نمو الهند القوي يثير جدلاً حول دقة بيانات الناتج المحلي الإجمالي

خبراء يشككون… والحكومة تدافع عن الإحصاءات الرسمية

منظر عام لأفق مدينة مومباي (رويترز)
منظر عام لأفق مدينة مومباي (رويترز)
TT

نمو الهند القوي يثير جدلاً حول دقة بيانات الناتج المحلي الإجمالي

منظر عام لأفق مدينة مومباي (رويترز)
منظر عام لأفق مدينة مومباي (رويترز)

أثار النمو الاقتصادي القوي وغير المتوقع في الهند جدلاً واسعاً بشأن دقة بيانات الناتج المحلي الإجمالي، بعدما شكك مسؤول حكومي سابق ومحافظ سابق للبنك المركزي في بعض جوانب احتساب معدل النمو، في وقت دافعت فيه الحكومة عن منهجية الإحصاءات الرسمية.

وأظهرت بيانات حكومية صدرت يوم الاثنين أن خامس أكبر اقتصاد في العالم نما بنسبة 7.8 في المائة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو (حزيران)، مقارنةًً بالفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزاً توقعات المحللين البالغة 7.1 في المائة في استطلاع أجرته «رويترز».

وجاء النمو مدعوماً بطفرة في الاستثمارات، وقوة قطاع الصناعات التحويلية، إلى جانب استمرار متانة الطلب الاستهلاكي.

ما الذي أثار الجدل؟

بدأت التساؤلات بعدما قال سوبهاش تشاندرا غارغ، المسؤول السابق الرفيع في وزارة المالية، لوسائل إعلام هندية، إن معدل النمو المعلن قد يكون مبالغاً فيه، مشيراً إلى أن الحكومة خفضت قيمة الناتج المحلي الإجمالي للفترة نفسها من العام السابق، والتي تشكل قاعدة الأساس المستخدمة لاحتساب معدل النمو.

كما شكك راغورام راجان، المحافظ السابق لبنك الاحتياطي الهندي، في مدى اتساق معدل النمو المرتفع مع بعض المؤشرات الاقتصادية الأخرى، متسائلاً عن سبب عدم انعكاس قوة الناتج المحلي الإجمالي بصورة أكبر على خلق فرص العمل والاستثمار المحلي وتدفقات الاستثمارات الأجنبية في المحافظ المالية.

ولم تقتصر الانتقادات على طريقة تحديد سنة الأساس. فقد شكك بعض خبراء الاقتصاد في القطاع الخاص أيضاً في دقة معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي، وهو المقياس المستخدم لاستبعاد أثر التضخم من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للوصول إلى معدل النمو الحقيقي.

ويرى هؤلاء الخبراء أن انخفاض معامل الانكماش قد يعني أن التضخم جرى تقديره بأقل من مستواه الفعلي مقارنةًً ببعض مؤشرات الأسعار الأخرى، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى رفع معدل النمو الحقيقي المحسوب.

واستغلت المعارضة الهندية الجدل، الذي انتشر أيضاً على وسائل التواصل الاجتماعي، لانتقاد حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي. ووصف مسؤول بارز في حزب المؤتمر معدل النمو البالغ 7.8 في المائة بأنه «ألعاب بهلوانية إحصائية».

تأتي هذه الانتقادات في وقت تواجه فيه حكومة مودي ضغوطاً متزايدة بشأن سوق العمل والفرص المتاحة للشباب، خصوصاً بعد أن دفع احتجاج شبابي وزير التعليم إلى الاستقالة في يوليو (تموز)، في خطوة عُدّت مؤشراً أوسع على الاستياء من نقص فرص العمل، إلى جانب قضايا الفساد في قطاع التعليم.

كيف ترد الحكومة؟

في محاولة للرد على هذه الانتقادات، عقدت وزارة الإحصاءات الهندية مؤتمراً صحافياً مساء الأربعاء، تناولت خلاله انتقادات غارغ خصوصاً، الذي ألّف في عام 2025 كتاباً بعنوان «لا يا معالي الوزير»، تناول فيه خلافاته مع القيادة السياسية.

