عودة التضخم تُبقي بيروت بين الأسوأ عالمياً في نوعية الحياة

ارتفاع الغلاء ثبَّت العاصمة اللبنانية بذيل التصنيف العالمي

رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)
رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)
TT

عودة التضخم تُبقي بيروت بين الأسوأ عالمياً في نوعية الحياة

رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)
رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)

احتفظت بيروت بموقعها بين أسوأ مدن العالم في مؤشر نوعية الحياة، رغم التحسن النسبي الذي سجلته في مؤشر تكلفة المعيشة عقب استقرار سعر صرف الليرة بعد سنوات من الانهيار المالي. إلا أن عودة الضغوط التضخمية وتراجع القدرة الشرائية حالا دون انعكاس هذا التحسن على مستوى معيشة السكان، لتبقى العاصمة اللبنانية في المراتب الأخيرة عالمياً وفق أحدث تصنيف لموقع «نامبيو».

وقد حلّت العاصمة اللبنانية في المرتبة 287، ضمن قائمة تشمل 305 مدن في العالم، وفي المركز ما قبل الأخير، الذي حازته القاهرة، في ترتيب المدن العربيّة المشمولة في مؤشّر «نوعيّة الحياة» لمنتصف العام الحالي، وفق الاستطلاعات الميدانية الصادرة دورياً عن موقع «نامبيو» الدولي، والذي أظهر تموضع بيروت في المركز عينه عالمياً، والثالثة عربياً بعد دبي وأبو ظبي، وفق نتائج النسخة الموازية التي ترصد «تكلفة المعيشة».

وسجلت بيروت تقدماً طفيفاً في مؤشر نوعية الحياة، نتيجة 88.5 نقطة، مقارنةً مع نتيجة 90.4 نقطة محققة منتصف العام الماضي، بينما حصلت مدينة مسقط على أعلى ترتيب بين نظيراتها من المدن العربية، حيث حققت نتيجة 180.3 نقطة، لتؤهلها إلى حيازة المركز 75 عالمياً، وتبعتها مدينة الدوحة في المركز الثاني إقليمياً، بنتيجة 169.2 نقطة، لتحتل المركز العالمي 128، ثم أبو ظبي، ثالثةً إقليمياً بنتيجة ملاصقة بلغت 169، والمركز 128 عالمياً. وفي سياق المقارنة، تحتفظ المدن الهولنديّة بالريادة العالمية بحيازة المراتب الثلاث الأولى، بحيث تتصدّر مدينة هاغ، كالأفضل عالميّاً في مؤشّر نوعيّة الحياة، بنتيجة 221.5 نقطة، تليها آيندهوفن بعلامة 210.7 نقطة، ثم روتردام بحصيلة 205.5 نقطة.

ويرتكِز الترتيب العالمي على نتائج 8 مؤشّرات رئيسية، للحصول على المراكز الأفضل إقليمياً ودولياً؛ نصفها، أي 4 بنود، تتطلب علامات مرتفعة، وتشمل بنود «القدرة الشرائيّة»، ودرجة «الأمان»، و«الرعاية الصحية»، و«المناخ»، بينما يتوجب تحقيق علامات متدنية في بنود «تكلفة المعيشة»، ومعدَّل «سعر المنزل على الدخل» الذي يعكس القدرة على تحمّل تكلفة السكن، و«حركة المرور» أو الوقت المطلوب للتنقّل، و«معدلات التلوّث». بالتوازي، سجلت بيروت علامة متوسطة بلغت 54.6 نقطة في رصد «تكلفة المعيشة»، مما يعني تلقائياً تدني التكلفة بنسبة 45.4 في المائة، قياساً إلى النسبة المرجعية (100)، والمعتمدة في مدينة نيويورك، بينما برزت مدينة دبي، كأغلى مدينة إقليمية في ترتيب مؤسسة «نامبيو»، بحيث بلغ مؤشّر تكلفة المعيشة فيها 62.5، لتحوز المركز العالمي 232، تبعتها مدينة أبوظبي بنتيجة 55.1 والمرتبة 283 عالميّاً، فيما برزت، في المقابل، مدينة الإسكندرية في حيازة الترتيب الأدنى بنتيجة 21 من 100، مسبوقةً من طهران بنتيجة 23 نقطة، وقبلهما القاهرة بعلامة 24.4 نقطة.

