حمى «تجارة دونرو»... صناديق التحوط تهرع لاقتناص كنوز فنزويلا الضائعة

رحلات استكشافية إلى كاراكاس... ومضاربات على مطالبات التحكيم والديون السيادية المتعثرة

شخص يحمل العلم الفنزويلي خلال مظاهرة في كاراكاس (إ.ب.أ)
شخص يحمل العلم الفنزويلي خلال مظاهرة في كاراكاس (إ.ب.أ)
TT

حمى «تجارة دونرو»... صناديق التحوط تهرع لاقتناص كنوز فنزويلا الضائعة

شخص يحمل العلم الفنزويلي خلال مظاهرة في كاراكاس (إ.ب.أ)
شخص يحمل العلم الفنزويلي خلال مظاهرة في كاراكاس (إ.ب.أ)

تشهد الساحة المالية الدولية حالةً من إعادة التموضع الاستثماري بعد التطورات المفصلية التي شهدتها فنزويلا، حيث أدت إطاحة الرئيس نيكولاس مادورو إلى فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوقعات الاقتصادية والسياسية في المنطقة. وفي ظل سياسة أميركية أكثر جرأة وتدخلاً في نصف الكرة الغربي، بدأت صناديق التحوط والمؤسسات المالية الكبرى في إعادة تقييم فرص الاستثمار في أسواق كانت تُعدُّ لسنوات طويلة مناطق محظورة أو عالية المخاطر. هذا التحول المفاجئ أعاد إلى الواجهة نقاشات حول عودة «عقيدة مونرو» بصيغة جديدة، ولكن هذه المرة عبر أدوات مالية واستثمارية، وليس عبر النفوذ العسكري فقط. ومع ازدياد الحديث عن «تجارة دونرو» - وهو مصطلح يجمع بين اسم الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونهج الهيمنة الإقليمية التاريخي - تتسابق المؤسسات المالية لاستكشاف فرص قد تعيد رسم خريطة الاستثمار في أميركا اللاتينية وما وراءها، وفق تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية.

راكبو دراجات نارية يمرون أمام جداريات تصوّر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كاراكاس (أ.ف.ب)

«تجارة دونرو»... ولادة موجة استثمارية جديدة

يصف عدد من مديري صناديق التحوط المرحلة الحالية بأنها بداية دورة استثمارية غير مسبوقة، مدفوعة بتغيرات سياسية سريعة وتدخلات أميركية مباشرة. فبعد سنوات من العزلة التي فرضتها العقوبات على فنزويلا، بدأت أسعار السندات الفنزويلية في الارتفاع بشكل حاد، ما أعاد إحياء شهية المستثمرين الذين كانوا ينتظرون لحظة التحول السياسي.

وتشير مصادر مالية إلى أن بعض الصناديق حقَّقت مكاسب تجاوزت 150 في المائة خلال عام واحد فقط؛ نتيجة رهانات مبكرة على ديون فنزويلا المتعثرة. هذه المكاسب عزَّزت قناعة المستثمرين بأنَّ التحول السياسي قد يفتح الباب أمام إعادة هيكلة شاملة للديون، وربما أمام عودة الشركات الأميركية إلى قطاع النفط الفنزويلي الذي كان يوماً من أكبر مصادر الطاقة في العالم.

رحلات مكثفة إلى كاراكاس

ازدادت الطلبات على الرحلات الاستكشافية إلى فنزويلا بشكل لافت، حيث تسعى مؤسسات مالية عالمية إلى تقييم الوضع على الأرض. شركات استشارية في نيويورك ولندن تؤكد أنها تلقت طلبات من صناديق تحوط، وبنوك استثمارية، وصناديق ثروة سيادية، وحتى مطورين عقاريين من ميامي؛ للمشاركة في بعثات تهدف إلى فهم البيئة الاستثمارية الجديدة.

وتشير مصادر مطلعة للصحيفة الأميركية إلى أن بعض هذه الشركات تواصلت بالفعل مع مسؤولين في الإدارة الأميركية؛ لتسهيل لقاءات مع قيادات فنزويلية جديدة، بمَن في ذلك محافظ البنك المركزي ورئيس البورصة الوطنية. هذا النوع من التواصل يعكس حجم الرهانات على أن فنزويلا قد تكون على أعتاب مرحلة اقتصادية مختلفة تماماً عن العقد الماضي.

