ثالث اجتماع مباشر بينهما خلال عام. وتصف الحكومتان قنوات الاتصال على مستوى القادة بأنها أداة أساسية لمنع الخلافات التجارية والتكنولوجية من التحول إلى مواجهة أوسع. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غو جياكون إن «دبلوماسية القادة» تؤدي دوراً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه في توجيه العلاقات بين البلدين. وكان ترمب وشي قد اتفقا خلال اجتماعهما السابق في بكين في مايو (أيار) على إنشاء مجلس أميركي - صيني للتجارة لإدارة الملفات التجارية، إلى جانب مجلس موازٍ للاستثمار، بعد هدنة أنهت مرحلة من التصعيد الحاد للرسوم الجمركية المتبادلة. ويتركز جانب مهم من المفاوضات الجارية على تحديد مجموعة من السلع «غير الحساسة» التي يمكن لكل طرف تخفيف الرسوم عليها بصورة متوازنة. ويرى محللون أن مثل هذه التخفيضات المستهدفة أكثر واقعية من اتفاق تجاري واسع، خصوصاً أن كثيراً من نقاط الخلاف الأساسية بين البلدين يتعلق بالتكنولوجيا المتقدمة، والدعم الصناعي، والاستثمار، والأمن القومي.

• التجارة في الصدارة: وأشار بنك «باركليز» في مذكرة بحثية إلى أن التجارة ستكون في صدارة جدول أعمال القمة، لافتاً إلى أن الهدنة الحالية بشأن الرسوم تنتهي في 10 نوفمبر (تشرين الثاني). لكنه حذر من أن فرص التوصل إلى اتفاق شامل لا تزال محدودة، مرجحاً خفضاً انتقائياً للرسوم بدلاً من تسوية واسعة. وفي إشارة عملية على تحسن الأجواء، اشترت الصين نحو مليون طن متري من فول الصويا الأميركي خلال أسبوع واحد، وفق أربعة تجار تحدثوا إلى «رويترز». وترفع هذه المشتريات إجمالي ما اشترته الصين من فول الصويا الأميركي إلى ما يقارب نصف الالتزام السنوي البالغ 25 مليون طن، الذي قالت واشنطن إن بكين تعهدت بشرائه سنوياً حتى عام 2028. وقال تاجر مقيم في آسيا إن شركة «سينوغرين» الصينية الحكومية كثفت مشترياتها خلال الأيام الأخيرة، مضيفاً أن وتيرة الشراء ارتفعت قبيل زيارة شي المرتقبة إلى الولايات المتحدة. وتحمل هذه الصفقات دلالة تتجاوز سوق الحبوب؛ فالزراعة كانت دائماً من أكثر القطاعات حساسية في العلاقة التجارية بين واشنطن وبكين، نظراً إلى الوزن السياسي للمزارعين الأميركيين، ولا سيما في الولايات الزراعية التي تشكل قاعدة انتخابية مهمة للإدارة الأميركية. ومن شأن زيادة المشتريات الصينية أن تمنح البيت الأبيض مؤشراً ملموساً على التقدم، بينما تساعد بكين في إظهار استعدادها لتقديم تنازلات اقتصادية قابلة للقياس قبل القمة. لكن للمشتريات أيضاً دوافع تجارية بحتة. فقد تراجعت مخزونات فول الصويا في البرازيل، أكبر مصدر عالمي، ما دفع الصين إلى تنويع مصادر الإمدادات في وقت تحتاج فيه صناعات الأعلاف والزيوت إلى تدفقات مستقرة من البذور الزيتية. وأعلنت وزارة الزراعة الأميركية مبيعات بقيمة 340 ألف طن من فول الصويا إلى الصين، إضافة إلى 100 ألف طن إلى وجهات غير معلنة، في تأكيد جزئي لعودة الطلب الصيني على الإمدادات الأميركية. ولا تزال الصين تفرض رسوماً إضافية بنسبة 10 في المائة على السلع الأميركية، بما في ذلك المنتجات الزراعية، في أعقاب جولة الرسوم المتبادلة السابقة. ويعني ذلك أن أي خفض للرسوم على فول الصويا قد يفتح الباب أمام عودة شركات سحق البذور الصينية الخاصة إلى السوق الأميركية، بعد أن حدت الرسوم من قدرتها التنافسية مقارنة بالمشترين الحكوميين. وكانت واشنطن قد أعلنت بعد لقاء مايو أن الصين وافقت على شراء سلع زراعية أميركية غير فول الصويا بقيمة 17 مليار دولار سنوياً حتى عام 2028، بالتوازي مع التزامها السنوي بشراء 25 مليون طن من فول الصويا. ويشير تزامن هذه المشتريات مع الحديث عن خفض الرسوم إلى محاولة الطرفين بناء أرضية تفاوضية قبل القمة عبر اتفاقات محدودة، لكنها قابلة للتنفيذ، بدلاً من محاولة حل جميع ملفات الخلاف دفعة واحدة. ومن منظور اقتصادي، يمكن لأي خفض متبادل للرسوم أن يوفر متنفساً للشركات في البلدين بعد سنوات من ارتفاع تكاليف التجارة، وعدم اليقين المرتبط بالسياسات. كما قد يساعد على خفض أسعار بعض السلع المستوردة، ويمنح الشركات الأميركية والصينية قدراً أكبر من الوضوح في تخطيط سلاسل التوريد.

