التضخم المدفوع بالذكاء الاصطناعي... خطر صامت يهدد الأسواق في 2026

وسط مخاوف من انتهاء عصر الفائدة المنخفضة

حروف «الذكاء الاصطناعي» ويد روبوت موضوعة على لوحة أُم للكومبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
حروف «الذكاء الاصطناعي» ويد روبوت موضوعة على لوحة أُم للكومبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

التضخم المدفوع بالذكاء الاصطناعي... خطر صامت يهدد الأسواق في 2026

حروف «الذكاء الاصطناعي» ويد روبوت موضوعة على لوحة أُم للكومبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
حروف «الذكاء الاصطناعي» ويد روبوت موضوعة على لوحة أُم للكومبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

قد تكون أسواق الأسهم العالمية التي دخلت عام 2026 بزخم قوي مدفوع بازدهار الذكاء الاصطناعي، بصدد تجاهل أحد أبرز المخاطر القادرة على تقويض هذا الصعود: عودة الضغوط التضخمية، مدفوعة جزئياً بطفرة الاستثمار في التكنولوجيا.

وقد سجَّلت مؤشرات الأسهم الأميركية -حيث شكَّلت 7 شركات تكنولوجية وحدها نحو نصف إجمالي مكاسب السوق خلال العام الماضي- ارتفاعات قوية في 2025، لتصل إلى مستويات قياسية، بدعم من التفاؤل المحيط بالذكاء الاصطناعي وسياسات التيسير النقدي، وهو ما انعكس أيضاً على الأسهم الأوروبية والآسيوية التي بلغت بدورها مستويات غير مسبوقة، وفق «رويترز».

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي في بورصة نيويورك (رويترز)

كما عززت التوقعات بمزيد من خفض أسعار الفائدة أداء أسواق السندات، مسجلة أفضل أداء سنوي لمستثمري سندات الخزانة الأميركية منذ 5 سنوات، في ظل تراجع التضخم، رغم بقائه أعلى من متوسط هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.

ومع دخول عام 2026، يُتوقع أن تُعيد موجات التحفيز الحكومي في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، إلى جانب طفرة الذكاء الاصطناعي، تنشيط النمو الاقتصادي العالمي. غير أن هذا المشهد يدفع مديري الأموال إلى الاستعداد لاحتمال تسارع التضخم مجدداً، ما قد يجبر البنوك المركزية على إنهاء دورات خفض أسعار الفائدة، ويحد من تدفق السيولة الرخيصة إلى الأسواق التي باتت شديدة التعلُّق بأسهم الذكاء الاصطناعي.

وقال تريفور غريثام، رئيس قسم الأصول المتعددة في شركة «رويال لندن لإدارة الأصول»: «نحن بحاجة إلى محفِّز يُفجِّر الفقاعة، ومن المرجح أن يأتي ذلك عبر تشديد السياسة النقدية». وأضاف أنه -رغم احتفاظه حالياً بأسهم شركات التكنولوجيا الكبرى- لن يتفاجأ إذا شهد العالم موجة ارتفاع كبيرة في التضخم بحلول نهاية 2026.

وأوضح غريثام أن تشديد السياسة النقدية سيضعف شهية المستثمرين تجاه التكنولوجيا ذات الطابع المضاربي، ويرفع تكاليف تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي، ويضغط على أرباح شركات التكنولوجيا وتقييمات أسهمها.

تطبيقات عدَّة للذكاء الاصطناعي تُعرض على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)

وفي السياق ذاته، أشار محللون إلى أن السباق المحموم الذي تُقدَّر قيمته بتريليونات الدولارات، بين عمالقة الحوسبة السحابية -مثل «مايكروسوفت» و«ميتا» و«ألفابت»- لبناء مراكز بيانات جديدة، يُعد عاملاً إضافياً في تغذية التضخم، نظراً لما تستهلكه هذه المشاريع من طاقة ورقائق إلكترونية متطورة بوتيرة متسارعة.