أعضاء من جماعات مدنية يهتفون بشعارات خلال مسيرة تندد بالعملية العسكرية الأميركية ضد فنزويلا (أ.ب)

النفط والمعادن... كنوز تنتظر مَن يستثمر

يرى المستثمرون أن قطاع النفط الفنزويلي، رغم تدهوره الكبير، فإنه لا يزال يمتلك إمكانات هائلة إذا ما حصل على استثمارات أميركية وغربية. فالبنية التحتية النفطية، التي كانت يوماً من الأكثر تقدماً في المنطقة، تحتاج اليوم إلى إعادة تأهيل شاملة، وهو ما قد يفتح الباب أمام عقود ضخمة لشركات الطاقة والخدمات النفطية.

إلى جانب النفط، تبرز فرص ضخمة في قطاع المعادن، حيث تمتلك فنزويلا واحداً من أكبر الاحتياطات غير المستغلة من الذهب والمعادن النادرة. شركات استثمارية من آسيا وأستراليا بدأت بالفعل إرسال فرق متخصصة لدراسة هذه الموارد، وسط توقعات بأن تشهد البلاد تدفقاً كبيراً لرؤوس الأموال إذا استقرت الأوضاع السياسية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين بقطاع النفط والغاز في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

تعقيدات الديون... والعامل الصيني

ورغم التفاؤل، فإن محللين يحذرون من أن إعادة هيكلة الديون الفنزويلية ستكون واحدة من أكثر العمليات تعقيداً في الأسواق الناشئة. فالصين، التي تُعدُّ أحد أكبر الدائنين، قد تلعب دوراً محورياً في أي مفاوضات مستقبلية، ما قد يضيف طبقةً جديدةً من التعقيد الجيوسياسي.

كما أنَّ الديون المتراكمة على شركة النفط الوطنية «PDVSA» تُعدُّ من أكثر الملفات حساسية، إذ ترتبط بها مطالبات تجارية وتحكيمية من شركات غربية كانت قد تعرَّضت لتأميم أصولها في عهد هوغو تشافيز.

مطالبات التحكيم... سوق جديدة للمغامرين

بدأت صناديق تحوط متخصصة في شراء مطالبات التحكيم الدولية التي حصلت عليها شركات غربية بعد تأميم أصولها. هذه المطالبات، التي كانت تُعدُّ شبه مجمَّدة لسنوات، باتت اليوم تُعدّ أصولاً قابلة للاستثمار، مع توقعات بأن الحكومة الجديدة قد تسعى لتسوية هذه الملفات لاستعادة الثقة الدولية.

كما بدأت شركات أخرى شراء ديون تجارية مستحقة على «PDVSA»، في رهان على أن أي حكومة انتقالية ستسعى لإعادة هيكلة هذه الالتزامات.

اهتمام يمتد إلى كولومبيا وكوبا... وحتى غرينلاند

لا يقتصر الاهتمام على فنزويلا وحدها. فالتوقعات بتوسع السياسة الأميركية في المنطقة دفعت بعض المستثمرين إلى مراقبة أسواق أخرى مثل كولومبيا وكوبا. ويشير بعض مديري الصناديق إلى أن كوبا قد تكون «الدومينو التالي» في سلسلة التحولات السياسية، رغم صعوبة الاستثمار فيها حالياً.

وفي مؤشر على الحمى الاستثمارية، ارتفعت أسهم بنك صغير في غرينلاند بنسبة تجاوزت 40 في المائة، وسط تكهنات بأن المنطقة قد تشهد تدفقات استثمارية إذا توسعت السياسة الأميركية هناك.

تعيش الأسواق الناشئة لحظة استثنائية، حيث تتقاطع التحولات السياسية مع الطموحات الاستثمارية، وتعود أميركا اللاتينية إلى واجهة الاهتمام العالمي. وبينما يرى البعض في هذه التحولات فرصة تاريخية، يحذر آخرون من أن المخاطر لا تزال كبيرة، وأن الطريق نحو الاستقرار الاقتصادي في فنزويلا وغيرها من دول المنطقة سيكون طويلاً ومعقداً.

ومع ذلك، يبدو أن المستثمرين مستعدون للمغامرة، مدفوعين بقناعة أن التحولات الكبرى غالباً ما تخلق أكبر الفرص.


