أميركا واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

تحديات الغاز الروسي تفرض نفسها على أجندة طوكيو وسط مساعٍ أميركية لفرض رؤية بديلة لأمن المنطقة

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

أميركا واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)

حددت واشنطن يومي الرابع عشر والخامس عشر من مارس (آذار) المقبل موعداً لانعقاد «المنتدى الوزاري والتجاري لأمن الطاقة في منطقة المحيطين الهندي والهادي» (IPEM) في العاصمة اليابانية طوكيو.

ويأتي هذا الإعلان، الذي كشفت عنه السفارة الأميركية يوم الأحد، ليمهد الطريق لتعاون استراتيجي واسع بين واشنطن وحلفائها الإقليميين؛ حيث يسعى «المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة» من خلال هذا الحدث إلى بناء جسور جديدة للتعاون في واحدة من أهم المناطق الاقتصادية في العالم.

وتهدف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من خلال هذه القمة إلى تعزيز أمن الطاقة عبر شراكات موثوقة ومستدامة، تضمن استقرار سلاسل التوريد، وتفتح آفاقاً رحبة للاستثمارات المشتركة، بما يواكب الطموحات الاقتصادية لدول المنطقة، ويؤسس لمستقبل طاقي أكثر أماناً وازدهاراً.

وأوضح بيان صادر عن السفارة الأميركية في طوكيو، أن الشهر المقبل سيشهد وصول وفد أميركي رفيع المستوى إلى طوكيو، يضم أركان «عقيدة الطاقة» في إدارة ترمب؛ حيث يترأس الوفد وزير الداخلية ورئيس المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة، دوج بورغوم، ويرافقه وزير الطاقة ونائب رئيس المجلس كريس رايت، بالإضافة إلى مدير وكالة حماية البيئة لي زيلدين.

ومن المقرر أن يعقد هؤلاء المسؤولون لقاءات مكثفة مع ممثلي ما يقرب من 12 دولة من منطقة المحيطين الهندي والهادي، تتركز حول صياغة رؤية مشتركة لأمن الطاقة، تتوافق مع أهداف الأمن القومي الأميركي والحلفاء.

ويُعد هذا المنتدى ثمرة تعاون استراتيجي تشارك في استضافته وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية (METI) والمجلس الوطني للهيمنة على الطاقة في الولايات المتحدة، وبدعم من وكالة التجارة والتنمية الأميركية، ووزارات «الخارجية» و«التجارة» و«الداخلية».

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال مؤتمر صحافي في مكتب رئيس الوزراء في طوكيو (أ.ب)

برنامج المنتدى ومساراته الاستراتيجية

وتتمحور أجندة المنتدى حول دمج مفاهيم الأمن القومي بأمن الطاقة، من خلال جدول أعمال مكثف يمتد ليومين، يهدف إلى تحويل الحوارات السياسية إلى مشروعات استثمارية ملموسة.

وتنقسم الأجندة إلى مسارات متوازية تجمع بين القطاعين العام والخاص، مع التركيز على بناء سلاسل إمداد مرنة وموثوقة بعيداً عن الاعتماد على القوى المنافسة:

يركز المسار الأول من الأجندة على تأمين سلاسل التوريد وتقنيات الطاقة النظيفة، لضمان استمرارية تدفق موارد الطاقة والتقنيات الحيوية. ويهدف النقاش إلى استكشاف سُبل حماية المسارات البحرية والبرية للإمدادات، مع التركيز على «تقنيات الطاقة الموثوقة» التي تضمن للدول الحليفة استقلالاً ذاتياً، بما في ذلك تطوير الهيدروجين، والطاقة النووية المتقدمة، وتقنيات التقاط الكربون، بوصفها حلولاً تضمن أمن الطاقة والنمو الاقتصادي في آنٍ واحد.