بالتفصيل، حازت بيروت نتيجة 20.8 نقطة في مؤشّر أسعار الإيجار (مما يعني أنّ أسعار الإيجار في مدينة بيروت هي أقلّ تكلفة من نظيرتها في مدينة نيويورك بنسبة 79.2 في المائة) و47.2 في مؤشّر أسعار السلع (أيّ إنّ أسعار السلع في مدينة بيروت أقلّ تكلفة بنسبة 52.8 في المائة مما في مدينة نيويورك)، و53.3 في مؤشّر أسعار المطاعم (مما يعني أنّ أسعار المطاعم في مدينة بيروت هي أقلّ تكلفة بنسبة 46.7 في المائة ممّا هي عليه في مدينة نيويورك)، و32.00 في مؤشّر القدرة الشرائيّة (أيّ إنّ القدرة الشرائيّة في مدينة بيروت هي أدنى بنسبة 68.0 في المائة من تلك في مدينة نيويورك).

ويُظهر التطوّر التاريخي لمؤشّر تكلفة المعيشة في بيروت، أنَّ الأسعار ارتفعت بحدة بالغة عقب انفجار الأزمة المالية في خريف عام 2019، لتبلغ الذروة بنهاية عام 2022، لتعود إلى الانخفاض بدءاً من منتصف عام 2023، بفضل استقرار سعر صرف عند مستوى 90 ألف ليرة لكل دولار، ثم عاودت الارتفاع النسبي بفعل استعادة زخم التضخم، جراء الحرب محلياً وإقليمياً، وتأثيرها على أسعار النفط والطاقة وسلاسل الإمداد، حيث بلغ مؤشر الغلاء نسبة 20 في المائة حتى نهاية الشهر الخامس من العام الحالي.

ويتم الاستناد إلى مؤشّر تكلفة المعيشة العالمي، في تصنيف مئات المدن حول العالم، حسب نتائج وعلامات مبنية على إحصاءات رسمية واستطلاعات ميدانية، ومن خلال مقارنتها بأرقام مرجعية معتمدة لمدينة نيويورك، ومعززةً بمؤشرات تكلفة الإيجارات، وأسعار السلع، وأسعار المطاعم، والقدرة الشرائية.


مقالات ذات صلة

معرض «اللون يتحدّى الصمت»... ولادة الأمل من ذاكرة لبنان الصامد

يوميات الشرق رنا بستاني تُكرّم بلدات الجنوب في معرض «اللون يتحدّى الصمت» (الشرق الأوسط)

معرض «اللون يتحدّى الصمت»... ولادة الأمل من ذاكرة لبنان الصامد

تشمل هذه الرحلة البصرية 20 قرية ومدينة من الشريط الحدودي اللبناني، من بينها يارون، وتبنين، ومركبا، وصُور، والنبطية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق أداء لافت بدور «الدب» (كريس غفري)

«الدب» تكشف وجهاً جديداً لكريس غفري على المسرح

«الدب» كوميديا ساخرة من فصل واحد، عُرضت للمرة الأولى عام 1888، وتتناول بأسلوب ساخر تناقضات النفس البشرية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق كلُّ علاقة طويلة تُخفي شخصاً ثالثاً... الزمن (الجهة المُنتِجة)

لينا أبيض تُمسرِح «تعويذة جميلة» لغريغ كاليراس بعيون لبنانية

يضحك المتلقّي، ثم يشعر أنّ الضحكة لم تكن بعيدة عن مكان مؤلم فيه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ديالا خضري أمام مجموعة من لوحات معرضها «اشتراك» (الشرق الأوسط)

معرض «اشتراك»... توصيلات المولّدات الكهربائية ندوب على وجه بيروت

تُحيك ديالا خضري لوحاتها بأكسسوارات وأدوات مختلفة، لتبدو كأنها نسخة طبق الأصل عن المشهد اليومي...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ما سقط من الحسابات دخل في النسيج (الشرق الأوسط)

«(In) Seam» لديما يوسف ربيز: الدَرْزة فلسفةُ بقاء

الدَرْزة هي الأثر الظاهر لفعل الاحتفاظ. عندما تتمزَّق قطعة ما، تصبح الدَرْزة إعلاناً عن قرار بعدم التخلّي عنها...

