من الذهب إلى السندات... الهند تتخذ إجراءات استثنائية لحماية اقتصادها الخارجي

حرب إيران وقوة النفط يعمّقان عجز ميزان المدفوعات... ومبيعات الأجانب تضغط على الأسهم

رجل يسير بين المباني في مركز تجاري بنيودلهي (رويترز)
رجل يسير بين المباني في مركز تجاري بنيودلهي (رويترز)
TT

من الذهب إلى السندات... الهند تتخذ إجراءات استثنائية لحماية اقتصادها الخارجي

رجل يسير بين المباني في مركز تجاري بنيودلهي (رويترز)
رجل يسير بين المباني في مركز تجاري بنيودلهي (رويترز)

هبطت العملة الهندية إلى مستويات قياسية متدنية، هذا العام، نتيجة الضغوط التي يتعرض لها ميزان المدفوعات في الاقتصاد، ما دفع السلطات إلى اتخاذ خطوات لمحاولة الحد من تدفقات الدولار إلى الخارج.

ويقول اقتصاديون إن الارتفاع الحاد في أسعار النفط عقب الصراع مع إيران، إلى جانب قيام المستثمرين الأجانب ببيع الأسهم الهندية، من المرجح أن يؤديا إلى اتساع عجز ميزان المدفوعات، خلال السنة المالية الحالية.

وأعلن بنك الاحتياطي الهندي، يوم الجمعة، سلسلة من الإجراءات الرامية إلى جذب الدولار إلى الاقتصاد والحد من الضغوط على الروبية، وهي خطوات يقدّر اقتصاديون أنها قد تستقطب ما بين 30 و50 مليار دولار، وفق «رويترز».

وفيما يلي أبرز الخطوات التي تتخذها الهند لإدارة تدفقات الدولار إلى الخارج:

- تعزيز تدفقات الاستثمار في السندات

ضمن الإجراءات، التي أُعلنت يوم الجمعة، ألغت الحكومة الهندية ضريبة أرباح رأس المال البالغة 12.5 في المائة على المستثمرين الأجانب في السندات الهندية، كما ألغت ضريبة بنسبة 20 في المائة على عوائد الفائدة. وتدخل هذه الإعفاءات حيز التنفيذ، ابتداءً من 1 أبريل (نيسان) 2026.

كما جرى إعفاء بنك التسويات الدولية، وهو مؤسسة مالية دولية تُعد من المستثمرين النشطين في السندات الحكومية، من هذه الضرائب.

وقال بنك الاحتياطي الهندي إن نطاقاً أوسع من السندات الحكومية سيصبح متاحاً للاستثمار الأجنبي دون أي حدود قصوى للملكية الأجنبية.

- الاستفادة من أموال الهنود غير المقيمين

أعلن بنك الاحتياطي الهندي أيضاً، يوم الجمعة، حوافز للبنوك من أجل جذب ودائع بالعملات الأجنبية من الهنود غير المقيمين. وسيتحمل البنك المركزي تكلفة التحوط الخاصة بالودائع التي تتراوح آجالها بين ثلاث وخمس سنوات حتى 30 سبتمبر (أيلول) 2026.

- تشجيع الاقتراض بالعملات الأجنبية

في إطار تعزيز الاقتراض بالعملات الأجنبية، سيقدم بنك الاحتياطي الهندي سعراً تفضيلياً لعمليات المبادلة (Swap) للشركات المملوكة للدولة. وقد دخلت هذه التسهيلات، التي أُعلنت يوم الجمعة، حيز التنفيذ فوراً، وستستمر حتى 30 سبتمبر 2026.

- تشجيع استثمارات غير المقيمين في الأسهم

قامت الحكومة الهندية وبنك الاحتياطي الهندي، يوم الجمعة، برفع الحدود القصوى المسموح بها لاستثمارات الهنود غير المقيمين في الأسهم. وكان الإعلان عن هذه الخطوة قد ورد، لأول مرة، ضمن الموازنة الاتحادية السنوية، التي قُدمت في فبراير (شباط) الماضي.

- تسريع إعادة حصيلة الصادرات

خفّض بنك الاحتياطي الهندي المهلة الزمنية المسموح بها لإعادة حصيلة الصادرات إلى البلاد، إلى تسعة أشهر، بدلاً من 15 شهراً. وكانت هذه المهلة قد مُددت إلى 15 شهراً، العام الماضي، بسبب التوترات التجارية مع الولايات المتحدة.