ودافع مسؤول بارز في الوزارة عن التغييرات التي أدخلتها الحكومة على طريقة احتساب الناتج المحلي الإجمالي، مؤكداً أن تحديث المنهجية، الذي طُبق في فبراير (شباط)، جاء بعد مشاورات واسعة، وأن الهدف منه هو تقديم صورة أكثر دقة عن الاقتصاد الهندي.

تُلحَم ألواح السيارات باستخدام آلات روبوتية بمصنع شركة «ماروتي سوزوكي» في مانيسار بولاية هاريانا شمال الهند (رويترز)

وقالت الحكومة إن المنهجية الجديدة، التي تضمنت تحديث سنة الأساس وتحسين مصادر البيانات، خفضت القيمة الاسمية للناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران) 2025 إلى 80 تريليون روبية (نحو 850 مليار دولار)، مقارنةً بـ86.05 تريليون روبية وفق سلسلة الناتج المحلي الإجمالي السابقة.

وتبرز أهمية هذا التغيير في قاعدة المقارنة عند النظر إلى معدل النمو. فلو استُخدمت قاعدة الأساس القديمة في بيانات الناتج المحلي الإجمالي الصادرة يوم الاثنين، لبلغ النمو الاسمي 2.6 في المائة فقط، مقارنةً بـ10.3 في المائة وفق السلسلة الجديدة.

لكن الحكومة تقول إن المقارنة المباشرة بين الرقمين مضللة، لأنهما يستندان إلى سلسلتين إحصائيتين مختلفتين ومنهجيتين غير متطابقتين.

ولم يقتصر تحديث فبراير على تغيير سنة الأساس بأكثر من عقد، بل شمل أيضاً تحسين مصادر البيانات وتوسيع نطاق السلع والخدمات الداخلة في حسابات الناتج المحلي الإجمالي.

وقال أمين وزارة الإحصاءات للصحافيين إن المراجعات الفصلية التي أُجريت خلال السنوات الثلاث الماضية تحركت في الاتجاهين، في حين كانت التعديلات السنوية محدودة نسبياً.

ماذا عن معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي؟

تتركز إحدى أبرز نقاط الخلاف حول الأسعار المستخدمة لتحويل الناتج المحلي الإجمالي الاسمي إلى الناتج الحقيقي.

فقد بلغ معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (تموز) 2.3 في المائة، وهو مستوى أقل بكثير من تضخم أسعار التجزئة الذي تجاوز 4 في المائة، ومن تضخم أسعار الجملة الذي تجاوز 9 في المائة.

وتقول الحكومة إن هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة وجود خطأ في البيانات، موضحةً أن المنهجية الجديدة تستخدم أسلوباً مقبولاً عالمياً يعرف باسم «الانكماش المزدوج»، حيث يجري تعديل قيمة الناتج وتكلفة المدخلات، كل على حدة، وفقاً للتغيرات في الأسعار.

وأضاف أمين وزارة الإحصاءات أن السلسلة الجديدة تستخدم مؤشراً أكثر تفصيلاً لأسعار المنتجين، يضم أكثر من 300 معامل انكماش للمدخلات والمخرجات، مقارنةً بنحو 180 في السلسلة السابقة.

هل تتوافق بيانات الناتج المحلي الإجمالي مع مؤشرات الاقتصاد الأخرى؟

تشير بعض البيانات الاقتصادية عالية التواتر إلى أن الاقتصاد الهندي لا يزال يتمتع بزخم قوي.

فقد ارتفعت مبيعات السيارات بنسبة 21 في المائة في أغسطس (آب)، بينما بلغ نمو الائتمان المصرفي 19 في المائة، وهو أعلى مستوى له في عقد، كما ارتفع صافي الإيرادات من الضرائب المباشرة بأكثر من 23 في المائة على أساس سنوي خلال الفترة من أبريل إلى أغسطس.

