طموح وورش يصطدم بالواقع: هل ينجح في تقليص ميزانية «الفيدرالي» التريليونية؟

بين التشديد الكمي والقيود السوقية

كيفن وورش يتحدث في مؤتمر «سون» للاستثمار في نيويورك 8 مايو 2017 (رويترز)
كيفن وورش يتحدث في مؤتمر «سون» للاستثمار في نيويورك 8 مايو 2017 (رويترز)
TT

طموح وورش يصطدم بالواقع: هل ينجح في تقليص ميزانية «الفيدرالي» التريليونية؟

كيفن وورش يتحدث في مؤتمر «سون» للاستثمار في نيويورك 8 مايو 2017 (رويترز)
كيفن وورش يتحدث في مؤتمر «سون» للاستثمار في نيويورك 8 مايو 2017 (رويترز)

من المتوقع أن يرغب كيفن وورش، المرشح ليصبح رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» المقبل، في تقليص الميزانية العمومية للبنك المركزي التي تتجاوز عدة تريليونات من الدولارات بشكل كبير، إلا أن الخبراء يتفقون على أن الواقع المالي يشير بقوة إلى أن تحقيق هذا الهدف سيكون صعباً وبطيئاً، إن أمكن تحقيقه على الإطلاق.

ويرجع ذلك إلى أن ممتلكات «الاحتياطي الفيدرالي»، والنظام الذي تطوّر لإدارة أسعار الفائدة في ظل نظام مليء بالنقد، ليس من السهل تقليصهما دون المساس باستقرار الأسواق وتحقيق أهداف السياسة النقدية. وقد يكون هذا أصعب بالنسبة إلى رئيس احتياطي محتمل يسعى إلى تسهيل تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل، لأن أي تقليص ملحوظ في حيازات البنك المركزي من السندات يؤدي عملياً إلى تشديد الظروف المالية، وفق «رويترز».

كان وورش، الذي شغل منصب عضو في «الاحتياطي الفيدرالي» بين 2006 و2011، قد أكد أن الممتلكات الكبيرة لـ«الاحتياطي الفيدرالي» تُشوّه المالية في الاقتصاد، وأن ما يحوزه البنك الآن يجب تقليصه. ففي مقال رأي نُشر في صحيفة «وول ستريت جورنال» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، كتب وورش: «الميزانية العمومية الضخمة لـ(الاحتياطي الفيدرالي)، المصممة لدعم أكبر الشركات في عصر أزمات مضى، يمكن تقليصها بشكل كبير»، مع إعادة توظيف العائدات «على شكل خفض أسعار الفائدة لدعم الأسر والشركات الصغيرة والمتوسطة».

تأثير جائحة «كوفيد-19» على ممتلكات «الفيدرالي»

وجاءت دعوة وورش إلى تقليص ممتلكات «الاحتياطي الفيدرالي» في وقت كان فيه البنك يقترب من إنهاء ما تبيّن أنه جهد استمر ثلاث سنوات لتقليص حجم الحيازات من السندات التي تم شراؤها بشكل مكثف خلال جائحة «كوفيد-19»؛ فقد اشترى «الاحتياطي الفيدرالي» سندات الخزانة والرهن العقاري أولاً للمساعدة في استقرار الأسواق المتوترة في بداية الأزمة الصحية، مع تحوّل تلك المشتريات لاحقاً إلى شكل من أشكال التحفيز الاقتصادي. وقد أدى شراء السندات خلال الأزمة إلى مضاعفة حجم ممتلكات البنك، ليصل إلى ذروة بلغت 9 تريليونات دولار في صيف 2022، قبل أن تبدأ عملية تقليص تعرف باسم «التشديد الكمي» (QT)، مما خفّض إجمالي الحيازات إلى 6.6 تريليون دولار في أواخر 2025. وفي ديسمبر (كانون الأول)، بدأ «الاحتياطي الفيدرالي» زيادة مخزون السندات التي يحتفظ بها مرة أخرى عبر مشتريات تقنية من سندات الخزانة، لضمان وجود سيولة كافية في النظام المالي وتحقيق السيطرة المحكمة على نطاق استهداف سعر الفائدة.

