وسط هدنة إيران وتراجع الروبية... الهند تُبقي الفائدة عند 5.25 %

«المركزي» حذّر من «نمو أضعف وتضخم أعلى» بسبب أزمة الشرق الأوسط

رجل يمرّ أمام شعار بنك الاحتياطي الهندي خارج مقره الرئيسي في مومباي (رويترز)
رجل يمرّ أمام شعار بنك الاحتياطي الهندي خارج مقره الرئيسي في مومباي (رويترز)
TT

وسط هدنة إيران وتراجع الروبية... الهند تُبقي الفائدة عند 5.25 %

رجل يمرّ أمام شعار بنك الاحتياطي الهندي خارج مقره الرئيسي في مومباي (رويترز)
رجل يمرّ أمام شعار بنك الاحتياطي الهندي خارج مقره الرئيسي في مومباي (رويترز)

أبقى بنك الاحتياطي الهندي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير يوم الأربعاء، محذراً من تباطؤ محتمل في النمو وارتفاع في معدلات التضخم، في ظل تداعيات أزمة الشرق الأوسط التي أعادت تشكيل المشهد الاقتصادي في جنوب آسيا.

وجاء هذا القرار عقب إعلان الولايات المتحدة وإيران، خلال الليل، التوصل إلى وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعَين بعد أكثر من شهر من القتال، وهو ما كان قد أدى في وقت سابق إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط وتعطّل إمدادات الغاز إلى عدد من اقتصادات العالم.

وتُعدّ الهند، التي تستورد نحو 90 في المائة من احتياجاتها النفطية، من بين أكثر الدول عرضة لتداعيات هذه الاضطرابات. وانعكاساً لذلك، تراجعت الروبية الهندية إلى مستوى قياسي منخفض، في وقت سحب فيه المستثمرون الأجانب قرابة 19 مليار دولار بين شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان) حتى الآن.

وفي تعليقه على القرار، قال محافظ بنك الاحتياطي الهندي، سانجاي مالهوترا، إن «التريث ومراقبة تطورات الأوضاع وتوقعات النمو والتضخم يُعدّان الخيار الأكثر حكمة في المرحلة الراهنة».

وصوّتت لجنة السياسة النقدية، المؤلفة من ستة أعضاء، بالإجماع على الإبقاء على سعر إعادة الشراء عند 5.25 في المائة، مع الاستمرار في تبنّي موقف «محايد»، في إشارة إلى توازن المخاطر بين التضخم والنمو.

وكانت غالبية التوقعات قد رجّحت هذا التوجه؛ إذ أشار 69 من أصل 71 اقتصادياً في استطلاع أجرته «رويترز» إلى تثبيت الفائدة.

ورغم بقاء التضخم ضمن النطاق المستهدف، شدد مالهوترا على أن المخاطر تميل إلى الارتفاع، لا سيما مع احتمالية انتقال تأثيرات صدمة أسعار النفط إلى الاقتصاد المحلي. وأضاف أن «صدمة العرض الأولية قد تتحول إلى صدمة طلب على المدى المتوسط إذا تأخر تعافي سلاسل التوريد».

ورغم أن المؤشرات الاقتصادية عالية التردد لا تزال تعكس متانة نسبية في النشاط الاقتصادي، فإن ارتفاع أسعار النفط ونقص مدخلات أساسية مثل الغاز قد يحدّان من هذا الزخم.

وفي السياق، تراجعت أسعار النفط عالمياً بشكل حاد في آسيا يوم الأربعاء، على خلفية أنباء وقف إطلاق النار، لكنها لا تزال أعلى بكثير من مستوياتها المسجلة قبل أشهر.

وقالت كبيرة الاقتصاديين في بنك «دي بي إس» في سنغافورة، راديكا راو، إن توجهات السياسة النقدية في الهند تحوّلت من سيناريو «تضخم معتدل ونمو قوي» إلى نهج أكثر حذراً يقوم على «الموازنة الدقيقة» بين المخاطر.

