بنك إنجلترا يواجه اختباراً جديداً بعد تسارع التضخم

قفزة في فواتير الطاقة وسط استمرار تداعيات حرب إيران

امرأة تخرج من متجر فواكه وخضراوات حاملة مشترياتها في لندن (رويترز)
امرأة تخرج من متجر فواكه وخضراوات حاملة مشترياتها في لندن (رويترز)
TT

بنك إنجلترا يواجه اختباراً جديداً بعد تسارع التضخم

امرأة تخرج من متجر فواكه وخضراوات حاملة مشترياتها في لندن (رويترز)
امرأة تخرج من متجر فواكه وخضراوات حاملة مشترياتها في لندن (رويترز)

يواجه بنك إنجلترا اختباراً جديداً في مسار مكافحة التضخم، مع عودة أسعار الطاقة إلى الضغط على تكاليف المعيشة في بريطانيا، في وقت لا تزال فيه تداعيات حرب إيران تلقي بظلالها على أسواق الطاقة العالمية.

ولا تقتصر أهمية ارتفاع فواتير الطاقة على تأثيرها المباشر في التضخم؛ بل تمتد إلى خطر انتقال موجة الغلاء إلى قطاعات أخرى، ما قد يضع البنك أمام معادلة صعبة بين احتواء ضغوط الأسعار والحفاظ على زخم الاقتصاد.

ومع ارتفاع التضخم مجدداً، تتقلص مساحة المناورة أمام صانعي السياسة النقدية؛ خصوصاً إذا استمرت صدمة الطاقة فترة أطول.

فخلال يوليو (تموز)، أظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني ارتفاع التضخم إلى أعلى مستوى في 4 أشهر، إلى 2.9 في المائة في يوليو، من 2.6 في المائة في يونيو (حزيران)، وهو أدنى مستوى في 15 شهراً.

وجاءت الزيادة متوافقة مع توقعات الاقتصاديين، ولكنها تجاوزت توقعات بنك إنجلترا الذي كان يرجح ارتفاع التضخم إلى 2.8 في المائة.

ويأتي الارتفاع بعدما رفعت هيئة تنظيم الطاقة البريطانية (أوفجيم) الحد الأقصى المسموح لشركات الطاقة بفرضه على الأسر بنحو 13 في المائة في بداية يوليو، ما أدى إلى زيادة حادة في أسعار الغاز والكهرباء، وساهم في دفع التضخم إلى أعلى مستوياته منذ مارس (آذار).

الطاقة تعيد ضغوط تكلفة المعيشة

وتعكس أرقام يوليو بدرجة كبيرة أثر صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب في إيران واضطرابات أسواق الطاقة العالمية. فقد أدت الحرب إلى ارتفاع تكاليف الغاز والنفط، في وقت تواجه فيه حركة الشحن في المنطقة اضطرابات، ما يزيد من مخاطر استمرار الضغوط على أسعار الطاقة خلال الأشهر المقبلة.

وكان التضخم البريطاني قد بدأ مساراً هبوطياً قبل اندلاع الحرب في نهاية فبراير (شباط)، بعدما بلغ ذروة عند 3.8 في المائة العام الماضي، وكان يتجه تدريجياً نحو هدف بنك إنجلترا البالغ 2 في المائة. ولكن ارتفاع أسعار الطاقة أعاد فتح ملف تكلفة المعيشة أمام حكومة رئيس الوزراء الجديد أندي بيرنهام، في وقت تسعى فيه إلى منح الأسر مساحة أكبر للتعامل مع ارتفاع الأسعار.

وقال وزير المالية جون هيلي، بعد صدور البيانات، إن «تضخم حرب إيران» لا يزال يؤثر على الأسعار في الداخل، ولكنه أكد أن الاقتصاد البريطاني «مرن»، مضيفاً أن هناك مزيداً من العمل لاستعادة الأمل وبناء اقتصاد أقوى.

