بنك إنجلترا يواجه اختباراً جديداً بعد تسارع التضخم

قفزة في فواتير الطاقة وسط استمرار تداعيات حرب إيران

امرأة تخرج من متجر فواكه وخضراوات حاملة مشترياتها في لندن (رويترز)
امرأة تخرج من متجر فواكه وخضراوات حاملة مشترياتها في لندن (رويترز)
TT

بنك إنجلترا يواجه اختباراً جديداً بعد تسارع التضخم

امرأة تخرج من متجر فواكه وخضراوات حاملة مشترياتها في لندن (رويترز)
امرأة تخرج من متجر فواكه وخضراوات حاملة مشترياتها في لندن (رويترز)

يواجه بنك إنجلترا اختباراً جديداً في مسار مكافحة التضخم، مع عودة أسعار الطاقة إلى الضغط على تكاليف المعيشة في بريطانيا، في وقت لا تزال فيه تداعيات حرب إيران تلقي بظلالها على أسواق الطاقة العالمية.

ولا تقتصر أهمية ارتفاع فواتير الطاقة على تأثيرها المباشر في التضخم؛ بل تمتد إلى خطر انتقال موجة الغلاء إلى قطاعات أخرى، ما قد يضع البنك أمام معادلة صعبة بين احتواء ضغوط الأسعار والحفاظ على زخم الاقتصاد.

ومع ارتفاع التضخم مجدداً، تتقلص مساحة المناورة أمام صانعي السياسة النقدية؛ خصوصاً إذا استمرت صدمة الطاقة فترة أطول.

فخلال يوليو (تموز)، أظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني ارتفاع التضخم إلى أعلى مستوى في 4 أشهر، إلى 2.9 في المائة في يوليو، من 2.6 في المائة في يونيو (حزيران)، وهو أدنى مستوى في 15 شهراً.

وجاءت الزيادة متوافقة مع توقعات الاقتصاديين، ولكنها تجاوزت توقعات بنك إنجلترا الذي كان يرجح ارتفاع التضخم إلى 2.8 في المائة.

ويأتي الارتفاع بعدما رفعت هيئة تنظيم الطاقة البريطانية (أوفجيم) الحد الأقصى المسموح لشركات الطاقة بفرضه على الأسر بنحو 13 في المائة في بداية يوليو، ما أدى إلى زيادة حادة في أسعار الغاز والكهرباء، وساهم في دفع التضخم إلى أعلى مستوياته منذ مارس (آذار).

الطاقة تعيد ضغوط تكلفة المعيشة

وتعكس أرقام يوليو بدرجة كبيرة أثر صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب في إيران واضطرابات أسواق الطاقة العالمية. فقد أدت الحرب إلى ارتفاع تكاليف الغاز والنفط، في وقت تواجه فيه حركة الشحن في المنطقة اضطرابات، ما يزيد من مخاطر استمرار الضغوط على أسعار الطاقة خلال الأشهر المقبلة.

وكان التضخم البريطاني قد بدأ مساراً هبوطياً قبل اندلاع الحرب في نهاية فبراير (شباط)، بعدما بلغ ذروة عند 3.8 في المائة العام الماضي، وكان يتجه تدريجياً نحو هدف بنك إنجلترا البالغ 2 في المائة. ولكن ارتفاع أسعار الطاقة أعاد فتح ملف تكلفة المعيشة أمام حكومة رئيس الوزراء الجديد أندي بيرنهام، في وقت تسعى فيه إلى منح الأسر مساحة أكبر للتعامل مع ارتفاع الأسعار.

وقال وزير المالية جون هيلي، بعد صدور البيانات، إن «تضخم حرب إيران» لا يزال يؤثر على الأسعار في الداخل، ولكنه أكد أن الاقتصاد البريطاني «مرن»، مضيفاً أن هناك مزيداً من العمل لاستعادة الأمل وبناء اقتصاد أقوى.

وتواجه الحكومة في الوقت نفسه قيوداً مالية قبل موازنة أكتوبر (تشرين الأول)، ما يحد من قدرتها على تقديم دعم واسع للأسر إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع.

