هل يحسم وارش في «جاكسون هول» موقفه من التضخم والفائدة؟

انقسام داخل «المركزي» وارتفاع عوائد السندات يضغطان على رئيسه لتحديد مسار السياسة النقدية

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)
وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)
TT

هل يحسم وارش في «جاكسون هول» موقفه من التضخم والفائدة؟

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)
وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)

يتوجه رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، كيفين وارش، إلى «منتدى جاكسون هول» هذا الأسبوع، وسط ترقب واسع لما إذا كان سيكشف أخيراً عن رؤيته لمسار التضخم وأسعار الفائدة، بعدما حافظ منذ توليه منصبه على قدر كبير من التحفظ في الإفصاح عن توجهاته النقدية.

ويواجه وارش اختباراً مبكراً لقدرته على قيادة «الفيدرالي» في وقت ينقسم فيه مسؤولوه بشأن أسباب استمرار التضخم فوق مستهدف «البنك» البالغ اثنين في المائة، وما إذا كانت الضغوط الحالية ناجمة عن صدمات مؤقتة، مثل الرسوم الجمركية واضطرابات الطاقة المرتبطة بحرب إيران، أم تعكس اقتصاداً لا يزال ينمو بوتيرة أقوى من قدرته على استيعاب الطلب.

ومن المقرر أن يلقي وارش كلمته يوم الجمعة خلال المؤتمر السنوي الذي ينظمه «بنك الاحتياطي الفيدرالي» بمدينة كانساس سيتي في وادي جاكسون هول بولاية وايومينغ، حيث ستتركز أنظار المستثمرين ومسؤولي «البنك المركزي» على تفسيره أداء الاقتصاد، والعوامل التي يمكن أن تدفعه إلى تغيير موقفه من أسعار الفائدة.

ويأتي ذلك في وقت لم تحسم فيه البيانات الأخيرة الجدل داخل «الفيدرالي». فقد أدت بيانات أسعار أكبر اعتدالاً خلال الشهرين الماضيين إلى تخفيف الضغوط من أجل رفع الفائدة في الاجتماع التالي خلال سبتمبر (أيلول) المقبل، لكنها لم تبدد التساؤلات بشأن ما إذا كان مستوى الفائدة الحالي، الذي يدور حول 3.6 في المائة، مرتفعاً بما يكفي لإعادة التضخم إلى مستهدف «البنك»، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)

صراع بين تفسيرين للتضخم

ويتمحور الخلاف داخل «الفيدرالي» حول تفسيرين متباينين لمسار الأسعار. الأول يرى أن التضخم المرتفع يرجع بصورة أساسية إلى صدمات مؤقتة، بينها الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب، وبالتالي؛ فإن تراجع هذه الضغوط قد يسمح للتضخم بالانخفاض من تلقاء نفسه من دون الحاجة إلى تشديد إضافي للسياسة النقدية.

أما التفسير الثاني، فيرى أن هذه العوامل تخفي اختلالات أعمق، إذ يتجاوز الطلب المعروض بما يسمح للشركات بتمرير زيادات الأسعار والحفاظ عليها، وهو ما يتطلب تدخلاً من «البنك المركزي» عبر أسعار فائدة أعلى.

وقد ظهر هذا الانقسام بوضوح في الاجتماع الأخير، بعدما صوّت 3 مسؤولين في «الفيدرالي» لمصلحة رفع أسعار الفائدة، فيما أبدى مسؤولون آخرون استعدادهم للانضمام إلى هذا الاتجاه.

ويرى أنصار التشديد أن قوة الإنفاق والاستثمار في الذكاء الاصطناعي واستمرار الطلب على العمالة والائتمان تشير إلى أن الاقتصاد لا يزال متيناً، وأن «الفيدرالي» لم يعد قادراً على افتراض أن التضخم سيواصل الانخفاض من تلقاء نفسه.

في المقابل، يشير آخرون إلى علامات على احتمال تراجع ضغوط الأسعار، من بينها تردد الشركات في تمرير زيادات جديدة إلى المستهلكين، وسط ميل بعض المتسوقين إلى خفض الإنفاق أو تأجيل المشتريات الكبيرة.