• عقبات قائمة: غير أن العقبات الكبرى لا تزال قائمة، فالخلافات بشأن أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والدعم الصناعي، والاستثمار الصيني في الولايات المتحدة، وقيود التكنولوجيا المتقدمة، كلها لا تزال بعيدة عن التسوية، وهو ما يحد من فرص تحول التهدئة الحالية إلى إعادة ضبط كاملة للعلاقات الاقتصادية. لذلك يُرجح أن يكون نجاح قمة سبتمبر مرهوناً بقدرة الطرفين على تحقيق تقدم ملموس في الملفات الأقل حساسية، مثل تخفيض الرسوم على سلع مختارة، وتثبيت الالتزامات الزراعية، مع تأجيل القضايا الاستراتيجية الأكثر تعقيداً إلى جولات لاحقة. وفي هذا السياق تبدو مشتريات فول الصويا والحديث عن خفض رسوم على تجارة بقيمة 30 مليار دولار بمثابة اختبار مبكر لمدى جدية الطرفين. فإذا تحولت الإشارات الحالية إلى اتفاقات معلنة، فقد تدخل العلاقات التجارية الأميركية - الصينية مرحلة أكثر استقراراً نسبياً. أما إذا بقيت في إطار الرسائل السياسية، فستظل الأسواق والشركات أمام خطر عودة التصعيد مع اقتراب انتهاء الهدنة الجمركية في نوفمبر.


مقالات ذات صلة

السعودية تستحوذ على 93 % من استثمارات التجارة الإلكترونية الخليجية

الاقتصاد صورة خلال جلسة «الجغرافيا الجديدة للنمو» (الشرق الأوسط)

السعودية تستحوذ على 93 % من استثمارات التجارة الإلكترونية الخليجية

في مؤشر على تصاعد دور المملكة في الاقتصاد الرقمي، استحوذت السعودية على نحو 93 % من استثمارات التجارة الإلكترونية في دول مجلس التعاون الخليجي في 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

«فيتش» تضع «مالية» اليابان تحت المجهر

قالت «فيتش»، الخميس، إنها ستدقق في مكونات الموازنة اليابانية المقبلة لتقييم مدى التوازن بين الجوانب «المسؤولة» والجوانب «الاستباقية» في السياسة المالية للحكومة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد متجر تابع لشركة «هواوي» في العاصمة الصينية بكين (رويترز)

«هواوي» أمام القضاء الأميركي بتهم السرقة والاحتيال

بدأت في الولايات المتحدة واحدة من أبرز المحاكمات التي تطول شركة تكنولوجيا صينية، بعدما وصف الادعاء الأميركي شركة «هواوي» بأنها «كيان إجرامي»

«الشرق الأوسط» (نيويورك-بكين)
الاقتصاد مدخل البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)

النفط يضغط على أسهم الصين... واليوان يحافظ على قوته

تراجعت الأسهم في البر الرئيسي للصين وهونغ كونغ يوم الخميس تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف من التضخم.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

عوائد السندات اليابانية تعيد رسم خريطة الاستثمار

ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات بمقدار 5 نقاط أساس إلى 2.93 في المائة يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

السعودية تحصّن سلاسل الإمداد بمظلة وطنية لمخاطر الحرب

سفينة تقف في أحد الموانئ السعودية (واس)
سفينة تقف في أحد الموانئ السعودية (واس)
TT

السعودية تحصّن سلاسل الإمداد بمظلة وطنية لمخاطر الحرب

سفينة تقف في أحد الموانئ السعودية (واس)
سفينة تقف في أحد الموانئ السعودية (واس)