متسوق يحمل سلة بضائع في متجر بلندن (رويترز)

التضخم الأساسي

وعلى الرغم من ارتفاع التضخم العام، فإن بعض المؤشرات الأكثر أهمية بالنسبة إلى السياسة النقدية، أظهرت أن الضغوط المحلية لا تتسارع بالوتيرة نفسها. فقد استقر التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الطاقة والغذاء، عند 2.6 في المائة في يوليو، مقارنة مع يونيو، ولكنه جاء أعلى قليلاً من توقعات الاقتصاديين البالغة 2.5 في المائة.

وفي المقابل، تراجع تضخم الخدمات، الذي يراقبه بنك إنجلترا من كثب بوصفه مؤشراً على الضغوط التضخمية المحلية، إلى 3.4 في المائة من 3.6 في المائة.

كما تباطأ تضخم أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية إلى 1.3 في المائة، وهو أدنى مستوى في نحو عامين، في إشارة إلى أن المنافسة القوية بين متاجر التجزئة ساعدت على امتصاص جزء من صدمة ارتفاع التكاليف.

سوق العمل قد تمنع انتقال صدمة الطاقة

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة بالنسبة إلى بنك إنجلترا؛ إذ تشير إلى أن ارتفاع التضخم الناجم عن الطاقة لم ينتقل حتى الآن بقوة إلى قطاعات الاقتصاد الأخرى.

وتأتي بيانات التضخم بعد مؤشرات صدرت الثلاثاء أظهرت تباطؤ سوق العمل، مع انخفاض نمو الأجور وتراجع الوظائف الشاغرة إلى أدنى مستوى في 5 سنوات. كما أظهرت بيانات منفصلة أن الزيادة الوسيطة في أجور العاملين التي منحتها الشركات البريطانية بلغت 3.2 في المائة، وهي الأضعف منذ سبتمبر (أيلول).

مقارنة مع صدمة 2022

ويحاول بنك إنجلترا هذه المرة تجنب تكرار تجربة 2022، عندما أدت صدمة الطاقة الناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا، بالتزامن مع قوة سوق العمل بعد جائحة «كوفيد»، إلى دفع التضخم البريطاني إلى أكثر من 11 في المائة.

وتختلف الظروف الحالية في أحد الجوانب الرئيسية؛ فسوق العمل أصبحت أضعف، ما قد يحد من قدرة الشركات على تمرير ارتفاع تكاليف الطاقة إلى الأجور والأسعار.

وقال محللون إن البنك المركزي يستطيع التعامل مع الارتفاع الحالي بوصفه صدمة مؤقتة في أسعار الطاقة، ما دامت الضغوط المحلية تحت السيطرة.

لكن استمرار الحرب في إيران فترة أطول قد يغير هذه المعادلة؛ خصوصاً إذا أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى استمرار زيادة تكاليف الطاقة خلال الشتاء.

اختبار جديد لسياسة الفائدة

وكان بنك إنجلترا قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير الشهر الماضي، محذراً من أن تصعيد الحرب في أسوأ السيناريوهات قد يدفع التضخم البريطاني إلى ذروة تبلغ 4.5 في المائة بحلول منتصف 2027.

وفي الوقت نفسه، تشير توقعات البنك إلى أن التضخم قد يبلغ ذروة عند نحو 3.2 في المائة في وقت لاحق من العام الحالي في السيناريو الأساسي.

وتضع بيانات يوليو البنك أمام معادلة دقيقة: فرفع الفائدة لمواجهة صدمة طاقة مؤقتة قد يضغط على الاقتصاد وسوق العمل، بينما تجاهل استمرار ارتفاع الأسعار قد يزيد مخاطر ترسخ التضخم.

وتعني القراءة الحالية -في المقابل- أن البنك لا يواجه مفاجأة تضخمية كبيرة في يوليو؛ خصوصاً مع تراجع تضخم الخدمات والغذاء وتباطؤ سوق العمل.


