صادرات الصين تستفيد من طفرة الذكاء الاصطناعي

بالتزامن مع معاناة الاقتصاد المحلي

آلاف الحاويات تنتظر دورها للتصدير في ميناء شنغهاي الصيني (أ.ف.ب)
آلاف الحاويات تنتظر دورها للتصدير في ميناء شنغهاي الصيني (أ.ف.ب)
TT

صادرات الصين تستفيد من طفرة الذكاء الاصطناعي

آلاف الحاويات تنتظر دورها للتصدير في ميناء شنغهاي الصيني (أ.ف.ب)
آلاف الحاويات تنتظر دورها للتصدير في ميناء شنغهاي الصيني (أ.ف.ب)

شهدت صادرات الصين ارتفاعاً ملحوظاً في يونيو (حزيران)، مدعومةً بطلبات شراء الرقائق الإلكترونية وقوة الحوسبة لتغذية طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية، مما زاد من اعتماد المنتجين على المشترين الأجانب، في حين يواصل صناع السياسات في ثاني أكبر اقتصاد في العالم البحث عن سبل لتعزيز الطلب المحلي.

يُبقي الأداء التجاري الأقوى من المتوقع الصين على المسار الصحيح لتحقيق فائض يتجاوز تريليون دولار للعام الثاني على التوالي، مع استمرار المصانع في الحفاظ على المبيعات على الرغم من تباطؤ النمو في الاقتصادات الكبرى والتوترات التجارية مع واشنطن.

وأظهرت بيانات الجمارك الصادرة يوم الثلاثاء ارتفاع الصادرات بنسبة 27 في المائة مقارنةً بالعام الماضي من حيث القيمة بالدولار الأميركي، مسجلةً بذلك أفضل أداء لها في أربعة أشهر، ومتجاوزةً بذلك نسبة 19.4 في المائة المسجلة في مايو (أيار)، ونسبة 18.2 في المائة التي توقعها الاقتصاديون.

وقفزت الواردات بنسبة 36 في المائة، مقارنةً بنسبة 27.4 في المائة المسجلة في الشهر السابق، وهو أعلى مستوى لها في خمس سنوات. وكان الاقتصاديون قد توقعوا نمواً بنسبة 24 في المائة لشهر يونيو.

وقال شو تيانتشن، كبير الاقتصاديين في وحدة الاستخبارات الاقتصادية في بكين: «يشير استمرار قوة الصادرات، مدفوعةً بشكل رئيسي بالذكاء الاصطناعي، إلى تحسن أداء النصف الثاني من العام، إلى جانب مزيج سياسات توسعية، وتسريع الإنفاق الحكومي، وتيسير نقدي معتدل، فضلاً عن تهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط، الأمر الذي سيعود بالنفع على الصين من خلال انخفاض أسعار النفط». وأضاف: «لكن الطلب المحلي لا يزال يمثل عائقاً. فمبيعات التجزئة لا تزال مستقرة إلى حد كبير، وكان الاستثمار في الأصول الثابتة سلبياً الشهر الماضي».

وبلغ فائض الميزان التجاري الصيني 125.6 مليار دولار في يونيو، مرتفعاً من 105.4 مليار دولار في الشهر السابق. ويبلغ العجز التجاري منذ بداية العام 575.98 مليار دولار مقابل 585.96 مليار دولار في يونيو الماضي، على الرغم من أن الواردات نمت بوتيرة أسرع من الصادرات لعدة أشهر متتالية.

وفي ظل استمرار عجز صناع السياسات عن إيجاد حل لأزمة العقارات الممتدة التي أثرت سلباً على الطلب المحلي لسنوات، يبدو أن أمام المصنّعين الصينيين خيارات محدودة غير البيع في الخارج.

وبلغت نسبة الصادرات السنوية إلى إجمالي مبيعات التصنيع 24 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، وفقاً لتقرير حديث صادر عن شركة «غافيكال دراغونوميكس» الاستشارية، وهو أعلى مستوى منذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001. وفي عام 2019، بلغت النسبة 18.3 في المائة، ثم ارتفعت إلى 22.3 في المائة في العام الماضي. وقال التقرير: «يُعد هذا الرقم مرتفعاً بالنسبة لدولة صغيرة تركز على التصدير؛ أما بالنسبة لثاني أكبر اقتصاد في العالم، فهو رقمٌ لافتٌ للنظر».