في أوقات الأزمات لا تتوقف التجارة بالضرورة عندما تتعطل الموانئ، أو تغلق ممرات الملاحة؛ أحياناً يبدأ الاضطراب من مكان آخر، حين تصبح البضاعة أو السفينة أكثر تكلفة للتأمين، أو تعجز الأسواق عن توفير التغطية اللازمة لمخاطر الحرب. ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، وامتداد تأثيرها إلى حركة الملاحة، وأسواق التأمين، وإعادة التأمين، تتحرك السعودية لإنشاء مظلة وطنية تساعد تجارتها على مواصلة الحركة حتى في بيئة بحرية شديدة التقلب.

ومن هذا المنطلق جاء إقرار مجلس الوزراء إنشاء «الوعاء السعودي لتأمين أخطار الحرب للبضائع والسفن»، في خطوة تستهدف توفير قدرة تأمينية محلية لمواجهة المخاطر التي قد ترفع تكلفة النقل، والتجارة، أو تحد من قدرة شركات التأمين العالمية على تقديم التغطيات، بما يعزز استمرارية حركة البضائع، ويدعم أعمال الشركات المرتبطة بالنقل، والخدمات اللوجستية.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة للسعودية في ظل توسع دورها كمركز للتجارة، والخدمات اللوجستية، إذ إن تنافسية الموانئ ومراكز التوزيع لا ترتبط فقط بسرعة المناولة، وتكلفة النقل، وإنما أيضاً بقدرة الشركات على تسعير المخاطر، والتعامل معها عندما تتغير الظروف الجيوسياسية بصورة مفاجئة.

وكان وزير المالية محمد الجدعان أكد عقب إقرار مجلس الوزراء هذه الآلية أن الوعاء السعودي للتأمين البحري يُعد آلية وطنية متخصصة تهدف إلى دعم استمرارية حركة التجارة وسلاسل الإمداد بالشراكة بين القطاعين العام، والخاص.

وأوضح أن إنشاء هذا الوعاء سيسهم بشكل مباشر في رفع الجاهزية الفنية لسوق التأمين المحلية، وتوسيع قدرتها الاستيعابية لتقديم التغطيات التأمينية اللازمة وفق ضوابط وأطر محددة من هيئة التأمين.

وأضاف أن هذا التوجه يدعم مرونة الاقتصاد الوطني، ويضمن استقراره في مواجهة الأزمات والتحديات الإقليمية، والدولية.

ويرى مختصون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن القيمة الاقتصادية للوعاء ستظهر خصوصاً خلال فترات الأزمات، عندما تقفز أقساط التأمين، أو تتشدد شركات التأمين وإعادة التأمين في قبول مخاطر مرتبطة بمناطق معينة، معتبرين أن توفير مظلة مستقرة للتغطية يمكن أن يمنح شركات النقل والمستوردين والمصدرين مساحة أكبر للتخطيط، والاستمرار في تنفيذ أعمالهم.

استقرار البيئة التأمينية

وقال المختص في الخدمات اللوجستية، نشمي الحربي، إن ارتفاع مخاطر الملاحة في البحر الأحمر والخليج دفع بعض شركات التأمين إلى تشديد شروط تغطية السفن المرتبطة بالمنطقة، ما يجعل إنشاء الوعاء السعودي في توقيت مهم لشركات النقل، والخدمات اللوجستية المحلية، إذ يسهم في تقليص أحد أبرز مصادر عدم اليقين التي تواجه عقود النقل الدولية.

وأضاف الحربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الشركات الدولية التي تتعامل مع السعودية أو تمر شحناتها عبر موانئها ستستفيد بدورها من زيادة وضوح واستقرار البيئة التأمينية، موضحاً أن نطاق الوعاء لا يقتصر على السفن الموجودة في المملكة، وإنما يشمل الأنشطة والشركات ذات المصالح السعودية، وفق شروط الأهلية، والتغطية المعتمدة.

ويرى الحربي أن توفير مظلة مستقرة لمخاطر الحرب يعزز جاذبية السعودية كمركز إقليمي للتخزين، والتوزيع، وإعادة التصدير، مشيراً إلى أن شركات الخدمات اللوجستية لا تنظر عند اختيار وجهاتها إلى تكلفة الميناء، والنقل، والمناولة فحسب، بل تضع في الحسبان أيضاً تكلفة المخاطر التي ترافق البضائع والسفن طوال الرحلة.