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

وعلى نطاق أوسع، أصبح استخدام الميزانية العمومية بوصفها أداة جزءاً قياسياً من أدوات السياسة النقدية، وأداةً حاسمة نظراً إلى ارتفاع احتمالات خفض أسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى مستويات قريبة من الصفر في أوقات الأزمات. وفي الوقت نفسه، طوّر «الاحتياطي الفيدرالي» نظاماً كاملاً من الأدوات لإدارة أسعار الفائدة، ولهذا السبب فإن تقليص الحيازات بطريقة ذات مغزى سيكون صعباً للغاية دون إحداث فوضى في السوق.

وقال استراتيجي أسعار الفائدة في «إس إم بي سي»، جو أباتي، إن وورش «قد يرغب في ميزانية أصغر وبصمة أقل لـ(الاحتياطي الفيدرالي) في الأسواق المالية»، مضيفاً: «لكن تقليص حجم الميزانية العمومية عملياً أمر شبه مستحيل... البنوك تريد هذا المستوى من الاحتياطيات». وأشار أباتي بذلك إلى حقيقة أنه عندما تنخفض الاحتياطيات في النظام المصرفي إلى نحو 3 تريليونات دولار، يبدأ تقلّب ملحوظ بالظهور في أسعار سوق المال، مما يهدّد قدرة «الاحتياطي الفيدرالي» على إدارة سعر الفائدة المستهدف، ويحدّ من مدى إمكانية تقليص الحيازات.

وبعيداً عن واقع السوق، هناك أيضاً حقيقة أن أي تغيير كبير يحتاج إلى موافقة صانعي السياسات الآخرين في «الاحتياطي الفيدرالي»، الذين كانوا في الغالب ملتزمين باستخدام الميزانية العمومية بوصفها أداة سياسية وقد يعارضون أي جهود لإعادة هندسة هذه الأداة.

الطريق الطويل نحو ميزانية أصغر

كيف يمكن لوورش تقليص ممتلكات «الاحتياطي الفيدرالي» في ظل حدود ما يمكن للسوق تحمله؟

قال المحللون إن تخفيف بعض الأعباء التنظيمية المتعلقة بكيفية إدارة البنوك للسيولة، إلى جانب خطوات لجعل مرافق السيولة في «الاحتياطي الفيدرالي» مثل «نافذة الخصم» وعمليات «الريبو» الدائمة أكثر جاذبية، قد يقلل من الحاجة إلى الاحتفاظ بالاحتياطيات، ويسمح على المدى الطويل ببصمة أصغر لـ«الاحتياطي الفيدرالي».

وأشار الباحث الأول في مركز «ميركاتوس» بجامعة جورج ميسون، ديفيد بيكوورث، إلى أنه بالإضافة إلى هذه الخطوات يمكن لوورش ضمن مراجعات الإطار الدوري الحالية لـ«الاحتياطي الفيدرالي» النظر في كيفية استخدام البنك ميزانيته العمومية. كما يمكن أن يتم التنسيق بين «الاحتياطي الفيدرالي» ووزارة الخزانة لتبادل السندات، حسب قوله. ورغم أن التغييرات الكبيرة قد لا تكون على الطاولة فإن هناك طرقاً يمكن لـ«الاحتياطي الفيدرالي» من خلالها تعديل أدواته لتقليل الحاجة إلى الاحتفاظ بقدر كبير من السيولة.

وقال بيكوورث: «(الاحتياطي الفيدرالي) يشبه السفينة التي تتحرك ببطء عند تغيير اتجاهها، وهذا ربما أمر جيد، لأنك لا تريد أن تكون مدمّراً جداً للنظام المالي».

