الصين تشدد رقابة الأموال... و«المركزي» يراكم الذهب

تحركات بكين تكشف نهجاً أكثر حذراً في إدارة الثروة ورأس المال

زحام على شاطئ في مدينة داليان شرق الصين بالتزامن مع إطلاق إنذار برتقالي بموجة حارة (رويترز)
زحام على شاطئ في مدينة داليان شرق الصين بالتزامن مع إطلاق إنذار برتقالي بموجة حارة (رويترز)
TT

الصين تشدد رقابة الأموال... و«المركزي» يراكم الذهب

زحام على شاطئ في مدينة داليان شرق الصين بالتزامن مع إطلاق إنذار برتقالي بموجة حارة (رويترز)
زحام على شاطئ في مدينة داليان شرق الصين بالتزامن مع إطلاق إنذار برتقالي بموجة حارة (رويترز)

تكشف أحدث التحركات الصينية عن اتجاه أكثر صرامة في إدارة تدفقات الأموال والثروات عبر الحدود، بالتوازي مع استمرار بنك الشعب الصيني في تعزيز احتياطياته من الذهب والعملات الأجنبية. فمن جهة، أوضحت السلطات الضريبية أن عوائد وثائق التأمين الخارجية تخضع للضريبة المحلية بالنسبة إلى المقيمين ضريبياً في الصين، ومن جهة أخرى واصل البنك المركزي شراء الذهب للشهر الحادي والعشرين على التوالي، في خطوة تعكس رغبة بكين في تعزيز هوامش الأمان المالي وسط تقلبات الأسواق العالمية وتصاعد المخاطر الجيوسياسية.

وقالت إدارة الضرائب الحكومية الصينية، حسب تقرير لوسيلة إعلام محلية، إن جميع الدخول الخارجية للمقيمين ضريبياً في الصين تخضع للمعاملة نفسها، سواء كانت ناتجة عن وثائق تأمين في الخارج أو استثمارات مالية أخرى، مؤكدة ضرورة الإفصاح عنها ودفع الضرائب المستحقة وفقاً للقانون.

وجاء هذا التوضيح بعد تقارير أفادت بتشديد السلطات المحلية جهود الامتثال الضريبي عبر الحدود ومراجعة الدخول الخارجية التي لم يسبق للمقيمين التصريح عنها. وكانت مصادر مطلعة قد كشفت عن أن سلطات الضرائب في بكين وهانغتشو بدأت تطبيق ضريبة دخل شخصية بنسبة 20 في المائة على العوائد الناتجة عن وثائق التأمين المشتراة في هونغ كونغ، بما في ذلك توزيعات الأرباح والفوائد على الأقساط المدفوعة مقدماً.

وأكد مسؤول ضريبي أن فرض الضرائب على الدخل الخارجي للمقيمين ليس سياسة جديدة، بل ممارسة قائمة منذ تطبيق قانون ضريبة الدخل الشخصي الصيني، موضحاً أن عوائد التأمين في الخارج لا تتمتع بمعاملة استثنائية مقارنة بمصادر الدخل الأخرى.

وتحمل الخطوة أهمية خاصة لهونغ كونغ، التي لطالما شكلت القناة الرئيسية التي يستخدمها المستثمرون الصينيون لتنويع أصولهم خارج البر الرئيسي، لا سيما من خلال وثائق التأمين والمنتجات الادخارية والاستثمارية المقومة بالدولار والعملات الأجنبية الأخرى.

ومن شأن زيادة التدقيق الضريبي أن تقلل جاذبية بعض المنتجات الخارجية، خصوصاً إذا أصبحت العوائد بعد الضريبة أقل تنافسية مقارنة بالمنتجات المحلية. كما يرى محللون أن التحرك قد يندرج ضمن سياسة أوسع تستهدف إبقاء جزء أكبر من المدخرات داخل النظام المالي المحلي وتقليل خروج رؤوس الأموال في وقت تسعى فيه بكين إلى دعم أسواقها المحلية.

• تعزيز الاحتياطي

ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه الصين تعزيز احتياطياتها الرسمية من الذهب بوتيرة متسارعة. فقد أظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن حيازاته من المعدن الأصفر ارتفعت إلى 76.08 مليون أونصة تروي بنهاية يوليو (تموز)، مقارنة بـ75.44 مليون أونصة في يونيو (حزيران).