مجموعة سفن في ميناء الملك عبد الله غرب السعودية (واس)

تكلفة المخاطر

من ناحيته أكد الخبير في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية المهندس خالد الغامدي أن أهمية «الوعاء السعودي لتأمين أخطار الحرب» تتجاوز توفير التغطية التأمينية للسفن، والبضائع، لتشمل معالجة تحدٍّ أعمق تواجهه الشركات يتمثل في صعوبة التنبؤ بتكلفة المخاطر عندما تتغير الظروف الجيوسياسية بصورة مفاجئة.

وأوضح الغامدي أن وجود مظلة وطنية لمخاطر الحرب يمنح شركات الخدمات اللوجستية السعودية قدراً أكبر من الاستقرار عند التخطيط للرحلات، وإبرام العقود، وتحديد الأسعار. وقال إن الشركات التي تدير آلاف الحاويات لا تحتاج فقط إلى معرفة تكاليف الوقود، والنقل، والمناولة، وإنما تحتاج أيضاً إلى قدر أكبر من اليقين بشأن تكلفة التأمين، بحيث لا تتحول المخاطر التأمينية بصورة مفاجئة إلى تكلفة مرتفعة، أو عائق أمام استمرار الرحلات.

وأشار إلى أن القرار يبعث برسالة إلى الشركات اللوجستية الدولية مفادها بأن السعودية تواصل بناء بيئة تجارية قادرة على العمل حتى في ظل اضطراب حركة الملاحة، معتبراً أن ذلك قد يكون عاملاً إضافياً في قرارات الشركات العالمية المتعلقة باختيار الموانئ، ومراكز التوزيع، وإعادة التصدير.

وأضاف أن اختيار المركز اللوجستي لا يعتمد على الموقع الجغرافي وتكلفة النقل وحدهما، وإنما يتأثر أيضاً بقدرته على امتصاص الصدمات، وإدارة المخاطر المصاحبة لحركة التجارة، لافتاً إلى أن تعزيز هذه القدرة يمكن أن يدعم مرونة سلاسل الإمداد، ويرفع ثقة الشركات الدولية، ويفتح المجال أمام شراكات أكثر فاعلية في إدارة المخاطر.

ترتيبات الوعاء التأميني

وتقوم المبادرة على إنشاء آلية تأمينية وطنية تجمع القطاعين العام والخاص تحت إشراف «هيئة التأمين»، بهدف تعزيز قدرة سوق التأمين المحلية على التعامل مع مخاطر الحرب المرتبطة بالنقل البحري، والتخفيف من أثر التقلبات، وارتفاع تكاليف إعادة التأمين في الأسواق العالمية. كما تستهدف المبادرة دعم تنافسية السعودية كمركز لوجستي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى أدوات أكثر مرونة لإدارة المخاطر التي تواجه حركة التجارة، والنقل.

وعلى صعيد التنفيذ، أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التأمين» (إعادة) اختيارها من قبل «هيئة التأمين» لقيادة وتأطير ترتيبات الوعاء، بمشاركة شركات التأمين العاملة في السوق المحلية.

وستتولى «إعادة» إدارة العمليات الفنية، وترتيبات إعادة التأمين الخاصة بالوعاء، بما يتيح للمستفيدين الحصول على التغطيات من خلال شركات التأمين المشاركة، وفق الشروط والأحكام المعتمدة.

أحد الموانئ السعودية (واس)

أهداف المبادرة

وحددت «هيئة التأمين» أربعة أهداف رئيسة لإنشاء الوعاء، تتمثل في تعزيز جاهزية سوق التأمين وقدرتها على استيعاب مخاطر التأمين البحري، ودعم استمرارية حركة التجارة وسلاسل الإمداد، والحد من أثر التقلبات الحادة وارتفاع تكاليف إعادة التأمين في الأسواق العالمية، إلى جانب تعزيز تنافسية السعودية كمركز لوجستي محوري.

ويشمل نطاق التغطيات التي يوفرها الوعاء تأمين البضائع المنقولة عبر الطرق البرية، والبحرية، والجوية، وتأمين أجسام السفن ضد الأضرار والمخاطر المشمولة بالتغطية، إضافة إلى مسؤوليات المستأجرين، وتغطيات الحماية، والتعويض، بما يوفر نطاقاً أوسع من الحماية لمختلف الأطراف المرتبطة بعمليات النقل، والتجارة. وتشمل قائمة المستفيدين من الوعاء المصدرين، والمستوردين، ومالكي السفن، ومشغليها، وشركات الشحن، والنقل البحري، والقطاعات المرتبطة بحركة البضائع، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد، إلى جانب شركات التأمين الوطنية المشاركة في الوعاء.