وتواجه الحكومة في الوقت نفسه قيوداً مالية قبل موازنة أكتوبر (تشرين الأول)، ما يحد من قدرتها على تقديم دعم واسع للأسر إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع.

متسوق يحمل سلة بضائع في متجر بلندن (رويترز)

التضخم الأساسي

وعلى الرغم من ارتفاع التضخم العام، فإن بعض المؤشرات الأكثر أهمية بالنسبة إلى السياسة النقدية، أظهرت أن الضغوط المحلية لا تتسارع بالوتيرة نفسها. فقد استقر التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الطاقة والغذاء، عند 2.6 في المائة في يوليو، مقارنة مع يونيو، ولكنه جاء أعلى قليلاً من توقعات الاقتصاديين البالغة 2.5 في المائة.

وفي المقابل، تراجع تضخم الخدمات، الذي يراقبه بنك إنجلترا من كثب بوصفه مؤشراً على الضغوط التضخمية المحلية، إلى 3.4 في المائة من 3.6 في المائة.

كما تباطأ تضخم أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية إلى 1.3 في المائة، وهو أدنى مستوى في نحو عامين، في إشارة إلى أن المنافسة القوية بين متاجر التجزئة ساعدت على امتصاص جزء من صدمة ارتفاع التكاليف.

سوق العمل قد تمنع انتقال صدمة الطاقة

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة بالنسبة إلى بنك إنجلترا؛ إذ تشير إلى أن ارتفاع التضخم الناجم عن الطاقة لم ينتقل حتى الآن بقوة إلى قطاعات الاقتصاد الأخرى.

وتأتي بيانات التضخم بعد مؤشرات صدرت الثلاثاء أظهرت تباطؤ سوق العمل، مع انخفاض نمو الأجور وتراجع الوظائف الشاغرة إلى أدنى مستوى في 5 سنوات. كما أظهرت بيانات منفصلة أن الزيادة الوسيطة في أجور العاملين التي منحتها الشركات البريطانية بلغت 3.2 في المائة، وهي الأضعف منذ سبتمبر (أيلول).

مقارنة مع صدمة 2022

ويحاول بنك إنجلترا هذه المرة تجنب تكرار تجربة 2022، عندما أدت صدمة الطاقة الناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا، بالتزامن مع قوة سوق العمل بعد جائحة «كوفيد»، إلى دفع التضخم البريطاني إلى أكثر من 11 في المائة.

وتختلف الظروف الحالية في أحد الجوانب الرئيسية؛ فسوق العمل أصبحت أضعف، ما قد يحد من قدرة الشركات على تمرير ارتفاع تكاليف الطاقة إلى الأجور والأسعار.

وقال محللون إن البنك المركزي يستطيع التعامل مع الارتفاع الحالي بوصفه صدمة مؤقتة في أسعار الطاقة، ما دامت الضغوط المحلية تحت السيطرة.

لكن استمرار الحرب في إيران فترة أطول قد يغير هذه المعادلة؛ خصوصاً إذا أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى استمرار زيادة تكاليف الطاقة خلال الشتاء.

اختبار جديد لسياسة الفائدة

وكان بنك إنجلترا قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير الشهر الماضي، محذراً من أن تصعيد الحرب في أسوأ السيناريوهات قد يدفع التضخم البريطاني إلى ذروة تبلغ 4.5 في المائة بحلول منتصف 2027.

وفي الوقت نفسه، تشير توقعات البنك إلى أن التضخم قد يبلغ ذروة عند نحو 3.2 في المائة في وقت لاحق من العام الحالي في السيناريو الأساسي.

وتضع بيانات يوليو البنك أمام معادلة دقيقة: فرفع الفائدة لمواجهة صدمة طاقة مؤقتة قد يضغط على الاقتصاد وسوق العمل، بينما تجاهل استمرار ارتفاع الأسعار قد يزيد مخاطر ترسخ التضخم.