لكن الصورة ليست متجانسة تماماً. فقد تراجع مؤشر مديري المشتريات، وهو مؤشر يعتمد على مسوح لنشاط الشركات، إلى أدنى مستوياته في عدة سنوات، مما يشير إلى أن بعض جوانب النشاط الاقتصادي قد لا تتوسع بالسرعة نفسها التي توحي بها أرقام الناتج المحلي الإجمالي.

كما لا يزال خبراء الاقتصاد منقسمين بشأن تفسير انخفاض معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي.

وقالت شركة «آي سي آي سي آي سيكيوريتيز برايمري ديلرشيب» ومقرها مومباي، إن انخفاض معامل الانكماش مقارنةً بمعدلات تضخم أسعار الجملة والمستهلكين يمكن تفسيره بارتفاع أسعار المدخلات بوتيرة أسرع من أسعار المخرجات.

في المقابل، يرى خبراء الاقتصاد في «سوسيتيه جنرال» أن انخفاض معامل الانكماش يثير تساؤلات حول مدى قوة النشاط الاقتصادي الحقيقي.

وبذلك، لا يدور الجدل في الهند حول ما إذا كان الاقتصاد ينمو أم لا، إذ تشير مجموعة من المؤشرات إلى استمرار قوة النشاط، وإنما يتمحور بصورة كبرى حول مدى قوة هذا النمو، وكيفية قياسه، وما إذا كانت بيانات الناتج المحلي الإجمالي تعكس بالكامل الواقع الاقتصادي الذي يواجهه المستهلكون والشركات وسوق العمل.


مقالات ذات صلة

الين يصعد مع تشدد رهانات بنك اليابان

الاقتصاد ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)

الين يصعد مع تشدد رهانات بنك اليابان

واصل الين الياباني مكاسبه، الخميس، مدعوماً بإعادة تسعير توقعات الفائدة المحلية نحو مزيد من التشدد

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أتراك يتجولون بين المقاهي والمطاعم بمنطقة أمينونو في إسطنبول (د.ب.أ)

تركيا: تراجع طفيف للتضخم في أغسطس

واصلت المواد الغذائية قيادتها معدلات التضخم في تركيا؛ على خلفية ارتفاع أسعار الوقود بسبب حرب إيران، ليتراجع قليلاً في أغسطس (آب) الماضي إلى 31.51 في المائة...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد مدخل البورصة في جزيرة هونغ كونغ (أ ف ب)

اليوان عند ذروة جديدة والأسهم الصينية تلتزم الحذر

واصل اليوان الصيني تعزيز مكاسبه أمام الدولار، مسجلاً أعلى مستوى له في ثلاث سنوات ونصف السنة، في وقت بقيت فيه الأسهم الصينية شبه مستقرة

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد رجل يمرّ أمام متاجر مغلقة في سوق بمدينة كراتشي الباكستانية خلال إضرابٍ احتجاجيٍّ على ضريبة البترول وارتفاع أسعار الوقود (رويترز)

باكستان تجمع 3 مليارات دولار في أكبر إصدار سندات دولي بتاريخها

أعلنت باكستان إتمام إصدار قياسي لسندات دولية بقيمة 3 مليارات دولار، في أكبر صفقة سندات دولية تنفذها البلاد في عملية واحدة.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

السندات اليابانية تهدأ بعد اختبار الثلاثين عاماً

تنفست سوق السندات اليابانية الصعداء «مؤقتاً» الخميس، بعدما مرّ مزاد السندات الحكومية لأجل 30 عاماً من دون اضطراب كبير

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

الين يصعد مع تشدد رهانات بنك اليابان

ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)
ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)
TT

الين يصعد مع تشدد رهانات بنك اليابان

ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)
ورقة نقدية من فئة 1000 ين ياباني (رويترز)

واصل الين الياباني مكاسبه، الخميس، مدعوماً بإعادة تسعير توقعات الفائدة المحلية نحو مزيد من التشدد، في وقت استبعد فيه متعاملون أن يكون الارتفاع المفاجئ في العملة ناتجاً عن تدخل رسمي من السلطات اليابانية.