نماذج دولية

ولا تقتصر هذه الآلية على السعودية، إذ لجأت دول أخرى إلى إنشاء أوعية وطنية للتعامل مع ارتفاع مخاطر الحرب، وصعوبة الحصول على التغطية من أسواق التأمين التقليدية. وتبرز الهند نموذجاً حديثاً في هذا المجال، بعدما أطلقت هذا العام وعاءً للتأمين البحري بقدرة إجمالية تبلغ 1.5 مليار دولار، منها 1.4 مليار دولار في صورة ضمان سيادي، لتغطية مخاطر الحرب على السفن، والبضائع المرتبطة بالمصالح الهندية. وأظهرت التجربة الهندية حجم الطلب على هذا النوع من التغطيات، إذ أصدرت المنظومة أكثر من 1600 وثيقة خلال أسابيع من بدء عملها، فيما تراجعت أقساط التأمين على مخاطر الحرب بنحو 35 إلى 40 في المائة من مستويات الذروة التي سجلتها خلال تصاعد التوترات في المنطقة.

ويعكس هذا الاتجاه تحولاً في تعامل الدول مع مخاطر الحرب البحرية، من الاعتماد الكامل على أسواق التأمين وإعادة التأمين العالمية إلى تطوير قدرات وطنية تساعد على استمرار حركة التجارة عندما ترتفع تكلفة التغطية، أو تتقلص شهية شركات التأمين الخاصة لتحمل المخاطر.


البنك المركزي الأوروبي يرفع الفائدة إلى 2.5 % لمواجهة تداعيات حرب إيران

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

البنك المركزي الأوروبي يرفع الفائدة إلى 2.5 % لمواجهة تداعيات حرب إيران

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة ربع نقطة مئوية، الخميس، في ثاني زيادة له هذا العام، مع تصاعد الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة في أعقاب تجدد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

ورفع البنك سعر الفائدة على الودائع إلى 2.5 في المائة من 2.25 في المائة، في خطوة تهدف إلى احتواء موجة التضخم التي غذتها عودة أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، إلى جانب ارتفاع أسعار الغاز، ما يهدد بانتقال ضغوط الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات في منطقة اليورو.

وقال البنك المركزي الأوروبي إن «الصراع في الشرق الأوسط يواصل توليد ضغوط تضخمية»، متوقعاً بقاء التضخم «أعلى بكثير من المستهدف لفترة ممتدة». ويستهدف البنك استقرار التضخم عند مستوى 2 في المائة على المدى المتوسط.


السعودية تستحوذ على 93 % من استثمارات التجارة الإلكترونية الخليجية

صورة خلال جلسة «الجغرافيا الجديدة للنمو» (الشرق الأوسط)
صورة خلال جلسة «الجغرافيا الجديدة للنمو» (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تستحوذ على 93 % من استثمارات التجارة الإلكترونية الخليجية

صورة خلال جلسة «الجغرافيا الجديدة للنمو» (الشرق الأوسط)
صورة خلال جلسة «الجغرافيا الجديدة للنمو» (الشرق الأوسط)

في مؤشر على تصاعد دور المملكة في الاقتصاد الرقمي وترسيخ موقعها مركزاً إقليمياً للتجارة الإلكترونية، استحوذت السعودية على نحو 93 في المائة من استثمارات التجارة الإلكترونية في دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام 2025، مرتفعةً من 46 في المائة عام 2021، في وقت لا يزال فيه انتشار التجارة الإلكترونية في قطاع التجزئة بدول الخليج عند مستويات محدودة، ما يشير إلى مساحة واسعة للنمو خلال السنوات المقبلة.

وفي هذا الصدد، أظهرت نتائج جلسة «الجغرافيا الجديدة للنمو»، التي نظمها «منتدى دائرة قادة التجزئة العالمي» بالتعاون مع «سيلفريدجز» في لندن، أن انتشار التجارة الإلكترونية في قطاع التجزئة بدول الخليج لا يزال عند 11 في المائة.

كما تواصل منطقة الخليج تعزيز دورها في رسم ملامح مستقبل قطاع السلع الفاخرة العالمي، مدفوعة بقوة الطلب المحلي واستمرار تدفقات الاستثمار وتنامي انفتاحها على الأسواق العالمية.