وبذلك أضاف البنك المركزي نحو 640 ألف أونصة، أي ما يقارب 20 طناً مترياً من الذهب خلال شهر واحد، وهي أكبر زيادة شهرية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023. كما واصل البنك شراء الذهب للشهر الحادي والعشرين على التوالي، في سلسلة تعكس تحولاً واضحاً نحو زيادة حصة المعدن الأصفر داخل الاحتياطيات الرسمية.

وتسارعت وتيرة الشراء خلال الأشهر الأخيرة، بعدما أضاف البنك نحو 160 ألف أونصة في مارس (آذار)، ثم زاد الكميات تدريجياً حتى بلغت 480 ألف أونصة في يونيو، قبل القفزة الأكبر في يوليو.

وارتفعت القيمة الإجمالية لاحتياطيات الذهب الصينية إلى 306.35 مليار دولار بنهاية يوليو، مقارنة بـ303.72 مليار دولار في نهاية الشهر السابق، مستفيدة أيضاً من ارتفاع أسعار المعدن عالمياً.

وكان الذهب قد ارتفع بنحو 0.84 في المائة خلال يوليو، لينهي أربعة أشهر متتالية من التراجع، مدعوماً ببيانات تضخم أميركية أقل حدة وتراجع أسعار النفط، وهو ما دفع الأسواق إلى خفض توقعاتها بشأن المزيد من رفع أسعار الفائدة الأميركية.

وجرى تداول الذهب الفوري مؤخراً فوق مستوى 4310 دولارات للأونصة. ولا تقتصر استراتيجية بكين على الذهب، إذ واصلت أيضاً الحفاظ على واحدة من أكبر احتياطيات النقد الأجنبي في العالم. فقد ارتفعت الاحتياطيات إلى 3.419 تريليون دولار في يوليو، مقارنة بـ3.416 تريليون دولار في يونيو، وإن جاءت الزيادة أقل قليلاً من توقعات المحللين البالغة 3.422 تريليون دولار.

وجاء ارتفاع الاحتياطيات في وقت تراجع فيه الدولار مقابل سلة من العملات العالمية بنحو 1.34 في المائة خلال الشهر، بينما ارتفع اليوان الصيني بنسبة 0.52 في المائة أمام العملة الأميركية، وهو ما أثر في تقييم الأصول الأجنبية التي تحتفظ بها بكين.

وتوفر المستويات المرتفعة للاحتياطيات غطاء مهماً للصين في مواجهة تقلبات أسواق العملات وتدفقات رؤوس الأموال، كما تمنح البنك المركزي مرونة أكبر في إدارة سعر صرف اليوان إذا تعرض لضغوط حادة. وتعكس زيادة شراء الذهب، بالتوازي مع استقرار احتياطيات النقد الأجنبي، توجهاً صينياً نحو تنويع مكونات الاحتياطي وتقليل الاعتماد النسبي على الأصول المقومة بالدولار، وهي استراتيجية اكتسبت زخماً خلال السنوات الأخيرة مع تصاعد المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية بين الصين والولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، فإن تشديد الرقابة على الدخل الخارجي للمواطنين والمقيمين يشير إلى أن إدارة الثروات الخاصة أصبحت جزءاً مكملاً لهذه الاستراتيجية الأوسع، حيث تسعى السلطات إلى تعزيز الشفافية الضريبية، وزيادة الامتثال، وتقليص احتمالات خروج الأموال عبر قنوات استثمارية يصعب مراقبتها.

ويبرز من مجمل هذه التطورات أن بكين تتحرك على مسارين متوازيين: الأول يتعلق بتحصين احتياطيات الدولة من خلال الذهب والعملات الأجنبية، والثاني بتشديد الرقابة على حركة رأس المال الخاص والدخل المحقق في الخارج. وفي ظل استمرار التوترات التجارية والتكنولوجية العالمية وتقلب أسعار الفائدة والعملات، يبدو أن الصين تفضل بناء هوامش أمان أكبر في ميزانيتها الخارجية، مع إبقاء تدفقات الثروات الخاصة تحت رقابة أكثر دقة.


