«إنفيديا» تربح معركة الصين... ترمب يفتح لها الباب لبيع رقائق الذكاء الاصطناعي

تسوية بحصول الحكومة على 25 % من العائدات وسط تصعيد من النواب بشأن الأمن القومي

الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» إلى جانب ترمب بالبيت الأبيض في 30 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» إلى جانب ترمب بالبيت الأبيض في 30 أبريل (أ.ف.ب)
TT

«إنفيديا» تربح معركة الصين... ترمب يفتح لها الباب لبيع رقائق الذكاء الاصطناعي

الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» إلى جانب ترمب بالبيت الأبيض في 30 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» إلى جانب ترمب بالبيت الأبيض في 30 أبريل (أ.ف.ب)

مهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الطريق لشركة «إنفيديا» لبدء بيع رقائقها الحاسوبية القوية للذكاء الاصطناعي إلى الصين، مما يُمثل انتصاراً للشركة ورئيسها التنفيذي جينسن هوانغ، الذي أمضى أشهراً في الضغط على البيت الأبيض لفتح باب المبيعات في البلاد.

وتأتي هذه الخطوة في إطار تسوية استراتيجية من البيت الأبيض، تهدف إلى الموازنة بين المصالح الاقتصادية الأميركية ومخاوف الأمن القومي المتزايدة. كما تهدف هذه الخطوة إلى إيجاد حل وسط بين معارضي تصدير أي شرائح ذكاء اصطناعي متقدمة، والمخاوف من أن تؤدي القيود إلى تسليم السوق للمنافسين الصينيين، وإرضاء الحكومة الصينية، التي حظرت استيراد شرائح أقل قوة؛ مثل شريحة «إتش 20» من «إنفيديا».

وقبل إعلان يوم الاثنين، كانت الولايات المتحدة قد حظرت بيع رقائق «إنفيديا» الأكثر تطوراً إلى الصين، بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي.

وقد أعلن ترمب، يوم الاثنين، موافقته على السماح لشركة «إنفيديا» ببيع نوع متقدم من رقائق الكمبيوتر، يُستخدم في تطوير الذكاء الاصطناعي، إلى «عملاء معتمدين» في الصين. وأشار ترمب عبر «سوشيال تروث»، إلى أنه أبلغ الرئيس الصيني شي جينبينغ، بالقرار الذي سيشمل شريحة «إتش 200».

وبرر ترمب قراره بأنه يهدف إلى دعم الوظائف الأميركية وتعزيز الصناعة التحويلية في الولايات المتحدة، مؤكداً أن الحكومة الأميركية ستتلقى حصة من العائدات تصل إلى 25 في المائة من المبيعات. هذه النسبة تُعدّ «ثمناً باهظاً»، أو شرطاً غير تقليدي يفرض رسماً كبيراً على المبيعات في السوق الصينية، وهو أعلى بكثير من نسبة 15 في المائة المتفق عليها في صفقة سابقة لرفع القيود، وذلك في أعقاب خطط غير تقليدية مماثلة للحكومة الفيدرالية لتخفيض تمويلها من التعاملات التجارية الخاصة. هذا يعني أن جزءاً كبيراً من إيرادات هذه التجارة سيذهب للحكومة الأميركية.

وفي أغسطس (آب) الماضي، صرّح ترمب بأن الولايات المتحدة ستحصل على حصة 10 في المائة في شركة «إنتل» للتكنولوجيا، وقد شكك بعض المشرعين في قانونية مثل هذه الترتيبات.

وأوضح ترمب أن وزارة التجارة بصدد وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل، وأنه يعتزم تقديم العرض نفسه لشركات أخرى متخصصة في الرقائق، بما في ذلك «إيه إم دي» و«أنتل».