واتفق محللو «إيفركور آي إس آي» على أن أي إجراءات يتخذها وورش بشأن الميزانية العمومية ستكون بطيئة وبحذر، مع مراعاة مخاطر التصرف بشكل عدواني. وأضافت الشركة البحثية: «نعتقد أنه سيكون أكثر واقعية مما يتوقع كثيرون»، موضحة: «نعتقد أنه لن يعد بإحداث تغييرات مفاجئة في سياسة ميزانية (الاحتياطي الفيدرالي)، وأنه سيكون هناك اتفاق بين (الاحتياطي الفيدرالي) ووزارة الخزانة لتوفير إطار للتعاون الوثيق»، مضيفة أن السوق ستفهم هذا على أنه يمنح وزير الخزانة، بيسنت، حق الاعتراض الناعم على أي خطط للشد الكمي، وهو ما سيرضى وورش عنه.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تتراجع وسط تقييم المستثمرين لفرص التهدئة

الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتراجع وسط تقييم المستثمرين لفرص التهدئة

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت»، الخميس، بعد مكاسب حققتها في الجلسة السابقة، وسط حذر المستثمرين بشأن التطورات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
الاقتصاد يصطف الآلاف خارج مكتب مؤقت لإعانات البطالة أنشأته وزارة العمل في ولاية كنتاكي (أرشيفية - رويترز)

ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية الأسبوع الماضي

ارتفعت طلبات إعانة البطالة الجديدة في الولايات المتحدة بشكل طفيف الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد حاويات شحن مكدسة في «تيرمينال آيلاند» بميناء لوس أنجليس بالولايات المتحدة (رويترز)

«منظمة التعاون الاقتصادي»: الحرب تُبدد التوقعات الإيجابية للنمو العالمي وترفع التضخم

حذرت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، الخميس، بأن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط أدى إلى انحراف الاقتصاد العالمي عن مسار النمو القوي.

«الشرق الأوسط» (باريس)

البنك الدولي يطلق خطة عاجلة لحماية الأسواق الناشئة من «صدمة طاقة»

شعار البنك الدولي (رويترز)
شعار البنك الدولي (رويترز)
TT

البنك الدولي يطلق خطة عاجلة لحماية الأسواق الناشئة من «صدمة طاقة»

شعار البنك الدولي (رويترز)
شعار البنك الدولي (رويترز)

أعلنت مجموعة البنك الدولي عن إطلاق خطة استجابة عاجلة لمساعدة الدول الناشئة على مواجهة التداعيات الاقتصادية المتسارعة للنزاع في منطقة الشرق الأوسط، مؤكدة أن كلاً من اضطرابات طرق الشحن، وارتفاع تكاليف اللوجيستيات، بدأ يضغط بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية ومعدلات النمو في عدد من الدول العميلة.

وكشف البنك في بيان رسمي عن أرقام تعكس حدة الأزمة؛ حيث ارتفعت أسعار النفط الخام بنحو 40 في المائة بين شهري فبراير (شباط) ومارس (آذار) من العام الحالي، بينما قفزت أسعار شحنات الغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى آسيا بمقدار الثلثين.

كما رصد البيان اتساع رقعة المخاطر لتشمل قطاع الزراعة، مع ارتفاع أسعار الأسمدة النيتروجينية بنسبة تقترب من 50 في المائة خلال شهر مارس وحده، مما يهدد الأمن الغذائي العالمي.

وأكدت المجموعة أنها تجري اتصالات مباشرة مع الحكومات والقطاع الخاص والشركاء الإقليميين لفهم حجم التحديات على أرض الواقع، مشددة على جاهزيتها لتقديم دعم مالي واسع النطاق يجمع بين الإغاثة المالية الفورية والخبرات السياسية. وتتضمن خطة التحرك الاستفادة من المحفظة النشطة وأدوات الاستجابة للأزمات، مع التحول التدريجي نحو أدوات تمويل سريعة الصرف لدعم التعافي وحماية الوظائف.

وفيما يخص القطاع الخاص، تعهد البنك الدولي عبر أذرعه التمويلية بتوفير السيولة الضرورية وتمويل التجارة ورأس المال العامل للشركات المتضررة، لضمان استمرار دوران العجلة الاقتصادية.

وحذر البيان من أن إطالة أمد النزاع وتعرض البنية التحتية الحيوية لمزيد من الدمار سيزيد من تعقيد المشهد، مؤكداً التزام المجموعة ببذل كل ما في وسعها لحماية «التقدم الاقتصادي الذي حققته هذه الدول بصعوبة» طوال السنوات الماضية.