وقال تشيوي تشانغ، كبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول: «أعتقد أن الصادرات ستظل قوية في النصف الثاني من العام... في الوقت نفسه، يُزيد هذا من حدة التوترات التجارية بين الصين وشركائها التجاريين، ولا سيما أوروبا».

تعويض الخسائر

ويُساعد الارتفاع الكبير في الاستثمار العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي أكبر مُصنِّع في العالم على تعويض الخسائر المتوقعة في الصادرات جراء اضطرابات الشرق الأوسط.

ويبدو أن الصين تُقلّص مخزوناتها من الطاقة بدلاً من رفع الأسعار على مُنتجيها. فقد بلغت واردات النفط لأكبر مُستورد للطاقة في العالم في يونيو أدنى مستوى لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وفقاً لحسابات «رويترز».

وانخفضت مشتريات الغاز الطبيعي منذ بداية العام بنسبة 3.4 في المائة مقارنةً بالعام الماضي، مما يشير إلى اعتماد الصين على الفحم لتعويض النقص. وقد قفزت واردات الفحم بنسبة سنوية بلغت 29 في المائة في يونيو.

ويعني الطلب العالمي القوي على الرقائق الإلكترونية أن بعض قطاعات الاقتصاد الصيني، البالغ حجمه 20 تريليون دولار، ستواصل ازدهارها بينما تعاني قطاعات أخرى من الركود.

وصرح جوليان إيفانز - بريتشارد، رئيس قسم الاقتصاد الصيني في «كابيتال إيكونوميكس»، بأن ارتفاع قيمة الواردات «لا ينبغي عدّه دليلاً على ازدهار الطلب المحلي». وأضاف: «كما هي الحال مع الصادرات، تلعب أسعار أشباه الموصلات المرتفعة دوراً رئيسياً في زيادة قيمة الواردات».

وأظهرت البيانات أن الواردات من كوريا الجنوبية، وهي دولة رائدة في تصنيع الرقائق الإلكترونية، ارتفعت بنسبة 85 في المائة مقارنةً بالعام الماضي، بينما ارتفعت المشتريات من تايوان، وهي دولة أخرى رائدة في تصنيع أشباه الموصلات، بنسبة 41.1 في المائة خلال الفترة نفسها.

ثقة رغم الضغوط

وأعرب نائب وزير الجمارك، وانغ جون، عن ثقته في أن صادرات الصين، القوة الإنتاجية الرائدة، ستظل قوية خلال النصف الثاني من العام، رغم الضغوط الخارجية، مشيراً بشكل خاص إلى صادرات التكنولوجيا.

وأظهرت بيانات منفصلة عن النشاط الصناعي لشهر يونيو، صدرت أواخر الشهر الماضي، أن الطلب الخارجي بدأ يتعافى، لكن أسعار المصانع استمرت في الانخفاض مع خفض الشركات لأسعارها سعياً وراء كسب عملاء متضررين من ارتفاع تكاليف الطاقة المرتبطة بالصراع الإيراني.

وتكمن المشكلة في أن صادرات التكنولوجيا وحدها لا تكفي لدعم اقتصاد بأكمله، على الأقل ليس لفترة طويلة.

ومن المتوقع أن يُشكل ضعف الطلب المحلي عبئاً، حيث تشير التوقعات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي سينمو بنسبة 4.5 في المائة فقط على أساس سنوي خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو، متراجعاً من 5.0 في المائة في الربع الأول، وفقاً لاستطلاع أجرته «رويترز». ومن المقرر صدور بيانات الناتج المحلي الإجمالي يوم الأربعاء.