وتوقعت راو أن يواصل البنك المركزي مراقبة أي آثار ثانوية محتملة لصدمة العرض، قبل التفكير في أي تشديد نقدي.

نمو أضعف وتضخم أعلى

وأصدر البنك المركزي أول توقعاته للاقتصاد خلال السنة المالية الحالية، مرجّحاً تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 6.9 في المائة في 2026-2027، مقارنة بـ7.6 في المائة في السنة المالية السابقة. كما يُتوقع أن يبلغ متوسط التضخم 4.6 في المائة، ضمن النطاق المستهدف للبنك (2-6 في المائة)

وخلال الأشهر الأحد عشر من السنة المالية 2025-2026، بلغ متوسط التضخم 1.95 في المائة، وفق البيانات المتاحة.

وللمرة الأولى، قدّم البنك تقديراته للتضخم الأساسي، متوقعاً بلوغه 4.4 في المائة خلال العام الحالي، مع افتراض متوسط سعر للنفط عند 85 دولاراً للبرميل.

وأشار تقرير السياسة النقدية إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10 في المائة فوق هذا المستوى قد يرفع التضخم بنحو 50 نقطة أساس، ويخفّض النمو بنحو 15 نقطة أساس.

من جهتها، رأت الخبيرة الاقتصادية في شركة «إلارا» للأوراق المالية، غاريما كابور، أن تقديرات النمو قد تحتاج إلى مراجعة، في ظل احتمال تأخر عودة إمدادات الطاقة إلى مستوياتها الطبيعية قبل الحرب، وهو ما قد يستغرق بين ثلاثة وستة أشهر نتيجة تراكم الطلبات وتحويل مسارات الشحن والأضرار الجزئية في البنية التحتية.

وأضافت أنها لا تتوقع رفع أسعار الفائدة ما لم يتجاوز التضخم مستوى 6 في المائة بشكل مستدام، وتخرج توقعاته عن السيطرة.

وكانت التقديرات الحكومية، الصادرة في فبراير (شباط)، قد أشارت إلى نمو يفوق 7 في المائة خلال السنة المالية التي بدأت خلال أبريل، مع توقع بقاء التضخم قريباً من هدف 4 في المائة.

وعقب إعلان القرار، ارتفع العائد على السندات الحكومية القياسية لأجل 10 سنوات بشكل طفيف إلى 6.92 في المائة، في حين تراجعت الروبية قليلاً إلى 92.62 مقابل الدولار. في المقابل، واصلت مؤشرات الأسهم مكاسبها، مرتفعة بنحو 4 في المائة خلال الجلسة.

وأشار البنك المركزي إلى أن الروبية فقدت نحو 11 في المائة من قيمتها خلال السنة المالية 2025-2026، في أكبر تراجع لها منذ أكثر من عقد، رغم متانة العوامل الأساسية.

وأكد مالهوترا أن البنك سيواصل التدخل بحكمة للحد من التقلبات المفرطة في العملة، بما يمنع تفاقم التحركات غير المبررة، مشدداً في الوقت نفسه على التزامه بضمان توفير سيولة كافية في النظام المصرفي لدعم احتياجات الاقتصاد.


مقالات ذات صلة

عملات آسيا تُطلق إنذار صدمة النفط

الاقتصاد رجل يمرّ بجانب إعلان يروّج لليوان الصيني والدولار الأميركي واليورو بمتجر لصرف العملات الأجنبية في هونغ كونغ (رويترز)

عملات آسيا تُطلق إنذار صدمة النفط

يتخذ صانعو السياسات في آسيا خطوات عاجلة وغير مسبوقة لدعم اقتصاداتهم في مواجهة صدمة إمدادات الطاقة العالمية، مع انخفاض العملات إلى مستويات قياسية...