وارتفع الين إلى 157.95 للدولار في التعاملات الآسيوية، مواصلاً صعوداً بنحو 0.9 في المائة خلال الجلسة السابقة، وهو تحرك دفع الأسواق في البداية إلى مراقبة احتمال تدخل طوكيو في سوق الصرف، قبل أن يرجح المحللون أن طبيعة الصعود وحجمه لا يتفقان مع نمط التدخل الحكومي المباشر.

وقال كازوماسا إيشي، الخبير الاستراتيجي في «يو بي إس سومي ترست لإدارة الثروات»، إن الحكومة اليابانية لا تملك في الوقت الراهن حافزاً قوياً للتدخل، مشيراً إلى أن المؤشرات على احتمال ارتفاع الدولار إلى مستويات قياسية جديدة مقابل الين لا تزال محدودة. ويعود الدعم الأساسي للعملة اليابانية إلى تنامي التوقعات بأن بنك اليابان قد يسرع وتيرة رفع أسعار الفائدة، بعد تصريحات متشددة من عضو مجلس الإدارة هاجيمي تاكاتا.

وقال تاكاتا إن البنك المركزي ينبغي أن يرفع الفائدة بمرونة لمواجهة تزايد الضغوط التضخمية، بدلاً من الالتزام بوتيرة ثابتة لرفع الفائدة كل ستة أشهر تقريباً. ووصف محللو «سيتي» هذه التصريحات بأنها من أقوى الرسائل الصادرة حتى الآن من مجلس إدارة بنك اليابان، معتبرين أنها أعادت إلى الواجهة احتمال تسريع مسار التشديد النقدي. وقد استوعبت الأسواق بالفعل احتمالاً شبه كامل لرفع بنك اليابان سعر الفائدة خلال اجتماعه في سبتمبر (أيلول)، لكن النقاش يتحول الآن إلى ما إذا كان البنك سيكتفي برفع محدود أم أن المخاطر التضخمية وضعف الين سيدفعانه إلى تحركات أسرع خلال الأشهر المقبلة.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة لأن ضعف الين كان أحد أبرز أسباب ارتفاع تكلفة الواردات والطاقة، ما زاد الضغوط التضخمية على الأسر والشركات. ومنذ التدخل الياباني الأميركي المشترك لشراء الين في 31 يوليو (تموز)، لم تتمكن العملة من الاحتفاظ بمكاسب مستدامة، إذ ظلت تحت ضغط اتساع فارق أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة، والمخاوف المالية، وارتفاع أسعار الطاقة.

لكن المعادلة بدأت تتغير تدريجياً مع ارتفاع عوائد السندات اليابانية وتصاعد رهانات رفع الفائدة، وهو ما يقلص جزئياً جاذبية الاقتراض بالين لتمويل استثمارات أعلى عائداً في الخارج.

وفي المقابل، يظل المسار الأميركي عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الين. فالأسواق تترقب تقرير الوظائف غير الزراعية الأميركية المقرر الجمعة، في ظل توقع إضافة 56 ألف وظيفة خلال أغسطس (آب)، مع استقرار البطالة عند 4.1 في المائة.

وتسعر الأسواق حالياً احتمالاً بنحو 61 في المائة لرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في سبتمبر. وإذا جاءت بيانات الوظائف قوية، فقد تدعم الدولار وتحد من مكاسب الين، أما إذا جاءت أضعف بوضوح من المتوقع، فقد تتراجع رهانات التشديد الأميركي وتمنح العملة اليابانية دفعة إضافية.

وقالت كارول كونغ، استراتيجية العملات في «بنك الكومنولث الأسترالي»، إن الأسواق عادت بعد خطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في جاكسون هول إلى الاعتقاد بأن البنك مستعد للتحرك سريعاً إذا ظل التضخم مرتفعاً. وبالتالي، فإن صعود الين الحالي لا يبدو مجرد ارتداد فني، بل يعكس تغييراً تدريجياً في توقعات السياسة النقدية اليابانية.