وتعني القراءة الحالية -في المقابل- أن البنك لا يواجه مفاجأة تضخمية كبيرة في يوليو؛ خصوصاً مع تراجع تضخم الخدمات والغذاء وتباطؤ سوق العمل.


مقالات ذات صلة

سقف أسعار الطاقة في بريطانيا يتجه إلى أعلى مستوى في 3 سنوات خلال أكتوبر

الاقتصاد عدّاد غاز يعرض رسوم الطاقة في لندن (إ.ب.أ)

سقف أسعار الطاقة في بريطانيا يتجه إلى أعلى مستوى في 3 سنوات خلال أكتوبر

يتجه سقف أسعار الطاقة المنزلية في بريطانيا إلى الارتفاع بنحو 4 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول)، ليصل إلى أعلى مستوى له في ثلاث سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متسوق في أحد مراكز التسوق بلندن (إ.ب.أ)

زيادة فواتير الطاقة ترفع التضخم البريطاني إلى 2.9 % في يوليو

ارتفع التضخم في بريطانيا خلال يوليو (تموز) الماضي إلى أعلى مستوى له منذ مارس (آذار)، مدفوعاً بزيادة فواتير الطاقة المنزلية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رئيس وزراء بريطانيا آندي بيرنهام خلال زيارة لمكتب الأرصاد الجوية في إكستر جنوب غربي إنجلترا (أ.ف.ب)

رئيس الوزراء البريطاني تبادل رسائل مع شخص انتحل شخصية مسؤولة أميركية

أظهرت تقارير أن رئيس وزراء بريطانيا آندي بيرنهام تبادل رسائل مع شخص انتحل شخصية رئيسة موظفي البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (لندن )
تحليل إخباري الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)

تحليل إخباري بريطانيا «الجديدة»... زمن التحوّلات

تبدو بريطانيا اليوم كأنها تقف عند تقاطع عدة تحولات في وقت واحد...

أنطوان الحاج
تحليل إخباري بيرنهام يلقي خطاباً خارج «داونينغ ستريت» بعد توليه منصبه في 20 يوليو (رويترز) p-circle 00:45

تحليل إخباري بيرنهام أمام معضلة إنعاش الاقتصاد البريطاني وسط ضغوط الدين

دخل رئيس الوزراء البريطاني الجديد منصبه وهو يواجه تحدياً اقتصادياً طالما أربك الحكومات المتعاقبة، يتمثل في كيفية إعادة تنشيط اقتصاد يعاني تباطؤاً مزمناً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تصاعد مخاطر الطاقة يعزز توجه «المركزي الأوروبي» لمزيد من رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

تصاعد مخاطر الطاقة يعزز توجه «المركزي الأوروبي» لمزيد من رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

مهد اثنان من صناع السياسة في البنك المركزي الأوروبي يوم الجمعة الطريق أمام مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة، في حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب، وما قد يترتب عليه من ارتفاع في أسعار سلع أخرى في منطقة اليورو.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع تكاليف الاقتراض يوم الخميس للمرة الثانية هذا العام، بمقدار 25 نقطة أساس، بما يتماشى مع التوقعات، ليصل به إلى الحد الأعلى للنطاق المحايد المقدر، وهو النطاق الذي لا يحفز الاقتصاد ولا يبطئه، فيما أفادت مصادر لـ«رويترز» بأن صناع السياسة يتوقعون مزيداً من تشديد السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال اتخاذ إجراء بهذا الصدد في وقت مبكر قد يكون في أكتوبر (تشرين الأول).

وأقر مسؤولون في البنكين المركزيين الألماني والإستوني بهذا الاحتمال يوم الجمعة، مع تأكيدهما أن أي خطوة ستعتمد على تطورات أسعار النفط والغاز.

وقال يواخيم ناجل، رئيس البنك المركزي الألماني، إن البنك المركزي الأوروبي قد يحتاج إلى رفع أسعار الفائدة إلى مستوى من شأنه أن يؤدي إلى كبح الاقتصاد بشكل طفيف.