وتُعدّ رقائق «إتش 200» من «إنفيديا» ثاني أقوى رقائق الشركة، وأكثر تطوراً بكثير من «إتش 20»، التي صُممت في الأصل نموذجاً أقل قوة للسوق الصينية، وهو ما لم يكن ليخالف القيود، ولكن الولايات المتحدة حظرتها على أي حال في أبريل (نيسان).

ترمب وشي يتحدثان بعد اجتماع ثنائي بمطار جيمهاي الدولي على هامش قمة منتدى «إيباك» في أكتوبر (رويترز)

بين الترحيب والاعتراض

قوبل هذا القرار بترحيب فوري من شركة «إنفيديا»، التي أكدت أن السماح لوزارة التجارة بفحص العملاء التجاريين «يحقق توازناً مدروساً» بين الأولويات الاقتصادية والأمن القومي، مشيرة إلى أن هذا الاختيار سيدعم التصنيع المحلي.

ويأتي هذا في ظل ارتفاع سهم الشركة بشكل طفيف بعد الإعلان، مما يعكس العلاقة الوثيقة التي يتمتع بها الرئيس التنفيذي لـ«إنفيديا»، جنسن هوانغ، مع الرئيس.

وقد عمل هوانغ من كثب مع ترمب منذ توليه منصبه، وقام بعدة زيارات إلى البيت الأبيض، وحضر قمة الرئيس للذكاء الاصطناعي في يوليو (تموز)، والتقى بترمب في الأسبوع الماضي، بل كان ضيفاً على عشاء البيت الأبيض لولي العهد الأمير محمد بن سلمان. كما تعهد باستثمار 500 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالولايات المتحدة على مدى السنوات الأربع المقبلة.

كذلك، زار هوانغ الصين عدة مرات، والتقى مسؤولين ومديرين تنفيذيين صينيين في مجال التكنولوجيا، حيث رُفع الحظر الأميركي، وأُعيد فرضه مرات عديدة.

وفي وقت سابق من هذا العام، فرضت الصين ضوابطها الخاصة على واردات رقائق «إنفيديا»، حيث وردت تعليمات لشركات التكنولوجيا الكبرى بإلغاء الطلبات، متعللة بمخاوف الأمن القومي وضعف الثقة في تطوير الرقائق محلياً في الصين.

وفي أكتوبر (تشرين الأول)، قال هوانغ إن «إنفيديا» انخفضت حصتها من السوق الصينية من 95 في المائة إلى 0 في المائة، ووصف الحظر بأنه «خطأ استراتيجي».

والآن، قد يعني بيع الرقائق للصين - ثاني أكبر اقتصاد في العالم - مكاسب غير متوقعة بمليارات الدولارات لشركة «إنفيديا»، التي تُقدر قيمتها بـ4.5 تريليون دولار.

الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» يتحدث خلال الكلمة الافتتاحية في مؤتمر «إنفيديا لتكنولوجيا وحدات معالجة الرسومات» (GPU) بواشنطن (أ.ف.ب)

ومع ذلك، أثارت هذه الخطوة مخاوف بشأن تمكين الصين من تطوير قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، خصوصاً أن الشريحة «إتش 200» تُعد قوية للغاية.

وقد أعرب أعضاء بمجلس الشيوخ من الديمقراطيين عن اعتراضهم الشديد على عملية البيع، محذرين من التداعيات الأمنية، وأكدوا أن وصول الصين إلى هذه الرقائق المتقدمة، سيمنح جيش التحرير الشعبي «تكنولوجيا تحويلية» لزيادة فتك أسلحته، وتنفيذ هجمات سيبرانية أكثر فاعلية ضد البنية التحتية الأميركية. كما لفتوا إلى أن شركات الذكاء الاصطناعي الصينية كانت قد اعتبرت نقص الوصول إلى الرقائق الأميركية المتقدمة، التحدي الأكبر الذي تواجهه في المنافسة مع الشركات الأميركية الكبرى.

