تعمَّقت موجة بيع السندات في الأسواق العالمية، الأربعاء، مع ارتفاع عوائد الديون السيادية إلى مستويات لم تشهدها بعض الاقتصادات منذ عقود، وسط تصاعد مخاوف المستثمرين من عودة التضخم بفعل ارتفاع أسعار الطاقة، بالتزامن مع تنامي أعباء الديون الحكومية وتكاليف الاقتراض.
وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.81 في المائة، وهو أعلى مستوى في قرابة ثلاثة أعوام، بينما تجاوز عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ عام 1996، في حين ارتفع العائد على السندات الأسترالية لأجل 10 سنوات إلى 5.198 في المائة، وهو أعلى مستوى في أكثر من 15 عاماً.
وتعكس هذه التحركات تحولاً واسعاً في أسواق الدخل الثابت، إذ أصبحت الحكومات والمقترضون من القطاع الخاص يواجهون كلفة أعلى للحصول على التمويل، بينما ترتفع معدلات الرهن العقاري والقروض الاستهلاكية بالتوازي مع صعود عوائد السندات السيادية التي تعد مرجعاً أساسياً لتسعير الأصول في الأسواق المالية.

النفط يعيد إشعال مخاوف التضخم
وتأتي موجة البيع في السندات في وقت يدفع فيه تصاعد التوترات في الشرق الأوسط أسعار الطاقة إلى الارتفاع، مما يزيد المخاوف من أن يؤدي ارتفاع تكاليف النفط إلى إبطاء تراجع التضخم وإجبار البنوك المركزية على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 1 في المائة إلى 95.61 دولار للبرميل الأربعاء، بعد قفزة قاربت 6 في المائة في الجلسة السابقة.
وقال مستثمرون إن ارتفاع أسعار النفط يمثل خطراً مزدوجاً على الأسواق، إذ يرفع التضخم من جهة، ويقلل في الوقت نفسه احتمالات خفض أسعار الفائدة من جانب البنوك المركزية، مما يدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أعلى لحيازة السندات طويلة الأجل.
وقالت شارّو تشانانا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار لدى «ساكسو»، إن المستثمرين في السندات يطالبون بصورة متزايدة بعلاوة أعلى مقابل مخاطر التضخم والمخاطر المالية، وكذلك مقابل ضخامة حجم الديون المطروحة في الأسواق.
وأضافت أن موجة البيع قد تتجاوز مستوياتها الحالية، مع تحول وصول عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 5 في المائة إلى احتمال متزايد قبل أن تصبح الأسعار جذابة بما يكفي لعودة المشترين.
الذكاء الاصطناعي يضيف ضغطاً على السندات
ولا تقتصر الضغوط على الحكومات. فقد أدت موجة الاقتراض من شركات التكنولوجيا الكبرى لتمويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى زيادة المعروض من السندات، مما يضيف منافسة على أموال المستثمرين ويدفع عوائد الاقتراض إلى الارتفاع.
وقال ناكا ماتسوزاوا، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي لدى «نومورا سيكيوريتيز» في طوكيو، إن استعداد شركات الحوسبة العملاقة لدفع أسعار فائدة مرتفعة نسبياً للحصول على التمويل يساهم في رفع العوائد عبر الأسواق.
ويرتبط هذا الاتجاه بالسؤال عن قدرة الطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي على تعزيز النمو والإنتاجية بما يكفي لتبرير ارتفاع تكاليف التمويل. وقال ماتسوزاوا إن قفزة الإنتاجية التي يقودها الذكاء الاصطناعي تحتاج في نهاية المطاف إلى ترجمة نفسها إلى نمو في الأجور حتى يتمكن الاقتصاد من تحمل أسعار فائدة أعلى.
«حراس السندات» يعودون إلى الواجهة
وتزايدت خلال الأشهر الماضية موجات بيع السندات العالمية، مع تنامي المخاوف بشأن ارتفاع مستويات الدين والعجز المالي في الاقتصادات الكبرى، مما أعاد إلى الواجهة مصطلح «حراس السندات»، في إشارة إلى المستثمرين الذين يطالبون الحكومات بانضباط مالي أكبر عبر طلب عوائد أعلى مقابل الاحتفاظ بسنداتها.
وقال إد يارديني، رئيس «يارديني ريسيرش»، إن المخاوف تتزايد من أن يدفع المستثمرون العوائد إلى مستويات أعلى احتجاجاً على اتساع العجز الحكومي وتراكم الدين وارتفاع تكلفة خدمة الفوائد.