السعودية تعفي الواردات والصادرات الخليجية من أجور التخزين 60 يوماً

المهندس صالح الجاسر أعلن عن مبادرات نوعية لتعزيز العمل اللوجيستي المشترك (وزارة النقل)
المهندس صالح الجاسر أعلن عن مبادرات نوعية لتعزيز العمل اللوجيستي المشترك (وزارة النقل)
TT

السعودية تعفي الواردات والصادرات الخليجية من أجور التخزين 60 يوماً

المهندس صالح الجاسر أعلن عن مبادرات نوعية لتعزيز العمل اللوجيستي المشترك (وزارة النقل)
المهندس صالح الجاسر أعلن عن مبادرات نوعية لتعزيز العمل اللوجيستي المشترك (وزارة النقل)

قرَّرت السعودية، الخميس، إعفاء الواردات والصادرات الخليجية من أجور التخزين حتى 60 يوماً، وذلك ضمن حزمة مبادرات نوعية تهدف إلى تعزيز التكامل اللوجيستي بين المملكة ودول المجلس، ودعم استمرارية سلاسل الإمداد ورفع مرونتها، وترسيخ مكانة البلاد بوصفها مركزاً لوجيستياً عالمياً.

وتضمنت المبادرات التي أعلن عنها المهندس صالح الجاسر، وزير النقل والخدمات اللوجيستية السعودي، خلال اجتماع وزاري خليجي استثنائي، عُقد عبر الاتصال المرئي، رفع العمر التشغيلي المسموح به للشاحنات في المملكة إلى 22 سنة، ويشمل المقبلة من دول مجلس التعاون، والسماح بدخول المخصصة لنقل البضائع والمواد المبردة من جميع هذه الدول فارغة لنقل البضائع التي تكون وجهتها دول الخليج.

كما أطلقت السعودية مبادرة مناطق التخزين الخليجية وإعادة التوزيع لتنظيم حركة الحاويات وتخصيص مناطق تشغيلية لكل دولة خليجية داخل ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (شرق البلاد)، بما يُعزِّز من كفاءة التخزين وإعادة التوزيع ومرونة سلاسل الإمداد بين الساحلين الشرقي والغربي.

وخلال كلمة له، أكد الجاسر أن الاجتماع «يأتي في ظل الظروف التي تشهدها المنطقة، وتطلب المزيد من التنسيق وتعزيز التكامل المشترك في قطاعات النقل والخدمات اللوجيستية»، مبيناً أن «هذه التحديات ستزيد من صلابة القطاع اللوجيستي، وتعزيز مرونته لخدمة اقتصادات المنطقة، ورفع كفاءة العمل الخليجي المشترك، ودعم حركة سلاسل الإمداد».

جانب من الاجتماع الاستثنائي لوزراء النقل الخليجيين عبر الاتصال المرئي الخميس (واس)

واستعرض الوزير السعودي جهود بلاده الواسعة في تعزيز العمل اللوجيستي المشترك، منوهاً بالدعم السخي والكبير من القيادة لجميع مبادرات وبرامج منظومة النقل والخدمات اللوجيستية، مؤكداً أن «المبادرات التي أُطلقت اليوم، تأتي في إطار رؤية تكاملية تهدف لتحويل المنطقة إلى منصة لوجيستية مترابطة قادرة على التعامل مع المتغيرات العالمية بكفاءة عالية، وبما يعكس عمق الروابط الأخوية التي تجمع دول الخليج العربية وشعوبها».

في شأن متصل، أوضحت هيئة النقل السعودية أنها مدَّدت العمر التشغيلي للشاحنات في نشاط نقل البضائع إلى 22 عاماً، لمدة 6 أشهر حتى 25 سبتمبر (أيلول) 2026؛ لتمكين قطاع النقل البري من استيعاب جميع المتغيرات، وتلبية احتياجاته المتزايدة، لا سيما نشاط نقل البضائع، مُشدِّدة على ضرورة التزام الشاحنات كافة بمعايير السلامة، وسريان الفحص الدوري الفني لضمان تطبيقها.