مقالات ذات صلة

سقف أسعار الطاقة في بريطانيا يتجه إلى أعلى مستوى في 3 سنوات خلال أكتوبر

الاقتصاد عدّاد غاز يعرض رسوم الطاقة في لندن (إ.ب.أ)

سقف أسعار الطاقة في بريطانيا يتجه إلى أعلى مستوى في 3 سنوات خلال أكتوبر

يتجه سقف أسعار الطاقة المنزلية في بريطانيا إلى الارتفاع بنحو 4 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول)، ليصل إلى أعلى مستوى له في ثلاث سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متسوق في أحد مراكز التسوق بلندن (إ.ب.أ)

زيادة فواتير الطاقة ترفع التضخم البريطاني إلى 2.9 % في يوليو

ارتفع التضخم في بريطانيا خلال يوليو (تموز) الماضي إلى أعلى مستوى له منذ مارس (آذار)، مدفوعاً بزيادة فواتير الطاقة المنزلية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رئيس وزراء بريطانيا آندي بيرنهام خلال زيارة لمكتب الأرصاد الجوية في إكستر جنوب غربي إنجلترا (أ.ف.ب)

رئيس الوزراء البريطاني تبادل رسائل مع شخص انتحل شخصية مسؤولة أميركية

أظهرت تقارير أن رئيس وزراء بريطانيا آندي بيرنهام تبادل رسائل مع شخص انتحل شخصية رئيسة موظفي البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (لندن )
تحليل إخباري الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)

تحليل إخباري بريطانيا «الجديدة»... زمن التحوّلات

تبدو بريطانيا اليوم كأنها تقف عند تقاطع عدة تحولات في وقت واحد...

أنطوان الحاج
تحليل إخباري بيرنهام يلقي خطاباً خارج «داونينغ ستريت» بعد توليه منصبه في 20 يوليو (رويترز) p-circle 00:45

تحليل إخباري بيرنهام أمام معضلة إنعاش الاقتصاد البريطاني وسط ضغوط الدين

دخل رئيس الوزراء البريطاني الجديد منصبه وهو يواجه تحدياً اقتصادياً طالما أربك الحكومات المتعاقبة، يتمثل في كيفية إعادة تنشيط اقتصاد يعاني تباطؤاً مزمناً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«سندات اليابان» تهدد خطط تاكايتشي المالية

رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسواق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسواق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
TT

«سندات اليابان» تهدد خطط تاكايتشي المالية

رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسواق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسواق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

تواجه اليابان اختباراً مالياً معقداً مع اقتراب عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات من مستوى 3 في المائة، في وقت تزداد فيه مخاوف التضخم وتتسع الضغوط على الموازنة العامة؛ مما يهدد بتقويض جزء من برنامج الإنفاق الطموح الذي تتبناه رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي.

وبعد أكثر من عقد كانت فيه سوق السندات اليابانية مرادفة للعوائد المنخفضة والسياسة النقدية شديدة التيسير، تغير المشهد سريعاً. فقد بلغ العائد على السندات لأجل 10 سنوات 2.945 في المائة الثلاثاء، وهو أعلى مستوى في 3 عقود، قبل أن يتراجع إلى نحو 2.89 في المائة الأربعاء.

ويقول محللون إن الموجة الحالية لا تعكس مجرد مضاربات قصيرة الأجل، بل تعكس كذلك تحوّلاً أعمق في تقييم المخاطر، في ظل تضخم أشد صعوبة، وارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب في الشرق الأوسط، وتوقعات متصاعدة بأن «بنك اليابان» قد يسرع وتيرة رفع أسعار الفائدة.

وقالت ماري إيواشيتا، كبيرة استراتيجيي أسعار الفائدة لدى «نومورا للأوراق المالية»، إن «اليابان لم تشهد ضغوطاً سعرية بهذا الإصرار منذ صدمة النفط السابقة»، مشيرة إلى أن إبقاء التضخم قريباً من هدف «بنك اليابان» البالغ اثنين في المائة أصبح أكبر صعوبة.

ورغم أن الدعم الحكومي أبقى بعض مقاييس التضخم الأساسي دون مستوى اثنين في المائة، فإن «البنك المركزي» نفسه حذر من احتمال تجاوز التضخم الهدف؛ مما عزز التكهنات بشأن رفع الفائدة في وقت أقرب وبوتيرة أسرع.

ويرى المستثمرون الآن مساراً محتملاً لوصول أسعار الفائدة إلى اثنين في المائة، مقارنة بتقديرات سابقة كانت تشير إلى ذروة قرب 1.5 في المائة. وهذا التحول يكفي وحده لإعادة تسعير منحنى العائد بأكمله ورفع تكلفة الاقتراض الحكومي.

* 3 % ليست مجرد رقم

وتكمن حساسية مستوى 3 في المائة في أنه يتجاوز أنه حاجز نفسي للسوق؛ إذ يلامس مباشرة افتراضات الحكومة المالية.