فاطمة عبد الله (بيروت)

تأسيس شركة عُمانية أردنية للاستثمار بقيمة 100 مليون دولار

جانب من توقيع اتفاقية الشراكة بين سلطنة عمان والأردن لتأسيس شركة للاستثمار في قطاعات اقتصادية (العمانية)
جانب من توقيع اتفاقية الشراكة بين سلطنة عمان والأردن لتأسيس شركة للاستثمار في قطاعات اقتصادية (العمانية)
TT

تأسيس شركة عُمانية أردنية للاستثمار بقيمة 100 مليون دولار

جانب من توقيع اتفاقية الشراكة بين سلطنة عمان والأردن لتأسيس شركة للاستثمار في قطاعات اقتصادية (العمانية)
جانب من توقيع اتفاقية الشراكة بين سلطنة عمان والأردن لتأسيس شركة للاستثمار في قطاعات اقتصادية (العمانية)

أعلن «جهاز الاستثمار العماني» الأربعاء، تأسيس الشركة الأردنية - العمانية الاستثمارية بالشراكة مع صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي الأردني برأس مال يبلغ 100 مليون دولار أميركي للاستثمار في عدد من القطاعات الحيوية والواعدة التي تخدم الأولويات الاقتصادية للبلدين.

وقال الجهاز في بيان صحافي إن هذه الشراكة الاستراتيجية تخدم «رؤية عمان 2040» في الاستثمار بقطاعات تشمل الاتصالات وتقنية المعلومات والثروة الزراعية والغذاء والمعدات الطبية والدواء والطاقة والتعدين والسياحة والخدمات اللوجستية «ما يُسهم في تعزيز التنويع الاقتصادي وتحفيز الأسواق المحلية وتحقيق قيمة مضافة تدعم نمو الشركات وتكاملها في البلدين».

وأضاف أن هذه الشراكة الاستراتيجية تأتي امتداداً لنهج الجهاز في تعزيز التنوع الجغرافي والقطاعي لمحفظته الاستثمارية التي تعمل أداةً استراتيجيةً لحماية الأصول وتوزيع المخاطر، وبناء منصات استثمارية تضمن استدامة العوائد الاقتصادية وتدفق رؤوس الأموال.

من جانبه، نقل البيان عن ملهم الجرف نائب رئيس جهاز الاستثمار العماني قوله إن «الشراكة العمانية - الأردنية الاستراتيجية تُمثل محطة بارزة في مسيرة العلاقات العمانية - الأردنية؛ حيث تترجم توجيهات قيادتي البلدين إلى مشروعات تعزز الجوانب الاقتصادية، وتستند إلى إرث من التعاون وتبادل الخبرات والاستثمار في مشروعات واعدة ذات أثر اقتصادي وتنموي مستدام يعزز المصالح المشتركة للبلدين».

وأكد أن هذه الشراكة تُعزز دور الجهاز في تنفيذ الدبلوماسية الاقتصادية؛ حيث يعمل على تعميق جسور التعاون مع الشركاء في الدول الشقيقة، بما يُسهم في توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات الأولوية، ويُعزز التنوع الجغرافي والقطاعي لمحفظة الجهاز.

أما الدكتور عز الدين كناكريه، رئيس صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي الأردني، فقال إن «هذه الاتفاقية تُمثل خطوة استراتيجية في مسيرة التعاون بين الصندوق وجهاز الاستثمار العُماني؛ حيث إنها تجسد رؤية مشتركة تقوم على توظيف رأس المال والخبرات المؤسسية لتطوير استثمارات ذات جدوى اقتصادية في القطاعات ذات الأولوية، وتأتي الاتفاقية امتداداً لنهج الصندوق في توسيع حضوره على المستويين الإقليمي والدولي».

وأكد جهاز الاستثمار العماني أن هذه الشراكة تؤسس لمرحلة جديدة من العمل الاستثماري المشترك القائم على الحوكمة والكفاءة، وذلك امتداداً لشراكاته مع كل من قطر وتركيا والصين وأوزبكستان وفيتنام وباكستان وإسبانيا وأذربيجان والهند وبروناي دار السلام وكازاخستان وبيلاروسيا.