وقال أندرو شيتس، الاستراتيجي في «مورغان ستانلي»: «التكاليف آخذة في الارتفاع، لا الانخفاض، وفقاً لتوقعاتنا، في ظل تضخم أسعار الرقائق الإلكترونية وتكاليف الطاقة». وأضاف أن معدل تضخم أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة مرشح للبقاء فوق هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة حتى نهاية عام 2027، مدفوعاً جزئياً باستثمارات الشركات الكبرى في الذكاء الاصطناعي.

من جهته، قال فابيو باسي، رئيس استراتيجية الأصول المتعددة في بنك «جيه بي مورغان»، إن قوة سوق العمل الأميركية، والإنفاق التحفيزي، والتخفيضات السابقة في أسعار الفائدة ستُبقي التضخم فوق الهدف: «بغض النظر عن أسعار الرقائق الإلكترونية».

وذكرت شركة «أفيفا إنفستورز» في توقعاتها لعام 2026 أن أحد أبرز المخاطر التي تلوح في الأفق يتمثل في إنهاء البنوك المركزية لدورات خفض أسعار الفائدة، أو حتى العودة إلى رفعها، في ظل تصاعد ضغوط الأسعار الناتجة عن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وموجات الإنفاق الحكومي التحفيزي في أوروبا واليابان.

الرقائق الإلكترونية والرسوم

قال يوليوس بينديكاس، رئيس قسم الاقتصاد وتخصيص الأصول الديناميكي في أوروبا، لدى شركة «ميرسر» التي تدير أصولاً مباشرة بقيمة 683 مليار دولار، وتقدم استشارات لمؤسسات تدير أصولاً بنحو 16.2 تريليون دولار: «ما يقلقنا هو عودة خطر التضخم إلى الواجهة». وأوضح أنه لم يراهن بعد على تصحيح حاد في أسواق الأسهم، ولكنه يتجنب أسواق الدين الأكثر حساسية لأي صدمة تضخمية.

وبالفعل، بدأت الأسواق تُظهر مؤشرات قلق مبكرة بشأن ارتفاع التكاليف واحتمالات الإفراط في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي. فقد تراجعت أسهم «أوراكل» الشهر الماضي عقب إعلانها عن قفزة كبيرة في الإنفاق، كما هبط سهم «برودكوم» بعد تحذيرها من ضغوط على هوامش أرباحها المرتفعة.

وتتوقع شركة «إتش بي» المصنِّعة لأجهزة الكومبيوتر الشخصية أن تتعرض أسعارها وأرباحها لضغوط في النصف الثاني من 2026، نتيجة ارتفاع تكاليف رقائق الذاكرة، مدفوعة بالطلب المتزايد من مراكز البيانات.

وقال كيفن ثوزيت، عضو لجنة الاستثمار ومدير المحافظ في شركة «كارمينياك لإدارة الأصول»: «التضخم هو العامل الذي قد يبدأ في إثارة قلق المستثمرين، ويفتح ثغرات في الأسواق». وأضاف أن تسارع دورة النمو الاقتصادي يجعل خطر التضخم «مُستهاناً به إلى حد بعيد»، ما دفعه إلى زيادة استثماراته في سندات الخزانة المحمية من التضخم.

شاشات تعرض شعار شات «غروك» للذكاء الاصطناعي في تولوز (أ.ف.ب)

قفزة متوقعة في تكاليف الذكاء الاصطناعي

يتوقع «دويتشه بنك» أن تبلغ النفقات الرأسمالية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي نحو 4 تريليونات دولار بحلول عام 2030، محذراً من أن التوسع السريع قد يؤدي إلى اختناقات في إمدادات الرقائق والكهرباء، وبالتالي إلى ارتفاع حاد في تكاليف الاستثمار.