مقالات ذات صلة

الأسهم الصينية تقترب من أدنى مستوياتها خلال عام

الاقتصاد شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

الأسهم الصينية تقترب من أدنى مستوياتها خلال عام

واصلت الأسهم الصينية تراجعها خلال تعاملات الأربعاء، مقتربة من أدنى مستوياتها في نحو عام، مع تعمق موجة البيع في الشركات المرتبطة بسلاسل توريد الذكاء الاصطناعي

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا خلال فعاليات بانكوك (رويترز)

مديرة صندوق النقد تدعو واشنطن والدول الغنية إلى التحرك العاجل لمواجهة الديون

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، الأربعاء، إن على الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغنية التحرك بصورة عاجلة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

الأسهم اليابانية تتراجع بضغط من شركات الرقائق

أنهت الأسهم اليابانية تعاملات الأربعاء على تراجع طفيف، بعدما تلاشت مكاسبها المبكرة تحت ضغط أسهم شركات أشباه الموصلات

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
خاص أحد الفنيين يعمل على أحد أجهزة حلول الآبار (الشركة)

خاص «طاقة» السعودية توسع حضورها الدولي من أذربيجان وكازاخستان إلى سوريا

تُوسّع شركة التصنيع وخدمات الطاقة «طاقة» السعودية حضورها الدولي في أذربيجان وكازاخستان وسوريا، بالتوازي مع تطوير حلول الآبار والتقنيات المتخصصة.

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد تحضير النحاس المنصهر خلال عملية التصنيع في مصفاة «غلينكور» للنحاس في مونتريال بكندا (أ.ف.ب)

النحاس يرتفع وسط مخاوف إمدادات تشيلي وترقب تطورات المناجم

ارتفعت أسعار النحاس، الأربعاء، مدعومة بمخاوف بشأن الإمدادات من تشيلي، أكبر منتج للمعدن في العالم، بينما تتابع الأسواق التطورات في عدد من مناجم النحاس الرئيسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

معدات نفطية جديدة تصل لفنزويلا بعد سنوات من غياب الاستثمارات

مشهد لمنشآت في مصفاة بويرتو لا كروز لتكرير النفط التابعة لشركة النفط الحكومية الفنزويلية (رويترز)
مشهد لمنشآت في مصفاة بويرتو لا كروز لتكرير النفط التابعة لشركة النفط الحكومية الفنزويلية (رويترز)
TT

معدات نفطية جديدة تصل لفنزويلا بعد سنوات من غياب الاستثمارات

مشهد لمنشآت في مصفاة بويرتو لا كروز لتكرير النفط التابعة لشركة النفط الحكومية الفنزويلية (رويترز)
مشهد لمنشآت في مصفاة بويرتو لا كروز لتكرير النفط التابعة لشركة النفط الحكومية الفنزويلية (رويترز)

أعلنت «نابيب»، وهي الشركة المختارة لإدارة الاتفاق الذي ستحصل بموجبه واشنطن على حصة 20 في المائة من احتياطات النفط الضخمة في فنزويلا، وصول معدات نفطية جديدة إلى البلاد.

وبموجب اتفاق أُعلن أواخر أغسطس (آب) بين واشنطن وكاراكاس، ستتولى شركة «نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز»، وهي ثاني أكبر شركة نفط خاصة في فنزويلا، إدارة امتيازات مدتها 100 عام لـ17 حقلاً للنفط الخام تبلغ احتياطاتها 65 مليار برميل، وفقاً للبيت الأبيض.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد رحّب بـ«أكبر اتفاق نفطي في تاريخ العالم». وبموجبه، تمنح شركة «نابيب» واشنطن إمكان شراء 20 في المائة من إنتاجها بسعر الكلفة، كما منحت حصة تبلغ 35 في المائة في شركتها الأم لهيئة تابعة لوزارة الدفاع الأميركية.

ومن بين المعدات الجديدة التي وصلت الأسبوع الماضي، منصتان للحفر بالإضافة إلى 11 منصة جديدة مخصصة لإعادة تأهيل آبار النفط. وقالت الشركة في بيان إنها «المرة الأولى منذ أكثر من 15 عاماً التي تُستخدم فيها أنظمة متنقلة جديدة لإصلاح الآبار وصيانتها في حقول النفط الفنزويلية».

وأكد أليخاندرو بيتانكورت، الرئيس التنفيذي للشركة الذي يواجه إجراءات قضائية في إسبانيا وسويسرا بتهمة غسل الأموال أن «كل منصة نفطية تصل إلى فنزويلا تقرّبنا من تحقيق أهدافنا الإنتاجية ومن إنعاش اقتصاد بلادنا».