وأوضح الجهاز أن هذه الشراكة «تؤكد التزامه بتعزيز مكانة سلطنة عُمان مركزاً إقليمياً للاستثمارات النوعية ومحركاً للنمو الاقتصادي المستدام»، وذلك من خلال بناء شراكات طويلة الأمد تُسهم في نقل المعرفة، واستقطاب رؤوس الأموال، وتعزيز تنافسية الاقتصاد العُماني في مختلف قطاعاته.

يُذكر أن جهاز الاستثمار العُماني يُعد الذراع الاستثمارية لحكومة سلطنة عُمان، وهو المكلّف بإدارة أصول الدولة واستثمارها وتنميتها محلياً ودولياً، وتمتاز محفظته الاستثمارية بتنوعها الجغرافي، إذ تتوزع استثماراته في أكثر من 50 دولة حول العالم.


ارتفاع ملحوظ في مخزونات النفط الأميركية بعكس التوقعات

صهاريج تخزين نفط في مصفاة لوس أنجليس التابعة لشركة ماراثون بتروليوم في ولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين نفط في مصفاة لوس أنجليس التابعة لشركة ماراثون بتروليوم في ولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
TT

ارتفاع ملحوظ في مخزونات النفط الأميركية بعكس التوقعات

صهاريج تخزين نفط في مصفاة لوس أنجليس التابعة لشركة ماراثون بتروليوم في ولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين نفط في مصفاة لوس أنجليس التابعة لشركة ماراثون بتروليوم في ولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، ارتفاع مخزونات النفط الخام الأميركية، في حين انخفضت مخزونات البنزين ونواتج التقطير، خلال الأسبوع المنتهي في 3 يوليو (تموز).

وذكرت الإدارة في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات النفط الخام ارتفعت بمقدار 3 ملايين برميل لتصل إلى 411.4 مليون برميل الأسبوع الماضي، مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته «رويترز»، والتي أشارت إلى انخفاض قدره 2.4 مليون برميل.

وأضافت الإدارة أن مخزونات النفط الخام في مركز كوشينغ بولاية أوكلاهوما، مركز التسليم، انخفضت بمقدار 52 ألف برميل الأسبوع الماضي.

كما أشارت إلى انخفاض عمليات تكرير النفط الخام في المصافي بمقدار 172 ألف برميل يومياً الأسبوع الماضي. وانخفضت معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 نقطة مئوية خلال الأسبوع.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن مخزونات البنزين في الولايات المتحدة انخفضت بمقدار 1.9 مليون برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 212.1 مليون برميل، مقارنة بتوقعات بانخفاض قدره 1.6 مليون برميل.

وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة أن مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، انخفضت بمقدار 5 ملايين برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 103.6 مليون برميل، مقابل توقعات بارتفاع قدره 0.6 مليون برميل.

وأضافت إدارة معلومات الطاقة أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع بمقدار 1.1 مليون برميل يومياً.


الشرق الأوسط يدفع ثمن حرب الناقلات... والسعودية تعبر الأزمة عبر شبكة لوجستية بديلة

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
TT

الشرق الأوسط يدفع ثمن حرب الناقلات... والسعودية تعبر الأزمة عبر شبكة لوجستية بديلة

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

في وقت يصارع فيه الاقتصاد العالمي لتفادي ركود حاد، كشف تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر عن صندوق النقد الدولي عن مشهد شديد الانقسام؛ حيث تحالفت طفرة الاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي مع المكاسب الإنتاجية والتخفيضات الضريبية الأميركية لإنقاذ النمو العالمي عند 3 في المائة هذا العام بتراجع طفيف عن توقعاته في أبريل (نيسان) الماضي والبالغة 3.1 في المائة، لتمتص هذه القفزات التكنولوجية جزءاً من صدمة الطاقة العنيفة الناجمة عن حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز.