وتقوم استراتيجية تاكايتشي الاقتصادية على فكرة أن النمو الاقتصادي سيظل أعلى من تكلفة الاقتراض طويلة الأجل، بما يسمح لليابان بتمويل الاستثمارات الجديدة والاستمرار في خدمة دينها الضخم من دون فقدان السيطرة على أوضاع المالية العامة.

لكن هذه الفرضية تصبح أكبر هشاشة إذا تجاوز عائد السندات لأجل 10 سنوات مستوى 3 في المائة بصورة مستدامة، بينما يدور التضخم حول اثنين في المائة، ويتوقع أن يظل النمو الحقيقي قرب واحد في المائة، وفق «رويترز».

وتتوقع الحكومة نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.9 في المائة خلال السنة المالية التي تنتهي في مارس (آذار) 2027، ثم 1.1 في المائة خلال السنة التالية.

في المقابل، خصصت الحكومة حالياً نحو 31 تريليون ين، أي نحو 195 مليار دولار، لخدمة الدين. وإذا ارتفعت العوائد فوق المستوى الذي بنيت عليه الموازنة، فإن هذه الفاتورة ستزداد سريعاً.

ووفق السيناريو الأساسي لوزارة المالية، فإنه إذا بلغ عائد السندات لأجل 10 سنوات 3.6 في المائة خلال السنة المالية 2029، فإن تكلفة خدمة الدين سترتفع إلى نحو 41 تريليون ين، أي بزيادة تبلغ نحو 10 تريليونات ين على المستوى الحالي.

وهذا الرقم يوضح حجم المشكلة؛ فكل ارتفاع مستدام في العوائد يلتهم حيزاً مالياً كان يمكن توجيهه إلى الاستثمار أو الدعم أو القطاعات الاستراتيجية.

* إنفاق أكثر... ومرونة أقل

وتزداد الضغوط لأن الحكومة رفضت وضع سقف للإنفاق على طلبات القطاعات الاستراتيجية في موازنة العام المقبل، بينما تسعى أيضاً إلى تنفيذ تخفيضات ضريبية على الغذاء.

ويعني ذلك احتمال زيادة إصدار السندات لتعويض الإيرادات المفقودة وتمويل برامج النمو، مما قد يزيد بدوره المعروض من الدين ويضغط أكثر على الأسعار ويرفع العوائد.

كما تواجه تاكايتشي ضغوطاً من داخل الحزب الحاكم نفسه، حيث يدعو جناح أكبر تحفظاً مالياً إلى ضبط الإنفاق والحد من توسع العجز.

وهكذا تصبح الحكومة عالقة في حلقة معقدة: ارتفاع تكاليف المعيشة يدفعها إلى زيادة الدعم وخفض الضرائب، لكن هذه السياسات توسعية وقد تغذي الطلب والتضخم، ثم تؤدي إلى ارتفاع العوائد وتزيد تكلفة خدمة الدين.

أما الأدوات المتاحة لتهدئة السوق، فهي محدودة ومؤقتة في نظر المحللين. وأحد الخيارات هو أن تعدل وزارة المالية جدول إصدار السندات، أو تخفض الإصدارات بصورة استثنائية في بعض الآجال، خصوصاً سندات الـ10 سنوات، إذا رأت أن السوق تواجه فائضاً في المعروض.

وقال أتارو أوكومورا، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة لدى «إس إم بي سي نيكو للأوراق المالية»، إن تعديل إصدار السندات في توقيت غير معتاد قد يساعد في كبح ارتفاع العوائد، خصوصاً إذا ترافق مع إشارة واضحة إلى استعداد الوزارة لتقليل الإصدارات عند بعض الآجال.

لكن هذه الخطوة لا تحل المشكلة الأساسية؛ لأن الحكومة لا تزال بحاجة إلى التمويل، وبالتالي قد تؤجل الإصدارات أو تنقلها من أجل إلى آخر بدلاً من تقليصها جذرياً.

والخيار الثاني هو تدخل «بنك اليابان» عبر عمليات شراء طارئة للسندات إذا شهدت السوق تحركات سريعة وغير منتظمة تهدد الاستقرار المالي. وقد احتفظ «البنك» بهذه الأداة حتى مع بدء تقليص مشترياته الضخمة من السندات الحكومية، إلا إن التوقيت الحالي لا يبدو مناسباً للعودة إلى الشراء الواسع.