ووفقاً لصحيفة «ذا هيل»، وجّه عضوا مجلس الشيوخ الديمقراطيان؛ إليزابيث وارن من ماساتشوستس، وآندي كيم من نيوجيرسي، رسالةً إلى وزير التجارة هوارد لوتنيك الأسبوع الماضي، أعربا فيها عن مخاوفهما من بيع هذه الرقاقات للصين، مشيرين إلى أنها تُهدد بتعزيز «المراقبة والرقابة والتطبيقات العسكرية» في البلاد. وكتبا: «أحثّكم على التوقف عن تجاهل آراء أعضاء الكونغرس من الحزبين وخبرائكم من أجل إبرام صفقات تُسيء إلى الأمن القومي الأميركي».

ويُشير المحللون إلى أن قرار ترمب، الذي عكس حظراً سابقاً كان قد فرضه في يوليو (تموز)، يأتي خطوةً تكتيكية قد تهدف إلى «كسب الوقت» للولايات المتحدة، للتفاوض مع بكين بشأن المعادن الأرضية النادرة، التي تسيطر الصين على معالجتها، وتُعدّ ضرورية لمعظم الإلكترونيات.

وعلى الرغم من أن هذا الوصول إلى شريحة «إتش 200» سيفيد القطاع التكنولوجي الصيني، فإنه لا يزال من المتوقع أن تواصل بكين العمل نحو تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأميركية، خصوصاً بعد أن وجهت في السابق شركاتها المحلية لرفض الرقائق الأقدم والتحول إلى المنتجات المصنوعة محلياً. كما تؤكد الأبحاث الأمنية أن الجيش الصيني يستخدم بالفعل شرائح مصممة أميركياً لتطوير قدرات عسكرية قائمة على الذكاء الاصطناعي، مما يزيد من القلق بشأن المخاطر المحتملة على الأمن القومي الأميركي.

احتجاز رجلين صينيين

وفي موازاة هذا التطور، أعلنت وزارة العدل الأميركية عن احتجاز رجلين صينيين بتهمة تهريب رقائق «إنفيديا»؛ «إتش 100» و«إتش 200»، إلى الصين.

ويزعم المدعون العامون أن فانيوي غونغ (43 عاماً)، وهو مواطن صيني مقيم في نيويورك، وبينلين يوان (58 عاماً)، وهو مواطن كندي من الصين، تآمرا بشكل مستقل مع موظفي شركة لوجيستية مقرها هونغ كونغ وشركة صينية لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، للتحايل على ضوابط التصدير الأميركية، وفقاً لوزارة العدل.

وفي وثائق المحكمة، قال المدعون العامون إن غونغ وشركاءه في المؤامرة حصلوا على رقائق «إنفيديا» من خلال مشترين وهميين ووسطاء، وزعموا زوراً أن البضائع مخصصة لعملاء أميركيين، أو عملاء في دول ثالثة مثل تايوان وتايلاند. وشُحنت الرقائق إلى عدة مستودعات أميركية، حيث أزال أفراد ملصقات «إنفيديا» وألصقوا عليها ملصقات تحمل اسم ما يعتقد المدعون أنها شركة وهمية، وفقاً للشكوى الجنائية. ثم أُعدّت الرقائق للتصدير، وفقاً للشكوى.

وفي شكوى منفصلة، ​​زعم المدعون أن يوان ساعد في تجنيد وتنظيم أفراد لفحص الرقائق التي تحمل ملصقات خاطئة نيابةً عن شركة الخدمات اللوجيستية في هونغ كونغ. وأضاف المدعون أن يوان وافق على توجيه المفتشين بعدم التصريح بأن البضائع كانت متجهة إلى الصين، مضيفين أنه أدار أيضاً مناقشات لصياغة قصة يمكن لشركته استخدامها للإفراج عن الرقائق والمعدات الأخرى بعد مصادرتها من قبل السلطات الفيدرالية. ويقدر المدعون أن المخطط كان قيد التنفيذ منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 على الأقل، وفقاً لوثائق المحكمة.