مقالات ذات صلة

استراتيجية الصين للطاقة تؤتي ثمارها مع اضطراب الإمدادات

تحليل إخباري مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)

استراتيجية الصين للطاقة تؤتي ثمارها مع اضطراب الإمدادات

تُظهر استراتيجية الصين طويلة الأمد في تنويع مصادر الطاقة وبناء المخزونات قدرتها على التكيّف مع الاضطرابات الناجمة عن الحرب مع إيران

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد متداولون في بورصة نيويورك يعملون قبل إغلاق السوق في 8 أبريل (أ.ف.ب)

الأسواق العالمية تترقب أثر «انسداد إسلام آباد» على افتتاح الاثنين

تترقب الأسواق افتتاح التداولات الاثنين، حيث يواجه المستثمرون تقاطعاً حرجاً بين صدمة جيوسياسية غير متوقعة وموسم أرباح مصيري.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد تظهر لافتات اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي لعام 2026 خارج مقر الصندوق في واشنطن (أ.ف.ب)

اجتماعات الربيع تنطلق في واشنطن على وقع فشل «دبلوماسية إسلام آباد»

يشد صناّع السياسة الاقتصادية العالمية الرحال إلى واشنطن، يوم الاثنين، لتقييم ومعالجة الأضرار الجسيمة التي خلّفتها الحرب على إيران في مفاصل النمو العالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص ميناء ينبع الصناعي (واس)

خاص السعودية توظّف قدرات «البنك المركزي للنفط» لاحتواء صدمة «هرمز»

في ظل تعطل مضيق هرمز، برزت السعودية حائط صد استراتيجياً جنّب الاقتصاد العالمي تداعيات صدمة عرض غير مسبوقة.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد بانغا يلقي كلمة في منتدى عُقد بمبنى المجلس الأطلسي بواشنطن في 7 أبريل (رويترز)

رئيس البنك الدولي: تداعيات الحرب «متسلسلة» حتى لو صمد وقف إطلاق النار

حذر رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، من أن الحرب في الشرق الأوسط سيكون لها تأثير متسلسل على الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

السعودية: استثمارات الجبيل وينبع الصناعية تتجاوز 400 مليار دولار في 2025

مدينة ينبع الصناعية (موقع الهيئة الملكية للجبيل وينبع الإلكتروني)
مدينة ينبع الصناعية (موقع الهيئة الملكية للجبيل وينبع الإلكتروني)
TT

السعودية: استثمارات الجبيل وينبع الصناعية تتجاوز 400 مليار دولار في 2025

مدينة ينبع الصناعية (موقع الهيئة الملكية للجبيل وينبع الإلكتروني)
مدينة ينبع الصناعية (موقع الهيئة الملكية للجبيل وينبع الإلكتروني)

ارتفع إجمالي حجم الاستثمارات في مدينتي الجبيل وينبع الصناعية السعودية إلى أكثر من 1.5 تريليون ريال (400 مليار دولار) خلال عام 2025، وفق تقرير «الهيئة الملكية للجبيل وينبع» السنوي.

وبحسب التقرير، يعكس الرقم حجم الاستثمارات وتوافق جهود الهيئة مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للصناعة، الرامية إلى تنمية الصناعات الوطنية، وتعظيم القيمة المضافة، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويزيد مساهمة القطاع غير النفطي في النمو الاقتصادي.

ويأتي هذا النمو امتداداً لدور الهيئة بصفتها أحد الممكنات الرئيسة لبرنامج «تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية (ندلب)»، الذي يستهدف تحويل السعودية إلى قوة صناعية رائدة ومنصة لوجيستية عالمية، عبر تطوير قطاعات الصناعة والتعدين والطاقة والخدمات اللوجيستية وتعزيز تكاملها وجاذبيتها الاستثمارية.


خطوة نحو العالمية... «السعودية للقهوة» تتسلم قيادة «مركز جازان للبُن»

أحد المزارعين يجمع البن بمنطقة جازان (واس)
أحد المزارعين يجمع البن بمنطقة جازان (واس)
TT

خطوة نحو العالمية... «السعودية للقهوة» تتسلم قيادة «مركز جازان للبُن»

أحد المزارعين يجمع البن بمنطقة جازان (واس)
أحد المزارعين يجمع البن بمنطقة جازان (واس)

أعلنت «الشركة السعودية للقهوة»، التابعة لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، تسلمها رسمياً إدارة «مركز تطوير البُن السعودي» في محافظة الدائر بمنطقة جازان، من «أرامكو السعودية»، بالتنسيق مع «المكتب الاستراتيجي لتطوير منطقة جازان». وتُعدّ هذه الخطوة إنجازاً مهماً في مسيرة التطوير المستمر للبنية التحتية لقطاع القهوة في المملكة.