وفي المسار الثاني المتعلق بفتح آفاق الاستثمار وتمويل البنية التحتية، تُخصص الأجندة مساحة واسعة لربط صناديق الاستثمار بمشروعات الطاقة الكبرى. والهدف هو إيجاد آليات تمويل مبتكرة تكسر حواجز المخاطر، ما يُشجع القطاع الخاص على ضخ رؤوس الأموال في مشروعات الربط الكهربائي ومحطات الغاز الطبيعي المسال، لتصبح المنطقة وجهة جاذبة للاستثمارات الأميركية واليابانية المباشرة.

أما الجلسات المغلقة، فستبحث التعاون الوزاري وتوحيد المعايير السيادية؛ حيث يجتمع الوزراء لصياغة معايير مشتركة لـ«حوكمة الطاقة» تتماشى مع «عقيدة الهيمنة» التي تروج لها واشنطن، بما يضمن منع استخدام الطاقة بوصفها أداة للابتزاز السياسي.

ولا تقتصر الأجندة على الموارد الطبيعية، بل تمتد لتشمل «رأس المال البشري». ويركز هذا المحور على برامج التدريب والتعاون التقني لنقل الخبرات من الولايات المتحدة واليابان إلى الدول النامية في المحيطين الهندي والهادي. ويهدف هذا التوجه إلى إيجاد جيل من المهندسين والخبراء القادرين على إدارة منشآت الطاقة الحديثة، ما يعزز الاستدامة طويلة الأمد للاتفاقيات الموقعة خلال المنتدى، ويضمن ولاءً تقنياً واقتصادياً للمحور الغربي.

وعلى الرغم من الطابع التعاوني للمنتدى، فإنه ينعقد وسط تحديات جيوسياسية واضحة وتدابير معقدة في سوق الطاقة، لعل أبرزها ملف الغاز الروسي. فمن المتوقع أن يلقي هذا الملف بظلاله على المحادثات، خصوصاً بعد أن كانت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي قد أبلغت ترمب في وقت سابق بصعوبة فرض حظر شامل على استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي، نظراً للاحتياجات الطاقية الملحة لليابان، وهو ما يجعل من قمة طوكيو المقبلة منصة حاسمة لمحاولة التوفيق بين متطلبات الهيمنة الأميركية على الطاقة والواقعية الاقتصادية للحلفاء الآسيويين.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد عن قمة بكين: حوار بنّاء يصبّ في مصلحة الاقتصاد العالمي

الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

صندوق النقد عن قمة بكين: حوار بنّاء يصبّ في مصلحة الاقتصاد العالمي

أعلن صندوق النقد الدولي، يوم الخميس، ترحيبه بالحوار الإيجابي الأولي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتة توظيف تحمل رمز استجابة سريعة تظهر على نافذة أحد المتاجر في أرلينغتون بولاية فرجينيا الأميركية (رويترز)

ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية وسط استقرار سوق العمل

ارتفع عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة بشكل طفيف خلال الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد حاويات شحن مكدّسة على رصيف بمحطة «ريد هوك» في بروكلين (رويترز)

ارتفاع حاد في أسعار الواردات الأميركية خلال أبريل مع قفزة قياسية للوقود

ارتفعت أسعار الواردات الأميركية بشكل حاد خلال شهر أبريل مع تسجيل أسعار الوقود أكبر زيادة لها في أربع سنوات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة لـ«ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» تسجل مستويات قياسية

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» إلى مستويات قياسية جديدة يوم الخميس، مدعومة بقفزة في أسهم شركة «إنفيديا».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد وارش أثناء إدلائه بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ 21 أبريل (رويترز)

وارش في مواجهة نيران السندات والتضخم وسط انقسام بين طموحات ترمب وحذر الأسواق

بإقرار مجلس الشيوخ الأميركي الأربعاء تعيين كيفين وارش رئيساً جديداً للاحتياطي الفيدرالي يبدأ عهد جديد في السياسة النقدية الأميركية خلفاً لجيروم باول

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أسبوع عاصف للسندات العالمية تحت ضغوط الحرب ورهانات الفائدة