- رفع الرسوم الجمركية على الذهب والفضة

رفعت الهند، في مايو (أيار) الماضي، الرسوم الجمركية على واردات الذهب والفضة إلى 15 في المائة، مقارنة بـ6 في المائة سابقاً. وفرضت الحكومة رسماً جمركياً أساسياً بنسبة 10 في المائة، إضافة إلى ضريبة تطوير البنية التحتية الزراعية (AIDC) بنسبة 5 في المائة على واردات الذهب والفضة، ما رفع إجمالي الضريبة الفعلية على الاستيراد إلى 15 في المائة، من 6 في المائة.

- تشديد قواعد الاستيراد

فرضت الهند، في مايو، قواعد أكثر صرامة على واردات الذهب والفضة. وشددت الحكومة قواعد استيراد الذهب المُعفى من الرسوم والمخصص لصادرات المجوهرات، عبر تحديد سقف للواردات يبلغ 100 كيلوغرام لكل ترخيص حتى إشعار آخر. كما وضعت الهند، الشهر الماضي، واردات السبائك الفضية بدرجة نقاء 99.9 في المائة وجميع الأشكال الأخرى شِبه المصنَّعة من الفضة، ضِمن فئة الواردات المقيدة، وذلك بأثر فوري.

- دعوات للحفاظ على احتياطات النقد الأجنبي

رغم أن الهند لم تفرض قيوداً على السفر، فإن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي دعا، في مايو، المواطنين إلى تجنب السفر الخارجي غير الضروري. كما حثّ السكان على العمل من المنزل لتوفير الوقود ومساعدة الحكومة على خفض واردات النفط المكلِّفة.

- إجراءات للحد من المضاربات على العملة

خلال شهريْ فبراير ومارس (آذار) الماضيين، خفّض بنك الاحتياطي الهندي الحد الأقصى لصافي مراكز النقد الأجنبي المفتوحة التي يمكن للبنوك الاحتفاظ بها. وهدفت هذه الخطوة إلى كبح المراكز المضاربية على الروبية، والتي كانت تزيد من الضغوط المؤدية إلى تراجع قيمة العملة الهندية.


مقالات ذات صلة

الأجور في مصر... كم تحتاج الأسر لضبط إنفاقها الشهري؟

شمال افريقيا الغذاء يحتل المرتبة الأولى بين بنود الإنفاق الشهري للأسرة المصرية (رئاسة حي الساحل بالقاهرة)

الأجور في مصر... كم تحتاج الأسر لضبط إنفاقها الشهري؟

على مكتبها بإحدى الدواوين الحكومية، أمسكت الموظفة الأربعينية، منى مصطفى، التي تقطن محافظة المنوفية (دلتا النيل)، ورقة وقلماً لحساب بنود نفقات أسرتها الشهرية.

محمد عجم (القاهرة)
الاقتصاد بائع يرتب أساور ذهبية داخل صالة لبيع المجوهرات بمناسبة «أكشايا تريتيا» في مومباي بالهند (رويترز)

الذهب يرتفع بدعم من انخفاض أسعار النفط وتراجع الدولار

ارتفعت أسعار الذهب، يوم الجمعة، مدعومة بتراجع أسعار النفط والدولار الأميركي، بينما ظل تركيز المتعاملين في السوق منصباً على التطورات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الين الياباني والدولار الأميركي (رويترز)

الدولار قرب أعلى مستوى في 7 أسابيع بدعم من تشدد «الفيدرالي»

حافظ الدولار على مكاسبه قرب أعلى مستوى له في 7 أسابيع، الخميس، بعدما رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يحافظ على مكاسبه بدعم رهانات رفع الفائدة الأميركية

حافظ الدولار على مكاسبه الأخيرة اليوم (الأربعاء)، ليُتداول قرب أعلى مستوياته في عدة أسابيع، أمام عدد من العملات الرئيسية.

«الشرق الأوسط» (سيدني (أستراليا))
الاقتصاد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع بحث جهود توفير السلع بأسعار مخفضة الثلاثاء (الحكومة المصرية)

صعود جديد للدولار في مصر يفاقم الغلاء ويربك الأسواق

تجاوزت العملة الأميركية حاجز 52 جنيهاً مصرياً للمرة الأولى منذ 3 أشهر؛ ما يفاقم الغلاء، ويربك الأسواق.