ومع ذلك، سيظل اتجاهه في المدى القريب رهناً بالتوازن بين سرعة تشديد بنك اليابان وموقف الاحتياطي الفيدرالي، إضافة إلى ما إذا كانت الأسواق ستقتنع بأن طوكيو قادرة على دعم العملة عبر السياسة النقدية وحدها، من دون الحاجة إلى تدخل جديد في سوق الصرف.


تركيا: تراجع طفيف للتضخم في أغسطس

أتراك يتجولون بين المقاهي والمطاعم بمنطقة أمينونو في إسطنبول (د.ب.أ)
أتراك يتجولون بين المقاهي والمطاعم بمنطقة أمينونو في إسطنبول (د.ب.أ)
TT

تركيا: تراجع طفيف للتضخم في أغسطس

أتراك يتجولون بين المقاهي والمطاعم بمنطقة أمينونو في إسطنبول (د.ب.أ)
أتراك يتجولون بين المقاهي والمطاعم بمنطقة أمينونو في إسطنبول (د.ب.أ)

سجل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين بتركيا تراجعاً طفيفاً في أغسطس (آب) الماضي بأقل قليلاً من التوقعات السابقة، فيما واصل التضخم الشهري ارتفاعه؛ في ظل استمرار ضغط أسعار الطاقة والتقلبات الناجمة عن حرب إيران.

ووفق بيانات صادرة عن «معهد الإحصاء» التركي الرسمي، الخميس، فقد ارتفع معدل التضخم الشهري بنسبة 1.84 في المائة خلال أغسطس الماضي، مخالفاً التوقعات السابقة بنسبة طفيفة، بينما بلغ معدل التضخم السنوي 31.51 في المائة. وسجل التضخم الشهري في يوليو (تموز) الماضي 1.78 في المائة، فيما بلغ المعدل السنوي 31.75 في المائة.

توقعات سابقة

وكان اقتصاديون توقعوا، في استطلاع أجرته «رويترز»، ارتفاع معدل التضخم الشهري إلى 1.93 في المائة، في وقت لا تزال فيه أسعار النفط المرتفعة؛ مدفوعة بالتوترات بين إيران والولايات المتحدة، تشكل خطراً صعودياً على التضخم، مع توقُّع وصول المعدل السنوي إلى 31.62 في المائة.

«البنك المركزي التركي» (رويترز)

وفي استطلاع رأي المشاركين في السوق لشهر أغسطس الماضي، الذي نشره «البنك المركزي التركي» في 14 أغسطس والذي شارك فيه 68 من المختصين ومن ممثلي القطاعين «الحقيقي» و«المالي»، ظهر ارتفاع المعدل الشهري بمستوى يتراوح بين 1.44 و1.67 في المائة.

ووفقاً للاستطلاع، فقد ارتفعت توقعات ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنهاية العام إلى 29.43 في المائة، مقابل 29.21 في المائة خلال الاستطلاع السابق. وأظهرت بيانات «معهد الإحصاء» ارتفاع مؤشر أسعار المنتجين المحليين بنسبة 2.57 في المائة على أساس شهري خلال أغسطس الماضي، ليرتفع إلى 27.95 في المائة على أساس سنوي. وحُسبت الزيادة في إيجارات المساكن والمحال التجارية لشهر سبتمبر (أيلول) بنسبة 31.79 في المائة.

المواد الغذائية واصلت قيادة ارتفاعات التضخم في تركيا خلال أغسطس الماضي (إعلام تركي)

أما عن الزيادات في بنود الإنفاق الأساسية، وهي المساهم الأكبر في التضخم، فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 33.79 في المائة، والنقل بنسبة 35.08 في المائة، ومجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 39.77 في المائة. وأسهمت المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بأكبر قدر في التضخم السنوي بنسبة 8.12 في المائة، والنقل بـ5.94 في المائة، والسكن والطاقة بـ5.01 في المائة.

وفي مقابل البيانات الرسمية، أعلنت «مجموعة أبحاث التضخم»، التي تضم أكاديميين وخبراء اقتصاد مستقلين، ارتفاع التضخم الشهري بنسبة 2.24 في المائة، والتضخم السنوي بنسبة 49.03 في المائة خلال أغسطس.