اختبار لأسلوب وارش

ولا تقتصر أهمية خطاب «جاكسون هول» على مضمون السياسة النقدية، بل تمثل أيضاً اختباراً لنهج وارش في التواصل مع الأسواق. فقد بنى رئيس «الفيدرالي» أسلوبه الجديد على تقليل التصريحات والتوقعات، انطلاقاً من قناعة بأن مسؤولي البنوك المركزية يفرطون في الحديث، وأن التوقعات التي يعلنونها قد تتحول لاحقاً إلى التزامات يصعب التراجع عنها.

غير أن هذا النهج يواجه اختباراً حقيقياً مع انقسام أعضاء «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة». ففي مثل هذه الحالات، يصبح على رئيس «البنك المركزي» لعب دور حاسم في توحيد المواقف؛ مما يجعل المستثمرين يترقبون ما إذا كان وارش سيُقدم في «جاكسون هول» تفسيراً أوضح للضغوط التضخمية ومسار السياسة النقدية.

وكانت تصريحاته بعد اجتماع يوليو (تموز) الماضي قد أثارت بعض الشكوك بشأن رؤيته، بعدما تجنب الإجابة بصورة مباشرة عن أسئلة بشأن الكيفية التي يمكن أن تسهم بها السياسة الحالية في خفض التضخم.

وفي ذلك الوقت، انخفضت عوائد السندات قصيرة الأجل، بينما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007، كما صعد معدل الرهن العقاري لأجل 30 عاماً إلى نحو 6.75 في المائة، وهو أعلى مستوى له هذا العام.

وعكست هذه التحركات اعتقاداً لدى بعض المستثمرين بأن «الفيدرالي» قد يتسامح مع قدر أكبر من التضخم على المدى القصير، بما قد يضطره إلى رفع الفائدة لاحقاً.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في مؤتمر صحافي (رويترز)

السندات تدخل على خط المواجهة

وتزداد مهمة وارش تعقيداً مع صعود عوائد السندات الأميركية، خصوصاً أن تحركات السوق لم تعد مرتبطة فقط بتوقعات السياسة النقدية.

فقد أعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الأسبوع الماضي خططاً لتوسيع عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل، قائلاً إن الأساسيات الاقتصادية لا تبرر مستويات العوائد التي تحددها السوق.

ويضاف إلى ذلك أن بيسنت يرى أن التضخم ليس بالمشكلة التي يصفه بها مسؤولو «الفيدرالي» الأكبر تشدداً؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام ضغط من جهة أخرى داخل الإدارة الأميركية بشأن مسار الفائدة وعوائد السندات.

وكان وارش قد أشار إلى أن ارتفاع العوائد قبل اجتماع يوليو يعني أن الأسواق تنفذ بالفعل بعض التشديد نيابة عن «الفيدرالي». غير أن هذا الطرح يفترض أن تحركات السوق تعكس فقط التغيرات في الاقتصاد، في حين أن توقعات المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة نفسها تؤثر بصورة مباشرة في عوائد السندات.

المعضلة التي تواجه وارش

وتتمثل إحدى كبرى المعضلات أمام رئيس «الفيدرالي» في تحديد ما الذي أخطأ فيه «البنك» خلال السنوات الماضية.

فإذا كان خفض أسعار الفائدة خلال العامين الماضيين لدعم سوق العمل، التي اتضح لاحقاً أنها أمتن مما توقع المسؤولون، قراراً خاطئاً، فإن المنطق يقتضي عكس تلك التخفيضات ورفع الفائدة مجدداً. غير أن هذا الخيار قد يكون محرجاً لوارش، خصوصاً أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وبيسنت كانا قد دعوا إلى تخفيضات أعمق للفائدة العام الماضي، كما أن وارش نفسه لم يعارض هذا الاتجاه قبل توليه رئاسة «البنك المركزي».

وارش مترئساً اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (الاحتياطي الفيدرالي)

أما إذا كان استمرار التضخم يعود أساساً إلى الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة، فإن ارتفاع الأسعار الحالي قد يكون نتيجة لصدمات مؤقتة وليس دليلاً على سوء تقدير سابق لأداء الاقتصاد.