وأوضحت المناقشات أن الاستثمارات المرتبطة بالتجارة الإلكترونية تتجه بصورة متزايدة إلى قطاعات تتجاوز تجارة التجزئة، لتشمل الخدمات اللوجستية وتنفيذ الطلبات والبنية التحتية الرقمية، بالتزامن مع نمو التجارة الإلكترونية في دول مجلس التعاون بوتيرة تتجاوز المتوسطات العالمية.

وقال رئيس «منتدى دائرة قادة التجزئة العالمي» بانوس ليناردوس، إن فرص النمو أصبحت أكثر تفاوتاً بين الأسواق والقطاعات والشركات، فيما تتجه الاستثمارات نحو مزيد من الانتقائية، وفي هذا الوقت تبرز أهمية فهم العوامل التي تدفع القطاعات والشركات إلى تحقيق نمو متسارع، في حين تواجه أخرى تباطؤاً في مسارها.

وأضاف أن منطقة الخليج تواصل تعزيز حضورها في هذا المشهد المتغير، وهو ما يُعبّر عنه موضوع «مستقبل غير متكافئ»، الذي سيواصل المنتدى مناقشة أبعاده خلال المنتدى المقرر عقده في الرياض يومي 1 و2 فبراير (شباط) 2027.

من جهتها، قالت ديبورا أيتكن، كبيرة محللي قطاع التجزئة في «بلومبرغ إنتليجنس»، إننا نواصل رصد نمو في مختلف أنحاء دول الخليج، وإن كان هذا النمو سيتحقق عبر قنوات تختلف عما كان سائداً في السابق، وإن من المرجح أن يستغرق تعافي السياحة وقتاً أطول، في حين تواصل الاستثمارات المحلية وتوظيف رؤوس الأموال الإقليمية نموهما.

الخليج يُعزز حضوره في سوق السلع الفاخرة

كما أظهرت بيانات «غلوبال بلو» التي عُرضت خلال الجلسة أنه، على الرغم من تراجع أعداد المسافرين من منطقة الشرق الأوسط بأرقام مزدوجة خلال بعض فترات عام 2026، حافظ إنفاق الزوار الخليجيين من ذوي الملاءة المالية المرتفعة على مستويات قريبة من العام السابق، ويعكس ذلك تزايد تركّز الإنفاق على السلع الفاخرة بين المستهلكين الأكثر إنفاقاً في المنطقة.

وعلى مستوى أبرز وجهات السلع الفاخرة في أوروبا، ارتفعت حصة الزوار الأميركيين من ذوي الملاءة المالية المرتفعة من أقل من 10 في المائة تاريخياً إلى نحو 17 في المائة، فيما أصبح سلوكهم الشرائي يرتبط بصورة أكبر بأداء مؤشر «إس آند بي 500» مقارنة بتقلبات أسعار الصرف.

كما يواصل المسافرون من البرازيل والمكسيك والأرجنتين زيادة حصتهم من الإنفاق على السلع الفاخرة المعفاة من الضرائب.

وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي للعمليات الإقليمي في «غلوبال بلو» ديريك هاردمان: «أصبح عدد المسافرين ذوي الإنفاق المرتفع أكثر تركّزاً، إلا أن متوسط الإنفاق يواصل الارتفاع»، مضيفاً أن 1 في المائة من المتسوقين يمثلون اليوم 27 في المائة من إجمالي الإنفاق على السلع الفاخرة المعفاة من الضرائب.

ومع تزايد تركّز الإنفاق بدأت وجهات التسوق الفاخرة إعادة النظر في تصميم المساحات والتجارب التي تقدمها، مع إعطاء أهمية أكبر للخدمات الشخصية، وإدارة علاقات العملاء والضيافة والتجارب المصممة وفق احتياجات المتسوقين.

ويتفق الرئيس التنفيذي لمجموعة «سيلفريدجز»، أندريه مايدر، مع هذا الطرح، معلقاً: «لم تعد الفخامة تقتصر على شراء منتج، بل أصبحت تتمحور حول ابتكار لحظات تبقى في الذاكرة؛ لذلك يقوم قطاع التجزئة اليوم على خلق السعادة».

كما اتفق المشاركون على أن الميزة التنافسية على المدى الطويل لن تعتمد فقط على التحول في المساحات والتجارب المادية، بل ستتطلب أيضاً مؤسسات تجمع بين التميز التشغيلي والإبداع والحرفية والقدرة المستمرة على الحفاظ على حضورها وأهميتها الثقافية.