الحكومة متفائلة

وعلق وزير الخزانة والمالية التركي، محمد شيمشيك، على أرقام التضخم التي أعلنها «معهد الإحصاء» التركي، في حسابه على «إكس»، قائلاً: «على الرغم من الارتفاعات الموسمية في أسعار التعليم وتأثير الحرب (حرب إيران) على أسعار الوقود، فإن التضخم استمر في الانخفاض، حيث بلغ معدل التضخم السنوي 31.5 في المائة».

وأضاف أن التضخم الأساسي في أسعار السلع انخفض إلى أدنى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، مسجلاً 15.9 في المائة سنوياً، كما هبط التضخم السنوي في الإيجارات لأدنى مستوى له في 46 شهراً.

وختم شيمشيك: «بينما نتخذ خطوات للحد من تأثير الصدمات السعرية العالمية على التضخم، فإننا نواصل أيضاً سياساتنا الهيكلية بما يتماشى وهدفنا المتمثل في تحقيق استقرار دائم للأسعار».


اليوان عند ذروة جديدة والأسهم الصينية تلتزم الحذر

مدخل البورصة في جزيرة هونغ كونغ (أ ف ب)
مدخل البورصة في جزيرة هونغ كونغ (أ ف ب)
TT

اليوان عند ذروة جديدة والأسهم الصينية تلتزم الحذر

مدخل البورصة في جزيرة هونغ كونغ (أ ف ب)
مدخل البورصة في جزيرة هونغ كونغ (أ ف ب)

واصل اليوان الصيني تعزيز مكاسبه أمام الدولار، مسجلاً أعلى مستوى له في ثلاث سنوات ونصف السنة، في وقت بقيت فيه الأسهم الصينية شبه مستقرة وسط ترقب المستثمرين بيانات الوظائف الأميركية والمؤشرات الاقتصادية المحلية، في صورة تعكس تبايناً واضحاً بين قوة العملة وحذر أسواق الأسهم تجاه آفاق النمو.

وارتفع اليوان في التعاملات المحلية إلى 6.7180 يوان للدولار، وهو أقوى مستوى منذ فبراير (شباط) 2023، قبل أن يستقر قرب 6.7183، كما تداول اليوان في السوق الخارجية قرب 6.7177 للدولار. وجاءت مكاسب العملة الصينية بدعم من استمرار ضعف الدولار، الذي تعرض لضغوط إضافية مع صعود الين الياباني، إلى جانب توجيه أقوى نسبياً من بنك الشعب الصيني لسعر الصرف اليومي.

وحدد البنك المركزي السعر المرجعي عند 6.7807 يوان للدولار، وهو أقوى مستوى منذ فبراير 2023، وإن ظل أضعف بنحو 640 نقطة من تقديرات السوق، في إشارة إلى استمرار رغبة السلطات في منع ارتفاع سريع للعملة.

ومنذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عمد بنك الشعب الصيني إلى تحديد السعر المرجعي عند مستويات أضعف من توقعات السوق، وهي سياسة ينظر إليها المستثمرون باعتبارها محاولة لتحقيق توازن دقيق بين دعم استقرار العملة وعدم الإضرار بالمصدرين.

وقد ارتفع اليوان بأكثر من 4 في المائة أمام الدولار منذ بداية العام، ليصبح من بين أفضل العملات الآسيوية أداءً. لكن بكين لا تبدو راغبة في السماح بموجة صعود سريعة يمكن أن تقلص القدرة التنافسية للصادرات، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد بدرجة متزايدة على التصنيع والأسواق الخارجية.

وقال اقتصاديون في «غولدمان ساكس» إن صناع السياسة الصينيين قد يفضلون استمرار ارتفاع تدريجي في اليوان بمعدل يتراوح بين 3 و5 في المائة سنوياً، باعتبار أن هذا المسار يوازن بين دعم الصناعات المتقدمة، وتعزيز الاكتفاء الذاتي في التقنيات الحيوية، وتسريع تدويل العملة الصينية.