انعكاس شخص ومبانٍ على زجاج شركة وساطة في بكين (رويترز)
انعكاس شخص ومبانٍ على زجاج شركة وساطة في بكين (رويترز)
TT

أسبوع عاصف للسندات العالمية تحت ضغوط الحرب ورهانات الفائدة

انعكاس شخص ومبانٍ على زجاج شركة وساطة في بكين (رويترز)
انعكاس شخص ومبانٍ على زجاج شركة وساطة في بكين (رويترز)

أنهت سوق السندات العالمية أسبوعاً حافلاً بالاضطرابات، يوم الجمعة، مع ازدياد الأدلة على الأضرار الاقتصادية الناجمة عن حرب إيران، ما دفع المستثمرين إلى افتراض أنَّ أسعار الفائدة سترتفع بوتيرة أسرع من المتوقع، وأنَّ النمو سيتأثر سلباً.

وسجَّلت عوائد سندات الخزانة الأميركية أعلى مستوياتها منذ نحو عام، مع توقُّع المتداولين أن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة لكبح الضغوط التضخمية الناجمة عن صدمات الطاقة المرتبطة بحرب إيران. وتعرَّضت سندات منطقة اليورو، بما في ذلك الألمانية والإيطالية والفرنسية، لضغوط، إلى جانب السندات الحكومية البريطانية، في حين سجَّلت عوائد السندات اليابانية مستويات قياسية.

وكانت السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات من بين الأسوأ أداءً، إذ ارتفعت عوائدها 7.4 نقطة أساس إلى نحو 3.86 في المائة، لترتفع بنحو 14 نقطة أساس خلال الأسبوع، بينما صعدت عوائد السندات الألمانية القياسية بنحو 6 نقاط أساس لتصل إلى نحو 3.11 في المائة.

وأظهرت بيانات التضخم، هذا الأسبوع، أنَّ المستهلكين والشركات بدأوا يشعرون بارتفاعات كبيرة في الضغوط السعرية نتيجة الحرب، التي رفعت أسعار النفط الخام بأكثر من 50 في المائة.

وسجَّلت عوائد السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لتغيُّر توقعات التضخم وأسعار الفائدة، أكبر ارتفاع هذا الأسبوع، في حين بدأت العوائد طويلة الأجل بالارتفاع أيضاً، ما يعكس قلق المستثمرين من التأثير الممتد لصدمة الأسعار.

وقال يوجين ليو، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في «دي بي إس»: «وصلت العوائد العالمية على الأرجح إلى مستوى مرتفع بما يكفي للإضرار بالمعنويات. وبين اقتصاد عالمي مرن مدفوع بتوسُّع الذكاء الاصطناعي وأسعار طاقة مرتفعة، فإنَّ البنوك المركزية أصبحت أكثر قلقاً بشأن التضخم».

وأظهرت أسواق المال أنَّ المتداولين يرون احتمالاً بنسبة 60 في المائة بأن يقوم «الفيدرالي» برفع أسعار الفائدة هذا العام، بعدما كانت الأسواق تسعّر قبل الحرب خفضين على الأقل للفائدة.

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والجنيه الإسترليني (رويترز)

كما تُظهر بيانات «إل إس إي جي» أنَّ 4 فقط من أصل 24 من أكثر البنوك المركزية تأثيراً في العالم لديها احتمال ملموس لخفض الفائدة هذا العام، بينما تميل الغالبية نحو الرفع.

وقال موهيت كومار، استراتيجي في «جيفريز»: «الأمر لا يتعلق بالتضخم فقط، بل أيضاً بالعجز المرتفع الذي يجب أن يكون محور الاهتمام».

وأضاف: «من المرجح أن نشهد مجموعة من إجراءات دعم الوقود خلال الأشهر المقبلة».

وتوقَّع كومار ميلاً نحو انحدار منحنيات عوائد السندات الحكومية، في إشارة إلى ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل بوتيرة أسرع من قصيرة الأجل. وبلغت عوائد سندات الخزانة الأميركية القياسية لأجل 10 سنوات 4.53 في المائة، مرتفعة 7.3 نقطة أساس خلال اليوم، لتقترب من أعلى مستوياتها منذ يونيو (حزيران) الماضي.