لكن يارديني لا يرى أن عوائد السندات وصلت بعد إلى مستويات تمنع المستثمرين من العودة إلى السوق، متوقعاً أن يؤدي بلوغ عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات مستوى 5 في المائة إلى جذب طلب قوي، بما في ذلك من وزارة الخزانة الأميركية.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد تدخلت في الأسواق الشهر الماضي للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل، غير أن تأثير الخطوة كان قصير الأجل، إذ عاد عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى الاقتراب من أعلى مستوى له في 19 عاماً.
الضغط ينتقل إلى الحكومات والشركات
ويبدأ ارتفاع العوائد عند هذه المستويات في الضغط على تكلفة خدمة الديون في القطاعين العام والخاص، كما يضغط على تقييمات الأصول، ولا سيما أسهم شركات النمو التي تعتمد قيمتها بدرجة أكبر على التدفقات النقدية المستقبلية.
وقال نيك فيريس، كبير مسؤولي الاستثمار في «فانتج بوينت لإدارة الأصول»، إن أسعار الفائدة وصلت إلى مستوى يمكن أن يبدأ عنده ارتفاع تكلفة خدمة الدين في الضغط على القطاعين العام والخاص، إضافة إلى تأثير العوائد المرتفعة على تقييمات الأصول.
وحذَّر فيريس من أن لجوء صناع السياسة إلى ما يسمى «القمع المالي»، مثل التحكم في منحنى العائد أو التيسير الكمي، قد يكون إيجابياً بقوة للذهب، باعتبار أن مثل هذه السياسات قد تقلل العوائد الحقيقية وتزيد الطلب على الأصول التحوطية.
«الاحتياطي الفيدرالي» أمام معضلة النفط والفائدة
وتتركز أنظار المستثمرين أيضاً على مسار السياسة النقدية الأميركية، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.
وزادت التصريحات المتشددة لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش الأسبوع الماضي من رهانات المتعاملين على رفع أسعار الفائدة، بينما ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، إلى 4.41 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ يناير (كانون الثاني) 2025.
كما تسعر الأسواق احتمال رفع أسعار الفائدة في أوروبا الأسبوع المقبل، بينما بلغت احتمالات رفع الفائدة الأميركية في الأسبوع الذي يليه نحو 68 في المائة.
ويضع ارتفاع أسعار النفط البنوك المركزية أمام معضلة إضافية، إذ قد يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى إعادة إشعال التضخم في وقت تسعى فيه هذه البنوك إلى تخفيف السياسة النقدية.

اليابان في قلب التحول العالمي
وتبرز اليابان باعتبارها أحد أهم مؤشرات التحول في سوق السندات العالمية. فقد تجاوز عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ 30 عاماً، بعد أن كانت السندات اليابانية لعقود من بين الأقل عائداً في العالم.
واستقر العائد (الأربعاء) عند نحو 3.01 في المائة، في انعكاس للمخاوف بشأن الوضع المالي لليابان وخطط الإنفاق الحكومية الطموحة، إلى جانب الضغوط العالمية على تكاليف التمويل طويل الأجل.
وقال فريد نيومان، كبير الاقتصاديين الآسيويين لدى «إتش إس بي سي»، إن ارتفاع عوائد السندات اليابانية يعكس مخاوف المستثمرين بشأن المسار المالي للبلاد، فضلاً عن الضغوط العالمية المتزايدة على تكاليف التمويل طويل الأجل.
وتتزامن هذه التطورات مع ارتفاع عوائد السندات في بريطانيا، التي سجلت أعلى مستوى لها منذ عام 2008 الثلاثاء، بينما تواجه فرنسا وألمانيا أيضاً ضغوطاً متزايدة في أسواق الدين.
وتشير هذه التحركات مجتمعة إلى أن عصر العوائد المنخفضة الذي هيمن على أسواق السندات العالمية لسنوات يواجه اختباراً جديداً، مع تلاقي صدمة الطاقة والتضخم مع ارتفاع الديون الحكومية وزيادة احتياجات الاقتراض.
ومع اقتراب عائد الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات من مستوى 5 في المائة، لا يقتصر الخطر على سوق السندات نفسها، بل يمتد إلى الرهن العقاري والقروض وتقييمات الأسهم وموازنات الحكومات، مما يجعل استمرار موجة البيع أحد أهم المخاطر التي تراقبها الأسواق العالمية في المرحلة المقبلة.