مقالات ذات صلة

«سوفت بنك»: الذكاء الاصطناعي بحاجة لاستثمارات سنوية بـ5 تريليونات دولار

الاقتصاد ماسايوشي سون الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك» في مؤتمر بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

«سوفت بنك»: الذكاء الاصطناعي بحاجة لاستثمارات سنوية بـ5 تريليونات دولار

وصف ماسايوشي سون، الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك»، المخاوف بشأن فقاعة في استثمارات الذكاء الاصطناعي بأنها سخيفة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رجال يعبرون أمام شعار المبادرة في الرياض (رويترز)

«مبادرة مستقبل الاستثمار» تعقد نسختها العاشرة في الرياض بأكتوبر

تستضيف الرياض النسخة العاشرة من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»، خلال الفترة من 26 إلى 29 أكتوبر؛ احتفالاً بمرور عقد على تأسيس المبادرة تحت شعار «قوة الإرث».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سيدة تستخدم مظلة لحمايتها من الشمس في أحد الأحياء التجارية بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

اليابان تؤكد استقلالية البنك المركزي في خطتها الاقتصادية

ستضيف الحكومة اليابانية حاشية في خطتها الاقتصادية تشير إلى بند ينص على ضرورة حماية استقلالية البنك المركزي في وضع السياسة النقدية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)

الصادرات تنقذ الأسهم الصينية من أدنى مستوى في 3 أشهر

انتعشت الأسهم الصينية من أدنى مستوى لها في ثلاثة أشهر، الثلاثاء، مدعومة ببيانات قوية للصادرات رفعت معنويات المستثمرين

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

«نيكي» يرتفع مدفوعاً بإغراء الأسعار وانتعاش «كوسبي»

ارتفع مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم، الثلاثاء، مدعوماً بعمليات شراء بأسعار مغرية ورياح مواتية من السوق الكورية الجنوبية...

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

وارش في أول شهادة أمام الكونغرس: أولويتنا إعادة التضخم إلى المستهدف

وارش يتحدث في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو (رويترز)
وارش يتحدث في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو (رويترز)
TT

وارش في أول شهادة أمام الكونغرس: أولويتنا إعادة التضخم إلى المستهدف

وارش يتحدث في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو (رويترز)
وارش يتحدث في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو (رويترز)

بعث رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفين وارش، برسالة مزدوجة إلى الأسواق في أول شهادة له أمام الكونغرس؛ إذ تعهد بإعادة التضخم إلى مستهدف البنك المركزي عبر «سياسة نقدية صحيحة»، مؤكداً في الوقت ذاته أن الاقتصاد الأميركي يواصل إظهار متانة لافتة، مدعوماً بطفرة غير مسبوقة في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي يتوقع أن تعزز النمو والإنتاجية على المدى الطويل.

وتحظى شهادة رئيس الاحتياطي الفيدرالي أمام الكونغرس بأهمية استثنائية، إذ تعد المناسبة الرسمية التي يعرض فيها تقييم البنك المركزي للاقتصاد الأميركي، كما تمثل فرصة للأسواق لاستخلاص إشارات بشأن المسار المستقبلي للفائدة. وتكتسب جلسة هذا الأسبوع وزناً أكبر لأنها الأولى لوارش منذ توليه رئاسة البنك المركزي في مايو (أيار)، بعد أشهر من الجدل حول مدى استقلاليته عن الرئيس دونالد ترمب.

ففي شهادته أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب، التي تسبق جلسة ثانية أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ الأربعاء، رسم وارش ملامح المرحلة الجديدة للبنك المركزي الأميركي، واضعاً مكافحة التضخم واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي وإصلاح المؤسسة في صدارة أولوياته، بينما تجنب بالكامل إعطاء أي إشارة إلى قرب خفض أسعار الفائدة، رغم الضغوط المتكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال وارش في نص شهادته المعد مسبقاً: «الهدف الأول للاحتياطي الفيدرالي هو الوصول إلى السياسة النقدية الصحيحة، أو أقرب ما يكون إليها، وإذا نجحنا في ذلك - وسننجح - فإن موجة التضخم التي شهدتها الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس الماضية ستصبح جزءاً من الماضي».