وصرح لشبكة «سي إن بي سي» في مقابلة قائلاً: «لن أستبعد احتمال اضطرارنا للدخول في نطاق تقييدي طفيف، ولكن كما قلت، يعتمد الأمر بشكل كبير على كيفية تطور أسعار الطاقة، وكيفية تطور مشهد الأسعار خلال الشهر المقبل ربما».

وبدأت أسواق المال في تسعير احتمال إجراء ثلاث زيادات أخرى على الأقل في أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي خلال العام المقبل، فيما تتوقع مؤسسات «غولدمان ساكس» و«سيتي غروب» و«باركليز» أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مجدداً في ديسمبر (كانون الأول)، بينما يتوقع «سيتي» رفعاً إضافياً في مارس (آذار) 2027.

وقال أولو كاسيك، محافظ البنك المركزي الإستوني، إن هذه التوقعات «مفهومة» في ضوء الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود، وخطر ارتفاع أسعار المواد الغذائية أيضاً.

وذكر في تدوينة له أن «التطورات الأخيرة في أسواق الطاقة، على سبيل المثال، تشير إلى احتمال أن تكون الزيادة في أسعار الغاز والوقود أكبر بكثير ولمدة أطول مما كان متوقعاً في التقديرات».

كما حذر بريموز دولينك، محافظ البنك المركزي السلوفيني، في تدوينة له من «ارتفاع تكاليف الطاقة والكهرباء خلال أشهر الخريف والشتاء».

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع قليلاً يوم الخميس توقعاته للنمو والتضخم، لكن هذه التوقعات لم تأخذ في الحسبان التحركات الأخيرة في أسعار الطاقة. وأدى الصراع المستمر منذ ستة أشهر في الشرق الأوسط إلى تدهور آفاق التضخم والنمو في منطقة اليورو، فيما دفعت تجدد الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران أسعار النفط الخام إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، ما يهدد بمزيد من الضغوط الصعودية على أسعار المستهلكين.

ويتوقع البنك المركزي الأوروبي بقاء التضخم أعلى من مستهدفه البالغ 2 في المائة لفترة ممتدة، فيما قال «باركليز» إن قرار رفع الفائدة، الذي وصفه بأنه «لا يحتاج إلى تفكير»، يعكس استمرار تركيز صناع السياسة على كبح التضخم، الذي لا يتوقع البنك المركزي الأوروبي عودته إلى مستهدفه قبل أواخر عام 2027.

وقال «غولدمان ساكس» إن رفع الفائدة في ديسمبر سيدفع أسعار الفائدة إلى «منطقة تقييدية بشكل طفيف».

وقال اقتصاديون في «سيتي»: «كلما طال أمد بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة، زادت مخاطر تحوله إلى ظاهرة متأصلة في الاقتصاد».

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع تكاليف الاقتراض بقوة خلال السنوات الماضية في مسعى لكبح التضخم، إلا أن المسؤولين شددوا بصورة متزايدة على أن قرارات السياسة النقدية ستظل مرتبطة بالبيانات الاقتصادية.

وحسب بيانات «إل إس إي جي»، تسعّر الأسواق حالياً احتمالاً يبلغ 93.9 في المائة لرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر.

ومن المقرر أن يعقد البنك اجتماعه المقبل في 29 أكتوبر. وتتجه الأنظار أيضاً إلى اجتماعَي «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي وبنك اليابان المرتقبين الأسبوع المقبل، واللذين قد يعززان اتجاه التشديد النقدي عالمياً إذا ألمح صناع السياسة إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.


الديزل الأميركي يتجاوز 6 دولارات لأول مرة

لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)
لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)
TT

الديزل الأميركي يتجاوز 6 دولارات لأول مرة

لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)
لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)

تجاوز متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ، في تطور يهدِّد برفع تكاليف النقل والشحن وسلاسل الإمداد، وإضافة موجة جديدة من الضغوط التضخمية على أكبر اقتصاد في العالم، بعدما اجتمعت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع النفط مع الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية.