مقالات ذات صلة

الصين تمنع استحواذ «ميتا» على «مانوس» الناشئة للذكاء الاصطناعي

الاقتصاد المساعد الذكي «مانوس» على شاشة أحد الهواتف الذكية (أ.ف.ب)

الصين تمنع استحواذ «ميتا» على «مانوس» الناشئة للذكاء الاصطناعي

منعت هيئة التخطيط الحكومية الصينية، يوم الاثنين، استحواذ «ميتا» الأميركية على شركة «مانوس» الصينية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
خاص توماس كوريان الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

خاص الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود»: مراكز بياناتنا «مقاوِمَة للأزمات» ولا ترتبط بحدود

بينما تفرض التوترات الإقليمية تحديات على البنية التحتية، تعيد «غوغل» صياغة مفهوم استمرارية الأعمال عبر دمج الحصانة الرقمية بالذكاء الاصطناعي المؤسسي.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد يسير الناس على طول أحد الشوارع أثناء زيارتهم لمدينة فنغانغ القديمة على مشارف شنغهاي (أ.ف.ب)

الأرباح الصناعية والتكنولوجيا يدفعان أسهم الصين وهونغ كونغ للارتفاع

شهدت الأسهم في الصين وهونغ كونغ ارتفاعاً طفيفاً خلال تعاملات يوم الاثنين، مدفوعة بشكل أساسي بقطاع التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد عمال يعملون في مصنع للتعدين في تشونغشان الصينية (رويترز)

اتفاق أميركي أوروبي في قطاع المعادن لمواجهة الهيمنة الصينية

وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقاً مع الولايات المتحدة للتنسيق بشأن إمدادات المعادن الحيوية اللازمة، في ظل ازدياد القلق من هيمنة الصين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد زوار في جناح «هواوي» خلال مؤتمر التكنولوجيا بالصين - 26 يوليو 2025 (رويترز)

أميركا لتوسيع الحرب التكنولوجية على الصين

أمرت وزارة الخارجية الأميركية بحملة عالمية لتسليط الضوء على محاولات لشركات صينية؛ مثل «ديب سيك» للذكاء الاصطناعي، لسرقة حقوق الملكية الفكرية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بكين تتعهد باتخاذ إجراءات مضادة لخطة «صنع في أوروبا»

زوار في «معرض سيارات بكين» بالعاصمة الصينية يجربون سيارة ذاتية القيادة (أ.ف.ب)
زوار في «معرض سيارات بكين» بالعاصمة الصينية يجربون سيارة ذاتية القيادة (أ.ف.ب)
TT

بكين تتعهد باتخاذ إجراءات مضادة لخطة «صنع في أوروبا»

زوار في «معرض سيارات بكين» بالعاصمة الصينية يجربون سيارة ذاتية القيادة (أ.ف.ب)
زوار في «معرض سيارات بكين» بالعاصمة الصينية يجربون سيارة ذاتية القيادة (أ.ف.ب)

انتقدت بكين بشدة، الاثنين، خطة «الاتحاد الأوروبي» الرامية إلى دعم الصناعات الأوروبية في مواجهة المنافسة الشرسة من الصين، متعهدةً باتخاذ إجراءات مضادة في حال إقرارها.

وكان «الاتحاد الأوروبي» قد كشف في مارس (آذار) الماضي عن قواعد جديدة لـ«صُنع في أوروبا» للشركات التي تسعى إلى الحصول على تمويل عام في قطاعات استراتيجية تشمل السيارات والتكنولوجيا الخضراء والصلب، مُلزماً الشركات بتلبية الحد الأدنى من متطلبات استخدام قطع الغيار المصنعة في «الاتحاد الأوروبي». ويُعدّ هذا المقترح، الذي تأخر أشهراً عدة بسبب الخلافات بشأن الإجراءات، جزءاً أساسياً من مساعي «الاتحاد الأوروبي» لاستعادة ميزته التنافسية، والحد من تراجعه الصناعي، وتجنب فقدان مئات آلاف الوظائف.