وهناك احتمال ثالث يتمثل في تبني وارش نهجاً مختلفاً للتعامل مع التضخم، وهو موقف طرح جوانب منه خلال السنوات الماضية. فالنماذج التقليدية لـ«البنك المركزي» تتعامل مع التضخم بوصفه ظاهرة واسعة ترتبط إلى حد كبير بالأجور، لكن هذه النماذج قد لا تقدم إجابة واضحة عن تأثير طفرة استثمارية في الذكاء الاصطناعي ترفع الأسعار من دون أن تسبقها بالضرورة زيادة مماثلة في الأجور.

ومن هنا، فقد يتوقف جانب مهم من رئاسة وارش على قدرته في صياغة استراتيجية جديدة لـ«الفيدرالي» في اقتصاد مختلف عن اقتصاد التسعينات الذي يستشهد به كثيراً؛ اقتصادٍ يتسم بتراجع العولمة، وانخفاض الهجرة، وتكرار الصراعات الجيوسياسية، إلى جانب صدمات تجارة وطاقة، واستثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي.

وبينما ينتظر المستثمرون إشارة واضحة من «جاكسون هول» بشأن التضخم والفائدة، فإن السؤال الأهم أمام وارش يبقى: هل يعتقد أن السياسة النقدية الحالية مقيدة بما يكفي لإعادة التضخم إلى اثنين في المائة، أم إن «الفيدرالي» يحتاج إلى تشديد جديد؟ ويُنتظر أن يقدم خطابه يوم الجمعة أول إجابة أشد وضوحاً عن هذا السؤال.


مقالات ذات صلة

هل تحسم بيانات التضخم اليوم مصير الفائدة الأميركية؟

الاقتصاد عرض منتجات زراعية للبيع في متجر في أوستن بولاية تكساس الأميركية (أ.ف.ب)

هل تحسم بيانات التضخم اليوم مصير الفائدة الأميركية؟

تترقب الأسواق الأميركية صدور بيانات التضخم لشهر يوليو، في وقت يواجه فيه «الاحتياطي الفيدرالي» اختباراً جديداً بشأن مسار أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما تُظهر شاشة وراءه رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية (رويترز)

تحليل إخباري معركة السندات... بيسنت يضغط و«الاحتياطي الفيدرالي» يقاوم

في سوق السندات الأميركية؛ حيث يُفترض أن تحدِّد قوى العرض والطلب سعر الاقتراض للحكومة الكبرى في العالم، بدأت واشنطن ترسل إشارات متناقضة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد عرض رقائق الذهب بمتجر تجزئة للذهب مملوك للدولة في سورابايا بجاوة الشرقية (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع قليلاً وسط ترقب بيانات التضخم الأميركي

تراجع الذهب يوم الأربعاء، بعد أن سجل في الجلسة السابقة أعلى مستوى له في أكثر من 3 أشهر، مع ترقب المستثمرين بيانات تضخم أميركية مهمة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

الخزانة الأميركية قد تستخدم 950 مليار دولار لدعم سوق السندات

تدرس وزارة الخزانة الأميركية الاستفادة من رصيد حسابها العام لدى «الاحتياطي الفيدرالي»، البالغ نحو 950 مليار دولار، لتمويل عمليات شراء السندات الحكومية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد عرض مجوهرات في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

الذهب يتجاوز 4640 دولاراً لأعلى مستوى في أكثر من 3 أشهر ترقباً للتضخم الأميركي

ارتفعت أسعار الذهب إلى أعلى مستوى في أكثر من ثلاثة أشهر خلال تعاملات يوم الاثنين، مدعومة بضعف الدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)

التضخم يضيّق هامش المناورات أمام «بنك اليابان»

مقر بنك اليابان في العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر بنك اليابان في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

التضخم يضيّق هامش المناورات أمام «بنك اليابان»

مقر بنك اليابان في العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر بنك اليابان في العاصمة طوكيو (رويترز)

تقترب اليابان من لحظة حاسمة في مسار تطبيع سياستها النقدية، مع ازدياد الأدلة على اتساع الضغوط التضخمية وانتقالها من السلع والواردات إلى قطاع الخدمات، في وقت أصبحت فيه الأسواق شبه مقتنعة بأن «بنك اليابان» قد يرفع أسعار الفائدة مجدداً في سبتمبر (أيلول). لكن المفارقة أن كازو أويدا، محافظ البنك الذي تبحث الأسواق عن كلماته وإشاراته، سيغيب عن أحد أهم التجمعات العالمية لمحافظي البنوك المركزية، وهو مؤتمر «جاكسون هول» هذا الأسبوع، ما يحوّل الاهتمام إلى مسؤولين آخرين في البنك، ثم إلى اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لـ«مجموعة العشرين» في الولايات المتحدة الأسبوع المقبل.