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)

بنك فرنسا في اختبار الاستقلالية بعد تعيين إيمانويل مولان

صادق البرلمان الفرنسي على تعيين إيمانويل مولان محافظاً لبنك فرنسا، رغم الجدل الذي أثاره قربه من الرئيس إيمانويل ماكرون.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مولان خلال جلسة استماع أمام أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي (رويترز)

البرلمان الفرنسي يوافق على تعيين حليف لماكرون لإدارة البنك المركزي

وافق البرلمان الفرنسي، يوم الأربعاء، على تعيين إيمانويل مولان، الرئيس السابق لديوان الرئيس إيمانويل ماكرون، لإدارة البنك المركزي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مولان (في الوسط) يستعد للإدلاء بشهادته أمام اللجنة المالية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

مرشح ماكرون لرئاسة بنك فرنسا يتعهد بالاستقلالية ويدعو لضبط العجز

دافع مرشح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإدارة بنك فرنسا ورئيس ديوانه السابق، إيمانويل مولان، بقوة عن استقلاليته السياسية وكفاءته المهنية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الإندونيسي في جاكرتا (رويترز)

إندونيسيا ترفع الفائدة للمرة الأولى منذ عامين لدعم الروبية

رفع البنك المركزي الإندونيسي أسعار الفائدة الرئيسية للمرة الأولى منذ عامين، خلال اجتماعه الأربعاء، في خطوة تهدف إلى دعم الروبية التي هبطت إلى مستويات قياسية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)

تراجع عوائد سندات اليورو مع انتعاش آمال السلام في محادثات إيران

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

تراجع عوائد سندات اليورو مع انتعاش آمال السلام في محادثات إيران

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تراجعت عوائد سندات منطقة اليورو يوم الجمعة، مع تفاعل المستثمرين مع مؤشرات على تقدم في محادثات السلام مع إيران، ما دفع تكاليف الاقتراض الحكومي للانخفاض من أعلى مستوياتها في عدة سنوات التي سجلتها في وقت سابق من الأسبوع.

وانخفض عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار المرجعي في المنطقة، بمقدار 4 نقاط أساس ليصل إلى 3.062 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات الإيطالية والفرنسية تراجعاً طفيفاً. وتتحرك عوائد السندات عكسياً مع أسعارها.

وكان عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات قد بلغ في وقت سابق من الأسبوع أعلى مستوى له في 15 عاماً عند 3.2 في المائة يوم الثلاثاء، مع استعداد المستثمرين لاحتمالات رفع أسعار الفائدة في ظل اضطراب الأسواق نتيجة الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار الطاقة.

لكن أسعار خام برنت تراجعت لاحقاً، إذ جرى تداولها عند نحو 104 دولارات للبرميل مقارنة بـ113 دولاراً يوم الاثنين، في وقت أشارت فيه كل من إيران والولايات المتحدة إلى بعض التقدم في محادثات السلام.

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن هناك «بعض المؤشرات الإيجابية» في المحادثات، فيما أفاد مصدر إيراني رفيع لوكالة «رويترز» بأنه لم يتم التوصل إلى اتفاق بعد، رغم تضييق الفجوات بين الطرفين.

وقال بنجامين شرودر، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في بنك «آي إن جي»: «لا تزال العناوين الجيوسياسية تلعب دوراً في زيادة تقلبات الأسواق».

وأضاف أنه رغم استمرار التباين في الإشارات، فإن هناك مؤشرات على إحراز تقدم أو على الأقل تقارب في مواقف الأطراف.

وانخفض عائد السندات الألمانية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي، بمقدار 4 نقاط أساس ليصل إلى 2.642 في المائة.

وفي أسواق المال، تسعّر العقود حالياً احتمال قيام البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة بنحو 65 نقطة أساس خلال هذا العام، ما يشير إلى احتمال تنفيذ خفضين مع إمكانية تصل إلى 60 في المائة لخفض ثالث، مقارنة بأكثر من 70 نقطة أساس في وقت سابق من الأسبوع.