وقالت وزارة التجارة الصينية، الاثنين، إنها قدمت تعليقات إلى «المفوضية الأوروبية» يوم الجمعة، معربةً عن «مخاوف الصين الجدية» بشأن هذا الإجراء الذي وصفته بأنه «تمييز ممنهج». وحذّرت وزارة التجارة الصينية في بيان بأنه «إذا مضت دول (الاتحاد الأوروبي) قُدماً في التشريع، وألحقت الضرر بمصالح الشركات الصينية، فلن يكون أمام الصين خيار سوى اتخاذ تدابير مضادة لحماية الحقوق والمصالح المشروعة لشركاتها».

ولطالما اشتكت الشركات الأوروبية في كثير من القطاعات المعنية بهذا المقترح من مواجهتها منافسة غير عادلة من منافسيها الصينيين المدعومين بسخاء. ويستهدف مقترح «الاتحاد الأوروبي»، المعروف رسمياً باسم «قانون تسريع الصناعة»، ضمناً الشركات الصينية المصنعة للبطاريات والمركبات الكهربائية؛ إذ يُلزم الشركات الأجنبية بالشراكة مع الشركات الأوروبية ونقل المعرفة التقنية عند تأسيس أعمالها في «الاتحاد». وقالت «غرفة التجارة الصينية» لدى «الاتحاد الأوروبي» هذا الشهر إن الخطة تُمثل تحولاً نحو الحمائية التجارية؛ مما سيؤثر على التعاون التجاري بين «الاتحاد الأوروبي» والصين.

* نمو قوي

وفي سياق منفصل، سجلت أرباح الشركات الصناعية الصينية أسرع وتيرة نمو لها في 6 أشهر خلال الشهر الماضي؛ مما يُعزز المؤشرات الأوسع نطاقاً نحو تعافٍ اقتصادي غير متوازن في الربع الأول من العام، في ظل استعداد صناع السياسات لتأثيرات الحرب في الشرق الأوسط. وتعثر محرك التصدير الصيني الشهر الماضي، بينما انخفضت مبيعات التجزئة والإنتاج الصناعي، على الرغم من خروج أسعار المنتجين من فترة انكماش استمرت سنوات، وهو تحول يحذر المحللون بأنه قد يُقيّد الشركات بارتفاع التكاليف مع محدودية قدرتها على تحديد الأسعار في ظل استمرار هشاشة الطلب.

وقالت لين سونغ، كبيرة الاقتصاديين في بنك «آي إن جي» لمنطقة الصين الكبرى: «من المرجح أن البيانات لم تعكس بعدُ تأثير الحرب الإيرانية»، مؤكدةً على ازدياد المخاطر التي تهدد النمو محلياً ودولياً جراء الصراع، في ظل سعي الحكومات والشركات جاهدةً لتخفيف آثاره.

وأظهرت بيانات صادرة عن «المكتب الوطني للإحصاء»، الاثنين، أن أرباح الشركات الصناعية ارتفعت بنسبة 15.8 في المائة خلال مارس (آذار) الماضي مقارنةً بالعام السابق، بعد قفزة بلغت 15.2 في المائة خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى فبراير (شباط) الماضيين. وفي الربع الأول، نمت أرباح القطاع الصناعي بنسبة 15.5 في المائة على أساس سنوي، مع تسارع النمو الاقتصادي إلى 5 في المائة بعد أن سجل أدنى مستوى له في 3 سنوات خلال الربع السابق. وتشير هذه الأرقام إلى تباين متصاعد تحت سطح التعافي. وبينما لا يزال بعض قطاعات الاقتصاد المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مزدهرة، حيث حققت شركة «شانون سيميكونداكتور» ارتفاعاً هائلاً في صافي أرباحها خلال الربع الأول بلغ 79 ضعفاً بفضل الطلب القوي على الإلكترونيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فإن القطاعات الموجهة للمستهلكين لا تزال تعاني. وقال يو وينينغ، الإحصائي في «المكتب الوطني للإحصاء»: «هناك كثير من أوجه عدم اليقين في البيئة الخارجية، ولا يزال التناقض بين قوة العرض المحلي وضعف الطلب بحاجة إلى حل».