ويُمثّل «المركز» ثمرة مبادرة نوعية من «أرامكو السعودية» ضمن «مبادرات المواطنة المتنوعة» التي أطلقتها الشركة لدعم زراعة وإنتاج البُن في المنطقة، بالتعاون مع «جمعية البر» بمحافظة الدائر، و«هيئة تطوير وتعمير المناطق الجبلية بمنطقة جازان»، ودشنه الأمير محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز، أمير المنطقة، ليكون منصة متقدمة لتعزيز قدرات القطاع في المملكة.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية للقهوة»، المهندس بندر علي القحطاني: «يمثِّل هذا المركز محركاً أساسياً لتوسعة الطاقة الإنتاجية، وتمكين المزارعين، وخلق قيمة مضافة في جميع مراحل سلسلة القيمة الخاصة بقطاع القهوة».

وتجسِّدُ هذه الخطوة الاستراتيجية الأهدافَ المشتركة لكلٍّ من «أرامكو»، و«الشركة السعودية للقهوة»، لتمكين المجتمعات المحلية، وتعظيم الأثر الاقتصادي للبُن السعودي، وتُعززُ جهود «الشركة السعودية للقهوة» في تحقيق مهمتها المتمثلة في زيادة الطاقة الإنتاجية، وتمكين المزارعين، وإنشاء بنية تحتية متكاملة تدعم نمو القطاع على المدى الطويل.

فيما بيّن نائب الرئيس لأعمال الاتصال والمواطنة المؤسسية في «أرامكو السعودية»، حسين حنبظاظة، أن «أرامكو» دعمت صناعة القهوة لأعوام طويلة، من خلال مساعدة أكثر من ألف مزارع للبُن في جبال جازان وعسير بالتدريب وتقديم الأدوات الزراعية الحديثة لتطوير أعمالهم، مؤكداً الثقة بأن «مركز تطوير البُن السعودي» في المنطقة سيواصل التطور تحت إدارة «الشركة السعودية للقهوة»، وبأنه سيؤدي دوراً مستداماً في تعزيز هذه الصناعة.

و«تواصل (الشركة السعودية للقهوة)، بصفتها المنصة الوطنية لتطوير قطاع القهوة في المملكة، جهودها لتحويل المنطقة الجنوبية مركزاً عالمياً للقهوة الفاخرة، من خلال استثمارات استراتيجية تغطي كامل سلسلة القيمة، بما يعزِّز تكامل الجهود، ويدعم الاقتصادات المحلية، ويضمن تحقيق القهوة السعودية كل إمكاناتها التجارية، بالتوازي مع الاحتفاء بها بصفتها رمزاً ثقافياً وطنياً أصيلاً».


استراتيجية الصين للطاقة تؤتي ثمارها مع اضطراب الإمدادات

مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)
مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)
TT

استراتيجية الصين للطاقة تؤتي ثمارها مع اضطراب الإمدادات

مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)
مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)

تُظهر استراتيجية الصين طويلة الأمد في تنويع مصادر الطاقة وبناء المخزونات قدرتها على التكيّف مع الاضطرابات الناجمة عن الحرب مع إيران، رغم أن بعض القطاعات لا تزال تواجه تحديات كبيرة، حسب محللين.

تُعد الصين مستورداً صافياً للنفط، وقد جاء أكثر من نصف وارداتها البحرية من الخام من الشرق الأوسط العام الماضي، وفقاً لشركة التحليلات «كبلر».

وقد أدى النزاع الذي أشعلته إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران إلى توقف شبه كامل للشحنات من منطقة الخليج لمدة ستة أسابيع حتى الآن، مع اتفاق هش لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه هذا الأسبوع، ومن غير المرجح أن يؤدي إلى تعافٍ فوري.

ومع ذلك، فإن تركيز بكين المستمر منذ فترة طويلة على أمن الطاقة جعلها مستعدة بشكل جيد لمثل هذه الصدمات، حسبما قال محللون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت مويو شو، كبيرة محللي النفط في «كبلر»، إن «القلق العام بشأن الوضع الجيوسياسي» في السنوات الأخيرة دفع القادة الصينيين إلى ضمان إنشاء مرافق تخزين كافية وبناء احتياطيات استراتيجية.