وأعلن «بنك اليابان»، الأربعاء، أن عضو مجلس إدارته ناوكي تامورا سيشارك في «جاكسون هول» نيابة عن أويدا، الذي سيتغيب بسبب تعارض في المواعيد. ويعد إرسال عضو في مجلس الإدارة أمراً غير معتاد، إذ يمثل البنك في المؤتمر عادة المحافظ أو أحد نائبيه. ويكتسب اختيار تامورا أهمية خاصة؛ فهو مصرفي تجاري سابق، ويعد من أبرز الأصوات المتشددة داخل مجلس البنك المكون من تسعة أعضاء، وسبق أن دعا علناً إلى رفع أسعار الفائدة مرة كل بضعة أشهر لمواجهة مخاطر صعود التضخم. إلا أن البنك قال إنه لن تكون هناك فرصة إعلامية لتامورا خلال الاجتماع، وهو ما يقلص احتمالات حصول المستثمرين على إشارات جديدة مباشرة منه بشأن اجتماع السياسة النقدية المقرر يومي 17 و18 سبتمبر.

• التضخم يقوي حجة سبتمبر

جاء الإعلان في اليوم نفسه الذي تلقى فيه أنصار تشديد السياسة النقدية دليلاً جديداً. فقد ارتفع مؤشر أسعار منتجي الخدمات، الذي يقيس الأسعار التي تتقاضاها الشركات من بعضها مقابل الخدمات، بنسبة 3.6 في المائة في يوليو (تموز) على أساس سنوي، متسارعاً من زيادة معدلة بلغت 3.4 في المائة خلال يونيو (حزيران).

وتكتسب هذه البيانات أهمية أكبر من مجرد قراءة شهرية للتضخم؛ لأنها تقدم مؤشراً على أن ارتفاع الأسعار أصبح أكثر رسوخاً داخل الاقتصاد الياباني. فخلال المراحل السابقة، كان جزء كبير من التضخم مرتبطاً بارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة والواردات، خصوصاً مع ضعف الين. أما ارتفاع أسعار الخدمات فيشير إلى قناة مختلفة، إذ إن سوق العمل الضيقة ترفع الأجور والتكاليف المحلية، والشركات أصبحت أكثر استعداداً لتمرير هذه الزيادات إلى عملائها. وهذا تحديداً هو النوع من التضخم الذي كان «بنك اليابان» ينتظره لسنوات قبل التخلي عن سياسته النقدية فائقة التيسير.

كما تسارع التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين خلال يوليو، مع تمرير الشركات ارتفاع تكاليف الواردات الناتج عن ضعف العملة اليابانية والاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن مسألة رفع الفائدة لم تعد مرتبطة فقط بوصول التضخم إلى هدف البنك البالغ 2 في المائة، وإنما بمدى استدامة ضغوط الأسعار وانتقالها إلى الأجور والخدمات.

• الأسواق تراهن على 1.25 %

ورفعت هذه البيئة احتمالات التحرك في سبتمبر بصورة كبيرة. ووفقاً لمصادر تحدثت إلى «رويترز»، يستعد «بنك اليابان» لاحتمال رفع الفائدة في أقرب وقت خلال الشهر المقبل، كما يناقش إمكانية التحرك بوتيرة أسرع مستقبلاً مقارنة بالوتيرة الحالية البالغة نحو زيادتين سنوياً. ويتوقع غالبية الاقتصاديين الذين شملهم استطلاع لـ«رويترز» رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 1.25 في المائة من 1 في المائة في اجتماع سبتمبر، بعد زيادة سابقة في يونيو.