«بيع اليابان»... لحظة تخشاها الأسواق وتقلق واشنطن

سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

«بيع اليابان»... لحظة تخشاها الأسواق وتقلق واشنطن

سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

تواجه اليابان واحدة من أكثر اللحظات الاقتصادية والمالية حساسية منذ عقود، مع تحول أزمة الين الضعيف إلى معضلة عالمية تمس أسواق السندات الأميركية واستقرار النظام المالي الدولي، في وقت تتزايد فيه رهانات المستثمرين على ما باتت الأسواق تسميه «بيع اليابان» أو Japan Sell، أي اهتزاز الثقة المتزامن في العملة والسندات والسياسة النقدية اليابانية، ما قد يسفر عن موجة حادة من التخلص من الأصول اليابانية، والتي سيتبعها حتماً اندفاع ياباني لبيع السندات الأميركية من أجل محاولة إنقاذ اقتصادها، وهو ما سيسفر عن اضطراب اقتصادي عالمي.

وخلال اجتماعات مجموعة السبع الأخيرة، حاولت طوكيو إرسال رسائل طمأنة للأسواق، بعدما أكدت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما أن السلطات «مستعدة للتحرك في أي وقت» لمواجهة التقلبات المفرطة في سوق العملات، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة تنفيذ أي تدخل بطريقة لا تؤدي إلى اضطراب سوق سندات الخزانة الأميركية.

ويعكس هذا التصريح حجم التعقيد الذي يواجه ثالث أكبر اقتصاد في العالم. فاليابان لم تعد تحاول فقط إنقاذ الين، بل أصبحت مضطرة أيضاً إلى حماية علاقتها المالية الحساسة مع الولايات المتحدة، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار سوق السندات الأميركية وسط تصاعد العجز المالي وارتفاع تكاليف الاقتراض.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت الضغوط على الين بصورة حادة، بعدما اقترب مجدداً من مستوى 160 يناً للدولار، وهو المستوى الذي تعتبره السلطات اليابانية «خطاً أحمر» نفسياً وسياسياً. ودفعت هذه التطورات طوكيو إلى تنفيذ تدخلات واسعة في سوق الصرف عبر شراء الين وبيع الدولار، في أول تحرك مباشر بهذا الحجم منذ نحو عامين.

سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسواق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

وتشير تقديرات الأسواق حالياً إلى أن إجمالي التدخلات اليابانية منذ نهاية أبريل (نيسان) ربما تجاوز 12 تريليون ين، أي ما يعادل نحو 75 إلى 82 مليار دولار، بعدما شهدت الأسواق عدة موجات صعود مفاجئة للين خلال جلسات التداول الآسيوية الضعيفة.

ورغم نجاح هذه التدخلات مؤقتاً في دفع العملة اليابانية من حدود 160 إلى قرب 155 يناً للدولار، عاد الين لاحقاً إلى التراجع مع استمرار قوة الدولار وارتفاع العوائد الأميركية، ما عزز شكوك المستثمرين في قدرة طوكيو على تغيير الاتجاه العام للسوق.

• معضلة أكبر من العملة

ويرى محللون أن أزمة الين تجاوزت منذ فترة كونها مجرد قضية نقدية أو مالية، لتتحول إلى أزمة معيشية وسياسية داخل اليابان نفسها، مع ارتفاع تكاليف الواردات والطاقة والغذاء، وتآكل القوة الشرائية للأسر اليابانية بصورة غير مسبوقة منذ سنوات طويلة.