ووفق مصدر مطلع على تفكير «البنك»، فإن صناع السياسة لا يرون حتى الآن أن ارتفاع العوائد غير مبرر؛ لأنه يعكس في جانب كبير منه تغيرات في الأساسيات الاقتصادية، وعلى رأسها التضخم وتوقعات الفائدة.

* معضلة «بنك اليابان»

والمفارقة الأصعب بالنسبة إلى «بنك اليابان» أن أي زيادة كبيرة في مشتريات السندات لخفض العوائد قد تتعارض مع مسار تطبيع السياسة النقدية، وتبعث برسالة مربكة للأسواق في وقت يحاول فيه «البنك» كبح التضخم.

وقالت نعومي موغوروما، كبيرة استراتيجيي السندات لدى «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي للأوراق المالية»، إن «بنك اليابان» لا يستطيع تثبيت توقعات التضخم إذا كانت الحكومة توسع الإنفاق وتضيف مزيداً من الضغوط السعرية إلى تلك الناجمة عن حرب الشرق الأوسط.

وأضافت أن «التضخم أصبح الآن الخطر الرئيسي لأي متعامل في السندات الحكومية اليابانية»، عادّةً أن جوهر المشكلة يتمثل في شكوك السوق بشأن مدى استعداد الحكومة فعلياً لمواجهة التضخم.

وبذلك، فإن أزمة السندات لا تبدو مجرد اضطراب عابر في سوق الدين، بل تعدّ اختباراً مباشراً لنموذج اقتصادي كامل. فإذا استقرت العوائد قرب نسبة 3 في المائة أو تجاوزتها، فستضطر حكومة تاكايتشي إلى إعادة الموازنة بين أولويات النمو والدعم والانضباط المالي، في وقت أصبح فيه هامش المناورة أضيق بكثير.

وفي النهاية، يبدو أن الأسواق ترسل رسالة واضحة إلى طوكيو؛ فاليابان لم تعد قادرة على التعامل مع ارتفاع الإنفاق وتكلفة الدين كأن حقبة الفائدة المنخفضة لا تزال قائمة. ومع عودة التضخم وتغير موقف «بنك اليابان»، أصبحت تكلفة كل قرار مالي أشد وضوحاً في سوق السندات.


«سانتوس» للطاقة تتجاوز توقعات الأرباح... وتتوقع زيادة الإنتاج 30 % في النصف الثاني

منصات نفط تابعة لشركة «سانتوس» الأسترالية (الموقع الإلكتروني للشركة)
منصات نفط تابعة لشركة «سانتوس» الأسترالية (الموقع الإلكتروني للشركة)
TT

«سانتوس» للطاقة تتجاوز توقعات الأرباح... وتتوقع زيادة الإنتاج 30 % في النصف الثاني

منصات نفط تابعة لشركة «سانتوس» الأسترالية (الموقع الإلكتروني للشركة)
منصات نفط تابعة لشركة «سانتوس» الأسترالية (الموقع الإلكتروني للشركة)

أعلنت شركة «سانتوس» الأسترالية لإنتاج النفط والغاز انخفاضاً أقل من المتوقع في أرباحها خلال النصف الأول من العام، وتوقعت زيادة الإنتاج في النصف الثاني مع زيادة إنتاج مشروعي «باروسا» و«بيكا».

وعلى الرغم من أن التحديات التي واجهتها الشركة خلال المراحل النهائية من التشغيل والبدء في مشروعي «باروسا» و«بيكا» أدت إلى تباطؤ الانتقال إلى مستويات إنتاج أعلى فإن «سانتوس» أكدت أن الإنتاج في النصف الثاني من العام سيظل أعلى بنحو 20 في المائة إلى 30 في المائة من النصف الأول.

وأكدت شركة «سانتوس» توقعاتها السنوية الإجمالية للإنتاج، التي تتراوح بين 99 مليون برميل نفط مكافئ و105 ملايين برميل نفط مكافئ.

وخلال فترة الأشهر الستة المنتهية في 30 يونيو (حزيران)، حققت «سانتوس» أرباحاً أساسية بلغت 397 مليون دولار، متجاوزةً بذلك التوقعات التي توصلت إليها شركة «فيزيبل ألفا» البالغة 337.13 مليون دولار. ويُقارَن هذا الرقم بأرباح بلغت 508 ملايين دولار في الفترة نفسها من العام الماضي.