وفي يونيو (حزيران)، لم يكن لدى فنزويلا سوى منصتي حفر قيد التشغيل، وفقاً لشركة «بيكر هيوز» الأميركية، مقارنة بأكثر من مائة منصة قبل عقدين. ومذاك، شهدت صناعة النفط انهياراً فعلياً نتيجة نقص الاستثمارات والفساد والعقوبات الأميركية.

ومنذ اعتقال الولايات المتحدة الرئيس نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني)، ارتفع حجم الإنتاج من 800 ألف برميل يومياً ليصل إلى نحو 1.2 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ3 ملايين برميل في نهاية القرن العشرين.


الكويت تبيع شحنة نفتا للتسليم بميناء الوصول أوائل نوفمبر

ناقلة نفط في عرض البحر (رويترز)
ناقلة نفط في عرض البحر (رويترز)
TT

الكويت تبيع شحنة نفتا للتسليم بميناء الوصول أوائل نوفمبر

ناقلة نفط في عرض البحر (رويترز)
ناقلة نفط في عرض البحر (رويترز)

أفادت وثيقة عطاء ومتعاملون مشاركون في السوق، يوم الأربعاء، بأن مؤسسة البترول الكويتية باعت 85 ألف طن من النفتا كاملة المدى، بعلاوة تزيد على 120 دولاراً للطن، فوق أسعار اليابان القياسية للنصف الثاني من ديسمبر (كانون الأول)، وذلك على أساس التسليم من على ظهر السفينة في ميناء الوصول.

وأظهرت وثيقة العطاء أنه من المقرر تحميل الشحنة في الفترة بين 1 و11 من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وقال أحد تجار النفتا إن مؤسسة البترول الكويتية، المملوكة للدولة، أرست آخِر عطاء سابق بكمية 55 ألف طن لوقت التحميل نفسه، بعلاوة بين 70 و75 دولاراً للطن فوق أسعار اليابان القياسية على أساس التسليم في ميناء الوصول أيضاً.

والعطاء هو الثالث لمؤسسة البترول الكويتية في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وبذلك يبلغ إجمالي الكميات المبيعة حتى الآن، هذا الشهر، 175 ألف طن عبر العطاءات.


مبيعات النفط لـ«دي إن أو» النرويجية من كردستان تزيد الضعف

حقل نفط في إقليم كردستان العراق (إكس)
حقل نفط في إقليم كردستان العراق (إكس)
TT

مبيعات النفط لـ«دي إن أو» النرويجية من كردستان تزيد الضعف

حقل نفط في إقليم كردستان العراق (إكس)
حقل نفط في إقليم كردستان العراق (إكس)

أعلنت شركة «دي إن أو» النرويجية، الأربعاء، ارتفاع صافي الإنتاج في بحر الشمال إلى 85 ألفاً و364 برميلاً مكافئاً نفطياً يومياً مقابل 77 ألفاً و324 برميلاً مكافئاً نفطياً يومياً في الربع الثالث من عام 2026.

وزادت أسعار النفط المحققة من بحر الشمال إلى 99.6 دولار للبرميل من 72 دولاراً للبرميل في العام السابق.

وأفادت الشركة، في نتائجها التشغيلية للربع الثالث، بأن أسعار الغاز المحققة من بحر الشمال صعدت إلى 122.9 دولار لكل برميل مكافئ نفطي مقابل 63.8 دولار لكل برميل مكافئ نفطي.

وقفزت مبيعات النفط الخام من إقليم كردستان العراق بنحو المثلين إلى 28 ألفاً و58 برميلاً مكافئاً نفطياً يومياً من 14 ألفاً و449 برميلاً مكافئاً نفطياً يومياً في الربع الثالث من عام 2026، مقارنة بـ«صفر» خلال الربع الثاني من عام 2026.

وارتفعت أسعار النفط المحققة في كردستان إلى 38.5 دولار للبرميل من 31.2 دولار للبرميل خلال الربع الثالث من عام 2026. وفق بيان الشركة.

واستأنفت الشركة الإنتاج في كردستان بنهاية يونيو (حزيران) الماضي بعد توقف العمليات لأسباب أمنية عقب الهجمات الأميركية -الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير (شباط) 2026.

وارتفع إجمالي الإنتاج في حقلي «طاوكي» و«فيشخابور» النفطيين اللذين تشغلهما الشركة في كردستان إلى 73 ألفاً و219 برميلاً يومياً من 46 ألفاً و572 برميلاً يومياً قبل عام.