وبلغ متوسط سعر الغالون الأميركي، الذي يعادل نحو 3.785 لتر، مستوى قياسياً عند 6.06 دولار الجمعة، وفق بيانات «الجمعية الأميركية للسيارات». ويعادل ذلك نحو 1.60 دولار للتر، ويضع السعر فوق الذروة التاريخية التي سجَّلها الديزل خلال أزمة الطاقة العالمية في 2022.

حاجز تاريخي

ويكتسب تجاوز مستوى 6 دولارات أهمية أكبر بالنسبة للاقتصاد الأميركي، لأن الديزل يمثل الوقود الأساسي للشاحنات التي تنقل السلع بين الولايات والموانئ والمخازن والمتاجر، فضلاً عن استخدامه في قطاعات الزراعة والبناء والصناعة والنقل بالسكك الحديدية.

وبالتالي، فإن ارتفاع سعره لا يبقى محصوراً في محطات الوقود، وإنما ينتقل تدريجياً إلى تكاليف المنتجات والغذاء والخدمات اللوجيستية.

وجاءت القفزة الأخيرة بالتزامن مع عودة النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل. وبلغ خام برنت 105.62 دولار للبرميل خلال تعاملات الجمعة، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 101.10 دولار. ورغم تراجعهما خلال الجلسة، ظل الخامان مرتفعين بنحو 13 في المائة خلال الأسبوع، في أكبر مكاسب أسبوعية، منذ منتصف يوليو (تموز).

وتصاعدت المخاوف مع استمرار القيود على حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، وتزايد الهجمات على السفن، فضلاً عن اتساع التهديدات إلى البحر الأحمر. كما ساهمت الهجمات الأوكرانية على منشآت التكرير الروسية في زيادة الضغوط على أسواق المنتجات النفطية.

ذروة 2022

وتعيد الأسعار الحالية إلى الذاكرة أزمة 2022، عندما أحدثت الحرب الروسية - الأوكرانية اضطراباً واسعاً في تجارة الطاقة العالمية.

ووفق البيانات التاريخية لـ«إدارة معلومات الطاقة الأميركية»، ارتفع متوسط سعر الديزل الأسبوعي في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي سابق بلغ نحو 5.81 دولار للغالون، في يونيو (حزيران) 2022.

وقبل ذلك، كانت الأزمة المالية العالمية وطفرة أسعار السلع في 2008 قد دفعت الديزل إلى مستويات غير مسبوقة آنذاك، عندما تجاوز متوسطه 4.7 دولار للغالون في يوليو، بالتزامن مع اقتراب النفط الخام من 150 دولاراً للبرميل.

وبذلك، مرَّت سوق الديزل الأميركية بثلاث موجات تاريخية رئيسية خلال أقل من عقدين، هي صدمة النفط في 2008، ثم أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا عام 2022، وصولاً إلى أزمة 2026 التي دفعت السعر للمرة الأولى فوق 6 دولارات.

لكن المقارنة بين هذه الفترات تتطلب الأخذ في الاعتبار التضخم، فالدولار في 2008 كان يتمتع بقوة شرائية أكبر من اليوم؛ ما يجعل التكلفة الاقتصادية الحقيقية لبعض الذرى السابقة أعلى مما توحي به المقارنة الاسمية وحدها. ومع ذلك، يظل مستوى 6.06 دولار أعلى سعر اسمي مسجَّل للديزل الأميركي.

لماذا الديزل أكثر حساسية؟

لا يتحرك سعر الديزل بالتوازي التام مع النفط الخام؛ فإلى جانب تكلفة الخام، يعتمد السعر على قدرة مصافي التكرير والمخزونات والطلب الموسمي وتكلفة النقل وهوامش التكرير.