وأضافت أن هذه الجهود تعني أن الصين الآن في وضع أفضل بكثير مقارنة ببعض جيرانها في آسيا، مثل اليابان والفلبين. لكنها أشارت إلى أن بكين لم تكن «في عجلة» حتى الآن للبدء في استخدام احتياطياتها الاستراتيجية الكبيرة.

«تأكيد» الاستراتيجية

ويرجع ذلك جزئياً إلى أن مهمة الصين المستمرة منذ عقود لتقليل اعتمادها التقليدي على الفحم والوقود الأحفوري بدأت تؤتي ثمارها. فجهود التحول واسعة النطاق نحو الطاقة المتجددة تعني أن «الصين في وضع جيد نسبياً» للتعامل مع الوضع الحالي، وفقاً للوري ميلفيرتا، المؤسس المشارك لـ«مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف».

وقد تمت إضافة قدرات كبيرة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية إلى المقاطعات الساحلية المكتظة بالسكان، إلى جانب تحسين البنية التحتية للشبكات التي تنقل الكهرباء إليها من المناطق الداخلية.

وقال ميلفيرتا إنه «كان سيتعين استيراد مزيد من النفط والغاز لتشغيل تلك المقاطعات» لولا هذه الجهود.

ورغم استمرار بعض الاعتماديات، بما في ذلك في قطاع التصنيع الضخم، فإن الطاقة المتجددة «تساعد كثيراً على الهامش»، حسب قوله.

كما قال لي شو، مدير «مركز الصين للمناخ في جمعية آسيا»، إن أزمة الطاقة الحالية «تؤكد صحة استراتيجية الصين طويلة الأمد القائمة على تنويع كل المصادر».

ويسعى الرئيس شي جينبينغ إلى الاستفادة من التوسع في الطاقة المتجددة بشكل أكبر مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية. وقد بثت قناة «سي سي تي في» الرسمية تقريراً يوم الاثنين نقلت فيه عن شي دعوته إلى تسريع بناء «نظام طاقة جديد» لضمان أمن الطاقة، دون الإشارة إلى حرب الشرق الأوسط.

مشاكل تلوح في الأفق

بالنسبة لبكين، فإن «الخطر الأكثر جدية» لا يتمثل في الصدمات الفورية للطاقة، بل في احتمال حدوث تباطؤ اقتصادي عالمي بسبب النزاع، حسب لي من «جمعية آسيا». ومن المتوقع أن تتأثر بعض القطاعات حتماً، ما يخلق تحديات جديدة أمام القادة الذين يسعون إلى إنعاش النشاط الاقتصادي المتباطئ.

ومن بين هذه القطاعات «المصافي الصغيرة» الخاصة، التي استفادت تاريخياً من الوصول إلى النفط الإيراني والفنزويلي الخاضع للعقوبات بأسعار مخفضة.

وقد يكون فقدان النفط الإيراني بمثابة ضربة قاضية لكثير من هذه العمليات، التي تتركز بشكل رئيسي في مقاطعة شاندونغ الشرقية، التي تعاني بالفعل من تداعيات التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا هذا العام.

وقالت شو من «كبلر» إن لدى بكين «مشاعر مختلطة» تجاه ذلك. فمن جهة، تمثل هذه المصافي نحو خُمس قدرة التكرير في الصين وتوفر فرص عمل كبيرة. ومن جهة أخرى، فإن معاييرها البيئية المتساهلة، وإيراداتها الضريبية الأقل استقراراً، ومنافستها للشركات الحكومية الكبرى، تعني أن إغلاقها «ليس بالضرورة خبراً سيئاً بالكامل للصين».

كما أن قطاع صناعة الرقائق، الذي عده شي أولوية استراتيجية، قد يواجه تحديات مع استمرار إغلاق مضيق هرمز. وتُعد قطر واحدة من الدول القليلة في العالم التي تنتج الهيليوم على نطاق واسع، وهو عنصر حيوي لصناعة أشباه الموصلات، وقد توقفت الإمدادات منذ بدء الحرب.

وقد يواجه قطاع الكيميائيات أيضاً «ضغوطاً كبيرة» بسبب الاضطرابات، حسب تقرير حديث لميخال ميدان من «معهد أكسفورد لدراسات الطاقة».

ومع ذلك، على المستوى الوطني، قالت إن «التأثيرات يمكن التخفيف منها». فبينما لن يكون الاقتصاد بمنأى عن ارتفاع الأسعار وتراجع النشاط الاقتصادي، فإن الجهات المعنية تتخذ بالفعل إجراءات استباقية في حال استمرار الاضطرابات.