لكن المعضلة الأكبر بالنسبة لطوكيو لا تتعلق فقط بسوق العملات، بل بكيفية تمويل التدخلات دون التسبب في صدمة داخل سوق الدين الأميركي. فاليابان تمتلك نحو 1.4 تريليون دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، معظمها مستثمر في سندات الخزانة الأميركية، ما يجعلها أحد أكبر الدائنين للولايات المتحدة. وللحصول على الدولارات اللازمة لدعم الين، قد تضطر السلطات اليابانية نظرياً إلى بيع جزء من هذه السندات، وهنا تكمن الحساسية الكبرى. فأي عمليات بيع واسعة لسندات الخزانة الأميركية قد تؤدي إلى ارتفاع إضافي في العوائد الأميركية، وهو ما يعزز قوة الدولار أكثر ويقوض فعالية التدخل الياباني نفسه. ولهذا، أصبح هناك تنسيق شبه يومي بين وزارة المالية اليابانية ووزارة الخزانة الأميركية بشأن إدارة التدخلات المحتملة وتفادي أي اضطرابات غير مرغوبة في سوق الدين الأميركي.

رجل يمر أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

• موقف معقد في واشنطن

وتدرك واشنطن أن اليابان تمثل عاملاً حاسماً في استقرار سوق السندات الأميركية، خصوصاً في وقت ترتفع فيه العوائد بالفعل بسبب التضخم والحرب الإيرانية وتزايد الإنفاق الحكومي الأميركي.

ومن هنا، تبدو الولايات المتحدة في موقف معقد: فهي تدعم استقرار الين وتفهم مخاوف طوكيو، لكنها لا تريد في الوقت نفسه تدخلاً يابانياً واسعاً يؤدي إلى اضطراب أكبر سوق سندات في العالم.

وفي الخلفية، بدأ المستثمرون العالميون يتحدثون بشكل متزايد عن سيناريو «بيع اليابان»، وهو مفهوم يشير إلى تزامن الضغوط على الين والسندات اليابانية والأسهم والأصول المحلية، بما يعكس اهتزاز الثقة في قدرة بنك اليابان على إدارة الخروج من عصر السياسة النقدية فائقة التيسير.

وهذه النقطة تحديداً أصبحت مصدر قلق كبير للأسواق العالمية، لأن اليابان ليست اقتصاداً عادياً، بل إحدى الركائز الأساسية للنظام المالي الدولي، سواء من خلال الين كعملة تمويل عالمية، أو عبر حجم سوق السندات اليابانية، أو من خلال التدفقات الاستثمارية اليابانية الضخمة حول العالم.

وفي الداخل، يواجه بنك اليابان بقيادة المحافظ كازو أويدا معضلة معقدة تتعلق بمستقبل السياسة النقدية وبرنامج «التشديد الكمي» الذي بدأه تدريجياً منذ عام 2024.

فبعد عقود من أسعار الفائدة شبه الصفرية وبرامج شراء السندات الضخمة، يحاول البنك المركزي تقليص حيازاته الهائلة من السندات الحكومية، التي لا تزال تبلغ نحو 500 تريليون ين، أي ما يعادل أكثر من 3 تريليونات دولار... لكن ارتفاع العوائد وتقلبات السوق أجبرا البنك على إعادة تقييم سرعة التخارج من سياساته القديمة.

وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها «رويترز»، فإن بنك اليابان لا يستبعد الآن إبطاء أو حتى تعليق خطط تقليص مشتريات السندات إذا استمرت اضطرابات السوق الحالية. وفي الوقت نفسه، تتزايد التوقعات بأن يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة خلال اجتماعه في يونيو (حزيران) أو يوليو (تموز)، لكن بوتيرة رمزية وحذرة للغاية.

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في إحدى جلسات البرلمان السابقة بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)

• حساسية استثنائية

وتكمن المشكلة في أن أي رفع سريع للفائدة قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في عوائد السندات اليابانية، وهو ما قد يرفع تكلفة خدمة الدين العام الياباني، الذي يُعد الأكبر في العالم مقارنة بحجم الاقتصاد.

وتحمل هذه النقطة حساسية استثنائية لأن بنك اليابان يمتلك حالياً نحو 49 في المائة من إجمالي السندات الحكومية اليابانية المتداولة، ما يجعل أي تغيير في سياسته النقدية مؤثراً مباشرة على استقرار السوق وتكلفة تمويل الدولة.

