فرنسا تواجه اختباراً حساساً حول استقلالية «المركزي» مع ترقب تعيين حاكم جديد

ترشيح إيمانويل مولان يضع ماكرون أمام استحقاق نفوذ أخير

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة إيمانويل مولان عقب اجتماع بقصر الإليزيه في 2 يوليو 2025 (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة إيمانويل مولان عقب اجتماع بقصر الإليزيه في 2 يوليو 2025 (رويترز)
TT

فرنسا تواجه اختباراً حساساً حول استقلالية «المركزي» مع ترقب تعيين حاكم جديد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة إيمانويل مولان عقب اجتماع بقصر الإليزيه في 2 يوليو 2025 (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة إيمانويل مولان عقب اجتماع بقصر الإليزيه في 2 يوليو 2025 (رويترز)

في سياق يتسم بتصاعد الضغوط السياسية على المؤسسات النقدية في أوروبا، يكتسب ملف تعيين محافظ جديد لبنك فرنسا بُعداً اقتصادياً ومؤسسياً بالغ الحساسية، نظراً لارتباطه المباشر باستقلالية السياسة النقدية، ولدور البنك المركزي الفرنسي ضمن منظومة البنك المركزي الأوروبي في إدارة أسعار الفائدة، وضمان استقرار النظام المالي في منطقة اليورو.

وعليه، يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اختباراً حاسماً الأسبوع المقبل، مع استعداد البرلمان لاتخاذ قرار بشأن ترشيح رئيس ديوانه السابق لتولي إدارة «بنك فرنسا»، في خطوة يراها بعض المنتقدين جزءاً من مساعٍ أوسع لحماية المؤسسات الرئيسية من احتمال صعود اليمين المتطرف في انتخابات 2027.

وقد يُشكِّل رفض إيمانويل مولان هزيمةً محرجةً لماكرون، في وقت يعكس فيه ذلك تراجع نفوذه السياسي مع اقتراب نهاية ولايته الثانية والأخيرة، قبل أقل من عام على الانتخابات الرئاسية المقبلة، وفق «رويترز».

في المقابل، يرى مراقبون أنَّ تمرير التعيين قد يفتح الباب أمام مزيد من الاتهامات للسلطة التنفيذية بمحاولة تثبيت مقربين من الرئيس في مواقع استراتيجية، بما يضمن استمرار إرثه السياسي والتحسب لاحتمال فوز «التجمع الوطني» في الاستحقاق الرئاسي المقبل.

وقال المحلل السياسي، ويليام ثاي، من مركز الأبحاث «لو ميلينيير»: «الرئيس محق من الناحية الفنية في ترشيح مولان، لكن القرار ينطوي على مخاطرة سياسية كبيرة في حال رفضه البرلمان، خصوصاً في ظلِّ فقدانه الأغلبية».

ويُعدُّ مولان من أبرز صانعي السياسات الاقتصادية المخضرمين في فرنسا.

ويمكن للمعارضين داخل اللجان المالية في مجلسَي البرلمان عرقلة التعيين إذا صوّت 3 أخماس الأعضاء ضده. ويتم احتساب الأصوات في المجلسين معاً، ولا يُعتمد التعيين إلا إذا لم تتجاوز نسبة الرافضين 60 في المائة من إجمالي الأصوات.

ويعكس تشكيل اللجان، التي تضم 72 عضواً في مجلس النواب و49 في مجلس الشيوخ، تركيبة المجلسين. ولا يملك ماكرون وحلفاؤه أغلبية في أي منهما.

ورغم توقع وجود مقاومة في لجنة الجمعية الوطنية المنقسمة، يُنظَر إلى لجنة مجلس الشيوخ - التي يهيمن عليها المحافظون من حزب «الجمهوريون» - على أنَّها الحاسم الأساسي في القرار، وسط تحذيرات من انقسامات محتملة داخل الحزب قد تؤثر على نتيجة التصويت.

ولا يُشكِّك أحد في الكفاءة المهنية لمولان، الذي يُعدُّ من أبرز الأسماء في المؤسسة الاقتصادية الفرنسية.

يرفرف العلم الوطني عند مدخل مبنى «بنك فرنسا» (رويترز)

غير أنَّ قربه السياسي من ماكرون أثار تساؤلات حول استقلاليته، وهي مسألة حساسة في منصب يُفترَض أن يتمتع باستقلال كامل عن النفوذ السياسي، خصوصاً داخل البنك المركزي.

وقال إريك كوكريل، رئيس لجنة المالية في الجمعية الوطنية، المنتمي لليسار المتشدد: «هل سبق أن رأيتم رئيس ديوان الإليزيه يتولى رئاسة بنك فرنسا؟ هذا لم يحدث من قبل».

مسألة استقلالية البنك المركزي

وأوضح كوكريل أنَّ غالبية أحزاب اليسار في الجمعية الوطنية تعارض تعيين مولان، في حين لا يزال موقف الاشتراكيين غير محسوم، مع احتمال انقسام الوسطيين غير الداعمين لماكرون.