وفي بريطانيا، شهدت عوائد السندات الحكومية تقلبات حادة هذا الأسبوع، إذ وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، في ظلِّ ضغوط سياسية متزايدة على رئيس الوزراء كير ستارمر للاستقالة، بعد خسائر كبيرة لحزبه العمالي في الانتخابات المحلية، وظهور منافسين محتملين على القيادة.

وارتفعت عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ يوليو (تموز) 2008 يوم الجمعة. وبلغت العوائد ذروتها عند 5.137 في المائة في تمام الساعة 09:10 بتوقيت غرينتش، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن، متجاوزةً أعلى مستوى سابق لها عند 5.130 في المائة المُسجَّل يوم الثلاثاء، ومُحقِّقةً ارتفاعاً بأكثر من 14 نقطة أساس خلال الجلسة، في طريقها لتسجيل أحد أكبر مكاسبها اليومية هذا العام.

نقاشات مرتقبة في «مجموعة السبع»

من جهته، قال وزير المالية الياباني ساتسوكي كاتاياما، يوم الجمعة، إن وزراء مالية مجموعة السبع من المرجح أن يناقشوا تقلبات سوق السندات العالمية الأخيرة، مع امتداد التحرُّكات الحادة في اليابان والولايات المتحدة وبريطانيا إلى الأسواق الرئيسية.

وأضاف: «شهدنا ارتفاع عوائد السندات في جميع الأسواق الثلاث الكبرى»، مشيراً إلى موجات البيع في اليابان والولايات المتحدة وبريطانيا.

وتابع: «هذه التحركات تبدو كأنها تعزِّز بعضها بعضاً عبر الأسواق الرئيسية. ومن المرجح أن تكون كيفية تقييم هذا الوضع موضوعاً للنقاش في اجتماعات مجموعة السبع المالية»، بحسب ما قاله في مؤتمر صحافي دوري.

ورقة نقدية من الين الياباني في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

وتعرَّضت السندات الحكومية اليابانية لضغوط مستمرة هذا الأسبوع، حيث سجَّلت كل من العوائد القصيرة وطويلة الأجل للغاية مستويات قياسية جديدة، في ظلِّ تصاعد الرهانات على أنَّ «بنك اليابان» سيواصل رفع أسعار الفائدة للحدِّ من الضغوط التضخمية.

وارتفع العائد على السندات القياسية لأجل 10 سنوات بما يصل إلى 10 نقاط أساس ليصل إلى 2.73 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ مايو (أيار) 1997. كما بلغ عائد السندات لأجل 5 سنوات مستوى قياسياً عند 2 في المائة، في حين وصل عائد السندات لأجل 20 عاماً إلى 3.66 في المائة، وهو أعلى مستوى في البيانات المتاحة منذ مايو 1999.

وواصلت عوائد السندات اليابانية صعودها بعد صدور بيانات رسمية أظهرت أنَّ التضخم في أسعار الجملة ارتفع بأسرع وتيرة في 3 سنوات خلال أبريل (نيسان)، ما عزَّز التوقعات بأنَّ البنك المركزي قد يشدِّد سياسته النقدية في اجتماعه المقبل في يونيو.

ومن المقرر أن يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في «مجموعة السبع» في باريس، يومي الاثنين والثلاثاء.