وتكاد الأسواق تسعّر بالفعل هذا السيناريو بالكامل، خصوصاً بعد التدخل الأميركي - الياباني المشترك في سوق الين، وإشارات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت. ومن شأن رفع الفائدة مجدداً أن يمثل خطوة أخرى في تفكيك إرث عقود من أسعار الفائدة شديدة الانخفاض، لكنه يأتي في وقت بالغ الحساسية بالنسبة للمالية العامة اليابانية وأسواق السندات. فارتفاع الفائدة يرفع تدريجياً تكلفة تمويل الدين الحكومي الضخم، بينما ارتفعت بالفعل عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات لم تعتد عليها اليابان خلال حقبة السياسة النقدية شديدة التيسير.

• «جاكسون هول» يبدأ من واشنطن وينتهي في طوكيو

ورغم غياب أويدا، لن تكون اليابان بعيدة عن تداعيات «جاكسون هول»، فخطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفن وارش سيكون أحد أهم الأحداث بالنسبة للأسواق اليابانية. والسبب أن مسار الفائدة الأميركية يؤثر مباشرة في الفارق بين العوائد الأميركية واليابانية، ومن ثم في حركة الين. فإذا اتجه «الاحتياطي الفيدرالي» إلى التشدد، فقد يدعم الدولار ويعيد الضغوط على العملة اليابانية، وهو ما يعني بدوره زيادة تكلفة الواردات وتجدد الضغوط التضخمية داخل اليابان. أما إذا أظهر وارش ميلاً أقل للتشديد، فقد تنخفض العوائد الأميركية ويستفيد الين، ما يخفف جزءاً من التضخم المستورد ويمنح «بنك اليابان» مساحة أكبر للتحرك بتدرج. وبذلك، أصبحت قرارات طوكيو وواشنطن مترابطة بصورة أكبر مما توحي به السياسات المحلية لكل منهما. ويرفع غياب أويدا عن «جاكسون هول» أهمية احتمال ظهوره في اجتماع قادة المالية لـ«مجموعة العشرين»، الذي تستضيفه الولايات المتحدة الأسبوع المقبل في آشفيل بولاية نورث كارولاينا. ولم يؤكد «بنك اليابان» مشاركته حتى الآن، لكن بيسنت قال إنه يتطلع إلى لقاء أويدا هناك، وهو ما يفتح الباب أمام اجتماع يحظى باهتمام كبير من أسواق العملات والسندات. وقبل ذلك، سيحصل المستثمرون على محطة مهمة، الخميس، عندما يلقي نائب محافظ البنك ريوزو هيمينو خطاباً يعقبه مؤتمر صحافي. وستُفحص كلماته بدقة بحثاً عن أي تغيير في تقييم التضخم أو إشارات إلى اجتماع سبتمبر.

• معادلة أصعب من مجرد رفع الفائدة

والتحدي الذي يواجه «بنك اليابان» لا يتمثل في تحديد ما إذا كانت الأسعار ترتفع فقط، وإنما في معرفة مقدار التشديد الذي يستطيع الاقتصاد تحمله. فرفع الفائدة يساعد على احتواء التضخم ودعم الين، لكنه يرفع تكاليف الاقتراض على الشركات والأسر والحكومة، في اقتصاد يحمل أحد أكبر أعباء الدين العام في العالم... وفي المقابل، فإن التحرك ببطء شديد قد يسمح للتضخم بالترسخ، خصوصاً إذا استمرت الشركات في تمرير ارتفاع الأجور والتكاليف إلى الأسعار. ولهذا ستكون الأسابيع الثلاثة المقبلة حاسمة، فبيانات التضخم تقول إن ضغوط الأسعار تتسع، والأسواق تراهن بقوة على زيادة الفائدة، فيما ستكون تصريحات هيمينو ووارش، ثم أي ظهور محتمل لأويدا في «مجموعة العشرين»، حلقات متتابعة قبل قرار سبتمبر. وبعد سنوات كان السؤال فيها متى تستطيع اليابان الخروج من الفائدة شديدة الانخفاض، تغير النقاش جذرياً. والسؤال الآن هو «إلى أي مدى يمكن لـ(بنك اليابان) رفع الفائدة وبأي سرعة من دون إرباك سوق السندات والمالية العامة والنمو الاقتصادي؟».