وأعلنت الشركة المنتجة للطاقة عن توزيع أرباح مرحلية قدرها 11.6 سنت للسهم الواحد.

وأشارت «سانتوس» إلى أن ارتفاع أسعار النفط الخام في الربع الثاني من العام، من المتوقع أن يعزز أسعار الغاز الطبيعي المسال المحققة والتدفقات النقدية في النصف الثاني من العام.

وترتبط عقود الغاز الطبيعي المسال الخاصة بالشركة، بمؤشر مرجعي للنفط، مما يعني أن ارتفاع أسعار النفط في الربع الثاني من العام سينعكس على أسعار الغاز الطبيعي المسال لاحقاً هذا العام.

وارتفعت أسعار النفط والغاز الطبيعي المسال خلال الربع الثاني نتيجة للاضطرابات المرتبطة بحرب إيران.

ويتوقع المشاركون في السوق انتعاشاً قوياً في الأرباح خلال النصف الثاني من العام. وتشير تقديرات المحللين إلى نمو بنسبة 167 في المائة مقارنةً بالعام الماضي، حيث ستنعكس الزيادة في أسعار الغاز الطبيعي المسال المرتبطة بالنفط.

وشهدت أسهم شركة «سانتوس» لإنتاج النفط والغاز ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.5 في المائة في بداية تداولات جلسة الأربعاء.


«يونيتري» تقفز 600 % في أول ظهور ببورصة شنغهاي

روبوتات من شركة «يونيتري» الصينية في عرض خلال المعرض العالمي للروبوتات بالعاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
روبوتات من شركة «يونيتري» الصينية في عرض خلال المعرض العالمي للروبوتات بالعاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
TT

«يونيتري» تقفز 600 % في أول ظهور ببورصة شنغهاي

روبوتات من شركة «يونيتري» الصينية في عرض خلال المعرض العالمي للروبوتات بالعاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
روبوتات من شركة «يونيتري» الصينية في عرض خلال المعرض العالمي للروبوتات بالعاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)

سجلت شركة «يونيتري» الصينية، إحدى أشهر شركات الروبوتات البشرية في العالم، ظهوراً استثنائياً في بورصة شنغهاي، بعدما قفز سهمها بنحو ستة أضعاف في أول جلسة تداول، في خطوة عُدّت محطة فارقة لقطاع الروبوتات الصيني الذي تحول إلى أحد أبرز ميادين المنافسة التكنولوجية بين بكين وواشنطن.

وأنهى سهم الشركة الجلسة الصباحية عند 883.87 يوان في سوق «ستار» المتخصصة في شركات التكنولوجيا، مقارنة بسعر طرح أولي بلغ 150.8 يوان، بعدما افتتح عند مستوى وصل إلى 1100 يوان.

ورفع هذا الأداء القيمة السوقية للشركة إلى نحو 50 مليار دولار. وتجاوزت القفزة بكثير متوسط ارتفاع الأسهم الصينية الجديدة في يوم إدراجها الأول هذا العام، والبالغ نحو 279 في المائة، كما جاءت في وقت كانت فيه المؤشرات الصينية الرئيسية تتراجع بنحو 2 في المائة تحت ضغط موجة بيع واسعة لأسهم التكنولوجيا.

وتشتهر «يونيتري» بروبوتاتها البشرية ورباعية الأرجل القادرة على الركض والرقص وأداء حركات قتالية، وتنافس شركات عالمية بارزة من بينها «بوسطن داينامكس» التابعة لمجموعة «هيونداي موتور»، إلى جانب «تسلا».

ورغم أن الاستخدام التجاري الواسع لمنتجاتها لا يزال محدوداً، فإن الشركة تتميز عن معظم منافسيها بكونها تحقق أرباحاً بالفعل، في قطاع لا تزال غالبية الشركات العاملة فيه تحرق السيولة وتتكبد خسائر كبيرة.

وقال الشريك في «آيفي كابيتال» في شنغهاي، يان كاي، إن «يونيتري» تُعدّ من أبرز الشركات في القطاع، وإن تميزها يمنحها علاوة سعرية، مشيراً إلى أن تقييمها يتأثر بعوامل سياسية واقتصادية بقدر تأثره بالنماذج التقليدية للتقييم.