ترمب يلقي كلمة خلال مراسم أداء اليمين الدستورية لوارش في البيت الأبيض (رويترز)

تباطؤ التضخم... لكن المخاطر قائمة

وتزامنت تصريحات وارش مع صدور بيانات أظهرت تباطؤ التضخم في الولايات المتحدة خلال يونيو (حزيران) بأكثر من توقعات الأسواق، في تطور قد يخفف الضغوط على الأسر الأميركية، لكنه لا يحسم بعد مسار أسعار الفائدة في ظل استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط، وعودة أسعار النفط إلى الارتفاع. فقد تباطأ مؤشر أسعار المستهلكين إلى 3.5 في المائة على أساس سنوي في يونيو، مقارنة مع 4.2 في المائة في مايو، بينما كانت توقعات الاقتصاديين تشير إلى 3.8 في المائة.

كما تراجع المؤشر الشهري بنسبة 0.4 في المائة بعد ارتفاعه 0.5 في المائة في الشهر السابق، في حين استقر التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، عند 2.6 في المائة على أساس سنوي، منخفضاً من 2.9 في المائة في مايو، ولم يسجل أي زيادة شهرية.

غير أن هذا التحسن قد يكون مؤقتاً؛ إذ انهارت الهدنة خلال الأسبوع الماضي بعد تجدد الهجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز، أعقبها تصعيد عسكري جديد بين واشنطن وطهران، وإعلان الولايات المتحدة إعادة فرض حصار بحري على إيران، وهو ما أعاد أسعار النفط إلى الارتفاع مجدداً.

ولذلك، يرى المستثمرون أن بيانات يونيو، رغم إيجابيتها، قد لا تكون كافية لتغيير مسار السياسة النقدية، في ظل احتمال عودة الضغوط التضخمية إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة خلال الأشهر المقبلة.

التضخم... الأولوية المطلقة

ورغم أن الأسواق كانت تترقب أي إشارة إلى توقيت خفض أسعار الفائدة، فإن وارش حرص على توجيه النقاش نحو قضية مختلفة تماماً، مؤكداً أن المهمة الأساسية للبنك المركزي لا تزال استعادة استقرار الأسعار.

وقال إن موجة التضخم الممتدة منذ عام 2021 فرضت عبئاً ثقيلاً على الأسر والشركات الأميركية، بينما أسهمت الزيادات الأخيرة في أسعار الطاقة في زيادة الضغوط المعيشية، مضيفاً أن التقلبات الشهرية للأسعار تبقى أمراً طبيعياً في عالم يشهد اضطرابات متلاحقة، إلا أن التضخم المستدام يظل في نهاية المطاف نتاج السياسة النقدية.

وأكد أن أعضاء لجنة السوق المفتوحة «لا يتسامحون مع استمرار التضخم المرتفع»، وأنهم ملتزمون بإعادته إلى المستهدف البالغ 2 في المائة، وهو الهدف الذي لم يتحقق منذ خمس سنوات.

وتحمل هذه الرسائل أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت بدأت فيه الأسواق تراهن على احتمال تخفيف السياسة النقدية خلال النصف الثاني من العام، وهو ما لم يمنح وارش أي دعم له في شهادته.

لا خفض للفائدة... حتى الآن

ولعل أبرز ما لفت انتباه المستثمرين أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي لم يأتِ على ذكر خفض أسعار الفائدة إطلاقاً، في مؤشر ينسجم مع موقفه خلال أول اجتماع للجنة السياسة النقدية في يونيو، عندما أبقى الفائدة دون تغيير ولم يناقش حتى خيار التخفيض.

ويمثل ذلك استمراراً للنهج المتشدد الذي تبناه منذ توليه المنصب، رغم أن الرئيس دونالد ترمب كان قد اختاره بعد أن أكد مراراً رغبته في رؤية رئيس للاحتياطي الفيدرالي أكثر ميلاً إلى خفض الفائدة. لكن وارش بدا حريصاً على تأكيد أن قرارات السياسة النقدية ستبقى مبنية على البيانات الاقتصادية، وليس على الاعتبارات السياسية.

امرأة تتسوق لشراء البقالة بمتجر في لوس أنجليس (إ.ب.أ)

أول اختبار للاستقلالية

وتكتسب شهادة وارش أهمية استثنائية؛ لأنها تمثل أول مواجهة مباشرة له مع الكونغرس منذ توليه المنصب. فعندما أدى اليمين في مايو، لم يُخفِ ترمب دعمه له، بل قال أمام الحضور: «اذهب وأنجز المهمة».