عصام فضل (القاهرة )

تدهور الجنيه وشح السيولة يشلّان أسواق السودان

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قال إن الغلاء «جزء من المعركة» وتعهد بالخروج منها منتصرين (أ.ف.ب)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قال إن الغلاء «جزء من المعركة» وتعهد بالخروج منها منتصرين (أ.ف.ب)
TT

تدهور الجنيه وشح السيولة يشلّان أسواق السودان

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قال إن الغلاء «جزء من المعركة» وتعهد بالخروج منها منتصرين (أ.ف.ب)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قال إن الغلاء «جزء من المعركة» وتعهد بالخروج منها منتصرين (أ.ف.ب)

دخلت الأسواق السودانية مرحلة جديدة من الاضطراب، بعدما تجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه في بعض تعاملات السوق الموازية، قبل أن يتراجع مؤقتاً ثم يعاود الارتفاع، في ظل شح السيولة والتعطّل المتكرر للتطبيقات المصرفية، ما دفع بعض التجار إلى وقف البيع خشية عدم قدرتهم على تعويض بضائعهم.

ووصف رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار وشح الموارد، بأنها جزء من «معركة» البلاد، متعهداً تجاوزها، في وقت تشير حركة الأسواق إلى أن الحرب تواصل استنزاف الموارد وتفاقم اختلالات الإنتاج والتجارة الخارجية.

وسرعان ما انعكس تراجع الجنيه على أسعار السلع الأساسية، إذ ارتفع سعر جوال السكر في بعض الأسواق من 380 ألف جنيه إلى 470 ألفاً، فيما قفزت أسعار الدقيق بنحو 50 في المائة. ومع استمرار موجة الغلاء، باتت أُسر كثيرة تضطر إلى الاستغناء عن اللحوم والألبان، وحتى عن بعض الأدوية.

وتزداد الضغوط الاقتصادية رغم إنتاج السودان أكثر من 70 طناً من الذهب خلال عام 2025، في مقابل وصول كميات محدودة منه عبر قنوات التصدير الرسمية، وسط استمرار عمليات التهريب. وقد تدخل الأزمة مرحلة أكثر تعقيداً، مع تهديد شركات تعدين بوقف الإنتاج اعتباراً من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، احتجاجاً على آلية شراء الذهب، واتّساع الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي.وبينما تبحث الحكومة إجراءات لضبط سوق الصرف والذهب، يدفع المواطن التكلفة المباشرة مع ارتفاع أسعار الغذاء والدواء واستمرار تآكل قيمة الجنيه وقوته الشرائية.


اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)
استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)
TT

اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)
استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

دخل السودان منعطفاً جديداً مع التراجع الحاد في سعر صرف عملته «الجنيه» أمام العملات الأجنبية، ليتجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، في بعض تعاملات السوق الموازية خلال الأيام الماضية، قبل أن يستعيد الجنيه جزءاً من خسائره مؤقتاً، وسط تقلبات حادة أربكت الأسواق، ودفعت تجاراً إلى وقف البيع وإغلاق متاجرهم.

وتكشف حركة الصرف حجم التدهور، فالدولار الذي كان يدور حول 4400 جنيه في السوق الموازية في يونيو (حزيران) الماضي، قفز خلال نحو 3 أشهر إلى أكثر من 9 آلاف جنيه في ذروة موجة سبتمبر (أيلول) الحالي، أي أن عدد الجنيهات المطلوبة لشراء دولار واحد تضاعف تقريباً خلال مدة قصيرة.

وفي المقابل، ظلت الأسعار المعلنة في عدد من المصارف أدنى كثيراً من السوق الموازية؛ ما يعكس اتساع الفجوة بين السعر الرسمي المصرفي والسعر الذي يحصل به المتعاملون على النقد الأجنبي في السوق الموازية خارج البنوك، وبعد تراجع محدود في سعر الصرف، يوم الجمعة، عاد سعر الصرف ليتجاوز حاجز 8 آلاف جنيه مجدداً، السبت، وسط شح في العملة الأميركية داخل البنوك.