وقال جورج تشين، الشريك في شركة «آسيا غروب» الاستشارية، والمسؤول السابق في «ميتا»، إن ارتفاع التكاليف وازدياد التضخم الاستهلاكي سيؤديان إلى رفع تكلفة مشاريع الذكاء الاصطناعي، ويدفعان المستثمرين إلى إعادة تقييم جدوى ضخ مزيد من الأموال في هذا القطاع.

وأضاف: «تضخم أسعار رقائق الذاكرة سيرفع تكاليف شركات الذكاء الاصطناعي، ويخفض عوائد المستثمرين، ما قد يؤدي في النهاية إلى تراجع تدفقات رأس المال نحو هذا القطاع».


مقالات ذات صلة

«منظمة التعاون الاقتصادي»: الحرب تُبدد التوقعات الإيجابية للنمو العالمي وترفع التضخم

الاقتصاد حاويات شحن مكدسة في «تيرمينال آيلاند» بميناء لوس أنجليس بالولايات المتحدة (رويترز)

«منظمة التعاون الاقتصادي»: الحرب تُبدد التوقعات الإيجابية للنمو العالمي وترفع التضخم

حذرت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، الخميس، بأن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط أدى إلى انحراف الاقتصاد العالمي عن مسار النمو القوي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاثرينا رايش تقدم بياناً للصحافة في «البوندستاغ» عقب التصويت على حزمة أسعار الوقود (د.ب.أ)

ألمانيا تحدّ من ارتفاع أسعار الوقود مع تصاعد الصراع الإيراني

أقرّ مجلس النواب الألماني، يوم الخميس، إجراءات أولية لاحتواء ارتفاع أسعار الوقود في أكبر اقتصاد أوروبي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد يواكيم ناغل يجيب عن أسئلة خلال مقابلة مع «رويترز» في فرانكفورت (رويترز)

ناغل: «المركزي الأوروبي» يمتلك «خيار» رفع الفائدة إذا أشعلت الحرب التضخم

قال يواكيم ناغل، صانع السياسات في البنك المركزي الأوروبي، إن البنك يمتلك «خياراً» لرفع الفائدة في اجتماعه المقبل إذا ما أثارت الحرب مخاوف بشأن تصاعد التضخم.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي النرويجي في أوسلو (رويترز)

«المركزي النرويجي» يثبّت الفائدة عند 4 %... ويبقي «خيار الرفع» مفتوحاً

أبقى البنك المركزي النرويجي سعر الفائدة الرئيسي عند 4 في المائة يوم الخميس، موضحاً أن رفع سعر الفائدة الرئيسي في أحد الاجتماعات المقبلة يظل احتمالاً مرجحاً.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
الاقتصاد مقر «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية» في لندن (رويترز)

«البنك الأوروبي لإعادة الإعمار» يحذر من تباطؤ نمو الأسواق النامية بسبب أسعار الطاقة

حذَّر «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية»، يوم الخميس، من أنَّ توقعات النمو لبعض الأسواق النامية قد تُراجع بالخفض بنسبة تصل إلى 0.4 نقطة مئوية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية الأسبوع الماضي

يصطف الآلاف خارج مكتب مؤقت لإعانات البطالة أنشأته وزارة العمل في ولاية كنتاكي (أرشيفية - رويترز)
يصطف الآلاف خارج مكتب مؤقت لإعانات البطالة أنشأته وزارة العمل في ولاية كنتاكي (أرشيفية - رويترز)
TT

ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية الأسبوع الماضي

يصطف الآلاف خارج مكتب مؤقت لإعانات البطالة أنشأته وزارة العمل في ولاية كنتاكي (أرشيفية - رويترز)
يصطف الآلاف خارج مكتب مؤقت لإعانات البطالة أنشأته وزارة العمل في ولاية كنتاكي (أرشيفية - رويترز)

ارتفعت طلبات إعانة البطالة الجديدة في الولايات المتحدة بشكل طفيف الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل، ما يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي هامشاً ل

لإبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، مع مراقبة مخاطر التضخم المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة العمل الأميركية، الخميس، أن الطلبات الأولية لإعانة البطالة على مستوى الولايات زادت بمقدار 5000 طلب لتصل إلى 210 آلاف طلب بعد التعديل الموسمي، وذلك للأسبوع المنتهي في 21 مارس (آذار)، وهو ما جاء مطابقاً لتوقعات الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم.