غير أن الخطوات الأولى التي اتخذها وارش منذ توليه رئاسة الاحتياطي الفيدرالي رسمت صورة مختلفة. فقد حافظ على أسعار الفائدة دون تغيير، ولم يبدِ أي استعداد للاستجابة الفورية لمطالب البيت الأبيض بخفضها، كما شكل فرق عمل ضمت شخصيات أكاديمية ومصرفية معروفة بخبرتها المهنية، بعيداً عن الأسماء ذات الخلفيات الحزبية التي شغلت مناصب في مؤسسات اتحادية أخرى.

ويرى جون فوست، المستشار السابق لرئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق جيروم باول، أن المخاوف من أن يتحول وارش إلى مجرد منفذ لرغبات الرئيس الأميركي تراجعت سريعاً بعد أول مؤتمر صحافي له. وقال إن رسالته كانت واضحة منذ البداية، إذ أظهر ميلاً إلى الحفاظ على السياسة النقدية المشددة أكثر من أي ميل نحو التيسير.

الذكاء الاصطناعي... بين الفرصة ومخاطر التضخم

ومن بين أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في شهادة وارش تغير نبرته تجاه الذكاء الاصطناعي. فبعدما كان قبل توليه رئاسة الاحتياطي الفيدرالي يرى أن الذكاء الاصطناعي سيقود إلى طفرة إنتاجية تخفض التضخم سريعاً، بدا في شهادته أكثر تحفظاً، معترفاً بأن هذه المكاسب قد تستغرق وقتاً حتى تظهر.

وقال إن الاقتصاد الأميركي يشهد حالياً أكبر موجة استثمار في مراكز البيانات، والبنية التحتية الرقمية، والرقائق الإلكترونية، والبرمجيات، مؤكداً أن هذه الاستثمارات تمثل السمة الأبرز للاقتصاد الأميركي في المرحلة الحالية.

وأضاف: «لا نعرف إلى أي مدى سيستفيد الاقتصاد من ثورة الذكاء الاصطناعي، لكن يبدو حتمياً أن ما نسميه اليوم استثماراً في الذكاء الاصطناعي سيصبح قريباً مجرد استثمار».

وفي المقابل، أقر بأن هذه الطفرة الاستثمارية ترفع حالياً الطلب على رأس المال، والعمالة الماهرة، والبنية التحتية، وهو ما قد يولد ضغوطاً تضخمية مؤقتة، قبل أن تبدأ مكاسب الإنتاجية بالظهور على المدى الطويل.

مراجعة شاملة للاحتياطي الفيدرالي

وبالتوازي مع موقفه من السياسة النقدية، أشار وارش إلى إطلاق خمس فرق عمل لإجراء مراجعة شاملة لعمل الاحتياطي الفيدرالي، تشمل سياسات التواصل مع الأسواق، والبنية التكنولوجية، والميزانية العمومية، والبيانات الاقتصادية المستخدمة في صنع القرار، وآليات قياس التضخم.

ووصف هذه المبادرة بأنها تمثل بداية «فصل جديد» في تاريخ البنك المركزي الأميركي، مؤكداً أن الهدف هو تحديث المؤسسة وتحسين أدواتها، وليس تغيير رسالتها الأساسية.

ويرى مراقبون أن هذه المراجعة قد تكون الأوسع داخل الاحتياطي الفيدرالي منذ الأزمة المالية العالمية، وأنها تعكس رغبة وارش في ترك بصمة مؤسسية تتجاوز ملف أسعار الفائدة.

الأنظار إلى البيانات... لا إلى الخطابات

ورغم الأهمية السياسية لشهادته أمام الكونغرس، فإن الأسواق تدرك أن الاختبار الحقيقي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي لن يكون في قاعات الاستماع، بل في البيانات الاقتصادية المقبلة.

فإذا استمرت معدلات التضخم مرتفعة، ولا سيما مع استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات التجارة العالمية، فقد يجد وارش نفسه مضطراً إلى الإبقاء على السياسة النقدية مشددة لفترة أطول، حتى لو اصطدم ذلك برغبة الإدارة الأميركية في خفض الفائدة.