وأكدت الهيئة أن السماح بدخول شاحنات النقل المبرد فارغة من الخليج إلى السعودية، لنقل البضائع لدول المجلس عبر مواني ومطارات المملكة؛ يأتي حرصاً على تدفق السلع الأساسية، ويضمن استمرارية سلاسل الإمداد الخاصة بالمواد الغذائية وسريعة التلف، وسرعة وصولها إلى دول الخليج مع مراعاة الحفاظ على الجودة والصلاحية لتلك المواد والبضائع، مُشترطة أن تتقيد الشاحنات بالمتطلبات التنظيمية والتشغيلية كافة، وأن تقتصر العمليات على الوارد من بضائع لا يتم نقلها إلا بواسطة الوسائط المخصصة للنقل المبرد.

كانت السعودية أطلقت خلال الأيام القليلة الماضية حزمة مبادرات لخدمة القطاع اللوجيستي في البلاد ودول الخليج؛ بهدف توفير ممرات تشغيلية إضافية للحاويات والبضائع المحولة من الموانئ الشرقية بالمملكة والموانئ الخليجية، إلى ميناء جدة الإسلامي وبقية موانئ السعودية على ساحل البحر الأحمر؛ لضمان استقرار خطوط التجارة مع الأسواق الإقليمية والعالمية.

كما منحت المملكة استثناء مؤقت للسفن السعودية والأجنبية في مياه الخليج العربي من شرط سريان الشهادات والوثائق المطلوبة لمدة 30 يوماً، وذلك لضمان استمرارية الأعمال البحرية، وتمكين السفن من مواصلة أعمالها التجارية وعملياتها التشغيلية، والحفاظ على انسيابية الحركة الاقتصادية في المياه الإقليمية للبلاد.

واستضافت مطارات السعودية أكثر من 300 رحلة جوية للناقلات الخليجية؛ لضمان انسيابية الرحلات وسلامة حركة المسافرين، كذلك ساهمت المملكة في إجلاء أكثر من 25 ألف مسافر عالق عبر 900 حافلة عبر منافذها البرية، مع تفعيل حلول النقل «البري - الجوي» المشترك لدعم وصول الشحنات لوجهاتها النهائية.

وأضافت السعودية 4 خطوط ملاحية جديدة بميناءَي «جدة الإسلامي، والملك عبد الله»، وأطلقت خطاً ملاحياً يربط ميناء «الشارقة» في الدمام و«أم قصر» البحريني، كما عزّز الأسطول البري السعودي الذي يتجاوز 500 ألف شاحنة خدماته المتنوعة لسد احتياجات المنطقة.

وأطلقت الخطوط الحديدية السعودية «سار» ممراً لوجيستياً دولياً جديداً عبر قطارات الشحن، يربط موانئ الخليج العربي بمنفذ الحديثة، في خطوة تُعزِّز حركة البضائع، وترفع كفاءة استخدام الأصول اللوجيستية للمملكة، وأعمال سلاسل الإمداد، في المنظومة.


ارتفاع الدولار يجدّد مخاوف «التسعير العشوائي» للسلع في مصر

مصريون يشتكون من «التسعير العشوائي» للسلع مع ارتفاع الدولار (الشرق الأوسط)
مصريون يشتكون من «التسعير العشوائي» للسلع مع ارتفاع الدولار (الشرق الأوسط)
TT

ارتفاع الدولار يجدّد مخاوف «التسعير العشوائي» للسلع في مصر

مصريون يشتكون من «التسعير العشوائي» للسلع مع ارتفاع الدولار (الشرق الأوسط)
مصريون يشتكون من «التسعير العشوائي» للسلع مع ارتفاع الدولار (الشرق الأوسط)

عطّل ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في مصر، أخيراً، خطة العشريني أحمد عطا الله (يعمل محاسباً) الذي يسكن في منطقة المقطم بالقاهرة، بشراء شقة ليتزوج فيها، بعدما زاد صاحب العقار 100 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.8 جنيه) على سعرها دفعة واحدة، متعللاً بتداعيات الحرب الإيرانية، وارتفاع الدولار.