وفي المقابل، كان الثمن الإقليمي باهظاً وغير مسبوق؛ إذ دفع هذا الإغلاق المطوّل لشريان الملاحة الخليجي بالصندوق إلى إجراء مراجعة تراجعية قاسية لاقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ليهبط بها إلى دائرة الانكماش بنسبة 0.5 في المائة، وضعه كأحد أسوأ الأداءات السنوية للمنطقة منذ مطلع القرن الحالي، وسط تفاوت حاد وضع كبار منتجي النفط بين فكي تراجع الإنتاج واضطراب الإمدادات اللوجستية.

وفي قلب هذا الاضطراب، برز الاقتصاد السعودي باعتباره أحد أكثر القوى تماسكاً؛ فرغم تعديل أرقامه هذا العام إلى 1.7 في المائة، رفع صندوق النقد توقعات نمو اقتصاد السعودية العام المقبل إلى 5.5 في المائة، ليتحدى السيناريوهات القاتمة، مستنداً إلى مسارات بديلة حمت زخمه، بينما يواجه كبار المنتجين كالعراق والكويت وقطر انكماشاً مؤقتاً بانتظار الارتداد الشامل للمنطقة في 2027.

لقد أحدثت التطورات العسكرية الأخيرة صدمة لوجستية عنيفة شلت حركة خمس النفط والغاز العالمي. ورغم أن إطلاق الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية والإنتاج التجاري خفف من حدة الأزمة، فإن الأسعار ظلت مرتفعة بنسبة 25 في المائة إلى 32 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

هذه القفزة في تكاليف الطاقة أدت مباشرة إلى تجميد عامين من التقدم العالمي ضد التضخم؛ حيث رفع صندوق النقد توقعاته للتضخم العالمي بمقدار 0.3 نقطة مئوية ليصل إلى 4.7 في المائة في عام 2026، مشيراً إلى أن دورة التيسير النقدي قد شهدت «توقفاً مؤقتاً وليس كسراً للاتجاه العام».

خريطة النمو في المنطقة

يفترض السيناريو الأساسي الجديد لصندوق النقد الدولي أن مضيق هرمز سيبدأ في إعادة الفتح التدريجي منتصف يوليو (تموز) الجاري، على أن يعود لطبيعته بحلول مارس (آذار) 2027. هذا الإغلاق المطول أعاد رسم خارطة النمو في المنطقة على النحو التالي:

  • الشرق الأوسط يسجل أسوأ أداء منذ مطلع القرن: خفّض الصندوق تقديراته لاقتصاد المنطقة لعام 2026 للمرة الثانية خلال ثلاثة أشهر، متوقعاً انكماشاً بـ 0.5 في المائة مقارنة بمعدل نمو 1.1 في المائة في تحديثات أبريل. هذا التراجع يجعلها المنطقة الوحيدة في العالم المرشحة لتسجيل تراجع في الناتج المحلي الإجمالي من بين كل النطاقات الجغرافية، لتسجل المنطقة ثاني أسوأ أداء سنوي لها منذ مطلع القرن الحالي، قبل أن ترتد بقوة في 2027 مع تعافي الصادرات وعودة حركة التجارة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها قبل اندلاع حرب إيران. ووصفت رئيسة قسم أبحاث الصندوق، دنيز إيغان، هذا التعافي المتوقع بأنه ارتداد على شكل حرف (V).
  • العراق والكويت وقطر: باعتبارها من أكثر مصدري السلع تأثراً باضطرابات النقل وإنتاج الطاقة، يتوقع الصندوق أن تواجه اقتصاداتها انكماشاً حاداً وموجعاً هذا العام، يليه توسع قفزي ونمو «ثنائي الرقم» (تجاوز 10 في المائة) في عام 2027.
  • *تركيا تتجرع الضغوط: خفّض الصندوق توقعات نمو الاقتصاد التركي لعام 2026 للمرة الثانية هذا العام ليصل إلى 2.9 في المائة (تراجعاً من 3.4 في المائة في أبريل)، بضغط من ضعف الطلب المحلي وارتفاع أسعار الطاقة وتشديد الأوضاع المالية.
  • أما إيران، فرغم مرونة صادراتها النفطية مطلع العام وتعديل توقعاتها صعوداً، إلا أنها ظلت تتجرع وطأة العقوبات والحرب بـ انكماش حاد يقدر بـ5.4 في المائة لعام 2026، بانتظار الارتداد الشامل للمنطقة في 2027.