وأدخل رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان الأزمة الاقتصادية مباشرة ضمن سياق الحرب، قائلاً عقب صلاة الجمعة في منطقة بري بالخرطوم، إن «المعركة تعددت أوجهها»، وإن الأزمة الاقتصادية وغلاء الأسعار وشح الموارد «جزء من هذه المعركة»، وتعهد بالخروج منها «منتصرين كما أخرجنا التمرد من الخرطوم وغيرها من المدن».

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قال إن الغلاء «جزء من المعركة» وتعهد بالخروج منها منتصرين (أ.ف.ب)

وتكشف أرقام الصرف والأسواق والذهب أن «المعركة الاقتصادية» أكثر تعقيداً من السيطرة على المضاربين؛ إذ يتداخل فيها اقتصاد الحرب، وشح النقد الأجنبي، وتراجع الإنتاج، واختلال التجارة الخارجية، وتهريب الذهب.

تصاعد الأسعار

وينعكس أثر تراجع سعر صرف الجنيه مباشرة على حياة المواطنين، ففي جولة بأسواق الخرطوم وود مدني في 18 سبتمبر الحالي قام بها «راديو تمازج»، المحلي وقال إن سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً، قفز من 380 ألف جنيه إلى 470 ألفاً، بزيادة تقارب 24 في المائة، بينما ارتفع جوال الدقيق من 80 ألفاً إلى 120 ألف جنيه، أي بنحو 50 في المائة.

وأفاد المصدر نفسه بأن غالبية المحال التي شملتها الجولة كانت مغلقة، وأن تجاراً توقفوا عن البيع بسبب التقلب السريع للأسعار، وعدم قدرتهم على تحديد تكلفة تعويض البضائع التي يبيعونها.

وامتدت حالات الإغلاق إلى مدن أخرى، ففي الدامر بولاية نهر النيل تحدثت تقارير محلية عن اتساع إغلاق المتاجر وامتناع تجار عن البيع، بينما أفادت تقارير من الدويم عاصمة ولاية النيل الأزرق، بإغلاق نحو ثلاثة أرباع المحال التجارية، استناداً إلى إفادات تجار محليين.

وفي تمبول بولاية الجزيرة، تداول ناشطون شهادة محلية تصف سوق المدينة بأنها شبه متوقفة، مع إغلاق المتاجر وشح السلع، وأوردت أسعاراً بلغت 600 ألف جنيه لجوال السكر زنه 50 كيلوغراماً، و500 ألف لجوال الذرة، و400 ألف لعبوة الزيت سعة 36 رطلاً، و150 ألفاً لجوال الدقيق، ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الأسعار أو من أن الإغلاق شمل السوق بأكملها.

جانب من سوق الخضر بأم درمان (الشرق الأوسط)

وتظهر الأزمة نفسها في شهادة إبراهيم إدريس وهو صاحب بقالة، الذي يقول إن رأس ماله لم يعد يكفي لتوفير الأصناف والكميات التي كان يبيعها سابقاً، ويشير إلى ارتفاع سعر عبوة زيت الطعام زنة 36 رطلاً من نحو 170 ألف جنيه إلى قرابة 350 ألفاً خلال الشهر الماضي، أي أكثر من الضعف، بينما أصبح الزبائن يشترون كميات أقل، ويلجأ عدد أكبر منهم إلى الشراء بالأجل.

وتقول نهلة خليفة وهي ربة منزل من أم درمان في إفادة سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إن أسرتها استغنت عن اللحوم واللبن والخضراوات في أوقات كثيرة، بينما أصبح الحصول على علاج زوجها المصاب بالسكري أكثر صعوبة.

أما عثمان الجندي أحد المشرفين على «تكايا» في الخرطوم، فيقول في إفادة لـ«الشرق الأوسط» قبل التراجع الحاد في سعر الصرف بأيام، إن تراجع التمويل وارتفاع الأسعار وتدهور قيمة الجنيه، أسهمت في توقف عدد من المطابخ المجانية «التكايا»، ولم يتبق في نطاق عمله سوى تكيتين تعملان يومياً، في وقت تزداد فيه أعداد المحتاجين، وبينهم نازحون من كردفان وأطفال ونساء وكبار سن وأشخاص ذوو إعاقة.