كما بدأت صناديق التحوط العالمية تراهن بصورة متزايدة ليس فقط ضد الين، بل أيضاً ضد السندات اليابانية طويلة الأجل، في اختبار واضح لقدرة بنك اليابان على السيطرة على منحنى العائد ومنع انفلات العوائد.

وحذر عضو مجلس إدارة بنك اليابان هاجيمي تاكاتا أخيراً من أن تقليص مشتريات السندات بسرعة كبيرة قد يؤدي إلى «تقلبات مفرطة» أو حتى تدهور أداء السوق إذا لم تتم إدارة العملية بحذر شديد.

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك المركزي في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

• سيناريوهات الأزمة

وفي هذا السياق، يناقش بنك اليابان حالياً ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال اجتماعه المقبل، الأول يتمثل في وقف تقليص مشتريات السندات مؤقتاً والإبقاء على وتيرة الشراء الحالية البالغة نحو تريليوني ين شهرياً. أما الثاني فهو الاستمرار في تقليص المشتريات بالمعدل الحالي البالغ 200 مليار ين كل ثلاثة أشهر. بينما يقضي السيناريو الثالث، الذي يراه كثير من المحللين الأكثر ترجيحاً، بإبطاء التخفيض إلى 100 مليار ين فقط كل ثلاثة أشهر لتخفيف الضغوط على الأسواق.

لكن مهما كان القرار النهائي، فإن الأسواق تدرك أن اليابان باتت تواجه اختباراً بالغ الحساسية: فهل يستطيع بنك اليابان إنهاء عصر الأموال الرخيصة دون التسبب في أزمة ديون أو انهيار في سوق السندات؟

ولا تقتصر تداعيات هذا السؤال على اليابان وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فأي اضطراب حاد في الين أو السندات اليابانية أو سوق الدين الأميركي قد ينعكس سريعاً على أسعار الفائدة والعملات والأسهم عالمياً. كما أن استمرار ضعف الين يزيد الضغوط التنافسية على الاقتصادات الآسيوية الأخرى، ويدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم رهاناتهم على مسار أسعار الفائدة العالمية.

وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار الضغوط على الاقتصاد الصيني، تبدو اليابان اليوم أمام اختبار لا يتعلق فقط بمستقبل عملتها، بل بمستقبل واحدة من أهم ركائز النظام المالي العالمي، فالمعضلة اليابانية لم تعد مجرد أزمة ين أو سندات، بل تحولت إلى اختبار عالمي لقدرة البنوك المركزية على إنهاء عصر السيولة الرخيصة دون زعزعة استقرار أسواق الدين الدولية.


عجز مالي قياسي بريطاني يُنذر بضغوط مبكرة على موازنة ريفز جراء الحرب

أعلام بريطانيا قرب ساعة بيغ بن في ساحة البرلمان بلندن (رويترز)
أعلام بريطانيا قرب ساعة بيغ بن في ساحة البرلمان بلندن (رويترز)
TT

عجز مالي قياسي بريطاني يُنذر بضغوط مبكرة على موازنة ريفز جراء الحرب

أعلام بريطانيا قرب ساعة بيغ بن في ساحة البرلمان بلندن (رويترز)
أعلام بريطانيا قرب ساعة بيغ بن في ساحة البرلمان بلندن (رويترز)

أظهرت البيانات المالية العامة البريطانية تسجيل أكبر عجز منذ جائحة كوفيد-19 في أبريل (نيسان)، فيما قد يمثل مؤشراً مبكراً على الضغوط التي ستواجهها وزيرة المالية راشيل ريفز في موازنتها نتيجة تداعيات الحرب الإيرانية.

وأظهرت أرقام رسمية صادرة يوم الجمعة أن الاقتراض خلال الشهر ارتفع بنسبة 25 في المائة مقارنة بشهر أبريل من العام الماضي، ليصل إلى 24.3 مليار جنيه إسترليني (32.63 مليار دولار)، وهو ثاني أعلى مستوى اقتراض مسجل لشهر أبريل.