ويرى صناع السياسات أن حملتهم للحد مما يُسمى «التراجع»، أي المنافسة السعرية الشرسة والمستمرة، ستدعم هوامش أرباح الشركات على المدى الطويل، إلا إن فوائدها لا تظهر إلا ببطء في ظل تعافٍ اقتصادي متعثر.

وتزيد المخاطر الخارجية من حدة الضغوط؛ حيث أدت أزمة الشرق الأوسط إلى تفاقم حالة عدم اليقين بشأن الطلب العالمي وسلاسل التوريد؛ مما يهدد بتآكل هوامش الربح لدى المصنّعين الصينيين الذين يعانون أصلاً من ضعف الطلبات وحذر الإنفاق من جانب الأسر والشركات. وقالت سونغ من بنك «آي إن جي»: «من المرجح أن تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة مستقبلاً إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج؛ مما سيضطر معه المنتجون إما إلى تحميله على المستهلكين، وإما استيعابه من خلال (هوامش ربح أقل) و(ربحية أضعف)». وتشمل أرقام أرباح القطاع الصناعي الشركات التي يبلغ دخلها السنوي من عملياتها الرئيسية 20 مليون يوان على الأقل (2.93 مليون دولار أميركي).


سوق الأسهم السعودية تغلق مرتفعة 0.4 % بسيولة بلغت 1.6 مليار دولار

مستثمر يتابع شاشة الأسهم في «السوق المالية السعودية» بالعاصمة الرياض (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشة الأسهم في «السوق المالية السعودية» بالعاصمة الرياض (أ.ف.ب)
TT

سوق الأسهم السعودية تغلق مرتفعة 0.4 % بسيولة بلغت 1.6 مليار دولار

مستثمر يتابع شاشة الأسهم في «السوق المالية السعودية» بالعاصمة الرياض (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشة الأسهم في «السوق المالية السعودية» بالعاصمة الرياض (أ.ف.ب)

أغلق مؤشر «سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)» جلسة الاثنين على ارتفاع بنسبة 0.4 في المائة، ليستقر عند مستوى 11168.5 نقطة، فيما بلغت قيمة التداولات 6.1 مليار ريال (1.6 مليار دولار).

وارتفع سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، 0.52 في المائة إلى 27.26 ريال، فيما تصدّر سهما «كيان السعودية» و«بترو رابغ» قائمة الشركات المرتفعة بنسبة 10 في المائة.

وعلى صعيد نتائج الربع الأول، صعد سهم «الأسمنت العربية» 4 في المائة إلى 23.2 ريال، وارتفع سهم «سلوشنز» اثنين في المائة إلى 224.10 ريال، في حين انخفض سهم «مجموعة تداول» 4 في المائة، وتراجع سهم «سدافكو» اثنين في المائة، وذلك عقب الإعلان عن النتائج المالية.

وفي القطاع المصرفي، تراجع سهم «الأهلي» بنسبة واحد في المائة إلى 39.52 ريال، بينما ارتفع سهم «الأول» بالنسبة ذاتها إلى 34.38 ريال.