وقال عطا الله لـ«الشرق الأوسط» إن «عملية البيع توقفت رغم أنها كانت بالجنيه المصري. البعض يستغل ارتفاع الأسعار لزيادة قيمة ما يعرضه، ولا أستطيع تحمل هذه الزيادة، وذلك بسبب ضعف الرقابة».

وارتفع الدولار نحو 5 جنيهات في مصر منذ بدء الحرب الإيرانية، فبعدما كان يتراوح بين 47 و48 جنيهاً، ارتفع سعره تدريجياً إلى ما يقرب من 53 جنيهاً، في وقت طمأنت الحكومة المواطنين بتوفر الدولار لإمدادات الصناعات والقطاعات الأساسية في الاقتصاد، وذلك بعدما أعلنت في مارس (آذار) الحالي رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.

وانعكست الزيادة في سعر الدولار على السلع والخدمات كافة، ويرى الخبير الاقتصادي علي الإدريسي أن «الزيادات التي حدثت تتجاوز القيم التي زاد بها الدولار أو المحروقات»، وأرجع ذلك إلى «سياسة التسعير العشوائي للسلع في مصر، مع ضعف الرقابة الحكومية على الأسواق».

ويفسر الإدريسي أن «أسعار السيارات شهدت زيادة من 30 ألف جنيه إلى 200 ألف جنيه، مع ارتفاع الدولار، رغم أن السيارات المعروضة كانت موجودة بالفعل لدى أصحاب المعارض قبل ارتفاعات الدولار، ومُحدداً لها هامش ربحهم، لكنهم استغلوا ارتفاع الدولار لرفع الأسعار، بحجة أنهم سيحتاجون لشراء سيارات جديدة بالأسعار المرتفعة».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «المنطقي رفع سعر السيارات التي سيتم استيرادها بعد الزيادة وليس العكس»، ويوضح: «لو كان هناك رقابة على الأسواق لتم منع التسعير العشوائي»، ويشير إلى أن «البعض يحقق مكاسب ضعفين نتيجة هذه الزيادات».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توفر العملة الصعبة استمرت عدة سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثرت الأزمة حينها على توفر السلع والخدمات وعمل عديد من القطاعات، ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

مواطنون في سوق العتبة الشعبية بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

الباحث في أسواق المال محمد مهدي عبد النبي، يُرجع ارتفاع سعر الدولار في مصر مقابل الجنيه أخيراً إلى عدة أسباب، في مقدمتها خروج بعض «الأموال الساخنة» من السوق المصرية، وهي تدفقات أجنبية يستثمر أصحابها عادة في أدوات الدين من أذون وسندات خزانة، بحثاً عن أعلى فائدة وفرق أسعار العملات، ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «تخارجها من السوق المصرية يظل أقل من أزمات سابقة، وفي مقدمتها الحرب الأوكرانية عام 2022».

سبب آخر تحدث عنه عبد النبي، وهو زيادة الضغط على الموازنة العامة في عمليات الاستيراد المفتوحة حالياً، والتي تتطلب مزيداً من الدولارات بعد ارتفاع الأسعار العالمية، ما يعني زيادة الطلب، بالإضافة إلى الفجوة المزمنة بين الصادرات والواردات، وتراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وغيرها من القطاعات التي تُدر عملة صعبة.

وتوقع أن «يرتفع سعر الدولار إلى 55 جنيهاً أو أكثر إذا ما استمرت الحرب لفترة أطول، في المقابل يستبعد أن ينخفض الدولار إلى ما دون 50 في المائة قريباً، حتى لو توقفت الحرب»، داعياً إلى «مزيد من الرقابة على الأسواق».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

ويرى الإدريسي أن «المواطن هو أول من يتحمل تبعات ارتفاع الدولار أو المحروقات، ويعمق أزمته فكرة (التسعير العشوائي) التي لا تقتصر فقط على منطقة معينة، بل يتم عرض نفس السلعة بأسعار مختلفة من بائع إلى آخر في نفس المنطقة... البائع يُرجع الزيادة إما للدولار أو لحرب إيران أو لارتفاع الوقود».