ارتفاع حاد لتضخم الجملة الياباني على وقع صدمة الطاقة

طوابير أمام متجر «سواتش» في ضاحية تجارية بالعاصمة اليابانية طوكيو ترقباً لأحدث إصداراتها من الساعات (إ.ب.أ)
طوابير أمام متجر «سواتش» في ضاحية تجارية بالعاصمة اليابانية طوكيو ترقباً لأحدث إصداراتها من الساعات (إ.ب.أ)
TT

ارتفاع حاد لتضخم الجملة الياباني على وقع صدمة الطاقة

طوابير أمام متجر «سواتش» في ضاحية تجارية بالعاصمة اليابانية طوكيو ترقباً لأحدث إصداراتها من الساعات (إ.ب.أ)
طوابير أمام متجر «سواتش» في ضاحية تجارية بالعاصمة اليابانية طوكيو ترقباً لأحدث إصداراتها من الساعات (إ.ب.أ)

أظهرت بيانات صدرت يوم الجمعة أن معدل التضخم بالجملة في اليابان تسارع في أبريل (نيسان) الماضي بأسرع وتيرة له في ثلاث سنوات، حيث أدت الحرب مع إيران إلى ارتفاع أسعار النفط والكيماويات، مما يعزز احتمالية قيام البنك المركزي برفع أسعار الفائدة في أقرب وقت ممكن في يونيو (حزيران).

وجاءت هذه البيانات متزامنة مع دعوة أحد صانعي السياسات في بنك اليابان لرفع أسعار الفائدة «في أقرب وقت ممكن»، حيث أدى ارتفاع أسعار الوقود نتيجة حرب الشرق الأوسط إلى تفاقم ضغوط الأسعار.

ويُهدد تباطؤ البنك المركزي وحزمة التحفيز المالي الوشيكة بتضارب في السياسات، مما يُبقي ضغوط التضخم وقلق السوق في حالة تصاعد لفترة أطول. وقد أدت هذه المخاوف إلى موجة بيع مكثفة للسندات، دفعت عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له في 29 عاماً، مسجلاً 2.665 في المائة يوم الجمعة.

وقالت ناعومي موغوروما، كبيرة استراتيجيي السندات في شركة «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي» للأوراق المالية: «كانت بيانات التضخم اليوم أقوى من المتوقع، لذا فقد استوعبت الأسواق إلى حد كبير توقعات رفع أسعار الفائدة في يونيو».

وأضافت: «لكن رفع أسعار الفائدة في يونيو لن يوقف موجة بيع السندات. وتشتبه الأسواق في أن بنك اليابان متأخر في التعامل مع التضخم، ولديها شكوك حول قدرته على مكافحته، في ظل معارضة الحكومة الواضحة لمزيد من رفع أسعار الفائدة».

وأظهرت بيانات بنك اليابان ارتفاع مؤشر أسعار السلع للشركات، الذي يقيس أسعار السلع والخدمات التي تتقاضاها الشركات فيما بينها، بنسبة 4.9 في المائة في أبريل مقارنةً بالعام الماضي، مسجلاً بذلك أسرع زيادة سنوية منذ مايو (أيار) 2023. وتجاوز المؤشر توقعات السوق المتوسطة التي كانت تشير إلى ارتفاع بنسبة 3.0 في المائة، وتسارع بشكل حاد من زيادة بلغت 2.9 في المائة في مارس (آذار). كما ارتفع مؤشر أسعار الواردات بالين الياباني بنسبة 17.5 في المائة في أبريل مقارنةً بالعام الماضي، مسجلاً أسرع ارتفاع منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022، مما يشير إلى أن انخفاض قيمة العملة اليابانية يُفاقم صدمة الطاقة، ويضغط على هوامش أرباح الشركات من خلال ارتفاع التكاليف.

وعلى أساس شهري، ارتفعت أسعار الجملة بنسبة 2.3 في المائة في أبريل بعد ارتفاعها بنسبة 1.0 في المائة في مارس. وأظهرت البيانات الضغط الناجم عن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، والذي يقطع إمدادات النفط عن اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الواردات من الشرق الأوسط.

كما أظهرت البيانات ارتفاع أسعار النفط والفحم بنسبة 5.3 في المائة في أبريل مقارنةً بالعام الماضي، ما يعكس ارتفاع تكاليف النفط الخام ووقود الطائرات. وقفزت أسعار المواد الكيميائية بنسبة 9.2 في المائة الشهر الماضي، مسجلةً أسرع وتيرة ارتفاع منذ سبتمبر (أيلول) 2022، مع قفزة في سعر النفتا بنسبة 79.4 في المائة. كما ارتفعت أسعار الألومنيوم والنحاس وغيرها من المعادن غير الحديدية بنسبة 37.9 في المائة.