تراجع انتاج الذهب

تظهر المفارقة الأكبر عند الانتقال إلى الذهب، فوفقاً لبيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية، تجاوز الإنتاج المسجل في 2025 نحو 70.15 طن، منها نحو 58.38 طن من التعدين التقليدي، وقرابة 5.68 طن من شركات مخلفات التعدين، ونحو 5.96 طن من شركات الامتياز. لكن أرقام الذهب الذي دخل قنوات التصدير الرسمية أقل كثيراً من الإنتاج، فقد أظهرت بيانات منسوبة إلى بنك السودان تصدير نحو 14.7 طن بقيمة تقارب 1.54 مليار دولار خلال 2025، بينما تحدث وزير المالية في تقديرات أخرى عن دخول نحو 20 طناً إلى القنوات الرسمية.

والفارق لا يمكن اعتباره كله ذهباً مهرباً، لوجود مخزونات واستهلاك وتجارة داخلية واختلاف في طرق احتساب البيانات، لكنه يكشف حجم الفجوة بين الإنتاج المسجل وما يظهر في الصادرات الرسمية.

وكان مسؤول بالشركة السودانية للموارد المعدنية قد قدّر أن نحو 48 في المائة من إنتاج 2024 جرى تهريبه؛ ما يعني فقدان جانب كبير من النقد الأجنبي الذي كان يمكن أن يدخل الجهاز المصرفي.

نساء نازحات يصنعن طعاماً حصلن عليه بشق الأنفس وأطفالهن ينتظرون (يونسيف)

ولا ينفصل الذهب عن الحرب؛ إذ تشير دراسة لمعهد «تشاتام هاوس» إلى استفادة طرفي الصراع من اقتصاد الذهب وشبكات إنتاجه وتجارته، وإن بطرق ومناطق نفوذ مختلفة، وربطت عائدات القطاع بالقدرة على تمويل العمليات، والحصول على الموارد والأسلحة والإمدادات.

ولا يعني ذلك أن حصائل صادرات الذهب الرسمية تذهب كلها إلى الإنفاق العسكري؛ إذ تستخدم الدولة النقد الأجنبي أيضاً لتمويل واردات الوقود والقمح والسلع والاحتياجات الأخرى.

وتأتي مفارقة إضافية من داخل قطاع الذهب نفسه، إذ هددت 23 شركة تعدين بالتوقف التدريجي عن الإنتاج بداية من 30 سبتمبر الحالي، وصولاً إلى التوقف الكامل في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، احتجاجاً على آلية شراء بنك السودان المركزي للذهب.

وتقول هذه الشركات إنها تنتج نحو 17 في المائة من إجمالي ذهب البلاد، وإن السعر الذي يشتري به البنك المركزي لا يغطي الارتفاع في تكاليف الوقود والنقل والأجور والتشغيل الناتج من تراجع الجنيه.

ولا تقف المفارقات عند سوق الذهب، ففي الوقت الذي تجاوز فيه الدولار 9 آلاف جنيه في بعض تعاملات مناطق سيطرة الحكومة، سجل في نيالا نحو 4600 جنيه نقداً، بينما وصل سعره عبر التحويل بتطبيق «بنكك» إلى نحو 6500 جنيه.

أي أن الدولار النقدي في نيالا كان، في اللحظة نفسها تقريباً، يقارب نصف مستواه الذي سجله في بعض أسواق مناطق الحكومة.

ولا يعني ذلك أن اقتصاد مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع» أقوى، فخبراء ومتعاملون يعزون جزءاً مهماً من الفارق إلى شح الأوراق النقدية «السيولة» في دارفور، واختلاف مسارات التجارة وتدفق العملات الأجنبية، فضلاً عن ارتباط أسواق غرب السودان بتشاد وليبيا وجنوب السودان، كما يكشف الفارق بين 4600 جنيه نقداً و6500 عبر التحويل داخل نيالا نفسها، حجم التشوه الناتج من أزمة السيولة.

البحث عن حلول

مع تسارع تراجع سعر صرف الجنيه، شكلت اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس، لجنة برئاسة وزير المالية جبريل إبراهيم لمعالجة أزمة سعر الصرف.

وتشمل الإجراءات المعلنة التي توصلت إليها زيادة الإنتاج في الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين، وتشجيع الصناعات التحويلية والصادرات، وتقليص الواردات، وضبط تجارة الذهب ومكافحة تهريبه، وإلزام المصدرين بإعادة حصائل الصادر، إلى جانب مواجهة المضاربة، وتجارة العملات خارج القنوات الرسمية.