أما إذا بدأت الضغوط السعرية بالتراجع تدريجياً، فقد يكتسب البنك المركزي مساحة أكبر للمناورة، دون التفريط في مصداقيته التي جعلها وارش محور رسالته الأولى إلى الكونغرس.

وبينما يترقب المستثمرون الخطوات المقبلة، تبدو الرسالة الأساسية التي أراد رئيس الاحتياطي الفيدرالي إيصالها واضحة: استقرار الأسعار سيبقى البوصلة التي توجه السياسة النقدية، وأن استقلالية البنك المركزي لن تكون موضع مساومة، حتى في ظل أكثر البيئات السياسية والاقتصادية تعقيداً.


صدمة إيرادات «آي بي إم» تهبط بسهمها 20 % وتضغط على قطاع البرمجيات

يظهر شعار شركة «آي بي إم» على منصة للتداول في قاعة «بورصة نيويورك» (أ.ب)
يظهر شعار شركة «آي بي إم» على منصة للتداول في قاعة «بورصة نيويورك» (أ.ب)
TT

صدمة إيرادات «آي بي إم» تهبط بسهمها 20 % وتضغط على قطاع البرمجيات

يظهر شعار شركة «آي بي إم» على منصة للتداول في قاعة «بورصة نيويورك» (أ.ب)
يظهر شعار شركة «آي بي إم» على منصة للتداول في قاعة «بورصة نيويورك» (أ.ب)

هزّت شركة «آي بي إم» قطاع التكنولوجيا يوم الثلاثاء، بعدما توقعت إيرادات للربع الثاني جاءت دون تقديرات المحللين، مشيرة إلى أن الشركات باتت تُفضل توجيه إنفاقها نحو البنية التحتية لمراكز البيانات على حساب البرمجيات، في أوضح إشارة حتى الآن إلى التأثير المتنامي لطفرة الذكاء الاصطناعي على القطاع.

وتراجعت أسهم «آي بي إم» بنسبة 20 في المائة خلال تداولات ما قبل افتتاح السوق؛ مما ضغط على أسهم شركات البرمجيات الأخرى والعقود الآجلة لمؤشر «داو جونز». كما انخفض «صندوق المؤشرات المتداولة»، المختص بأسهم شركات البرمجيات والتكنولوجيا، بأكثر من 4 في المائة، وفق «رويترز».

ولطالما أبدى مستثمرو شركات البرمجيات مخاوف من أن أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على أتمتة المهام الروتينية قد تُشكل تهديداً جوهرياً للصناعة. إلا إن إعلان «آي بي إم» كشف عن أن الطفرة في الإنفاق على الخوادم والرقائق ومعدات الشبكات الخاصة بالذكاء الاصطناعي بدأت بالفعل تستنزف مخصصات الإنفاق على البرمجيات.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «آي بي إم»، أرفيند كريشنا، في رسالة إلى المستثمرين: «خلال الأسابيع الأخيرة من يونيو (حزيران) الماضي، لاحظنا أن العملاء أعادوا توجيه إنفاقهم الرأسمالي الفصلي نحو شراء الخوادم ووحدات التخزين والذاكرة؛ لتأمين البنية التحتية التي تعاني من محدودية المعروض؛ تحسباً من ارتفاع الأسعار المتوقع».

وأضاف: «ضمن توقعاتنا؛ كنا نتوقع بعض التأثيرات المرتبطة بسلاسل التوريد، لكننا لم نتوقع هذا الحجم من إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الرأسمالي». وأقر بأن الشركة «لم تتكيف بالسرعة الكافية»، مشيراً إلى أن «عدداً من الصفقات الكبيرة» لم يُنجز كما كان متوقعاً.

ووفقاً للنتائج الأولية، فإن الشركة تتوقع تحقيق إيرادات بقيمة 17.2 مليار دولار خلال الربع الثاني، مقارنة بتقديرات المحللين البالغة 17.86 مليار دولار، وفق بيانات «مجموعة بورصة لندن».

كما يُتوقع أن يبلغ صافي ربح السهم المعدل 2.93 دولار، مقابل تقديرات عند 3.02 دولار.