وقال ماساتو كويكي، كبير الاقتصاديين في معهد سومبو بلس: «من المرجح أن يستمر التضخم في أسعار الجملة بالتسارع كاتجاه عام. إذا اقتصرت الزيادات السعرية على السلع المرتبطة بالنفط، فلن تكون هناك حاجة كبيرة إلى تدخل بنك اليابان. أما إذا امتدت لتشمل مجموعة واسعة من السلع، فمن المرجح أن يضطر بنك اليابان إلى رفع أسعار الفائدة».

مخاوف أعمق في السوق

وستكون بيانات التضخم على مستوى الجملة، وهو مؤشر رئيسي لاتجاهات أسعار المستهلك، أحد العوامل التي سيدقق فيها بنك اليابان المركزي في اجتماعه المقبل للسياسة النقدية يومي 15 و16 يونيو.

وأشار بنك اليابان المركزي في تقرير له، استناداً إلى استطلاع رأي شمل شركات إقليمية، إلى أن اليابان قد تواجه جولة أخرى من ارتفاع الأسعار على نطاق واسع خلال فصل الصيف نتيجة لتزايد التكاليف الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط. وقد دفعت سلسلة من الإشارات المتشددة الأخيرة الصادرة عن بنك اليابان المركزي الأسواق إلى توقع احتمال بنسبة 70 في المائة تقريباً لرفع سعر الفائدة في يونيو.

كما يتوقع ما يقرب من ثلثي الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم أن يرفع بنك اليابان المركزي أسعار الفائدة في يونيو. وحتى محافظ بنك اليابان المركزي السابق، هاروهيكو كورودا، الذي أطلق برنامج تحفيز ضخم في عام 2013، حذر من أن استمرار الحرب مع إيران لفترة طويلة قد يجبر البنك المركزي على تسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة.

وقال في ندوة عُقدت يوم الأربعاء إن الوقت الحالي ليس مناسباً للحكومة لتوسيع الإنفاق المالي. ومع ذلك، تدرس حكومة رئيسة الوزراء التي تميل إلى التيسير، ساناي تاكايتشي، إعداد ميزانية إضافية للتخفيف من أثر ارتفاع أسعار الوقود على الأسر، وفقاً لمصادر مطلعة لوكالة «رويترز».

وقالت موغوروما، من «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي» للأوراق المالية، إن مزيج السياسة المالية التوسعية ورفع بنك اليابان لأسعار الفائدة بوتيرة بطيئة قد يدفع إلى مزيد من عمليات بيع الين وسندات الحكومة اليابانية. وأضافت: «لم يعد كافياً أن يصدر بنك اليابان تحذيرات علنية بشأن مخاطر التضخم. هناك قلق بالغ في الأسواق بشأن ما إذا كانت الحكومة تدرك حقاً مخاطر ترك التضخم دون رقابة».


تراجع أسعار النحاس بفعل قوة الدولار... وعمليات جني الأرباح

تظهر الصورة قضباناً من النحاس في مصنع «ترونغ فو» للكابلات في مقاطعة هاي ديونغ الشمالية خارج هانوي بفيتنام (رويترز)
تظهر الصورة قضباناً من النحاس في مصنع «ترونغ فو» للكابلات في مقاطعة هاي ديونغ الشمالية خارج هانوي بفيتنام (رويترز)
TT

تراجع أسعار النحاس بفعل قوة الدولار... وعمليات جني الأرباح

تظهر الصورة قضباناً من النحاس في مصنع «ترونغ فو» للكابلات في مقاطعة هاي ديونغ الشمالية خارج هانوي بفيتنام (رويترز)
تظهر الصورة قضباناً من النحاس في مصنع «ترونغ فو» للكابلات في مقاطعة هاي ديونغ الشمالية خارج هانوي بفيتنام (رويترز)

تراجعت أسعار النحاس، يوم الجمعة، بالتزامن مع صعود الدولار الأميركي؛ ما دفع الصناديق الاستثمارية والمتداولين إلى تنفيذ عمليات جني أرباح، في وقت ازداد فيه غياب المشتريات الصينية من حدة النظرة السلبية للأسواق، بحسب متعاملين.