ورغم الجدل، فإنَّ هناك سابقة مماثلة؛ إذ عيّن الرئيس الأسبق فرانسوا هولاند عام 2014 رئيس ديوانه، بيير رينيه ليماس، لرئاسة بنك الادخار الفرنسي، أحد أبرز المؤسسات المالية في البلاد.

ومن المقرر أن يخضع مولان لجلسات استماع في لجنتَي البرلمان يوم الأربعاء قبل التصويت، على أن تُعقَد جلسة مجلس الشيوخ خلف أبواب مغلقة، بينما لم يُحسَم بعد ما إذا كانت جلسة الجمعية الوطنية ستكون مفتوحة للصحافة.

وقال النائب الاشتراكي، فيليب برون، إن مولان أبدى استعداده للقاء النواب؛ لمناقشة أولويات عمله، بدءاً من تنظيم القطاع المصرفي، مروراً بمكافحة التضخم، وصولاً إلى مسألة استقلالية البنك.

وفي استبيان أُرسل إليه، سُئل مولان عن كيفية ضمان استقلالية «بنك فرنسا» في ظلِّ أدواره السياسية السابقة داخل الحكومة، بينما قال إنَّه سيحتفظ بإجاباته أمام النواب.

اليمين المتطرف: «كفى»

وبصفته محافظاً للبنك المركزي الفرنسي العريق الذي يمتد تاريخه لأكثر من 226 عاماً، سينضم مولان إلى مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي المسؤول عن تحديد أسعار الفائدة، إضافة إلى الإشراف على النظام المصرفي الفرنسي.

وحتى قبل ترشيحه، كان خصوم ماكرون قد عبَّروا عن استيائهم من سلسلة تعيينات شملت مقربين منه، من بينهم ريتشارد فيراند لرئاسة المجلس الدستوري، وأميلي دو مونتشالان لرئاسة هيئة التدقيق العليا.

ويرى نواب «التجمع الوطني» أنَّ هذه التعيينات تهدف إلى ترسيخ نفوذ حلفاء ماكرون في المؤسسات الحساسة تحسباً لأي انتقال سياسي محتمل في حال فوز اليمين المتطرف بالرئاسة.

وقال النائب فيليب بالارد من «التجمع الوطني»: «بعد فيراند ومونتشالان، نقول كفى».

وتشير استطلاعات الرأي إلى أنَّ الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقبلة قد تشهد مواجهة بين معسكر ماكرون ومرشح من اليمين المتطرف، الذي يتبنى برنامجاً لتعطيل جزء كبير من السياسات الاقتصادية والاجتماعية الحالية.

وكان تعيين فيراند قد أُقر بفارق صوت واحد في لجان البرلمان، بينما لم يتطلب تعيين مونتشالان تصويتاً برلمانياً.

ويبقى مجلس الشيوخ العامل الحاسم في مصير مولان، وسط ترقب لما إذا كان الجمهوريون سيوحِّدون صفوفهم، أم سيتجهون إلى الانقسام حول هذا الترشيح الحساس.


مقالات ذات صلة

محافظ بنك فرنسا: الرسوم الأميركية تزيد عدم اليقين وتضر بالنمو العالمي

الاقتصاد مدخل مبنى بنك فرنسا (رويترز)

محافظ بنك فرنسا: الرسوم الأميركية تزيد عدم اليقين وتضر بالنمو العالمي

قال إيمانويل مولان، محافظ بنك فرنسا، إن التعريفات التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على عدد من الشركاء التجاريين من شأنها أن تزيد حالة عدم اليقين.

«الشرق الأوسط» (باريس )
الاقتصاد المصرف المركزي التركي (رويترز)

«المركزي التركي» يثبت أسعار الفائدة مع تهديد الحرب لجهود كبح التضخم

أبقى البنك المركزي التركي على أسعار الفائدة دون تغيير يوم الخميس، في ظل المخاوف من أن تؤدي الحرب إلى إجهاض مسار كبح التضخم الهش في البلاد.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
الاقتصاد أوراق نقدية من الشيقل الإسرائيلي (رويترز)

«جي بي مورغان» يتوقع ضعف الشيقل بنهاية العام وسط تغيّر سياسة «بنك إسرائيل»

توقع بنك «جي بي مورغان» أن ينهي الشيقل الإسرائيلي العام عند مستوى 2.95 مقابل الدولار، مقارنة بتوقعاته السابقة البالغة 2.80.

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

قلق هيلي بشأن تكاليف الأعمال والمعيشة يرفع عوائد السندات البريطانية

ارتفعت عوائد السندات الحكومية البريطانية في التعاملات المبكرة يوم الخميس، بعدما قال وزير المالية الجديد، جون هيلي، إنَّه يشعر بالقلق بشأن تكاليف ممارسة الأعمال.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

استقرار الجنيه الإسترليني رغم انخفاض التضخم مع استمرار رهانات رفع الفائدة

استقر الجنيه الإسترليني مقابل الدولار يوم الأربعاء، بعدما جاء تباطؤ التضخم في المملكة المتحدة دون أن يغير بشكل كبير توقعات الأسواق بشأن مسار أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)