غير أن مسار اليوان خلال الأيام المقبلة سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بالسياسة النقدية الأميركية؛ فالأسواق تترقب تقرير الوظائف غير الزراعية الأميركية، الجمعة، مع توقع إضافة نحو 56 ألف وظيفة خلال أغسطس (آب)، مقابل تراجع مفاجئ قدره 23 ألف وظيفة في يوليو (تموز).

وتُقدّر الأسواق حالياً احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، في سبتمبر (أيلول)، بنحو 61 في المائة. وأي بيانات قوية لسوق العمل قد تعزز هذا الاحتمال وتدعم الدولار؛ ما قد يضع حداً مؤقتاً لمكاسب اليوان.

وفي سوق الأسهم، كان المشهد أكثر تحفظاً؛ فقد أنهى مؤشر «شنغهاي المركب» الجلسة دون تغير يُذكر عند 3942.09 نقطة، بينما ارتفع مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية 0.1 في المائة فقط. وارتفع مؤشر «شنتشن» 0.1 في المائة، بينما استقر مؤشر «تشاينكست»، وتراجع مؤشر «ستار 50» الذي يركز على شركات التكنولوجيا 0.4 في المائة.

وفي المقابل، شهد قطاع العقارات انتعاشاً واضحاً؛ إذ ارتفع مؤشره الفرعي 4.1 في المائة بعد ثلاثة أيام من الخسائر الحادة؛ ما يعكس عودة عمليات اقتناص الفرص بعد الضغوط المرتبطة بإصلاحات تمويل القطاع.

أما في هونغ كونغ، فتراجع مؤشر «هانغ سينغ» 0.4 في المائة، وانخفض مؤشر التكنولوجيا 1.1 في المائة، فيما هبط سهم «شي إن غلوبال هولدينغز» 8.7 في المائة في ثالث جلسة تداول له؛ ما زاد من الضغوط على المعنويات. ويتركز اهتمام المستثمرين في الصين أيضاً على البيانات المحلية لشهر أغسطس (آب).

وقال محللو «سيتي» إن النشاط الاقتصادي من المرجَّح أن يظل ضعيفاً، لكن السؤال الأهم هو ما إذا كانت إجراءات الدعم الأخيرة ستقود إلى تعافٍ أكثر وضوحاً خلال سبتمبر (أيلول).

وقد أظهر مسح خاص أن نشاط قطاع الخدمات توسع بوتيرة أسرع في أغسطس، بدعم من تحسن الطلب المحلي وزيادة التوظيف للشهر الرابع على التوالي؛ ما وفر بعض الإشارات الإيجابية في اقتصاد لا يزال يعاني من ضعف الاستهلاك والاستثمار العقاري.

وفي الوقت نفسه، تحاول بكين تهدئة الانتقادات الدولية المتصاعدة بشأن اعتمادها على الصادرات؛ فقد أكد محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغ شنغ، خلال اجتماعات «مجموعة العشرين»، أن الصين لا تسعى عمداً إلى تحقيق فائض تجاري، وأنها ملتزمة بتوسيع الطلب المحلي والمحافظة على مستوى مرتفع من الانفتاح الاقتصادي.

وهكذا تبدو الأسواق الصينية عالقة بين قوتين متعاكستين، وهما عملة قوية مدعومة بتراجع الدولار وتدفقات السوق، واقتصاد محلي لا يزال يحتاج إلى دعم إضافي لتثبيت التعافي.

وإذا جاءت بيانات الوظائف الأميركية ضعيفة؛ فقد يحصل اليوان على دفعة جديدة، لكن ارتفاعه السريع سيظل على الأرجح خاضعاً لإدارة دقيقة من البنك المركزي. أما الأسهم، فستحتاج إلى أكثر من قوة العملة، إذ يبحث المستثمرون عن دليل ملموس على تحسُّن الطلب المحلي وعودة النمو إلى مسار أكثر توازناً قبل بناء موجة صعود جديدة.