ولهذا يمكن أن ترتفع أسعار الديزل حتى بوتيرة أسرع من النفط عندما تتعرض المصافي أو إمدادات المنتجات المكررة للاضطراب. وهذا ما يجعل الهجمات على المصافي الروسية عاملاً إضافياً إلى جانب أزمة حرب إيران.

كما أن الولايات المتحدة ليست معزولة عن سوق الديزل العالمية، حتى مع كونها منتجاً رئيسياً للنفط. فالمنتجات المكررة تتدفق بين الأسواق وفق الأسعار والطلب، وبالتالي تؤدي الاختناقات العالمية إلى رفع قيمة الوقود الأميركي أيضاً.

واقتصادياً، يمثل ارتفاع الديزل ما يشبه ضريبة غير مباشرة على الشركات والمستهلكين. فشركات النقل البري تواجه زيادة فورية في فاتورة الوقود، بينما تحاول تمرير جانب منها إلى العملاء من خلال رسوم الشحن. وتواجه المزارع تكلفة أعلى لتشغيل المعدات ونقل المحاصيل، في حين ترتفع نفقات شركات البناء والتوزيع.

يأتي ذلك في توقيت حساس للسياسة النقدية الأميركية؛ إذ دفعت قفزة النفط المستثمرين بالفعل إلى زيادة رهاناتهم على رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة لمواجهة التضخم.

أما المسار المقبل للأسعار، فسيتوقف بدرجة كبيرة على مدة اضطراب الإمدادات. فإذا تحسَّنت حركة الناقلات عبر مضيق هرمز وتراجعت أسعار النفط، يمكن أن تنحسر الضغوط سريعاً. لكن استمرار الخام فوق 100 دولار، بالتزامن مع اضطرابات التكرير قد يبقي الديزل فوق مستوياته التاريخية.

وبعد أن كانت ذروة 2022 تمثل المعيار الذي تقاس إليه أزمات الوقود الأميركية، رسم تجاوز 6 دولارات للغالون خطاً جديداً. والخطر الأكبر لا يكمن في الرقم القياسي ذاته، بل في المدة التي سيظل خلالها وقود الاقتصاد الأميركي عند هذه المستويات، ومدى انتقال تكلفته من خزانات الشاحنات إلى أسعار السلع وفواتير المستهلكين.


سندات اليورو تتجه لأسوأ موجة بيع أسبوعية منذ مارس

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

سندات اليورو تتجه لأسوأ موجة بيع أسبوعية منذ مارس

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تراجعت أسعار السندات الحكومية في منطقة اليورو يوم الجمعة، فيما اتجه سوق الديون العالمي نحو تسجيل أسوأ موجة بيع أسبوعية منذ اندلاع الحرب الإيرانية، متأثراً بارتفاع أسعار الطاقة الذي يدفع البنوك المركزية إلى التحرك بسرعة لمكافحة التضخم.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع أسعار الفائدة في منطقة اليورو بمقدار ربع نقطة مئوية يوم الخميس، كما كان متوقعاً، مع رفع توقعاته للتضخم وخفض توقعاته للنمو الاقتصادي، وفق «رويترز».

وقد تؤدي بيانات تضخم أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة، المقرر صدورها في وقت لاحق يوم الجمعة، إلى تعزيز التوقعات بأن يرفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة خلال اجتماعه الأسبوع المقبل. كما يعقد بنك اليابان اجتماعاً الأسبوع المقبل، وسط توقعات واسعة النطاق بأن يرفع هو الآخر تكاليف الاقتراض.

وشهدت عائدات السندات في أكبر سبعة اقتصادات في العالم (مجموعة السبع) أكبر ارتفاع لها هذا الأسبوع منذ بدء الحرب في أواخر فبراير (شباط). وتأثرت العائدات لأجل عامين بشكل خاص، إذ سارع المستثمرون إلى أخذ الاحتمالات المتزايدة لرفع صناع السياسات تكاليف الاقتراض، من طوكيو إلى واشنطن وأوتاوا، في الحسبان، بهدف مواجهة الارتفاع الضار في معدلات التضخم.