لكن مقارنة الأرقام تضع تلك الإجراءات أمام اختبار واضح: «الدولار تجاوز 9 آلاف جنيه رغم التدخلات السابقة، وإنتاج الذهب تجاوز 70 طناً، بينما لم تظهر سوى كميات أقل كثيراً في الصادرات الرسمية، وشركات تنتج 17 في المائة من الذهب تهدد بالتوقف، بينما أغلقت متاجر أبوابها؛ لأن التجار لم يعودوا قادرين على تثبيت أسعار بضائعهم.

وبين تعهد البرهان بالخروج منتصراً من «المعركة الاقتصادية» وهذه الأرقام، تتلخص المفارقة في بلد ينتج أكثر من 70 طناً من الذهب سنوياً، لكنه يعاني شح العملات الأجنبية، ويتجاوز الدولار فيه 9 آلاف جنيه في سوق، ويباع بنحو 4600 في سوق أخرى، بينما ارتفع الدقيق في بعض الأسواق 50 في المائة خلال موجة التقلب الأخيرة.

وهكذا لا يصبح السؤال بالنسبة إلى السودانيين: «متى يتراجع سعر الدولار فحسب، وإنما كم تبقى للجنيه من قيمة حقيقية، وكم يستطيع أن يشتري من الغذاء والدواء في اليوم التالي؟».


الدين العام الفرنسي في أعلى مستوى منذ 1995

يستمتع الناس بالقرب من برج إيفل في باريس (رويترز)
يستمتع الناس بالقرب من برج إيفل في باريس (رويترز)
TT

الدين العام الفرنسي في أعلى مستوى منذ 1995

يستمتع الناس بالقرب من برج إيفل في باريس (رويترز)
يستمتع الناس بالقرب من برج إيفل في باريس (رويترز)

أفادت وزارة المال الفرنسية، السبت، بأنَّ الدين العام سيسجِّل هذه السنة أعلى مستوى منذ عام 1995، مدفوعاً بعجز حاد في الموازنة.

وقال مصدر في الوزارة لصحافيِّين إن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي ستصل إلى 119.3 في المائة عام 2026، وإلى 121.7 في المائة عام 2027، أي نحو ضعف السقف المرجعي البالغ 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي والذي يفترض بدول الاتحاد الأوروبي التزامه. وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذه المستويات القياسية هي الأعلى على الإطلاق منذ بدأ «المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية» برصد مستويات الدين وفق المنهج الحالي أواخر عام 1995.

وقال المصدر إن ارتفاع ديون فرنسا يحدث «بشكل تلقائي» نتيجة «استمرار العجز المرتفع» في الموازنة.

وبموجب قواعد الاتحاد الأوروبي، ينبغي ألا يتجاوز العجز العام، أي الفارق السنوي بين الإيرادات والإنفاق، مستوى 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

لكن العجز بلغ 5.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي، بينما تتوقع الحكومة أن يصل إلى 5.4 في المائة هذا العام.

وتخضع فرنسا منذ عامين لمراقبة خاصة من الاتحاد الأوروبي؛ بسبب ارتفاع العجز.

وتتوقع باريس أن ينخفض العجز إلى 5 في المائة العام المقبل، وهو الموعد المقرر لإجراء انتخابات رئاسية مع انتهاء الولاية الثانية والأخيرة للرئيس إيمانويل ماكرون.

وقدَّمت الحكومة مشروع موازنة 2027 إلى المجلس الأعلى للمالية العامة، وهو هيئة مستقلة للرقابة المالية، لتقييم مدى قابليتها للتنفيذ من منظور الاقتصاد الكلي.

وقال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الخميس، إن الحكومة تعتزم إجراء تعديلات وخفض النفقات بقيمة 54 مليار يورو (62 مليار دولار) في موازنة 2027.

لكن مع اقتراب الانتخابات، ترك للبرلمان حسم بعض الإجراءات الأكثر حساسية، ومن بينها اقتراح حكومي لخفض الإعفاءات الضريبية الممنوحة للمتقاعدين.

ويشهد الاقتصاد الفرنسي تباطؤاً منذ الرُّبع الثالث من العام الماضي، متأثراً بضعف الإنفاق الاستهلاكي، فضلاً عن ارتفاع أسعار الطاقة؛ بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.