وأشار استطلاع أجرته «رويترز»، شمل خبراء اقتصاديين، إلى عجز متوقع عند 20.9 مليار جنيه إسترليني في أبريل، وهو الشهر الأول من السنة المالية.

وقالت روث غريغوري، نائبة كبير الاقتصاديين في «كابيتال إيكونوميكس»: «هذا مؤشر مبكر على تدهور المالية العامة الذي لا مفر منه خلال الفصول المقبلة».

ويواجه ريفز، الذي يستهدف تحقيق التوازن بين الإنفاق اليومي والإيرادات الضريبية بحلول نهاية العقد، ضغوطاً متزايدة في ظل تراجع شعبية رئيس الوزراء كير ستارمر في استطلاعات الرأي، وهو ما قد يزيد من التحديات السياسية المحيطة بالسياسة المالية.

وقد زادت الحرب الإيرانية من تعقيد مهمة ريفز، إذ رفعت مخاطر تباطؤ اقتصادي قد يضغط على الإيرادات الضريبية، خصوصاً مع صدور بيانات منفصلة يوم الجمعة أظهرت انخفاض مبيعات التجزئة بأكبر وتيرة منذ قرابة عام خلال أبريل. كما أدى النزاع إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض وزيادة الضغوط على الإنفاق العام لدعم الأسر والشركات المتضررة من صدمة أسعار الطاقة.

وقالت ريفز يوم الخميس إنها ستزيد الضرائب على شركات النفط والغاز لتمويل بعض إجراءات الدعم.

وأظهرت بيانات مكتب الإحصاء الوطني يوم الجمعة أن إيرادات الحكومة ارتفعت بنسبة 2.9 في المائة في أبريل مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، في حين ارتفع الإنفاق بنسبة 6.5 في المائة.

وتوقعت تقديرات خبراء المالية العامة البريطانيين قبل الحرب الإيرانية أن ينخفض اقتراض القطاع العام إلى 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية الحالية، وهو ما كان سيشكل أدنى عجز منذ ما قبل جائحة كوفيد-19.

مع ذلك، قالت غريغوري إن مزيج إجراءات دعم أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف الاقتراض وضعف النمو الاقتصادي من المرجح أن يرفع العجز إلى 4.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في مارس (آذار) 2027. وأضافت: «بشكل عام، تُظهر الصورة الكلية أن المالية العامة في المملكة المتحدة هشة، ولن يتغير هذا الواقع بغض النظر عمن يتولى رئاسة الوزراء».

ويشعر المستثمرون بقلق متزايد إزاء احتمالات التغيير السياسي في بريطانيا، في ظل مطالبات عدد من نواب حزب العمال باستقالة ستارمر. وقد صرّح أندي بورنهام، عمدة مانشستر والمرشح المحتمل لخلافته، بأنه سيلتزم بالقواعد المالية التي تتبعها ريفز.

وقال روب وود، كبير الاقتصاديين البريطانيين في «بانثيون ماكروإيكونوميكس»، إن بورنهام، في حال وصوله إلى داونينغ ستريت، فسيضطر إلى اتخاذ إجراءات غير شعبية لضمان الالتزام بتلك القواعد.

وأضاف وود: «إن رفع الضرائب لتمويل خطط الإنفاق قد يقوض النمو ويزيد من اختلالات المالية العامة».

وقال مكتب الإحصاء الوطني إن الاقتراض في السنة المالية المنتهية في مارس جاء أقل بمقدار 3 مليارات جنيه إسترليني من التقديرات الأولية، ليبلغ 129 مليار جنيه إسترليني، أي ما يعادل 4.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، انخفاضاً من 5.2 في المائة في السنة الضريبية 2024-2025.