وتراوحت طلبات الإعانة منذ بداية العام بين 201 ألف و230 ألف طلب، في ظل استمرار انخفاض معدلات تسريح العمال.

وأشار اقتصاديون إلى أن حالة عدم اليقين الناجمة عن الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات قد أضعفت الطلب على العمالة؛ حيث بلغ متوسط نمو الوظائف في القطاع الخاص غير الزراعي 18 ألف وظيفة شهرياً فقط خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في فبراير (شباط). وأضافوا أن تراجع المعروض من العمالة نتيجة تشدد سياسات الهجرة في عهد إدارة ترمب أثر سلباً على وتيرة نمو الوظائف.

وقد أدى ذلك إلى ما وصفه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، هذا الشهر بـ«توازن نمو التوظيف الصفري»، وهو وضع ينطوي على «مخاطر نحو التراجع».

ورغم توقعات الاقتصاديين باستمرار استقرار سوق العمل، فإن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران أثارت مخاوف من تصاعد الضغوط التضخمية، إذ قفزت أسعار النفط بأكثر من 30 في المائة منذ اندلاع النزاع في أواخر فبراير. كما سجلت أسعار الواردات والمنتجين ارتفاعاً حاداً في فبراير، مع توقعات بأن تنعكس آثار الحرب، التي رفعت أيضاً أسعار الأسمدة، على بيانات التضخم الاستهلاكي لشهر مارس. وقد واصل الاقتصاديون رفع توقعاتهم لمعدلات التضخم هذا العام مع استمرار الصراع.

وكان البنك المركزي الأميركي قد أبقى هذا الشهر سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، فيما يتوقع صناع السياسات خفضاً واحداً فقط في تكاليف الاقتراض خلال العام الحالي، في حين بدأت الأسواق المالية تقليص رهاناتها على خفض الفائدة.

وأظهر التقرير أيضاً أن عدد المستفيدين المستمرين من إعانات البطالة، وهو مؤشر على أوضاع التوظيف، انخفض بمقدار 32 ألفاً، ليصل إلى 1.819 مليون شخص بعد التعديل الموسمي خلال الأسبوع المنتهي في 14 مارس.

وتغطي بيانات المطالبات المستمرة الفترة التي أجرت خلالها الحكومة مسح الأسر لتحديد معدل البطالة لشهر مارس. ورغم تراجع هذه الطلبات مقارنة بالمستويات المرتفعة المسجلة العام الماضي، فقد يعكس ذلك جزئياً استنفاد بعض الأفراد لأهليتهم للحصول على الإعانات، التي تُحدد عادة بـ26 أسبوعاً في معظم الولايات.

ولا تشمل هذه البيانات خريجي الجامعات العاطلين عن العمل خلال العام الماضي، نظراً لعدم أهليتهم للحصول على الإعانات بسبب محدودية أو غياب تاريخهم الوظيفي. وارتفع معدل البطالة إلى 4.4 في المائة في فبراير من 4.3 في المائة في يناير (كانون الثاني).


«منظمة التجارة العالمية» تحذر من أسوأ اضطرابات منذ 80 عاماً

رئيسة «منظمة التجارة العالمية» نغوزي أوكونجو إيويالا تتحدث خلال المؤتمر الوزاري في ياوندي (أ.ف.ب)
رئيسة «منظمة التجارة العالمية» نغوزي أوكونجو إيويالا تتحدث خلال المؤتمر الوزاري في ياوندي (أ.ف.ب)
TT

«منظمة التجارة العالمية» تحذر من أسوأ اضطرابات منذ 80 عاماً

رئيسة «منظمة التجارة العالمية» نغوزي أوكونجو إيويالا تتحدث خلال المؤتمر الوزاري في ياوندي (أ.ف.ب)
رئيسة «منظمة التجارة العالمية» نغوزي أوكونجو إيويالا تتحدث خلال المؤتمر الوزاري في ياوندي (أ.ف.ب)

حذّرت رئيسة «منظمة التجارة العالمية»، نغوزي أوكونجو إيويالا، بأن النظام التجاري العالمي يشهد «أسوأ اضطرابات منذ 80 عاماً»، وذلك مع افتتاح المؤتمر الوزاري لـ«المنظمة» يوم الخميس.