وانخفض سعر النحاس القياسي في بورصة لندن للمعادن بنسبة 2.5 في المائة ليصل إلى 13.590 ألف دولار للطن المتري بحلول الساعة 09:30 بتوقيت غرينتش. وكان المعدن قد سجَّل في وقت سابق من الأسبوع مستوى 14.196.5 ألف دولار للطن، مقترباً من أعلى مستوى قياسي عند 14.527.50 ألف دولار الذي بلغه في يناير (كانون الثاني)، وفق «رويترز».

وقال متداولون إنَّ المشترين الصينيين يترقبون مزيداً من التراجع في الأسعار، في ظلِّ اتجاه المضاربين إلى تصفية مراكزهم الطويلة، أي رهاناتهم على استمرار صعود الأسعار.

وكان الدولار الأميركي يتَّجه لتسجيل أكبر مكاسب أسبوعية له في أكثر من شهرين، بعدما عزَّزت الضغوط التضخمية المتزايدة الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة التوقعات بإقدام مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» على رفع أسعار الفائدة خلال العام الحالي.

ويؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة المعادن المقومة به بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، ما قد يضعف الطلب العالمي عليها.

وقالت شركة «بريتانيا غلوبال ماركتس» في مذكرة: «واصل النحاس تراجعه، بعدما قلّص تسارع التضخم في الولايات المتحدة احتمالات خفض أسعار الفائدة، بالتزامن مع ارتفاع الدولار».

وأضافت: «من المرجح أن الأسعار القريبة من المستويات القياسية بدأت تحدّ من الطلب في الصين، حيث سجّل المصنعون تراجعاً في حجم الطلبات خلال هذا الشهر».

ورغم ذلك، فإنَّ الطلب الصيني على النحاس لا يزال يستند إلى عوامل قوية؛ إذ تواصل مخزونات النحاس في المستودعات التي تتابعها سوق شنغهاي للعقود الآجلة التراجع، في حين ارتفعت علاوة يانغشان للنحاس، التي تُعدُّ مؤشراً على قوة الطلب الصيني على واردات المعدن، بنسبة 260 في المائة منذ فبراير (شباط).

وفي سياق منفصل، يتركز اهتمام الأسواق أيضاً على اضطرابات إمدادات الألمنيوم من الشرق الأوسط؛ نتيجة إغلاق مضيق هرمز عقب الهجمات الأميركية - الإسرائيلية على إيران. وتمثِّل الدول المنتجة في الشرق الأوسط نحو 9 في المائة من الطاقة العالمية لصهر المعادن.

وأدت التوقعات بحدوث عجز كبير في المعروض إلى اتساع الفجوة السعرية أو العلاوة بين عقود الألمنيوم القريبة والعقود الأطول أجلاً. وارتفعت علاوة عقد الألمنيوم الفوري مقارنة بالعقد الآجل لثلاثة أشهر إلى أعلى مستوياتها في 19 عاماً، لتصل إلى نحو 84 دولاراً للطن يوم الخميس.

وتراجع سعر الألمنيوم لثلاثة أشهر بنسبة 2.1 في المائة إلى 3581 دولاراً للطن، كما انخفض الزنك بنسبة 1.5 في المائة إلى 3532 دولاراً، والرصاص بنسبة 1.5 في المائة إلى 1986 دولاراً، بينما هبط القصدير بنسبة 2.8 في المائة إلى 53.110 دولار، وتراجع النيكل بنسبة 1.7 في المائة إلى 18.590 دولار.