صورة أرشيفية التُقطت عام 2015 لناقلة الغاز الطبيعي المسال القطرية «الركيات» (رويترز)

مرونة سعودية

في قلب هذا الاضطراب الإقليمي، ظهرت المؤشرات الرسمية للمملكة العربية السعودية أكثر تماسكاً وصموداً؛ حيث أكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد السعودي يعد «أقل تأثراً» بالصدمة مقارنة بجيرانه في الخليج. علماً بأن مراجعات الصندوق طالت أرقام المملكة بناءً على التطورات الجيوسياسية الأخيرة مقارنة بتقرير أبريل الماضي، حيث أجرى مراجعة تراجعية لتوقعات نمو الاقتصاد السعودي لعام 2026، بواقع 1.2 في المائة، ليستقر نمو المملكة عند 1.7 في المائة هذا العام. وفي المقابل، حملت التوقعات مراجعة إيجابية متفائلة لعام 2027، حيث زادت بواقع 1.9 في المائة عن تقديرات أبريل، ليقفز النمو المتوقع للمملكة إلى 5.5 في المائة بالتزامن مع مرحلة الانفراجة وإعادة فتح الممرات المائية.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع بالسعودية (واس)

أميركا والصين تنجوان... وأوروبا الضحية الأكبر

إلى ذلك، أظهرت المادة التوثيقية للصندوق تبايناً صارخاً في حظوظ القوى الكبرى بناءً على موقعها من طفرة التكنولوجيا ومصادر الطاقة:

  • واشنطن تحلق منفردة: حافظ الاقتصاد الأميركي (الأكبر عالمياً) على صلابته وثبات توقعاته عند 2.3 في المائة في 2026. وتلقى أميركا دعماً مزدوجاً من الطفرة الهائلة لاستثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مفاعيل التخفيضات الضريبية للرئيس دونالد ترمب لعام 2025، وقوة أسواق الأسهم.
  • بكين تقاوم بالصناعة الدقيقة: حصلت الصين (الاقتصاد الثاني عالمياً) على مراجعة صعودية طفيفة لتنمو بنسبة 4.6 في المائة. فرغم أزمة القطاع العقاري وصدمة الطاقة، تلقت بكين دعماً موازناً من الإنفاق على الأشغال العامة، وازدهار الصادرات، وطفرة صناعات التكنولوجيا العالية.
  • آسيا تقتنص الفرصة التقنية: سجلت الدول الأربع الكبار في تصدير أجهزة ومعدات الذكاء الاصطناعي (تايوان، كوريا الجنوبية، تايلاند، وماليزيا) نمواً مرناً وقوياً يعكس مكاسبها من طفرة الطلب التقني.
  • أوروبا تدفع الفاتورة: في المقابل، وقعت دول منطقة اليورو الـ21 ضحية مباشرة لارتفاع الأسعار؛ حيث هبطت توقعات نموها الجماعي إلى 0.9 في المائة فقط (بينما تقهقرت فرنسا إلى 0.6 في المائة فقط)، نتيجة لتعرضها المباشر لصدمة الطاقة.

سعار البنزين والديزل معروضة على لوحة إلكترونية في محطة وقود في ألمانيا (د.ب.أ)

جمر الصراع لم ينطفئ

رغم أن الاقتصاد العالمي أظهر تماسكاً أفضل مما كان يُخشى، فإن صندوق النقد الدولي اختتم تقريره بلهجة تحذيرية شديدة؛ حيث أشارت إيغان إلى أن تجدد الصراع العسكري والضربات الأخيرة بين أميركا وإيران في الساعات الماضية قد يضعان الاقتصاد العالمي في «موقف أسوأ بكثير».

وحذر الصندوق من أن استنفاد الدول لاحتياطياتها النفطية الاستراتيجية سيقلص هوامش المناورة سريعاً، مما يفتح الباب أمام تقلبات عنيفة لأسعار السلع، تشتت حركة التجارة العالمية، أو حدوث تصحيح مفاجئ ومؤلم في توقعات أسواق التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي المبالغ فيها.