وقالت: «لقد تغيّر بشكل جذري النظامُ العالمي والنظامُ متعدد الأطراف الذي اعتدناه، ولا رجعة إليه»، مضيفة: «لا يمكننا إنكار حجم التحديات التي يواجهها العالم اليوم»، وفق «رويترز».

ويبدو أن الدول الأعضاء الـ166 في «منظمة التجارة العالمية» تعاني انقسامات حادة، في وقت يجتمع فيه وزراء التجارة بالعاصمة الكاميرونية للمشاركة في أبرز مؤتمرات «المنظمة»، وسط اضطرابات اقتصادية عالمية مرتبطة بحرب الشرق الأوسط.

وعلى مدى 4 أيام في ياوندي، يسعى أعضاء «المنظمة» إلى إعادة تنشيط مؤسسة أضعفتها التوترات الجيوسياسية، وجمود المفاوضات، وتصاعد النزعات الحمائية، في ظل حرب الشرق الأوسط التي تشكل تهديداً كبيراً للتجارة الدولية.

وقالت أوكونجو إيويالا: «إن حجم التحديات التي يواجهها العالم اليوم، حتى قبل اندلاع الصراع في الخليج، قد زعزع استقرار التجارة في مجالات الطاقة والأسمدة والغذاء».

وأضافت: «تواجه الحكومات الوطنية والمؤسسات الدولية على حد سواء صعوبات متنامية في التعامل مع التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، وضغوط تغير المناخ المتفاقمة، والتغير التكنولوجي المتسارع».

وأشارت إلى أن هذه التحولات رافقها ازدياد ملحوظ في التشكيك بجدوى التعددية، موضحة أن هذه الاضطرابات ليست سوى مظهر من مظاهر خلل أوسع يطول النظام الدولي الذي أُنشئ بعد الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار كوارث النصف الأول من القرن العشرين.

وأضافت: «من المناسب أن نجتمع في أفريقيا في هذا التوقيت الحرج، الذي يشهد اضطرابات في الشرق الأوسط، والسودان، وأوكرانيا... وغيرها، لمناقشة مستقبل النظام التجاري العالمي في ظل هذه الظروف غير المستقرة». وأكدت: «أفريقيا هي قارة المستقبل».

يُذكر أن المؤتمرات الوزارية لـ«منظمة التجارة العالمية» تُعقد عادة كل عامين، ويُعدّ هذا المؤتمر الثاني الذي يُنظم في أفريقيا بعد مؤتمر نيروبي عام 2015.


«منظمة التعاون الاقتصادي»: الحرب تُبدد التوقعات الإيجابية للنمو العالمي وترفع التضخم

حاويات شحن مكدسة في «تيرمينال آيلاند» بميناء لوس أنجليس بالولايات المتحدة (رويترز)
حاويات شحن مكدسة في «تيرمينال آيلاند» بميناء لوس أنجليس بالولايات المتحدة (رويترز)
TT

«منظمة التعاون الاقتصادي»: الحرب تُبدد التوقعات الإيجابية للنمو العالمي وترفع التضخم

حاويات شحن مكدسة في «تيرمينال آيلاند» بميناء لوس أنجليس بالولايات المتحدة (رويترز)
حاويات شحن مكدسة في «تيرمينال آيلاند» بميناء لوس أنجليس بالولايات المتحدة (رويترز)

حذرت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، الخميس، بأن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط أدى إلى انحراف الاقتصاد العالمي عن مسار النمو القوي، فيما يهدد توقفٌ شبه تام لشحنات الطاقة عبر مضيق هرمز برفع معدلات التضخم بشكل حاد.