وقال كريس بيوشامب، كبير محللي الأسواق في مجموعة «آي جي»: «تمثل هذه لحظة صعبة لـ(آي بي إم) وأسهم شركات البرمجيات، والسؤال الأهم هو: إلى متى سيستمر تحول الإنفاق نحو البنية التحتية والأمن السيبراني؟».

وأضاف: «قد يكون هذا الوضع مقبولاً بضعة أشهر أخرى، لكن إذا استمر أطول، فستعود التساؤلات الجدية بشأن آفاق أسهم شركات البرمجيات».

وتراجعت أسهم «مايكروسوفت»، و«سيرفس ناو»، و«سيلزفورس»، و«إنتويت» بنسب تراوحت بين 3 و5 في المائة.


«سوفت بنك»: الذكاء الاصطناعي بحاجة لاستثمارات سنوية بـ5 تريليونات دولار

ماسايوشي سون الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك» في مؤتمر بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
ماسايوشي سون الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك» في مؤتمر بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

«سوفت بنك»: الذكاء الاصطناعي بحاجة لاستثمارات سنوية بـ5 تريليونات دولار

ماسايوشي سون الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك» في مؤتمر بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
ماسايوشي سون الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك» في مؤتمر بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

وصف ماسايوشي سون، الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك»، المخاوف بشأن فقاعة في استثمارات الذكاء الاصطناعي بأنها سخيفة، مستهزئاً بهذه الشكوك ووصفَها بالتخلف، ومماثلة للتشكيك في جدوى السيارات والطائرات.

وقال سون للمديرين التنفيذيين في فعالية سنوية للشركة في طوكيو: «إن التساؤل عما إذا كان الذكاء الاصطناعي فقاعة هو سؤال أحمق. سيُغير الذكاء الاصطناعي حياتنا تماماً، وسيفعل ذلك بطريقة تُدرُّ أرباحاً». وأضاف أن «أولئك الذين يرفضون التطور يُغلقون عالمهم. وأولئك الذين يُدينون الذكاء الاصطناعي يُشوِّهون الواقع»، حسب وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.

وقد اجتاحت الأسواق المالية مؤخراً موجات من القلق من أن الارتفاع الصاروخي في أسعار أسهم شركات مثل «إنفيديا»، والاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات، قد لا تُحقق عوائد تُضاهي الآمال المعقودة على الأرباح الهائلة من الذكاء الاصطناعي.

ويُذكر أن سون أسس «سوفت بنك» قبل أكثر من 4 عقود، وهو رائد في مجال الاستثمارات التكنولوجية في اليابان. وكان من أوائل الداعمين للذكاء الاصطناعي، واستثمر عشرات المليارات من الدولارات في شركات ذات صلة.

وقال سون إنه يُقدِّر أن هناك حاجة إلى استثمارات سنوية وعالمية تُقارب 5 تريليونات دولار لتوسيع مراكز البيانات، وزيادة إنتاج رقائق الكومبيوتر، وتوفير أنظمة الطاقة وغيرها من البنى التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي.

وأضاف: «في عام 2040، سيتم تحويل ما يقرب من 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لصناعات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، عالم الذكاء الخارق».

وتُشرف «سوفت بنك» على مجموعة واسعة من الشركات من خلال «صناديق الرؤية». وتشمل أعمالها الأخرى الاتصالات والطاقة.

وكانت مجموعة «سوفت بنك»، ومقرها طوكيو، قد أعلنت سابقاً عن ارتفاع أرباحها للسنة المالية المنتهية في مارس (آذار) بنحو 5 أضعاف لتصل إلى 5 تريليونات ين (32 مليار دولار) مقارنة بالعام السابق، وذلك بفضل عوائد استثماراتها في الذكاء الاصطناعي.

واستثمرت عملاقة التكنولوجيا 34.6 مليار دولار في «أوبن إيه آي». وباعت حصتها في شركة «إنفيديا» لصناعة رقائق الكومبيوتر العام الماضي، لتوفير سيولة لمزيد من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

كما أطلقت شركة «سوفت بنك» مؤخراً مشروعاً لإنتاج البطاريات في اليابان، بهدف بناء بنية تحتية متطورة للطاقة الكهربائية، تحسباً لتزايد الطلب على الكهرباء نتيجة لاستخدام الذكاء الاصطناعي.