تراجع الجنيه الإسترليني

انخفض الجنيه الإسترليني بشكل طفيف يوم الجمعة، مع توجه المستثمرين نحو الدولار في ظل حالة عدم اليقين بشأن محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك بعد صدور بيانات بريطانية أظهرت تراجع مبيعات التجزئة بأكبر وتيرة منذ نحو عام وتدهوراً واضحاً في المالية العامة البريطانية.

وشهد الأسبوع بيانات اقتصادية متباينة، من بينها تقرير سوق العمل الشهري الذي أظهر ارتفاع معدل البطالة، إلى جانب نمو طفيف في الأجور الحقيقية في ظل تأثير التضخم الناجم عن الحرب الإيرانية.

وأظهرت بيانات مبيعات التجزئة الصادرة يوم الجمعة انخفاضاً بنسبة 1.3 في المائة على أساس شهري في أبريل، وهو أكبر تراجع منذ قرابة عام، وأكثر من ضعف التوقعات البالغة 0.6 في المائة. ويعزى ذلك إلى تقليص المستهلكين إنفاقهم على الوقود والمشتريات غير الأساسية في ظل ارتفاع فواتير الطاقة والغموض المرتبط بالحرب.

وتراجعت أحجام المبيعات بنسبة 1.3 في المائة مقارنة بشهر مارس، وهو أكبر انخفاض شهري منذ مايو (أيار) 2025، وأعمق من توقعات الاقتصاديين البالغة 0.6 في المائة.

وأوضح مكتب الإحصاء الوطني أن مبيعات الوقود تراجعت بأكثر من 10 في المائة، مع قيام المستهلكين بتقليل مشترياتهم بعد تخزينها في مارس، في أكبر انخفاض شهري منذ جائحة كوفيد-19.

وباستثناء الوقود، انخفضت المبيعات بنسبة 0.4 في المائة، مقارنة بتوقعات «رويترز» البالغة 0.3 في المائة.

وتراجعت المبيعات في جميع الفئات باستثناء المواد الغذائية، فيما هبطت مبيعات الملابس إلى أدنى مستوى منذ يونيو (حزيران) الماضي، بسبب ضعف ثقة المستهلكين وتقلبات الطقس.

وخالفت بعض الشركات هذا الاتجاه، حيث سجلت «نكست» مبيعات أفضل من المتوقع، بينما رفعت «كاريز» توقعاتها للأرباح.

وأفاد مكتب الإحصاء الوطني بأن إجمالي المبيعات ظل ثابتاً على أساس سنوي، مقابل توقعات بارتفاع 1.3 في المائة.

وباستثناء الوقود، ارتفعت المبيعات بنسبة 1.1 في المائة، أقل من توقعات «رويترز» البالغة 1.5 في المائة.

وقالت داني هيوسون، رئيسة التحليل المالي في شركة «إيه جيه بيل»: «إن ارتفاع أسعار الوقود يضغط على الأسر التي لا تزال تعاني من آثار موجة التضخم السابقة».

وأضافت: «في البداية اندفع السائقون لتخزين الوقود مع ارتفاع الأسعار نتيجة الحرب الإيرانية، لكن مع اتضاح أن الزيادة ليست مؤقتة، بدأ المستهلكون في ترشيد استهلاكهم وتقليص الرحلات غير الضرورية، وإعادة تقييم كل عملية إنفاق».

وانخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 0.1 في المائة أمام الدولار ليصل إلى نحو 1.3420 دولار، لكنه ظل متجهاً لتحقيق مكاسب أسبوعية تقارب 0.7 في المائة. كما قلصت العملة جزءاً من خسائرها المرتبطة بالضغوط السياسية في بريطانيا، حيث يواجه رئيس الوزراء كير ستارمر ضغوطاً للاستقالة بعد خسائر حزب العمال في الانتخابات المحلية.

أما أمام اليورو، فقد سجل الجنيه أداءً أقوى، مرتفعاً بنحو 1 في المائة خلال الأسبوع. واستقر اليورو يوم الجمعة عند 0.8646 جنيه إسترليني.