وأشارت «المنظمة»، ومقرها باريس، إلى أن الاقتصاد العالمي كان يسير على طريق نمو أقوى من المتوقع قبل اندلاع حرب إيران، لكن هذا الاحتمال تلاشى بفعل الأحداث الراهنة. ووفق التقديرات الجديدة، فمن المتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 3.3 في المائة عام 2025 إلى 2.9 في المائة سنة 2026، قبل أن يرتفع تدريجاً إلى 3 في المائة عام 2027، حيث حل ارتفاع أسعار الطاقة وطبيعة الصراع غير المتوقعة محل العوامل الإيجابية المرتبطة بالاستثمارات القوية في قطاع التكنولوجيا، وانخفاض معدلات التعريفة الجمركية الفعلية، والزخم الممتد من 2025.

وأوضح ماتياس كورمان، رئيس «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، للصحافيين: «هناك مستوى عالٍ من عدم اليقين بشأن مدة وحجم الصراع الحالي في الشرق الأوسط، وهذا يجعل هذه التوقعات عرضة لمخاطر سلبية كبيرة قد تؤدي إلى انخفاض النمو وارتفاع التضخم».

خزانات للغاز الطبيعي المسال في محطة «غوان تانغ» بمدينة تاويوان (أ.ف.ب)

سيناريو معاكس

تفترض التوقعات أن اضطراب سوق الطاقة سيخف تدريجاً، مع انخفاض أسعار النفط والغاز والأسمدة بدءاً من منتصف 2026. ولم يطرأ أي تعديل على توقعات عام 2026 مقارنةً بتوقعات «المنظمة» الصادرة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إلا إن المؤشرات الأولية في ذلك الحين كانت تشير إلى إمكانية زيادة النمو العالمي بنحو 0.3 نقطة مئوية؛ لولا تصاعد الصراع، وهو تقدير أُلغي بالكامل نتيجة الأحداث الراهنة.

ومع ارتفاع أسعار الطاقة حالياً، يُتوقع أن يرتفع معدل التضخم في دول «مجموعة العشرين» بمقدار 1.2 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة، ليصل إلى 4 في المائة سنة 2026، قبل أن ينخفض إلى 2.7 في المائة عام 2027. وفي سيناريو معاكس، حيث ترتفع أسعار الطاقة إلى أعلى مستوياتها وتستمر مرتفعة مدة أطول، سينخفض النمو العالمي بمقدار 0.5 نقطة مئوية في السنة الثانية من الصدمة، بينما سيرتفع التضخم بمقدار 0.9 نقطة مئوية.

توقعات الولايات المتحدة

فاقمت الحرب الوضع التجاري المعقد أصلاً، حيث انخفضت معدلات التعريفات الجمركية الثنائية الأميركية بعد قرار المحكمة العليا تقليص التعريفات المفروضة بموجب «قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية»، مع تخفيضات كبيرة لعدد من اقتصادات الأسواق الناشئة، بما فيها البرازيل والصين والهند. ومع ذلك، فإن معدل التعريفة الجمركية الفعلي الإجمالي في الولايات المتحدة يظل أعلى بكثير مقارنة بما كان عليه قبل 2025.

وعلى المستوى الفردي، من المتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة من اثنين في المائة عام 2026 إلى 1.7 في المائة سنة 2027، حيث يواجه الاستثمار القوي في مجال الذكاء الاصطناعي تباطؤاً تدريجياً في نمو الدخل الحقيقي والإنفاق الاستهلاكي. ومن المتوقع أن يصل معدل التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة إلى 4.2 في المائة سنة 2026، بزيادة 1.2 نقطة مئوية على التوقعات السابقة.