إدراج يمنحها أفضلية مبكرة

يأتي الإدراج بالتزامن مع افتتاح «المؤتمر العالمي للروبوتات» في بكين، حيث تستعرض مئات الشركات، معظمها صيني، منتجات وتقنيات جديدة تراهن الحكومة على أن تلعب دوراً مهماً في معالجة نقص العمالة الناتج عن الأزمة الديموغرافية في البلاد. ويرى مستثمرون أن الإدراج يمنح «يونيتري» ميزة كبيرة في سباق مبكر لا يزال مفتوحاً.

وقال رئيس «سبرينغ ماونتن بو جيانغ لإدارة الاستثمارات»، ويليام شين، إن الشركات التي تتمكن من الإدراج مبكراً وتحظى بتغطية واسعة تصبح أكثر قدرة على جذب الموارد والتمويل والحفاظ على موقعها في السوق.

وجمعت «يونيتري» نحو 900 مليون دولار من الطرح الذي شمل قرابة 10 في المائة من أسهم الشركة. ولا يزال المؤسس وانغ شينغشينغ يمتلك نحو خُمس الأسهم، ما رفع ثروته الورقية إلى أكثر من 12 مليار دولار بعد القفزة الأولى للسهم.

وتحظى الشركة أيضاً بدعم بعض أبرز عمالقة التكنولوجيا في الصين، من بينهم «تينسنت» و«علي بابا» و«ديب سيك». كما ظهر وانغ في الصف الأمامي خلال اجتماع جمع الرئيس الصيني شي جينبينغ بعدد من قادة قطاع التكنولوجيا العام الماضي، في إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية التي توليها بكين لصناعة الروبوتات.

تحديات تجارية وقيود أميركية

لكن خلف القفزة السوقية، تبقى تحديات جوهرية. فجزء كبير من مبيعات «يونيتري» حتى الآن جاء من صفقات منفردة، في حين يُستخدم عدد محدود من روبوتاتها في بيئات تجارية فعلية، وتذهب نسبة كبيرة من المنتجات إلى الجامعات ومؤسسات الأبحاث.

كما تواجه الشركة عقبة كبيرة في السوق الأميركية، ففي يوليو (تموز)، حظرت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية استيراد النماذج المستقبلية من الروبوتات البشرية ورباعية الأرجل المصنوعة في الخارج، ومن بينها منتجات «يونيتري»، مستندة إلى مخاوف تتعلق بالأمن القومي.

وفي يونيو (حزيران)، أضافت وزارة الدفاع الأميركية الشركة إلى قائمة الشركات العسكرية الصينية، ووصفتها بأنها مساهمة في القاعدة الصناعية الدفاعية لبكين. ولا يمثل هذا التصنيف عقوبة شاملة، لكنه يقيّد استخدام الجيش الأميركي لتقنياتها مستقبلاً. وتؤكد «يونيتري» أن منتجاتها مخصصة للاستخدام المدني.

كما أفادت «رويترز» بأن بعض تصميمات الروبوتات رباعية الأرجل الناجحة للشركة استفادت من ابتكارات ممولة من الجيش الأميركي نُشرت أبحاثها بصورة علنية، وهو أمر شائع في الأبحاث المفتوحة، ولم تستخدم الشركة وسائل غير مشروعة للوصول إليها.

سباق إدراجات جديد

ويتوقع أن يفتح نجاح «يونيتري» الباب أمام موجة إدراجات جديدة في قطاع الروبوتات. فهناك ما لا يقل عن ست شركات صينية للروبوتات البشرية تستعد لطرح أسهمها. وتقدمت شركتا «ديب روبوتيكس» و«ليغو روبوتيكس» بطلبات للإدراج في أسواق البر الرئيسي، في حين اختارت «ميك-مايند روبوتيكس» و«إكس سكوير روبوت» و«أجي بوت» السعي للإدراج في هونغ كونغ. وهكذا، لا يمثل صعود سهم «يونيتري» مجرد نجاح لطرح عام أولي، بل يعكس رهانا أوسع في الصين على الروبوتات بوصفها صناعة استراتيجية قادرة على الجمع بين الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم ومعالجة نقص العمالة. ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي سيبدأ بعد الإدراج: تحويل الاهتمام الإعلامي والتقييمات المرتفعة إلى انتشار تجاري واسع وأرباح قابلة للاستمرار في سوق تتزايد فيها المنافسة والقيود الجيوسياسية.