وارتفعت عائدات السندات الألمانية لأجل عامين بمقدار 3 نقاط أساس إضافية يوم الجمعة لتصل إلى 3.208 في المائة، وهو أعلى مستوى لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، مسجلة زيادة إجمالية تقارب 23 نقطة أساس هذا الأسبوع، وهي أكبر زيادة منذ الأسبوع الأول للحرب في أوائل مارس (آذار).

وفي المتوسط، ارتفعت عائدات السندات لأجل عامين في دول مجموعة السبع بنحو ربع نقطة مئوية هذا الأسبوع، وهي أكبر زيادة منذ ذلك الأسبوع نفسه، بينما ارتفعت عائدات السندات لأجل 10 سنوات بنحو 20 نقطة أساس، مدفوعة بزيادة قدرها 25 نقطة أساس في عائدات السندات الفرنسية. وفي غضون ذلك، تقترب عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات من مستوى 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكتوبر 2023، وهو مستوى مرتفع سُجل سابقاً في عام 2007.

وقد تضررت السندات قصيرة الأجل بشدة هذا الأسبوع، إلا أن صناع السياسات والمستثمرين يراقبون عن كثب عوائد السندات طويلة الأجل، التي تعكس ثقة المستثمرين في الأوضاع المالية طويلة الأمد للحكومات.

وقال موهيت كومار، المحلل الاستراتيجي في بنك «جيفريز»: «لقد ابتعدنا عن الاستثمار في السندات طويلة الأجل، التي تتأثر بشدة بتغيرات أسعار الفائدة، منذ شهر يوليو. وما زلنا لا نميل إلى شراء السندات طويلة الأجل. ومع ذلك، قد تشهد أسعار الفائدة انفراجة مؤقتة إذا جاءت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين اليوم عند مستويات معتدلة».

وأضاف: «تتموضع السوق حالياً في مراكز بيع، أي مراهنة على ارتفاع العوائد وانخفاض الأسعار، فيما يتعلق بأسعار الفائدة. لكن هذه المراكز تحتاج إلى محفز، ولا تزال رؤيتنا تشير إلى أن بيانات مؤشر أسعار المستهلكين اليوم واجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع المقبل قد يشكلان هذا المحفز».

وسجلت عوائد السندات الألمانية القياسية لأجل 10 سنوات، التي ارتفعت بمقدار 17 نقطة أساس هذا الأسبوع، ارتفاعاً طفيفاً بمقدار نقطة أساس واحدة خلال اليوم لتصل إلى 3.5087 في المائة.

وصرحت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، بأن قرار رفع أسعار الفائدة يوم الخميس كان «خطوة بديهية لا تقبل الجدل»، وحذرت من أن عودة التضخم إلى مستواه المستهدف البالغ 2 في المائة، والتي يُتوقع الآن أن تحدث بحلول نهاية عام 2027، قد تتأخر أكثر من ذلك.

وذكرت مصادر مطلعة على المناقشات أن توقعات التضخم قد تدهورت إلى درجة تجعل من المرجح اتخاذ المزيد من إجراءات التشديد النقدي، وهو خيار قد يُطرح للنقاش في أقرب وقت ممكن بحلول 29 أكتوبر.

وتشير بيانات أسواق المال إلى أن المتداولين يتوقعون أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة ثلاث مرات إضافية بحلول مارس المقبل، مع احتمال رفعها للمرة الرابعة بحلول يونيو.

وعلى صعيد منطقة اليورو، ارتفعت العوائد بشكل واسع النطاق؛ إذ بلغ عائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات 4.383 في المائة، بزيادة نقطة أساس واحدة، بينما سجلت السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات عائداً قدره 4.429 في المائة، لتظل مستقرة خلال اليوم، لكنها سجلت ارتفاعاً إجمالياً قدره 24 نقطة أساس هذا الأسبوع، وهي أكبر زيادة أسبوعية منذ منتصف مايو (أيار).