أما في الصين، فيُتوقع أن يتباطأ النمو إلى 4.4 في المائة سنة 2026، و4.3 في المائة خلال 2027، بما يتماشى والتوقعات السابقة للمنظمة.

توقعات منطقة اليورو واليابان

من المتوقع أن ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو إلى 0.8 في المائة سنة 2026 نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، قبل أن يرتفع تدريجاً إلى 1.2 في المائة عام 2027 مدعوماً بزيادة الإنفاق الدفاعي، وهو انخفاض ملحوظ مقارنة بتوقعات ديسمبر الماضي التي كانت تشير إلى نمو بـ1.2 في المائة عام 2026 و1.4 في المائة خلال 2027.

أما في اليابان، فمن المتوقع أن يبلغ النمو 0.9 في المائة في كل من 2026 و2027، دون تغيير، حيث يعوض ارتفاع تكلفة واردات الطاقة قوة استثمارات الشركات.

ودعت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» البنوك المركزية إلى توخي الحذر، وحثت الحكومات على أن تكون أيُّ تدابير دعم للأسر موجهةً بدقة ومحددة المدة.

مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

ارتفاع التضخم بوتيرة أسرع في بريطانيا

شهدت توقعات النمو الاقتصادي في المملكة المتحدة أكبر انخفاض بين الاقتصادات الكبرى، فيما يُتوقع أن يرتفع التضخم بوتيرة أسرع. وخفضت «المنظمة» توقعاتها لنمو الاقتصاد البريطاني لعام 2026 بمقدار نصف نقطة مئوية، لتصل إلى 0.7 في المائة. وأوضحت في تقريرها أن التشديد المالي المخطط له، وارتفاع أسعار الطاقة، سيؤديان إلى إبقاء النمو ضعيفاً في المملكة المتحدة، على الرغم من أن تأثير ذلك سيخفّ بفعل انخفاض أسعار الفائدة في العام المقبل، بينما لم يطرأ أي تعديل على توقعات النمو لعام 2027، التي بقيت عند 1.3 في المائة.

من جهة أخرى، رُفعت توقعات التضخم في المملكة المتحدة لسنة 2026 بمقدار 1.5 نقطة مئوية، لتصل إلى 4 في المائة، وهو أكبر ارتفاع بين الاقتصادات المتقدمة الكبرى، ومن المتوقع أن يبلغ التضخم 2.6 في المائة سنة 2027، أي أعلى بمقدار 0.5 نقطة مئوية عن توقعات ديسمبر، وأعلى من هدف «بنك إنجلترا» البالغ اثنين في المائة. وتشير «المنظمة» إلى أن الأسر البريطانية ذات الدخل المنخفض تنفق نسبة أكبر على الغاز والكهرباء مقارنة بالدول الغنية الأخرى، على الرغم من أن إجمالي الإنفاق على الطاقة يمثل نسبة أقل من التضخم في المملكة المتحدة مقارنة بالدول الأخرى. كما تتوقع «المنظمة» أن يُبقي «بنك إنجلترا» أسعار الفائدة دون تغيير خلال 2026، ثم يخفضها في الربع الأول من 2027 مع تراجع التضخم.

وكان «مكتب مسؤولية الموازنة» البريطاني قد توقع قبل اندلاع حرب إيران نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.1 في المائة هذا العام، و1.6 في المائة خلال 2027، فيما توقع «بنك إنجلترا» هذا الشهر أن يرتفع التضخم إلى ما بين 3 و3.5 في المائة خلال الربعين المقبلين.

من جهته، أعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، أن تعزيز النمو، وخفض تكلفة المعيشة، يمثلان أهم أولويات حكومته، فيما شددت وزيرة المالية، راشيل ريفز، على أن الحرب في الشرق الأوسط تؤثر على المملكة المتحدة، لكنها لن تَحول دون تركيز الحكومة على النمو الإقليمي، وتبني الذكاء الاصطناعي والابتكار، وتعزيز العلاقات بـ«الاتحاد الأوروبي».