ماذا تعني خطوة السعودية نحو تطوير سوق المشتقات المالية؟

مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)
TT

ماذا تعني خطوة السعودية نحو تطوير سوق المشتقات المالية؟

مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)

تسعى السعودية إلى نقل سوق المشتقات المالية من مرحلة إطلاق المنتجات إلى مرحلة أكثر نضجاً، عبر خفض تكلفة التداول، وتعزيز دور صنّاع السوق، وتحسين كفاءة استخدام رأس المال.

فقد أعلنت «تداول السعودية» وشركة «مركز مقاصة الأوراق المالية (مقاصة)» عن حزمة من التحسينات الهيكلية في سوق المشتقات المالية السعودية، في خطوة تستهدف تعزيز السيولة، ورفع كفاءة السوق، وتوسيع قاعدة مشاركة المستثمرين المؤسسيين والأفراد.

ما سوق المشتقات؟

المشتقات هي أدوات مالية تستمد قيمتها من أصل آخر، مثل سهم أو مؤشر، وتستخدم بصورة رئيسية في التحوط وإدارة المخاطر، كما تتيح للمستثمرين تنفيذ استراتيجيات تداول أكثر تنوعاً.

ما المنتجات التي تشملها التحديثات؟

1- العقود المستقبلية على مؤشر «إم تي 30»: تتيح للمستثمر التعرض لأداء أكبر 30 شركة وأكثرها نشاطاً في السوق السعودية، ومن ثم استخدامها للتحوط من مخاطر محفظة واسعة أو من حركة السوق عموماً.

2- العقود المستقبلية للأسهم المفردة: ترتبط بسهم شركة محددة، وتمنح المستثمر إمكانية التحوط من مخاطر سهم بعينه أو بناء استراتيجيات استثمار مرتبطة بحركته.

لماذا تحتاج السوق إلى صنّاع سوق؟

صانع السوق يوفر بصورة مستمرة أسعاراً للشراء والبيع، ما يساعد على وجود طرف مقابل للمستثمر عند الدخول في الصفقة أو الخروج منها، وكلما زاد عدد صناع السوق ونشاطهم، تحسنت السيولة، وضاق الفارق بين سعري الشراء والبيع، وأصبح التداول أكثر سهولة.

ماذا يعني خفض الرسوم؟

خفض الرسوم، إلى جانب الإعفاء من رسوم التداول ورسوم التسوية النهائية للعقود المستقبلية لمدة عام، يُقلل تكلفة دخول المستثمرين إلى السوق وتجربة هذه المنتجات، بما قد يساعد على زيادة النشاط.

وما أهمية تحسين احتساب الهامش؟

الهامش هو الضمان الذي يقدمه المستثمر مقابل مركزه في المشتقات. وتحسين آلية احتسابه يمكن أن يرفع كفاءة استخدام رأس المال، بحيث لا يكون جزء كبير من أموال المستثمر محجوزاً كضمان دون حاجة.

ما الهدف النهائي؟

الهدف ليس فقط زيادة عدد العقود المتاحة، وإنما بناء سوق مشتقات أكثر سيولة وعمقاً وكفاءة، يوفر للمستثمرين أدوات أفضل للتحوط وإدارة المخاطر، ويعزز جاذبية السوق السعودية أمام المؤسسات والمستثمرين المحليين والأجانب.

ماذا ستكون مؤشرات النجاح؟

وحسب هذا المنطق، فإن نجاح الخطوة سيظهر في:

  • ارتفاع أحجام التداول.
  • زيادة عدد المستثمرين المشاركين.
  • تحسن السيولة.
  • انخفاض الفارق بين أسعار الشراء والبيع.
  • زيادة استخدام المشتقات للتحوط وإدارة المخاطر.
  • اتساع مشاركة المؤسسات والمستثمرين الأجانب.

شركات التقنية المالية تفتح مسارات جديدة لتمويل الصناعة السعودية

أحد المصانع في السعودية (واس)
أحد المصانع في السعودية (واس)
TT

شركات التقنية المالية تفتح مسارات جديدة لتمويل الصناعة السعودية

أحد المصانع في السعودية (واس)
أحد المصانع في السعودية (واس)

يشهد التمويل الموجه إلى المشروعات الصناعية في السعودية توسعاً في قنواته، مع تنامي دور شركات التقنية المالية في توفير حلول تمويلية للمنشآت الصناعية، في وقت تتجه فيه هذه الشركات إلى لعب دور أكبر في ربط المقترضين بمصادر تمويل جديدة وتقديم خيارات أكثر مرونة للمشروعات الصغيرة.

وأعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية ارتفاع حجم إقراض شركات التقنية المالية للمشروعات الصناعية إلى 541 مليون ريال (144.3 مليون دولار) خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 130 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، التي بلغ خلالها حجم الإقراض 234 مليون ريال (62.4 مليون دولار). كما ارتفع عدد شركات التقنية المالية المتعاونة مع الوزارة من 3 شركات إلى 7 شركات خلال الفترة نفسها.

اتساع قنوات التمويل

وقال محلل الأسواق المالية، عبد الله الحامد، لـ«الشرق الأوسط» إن نمو القطاع الصناعي، بوصفه إحدى ركائز «رؤية 2030»، يحتاج إلى داعم تمويلي سريع وقادر على العمل بطرق غير تقليدية لتوفير التمويلات اللازمة للنمو.

وأضاف أن ارتفاع الطلب على التمويل عبر القنوات التقليدية أتاح لشركات التقنية المالية فرصة لخلق طرق حديثة وسريعة، والوصول إلى شريحة جديدة من الراغبين في التمويل، متوقعاً استمرار نمو هذا الدور مع الزخم الذي يشهده القطاع الصناعي.

وأوضح الحامد أن من أبرز ما يميز شركات التقنية المالية قدرتها على ربط شريحة جديدة من المقرضين بالمقترضين؛ وهو ما أتاح قنوات استثمار جديدة، إلى جانب تسريع إجراءات الحصول على التمويل.

وفي هذا الإطار، وسَّعت وزارة الصناعة والثروة المعدنية شراكاتها مع شركات التقنية المالية بهدف تنويع المنتجات التمويلية وزيادة حجم الإقراض الموجه إلى القطاع الصناعي. وتشمل الحلول التمويلية المقدمة للمنشآت الصناعية تمويل رأس المال العامل، وتمويل الفواتير، وتمويل التوسع في المشروعات الصناعية.

مبنى وزارة الصناعة والثروة المعدنية بالعاصمة السعودية (واس)

دعم المنشآت الصغيرة

ولا يقتصر أثر توسع هذه القنوات على زيادة حجم التمويل؛ إذ يرى الحامد أن شركات التقنية المالية تتمتع بقدرة أكبر على تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، التي تمثل جزءاً مهماً من الاقتصاد، فضلاً عن توفير تمويلات قد تحتاج إلى فترات أطول أو لا تتناسب بالضرورة مع قدرات التمويل التقليدي.

ويرى أن تخفيض تكلفة التمويل وتحسين القدرة على الوصول إليه يمكن أن يدعما الشركات الصناعية في تنفيذ مشروعاتها والتوسع في عملياتها، خصوصاً في المراحل التي قد تواجه فيها المنشآت الصغيرة تحديات في الوصول إلى القنوات التقليدية.

وتعمل الوزارة، إلى جانب توسيع قاعدة الشراكات، على تعريف رواد الأعمال والمستثمرين الصناعيين بالحلول التمويلية المتاحة من خلال ورش عمل مخصصة، كما تشارك قاعدة بيانات المصانع مع مقدمي الحلول التمويلية، بما يسهم في تسهيل وصول الشركات الصناعية إلى المنتجات التي تتناسب مع احتياجاتها.

التشريع مفتاح الاستدامة

ومع توسع قطاع التقنية المالية ودخوله مجالات تمويلية جديدة، يبرز الإطار التشريعي والتنفيذي عاملاً رئيسياً في استدامة نموه، وفق الحامد، الذي أكد أهمية العمل على إيجاد بيئة تشريعية جاذبة للتقنيات المالية، إلى جانب احتضانها ودعمها بما يعزز قدرتها على النمو والازدهار.

ويأتي هذا التوسع مع ارتفاع عدد شركات التقنية المالية التي تتعاون معها الوزارة في تمويل المشروعات الصناعية إلى 7 شركات خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بـ3 شركات في الفترة نفسها من العام الماضي، بما يعكس اتساع قاعدة مقدمي الحلول التمويلية ودخول مزيد من القنوات الرقمية إلى منظومة التمويل الصناعي.