اقتصاد لبنان «يتوغّل» في حال عدم اليقين... والتضخم يستعيد زخم الارتفاع

علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)
علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)
TT

اقتصاد لبنان «يتوغّل» في حال عدم اليقين... والتضخم يستعيد زخم الارتفاع

علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)
علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)

حسم مصرف لبنان المركزي جدليّات التباين الصريح في التقديرات الرقمية لتحديثات حجم الناتج المحلي، ليستقر عند مستوى 33 مليار دولار مطلع العام الحالي، مدفوعاً بنسبة نمو بلغت 3.8 في المائة بنهاية عام 2025، ومعززاً بانخفاض مستويي التضخّم العام والأساسي إلى 12.2 و13.5 في المائة على التوالي، مقارنة مع نسبتي 18.1 و19.2 في المائة للعام الأسبق.

هذه الإحصاءات المحدّثة والواردة ضمن المراجعة الماكرواقتصادية التي عاود البنك المركزي إعدادها سنوياً، تتماشى مع تقديرات متقاربة لصندوق النقد الدولي خلصت إلى توقعات بتحقيق نمو حقيقي بنسبة 4.7 في المائة خلال العام السابق، ليبلغ الناتج المحلي الإجمالي (الاسمي) نحو 34.5 مليار دولار، ممّا يفضي إلى استبعاد استنتاجات مختلفة أشارت إلى تخطّي مستوى 40 مليار دولار.

وإذ لا يزال الرقم على مسافة بعيدة من المستوى الأعلى البالغ 54 مليار دولار قبل الانهيارات المالية والنقدية في خريف عام 2019، يكتسب تحديد المستوى المرجعي للناتج من قبل السلطة النقدية والمؤسسة المالية الدولية، أهمية استثنائية في ظل التوقعات المستجدة باستعادة مسار الانكماش الحاد للناتج اللبناني والمخاوف من انفلاش مرافق لمستويات الغلاء، بفعل العمليات الحربية المستعرة للشهر الثاني رغم تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع جديدة، والتداعيات المتواصلة للنزاع الإقليمي على الجبهة الإيرانية والحصار المزدوج المفروض على حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز الحيوي.

مصرف لبنان المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام)

مزيد من الضغوط

وبينما يواصل صندوق النقد حجب ترقباته الخاصة بأداء الاقتصاد المحلي على المديين القريب والمتوسط، لم يتردّد البنك المركزي عن إشهار تحذيره من أن تتراجع الأرقام الإيجابيّة المسجّلة بشكل ملحوظ في العام الحالي، نتيجة للحروب المحليّة والإقليميّة. وبالتنويه، «فإنّه من المتوقّع أن تُؤدّي هذه التوتّرات الأخيرة إلى مزيد من الضغوط على الماليّة العامّة وزيادة تكاليف إعادة الإعمار وتفاقم مَواطن الضعف القائمة في القطاع المالي، مما يُقوّض الاستقرار الماكرواقتصادي وآفاق النمو».

وبالفعل، فقد تسبّب التوغّل المستجد للبلاد في حال «عدم اليقين»، وارتفاع حدة المخاطر السيادية والعامة والتراجع الحاد في مجمل الأنشطة الاقتصادية، بارتفاع حاد في منسوب القلق الداخلي على المستويات كافة، من فقدان زخم النهوض النسبي الذي واكب انطلاق العهد الرئاسي وحكومته الأولى، وسط ترقبات أولية بانكماش محدث للناتج بنسبة لا تقل عن 7 في المائة هذا العام، معززاً بخسائر مادية مباشرة وغير مباشرة تناهز 5 مليارات دولار حتى الساعة، وباندفاع مؤشر أسعار الاستهلاك إلى تسجيل زيادة وازنة تعدّت نسبة 17 في المائة بنهاية الربع الأول من العام الحالي.

حاكم مصرف لبنان كريم سعيد مجتمعاً مع رئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رئاسة الحكومة)

المخاوف من تفاقم التوترات

ولم يعد خافياً في الأوساط العامة، شيوع المخاوف من تفاقم التوترات الداخلية المؤثرة تلقائياً على الاستقرار النسبي خارج مناطق العمليات العسكرية، فيما تتوالى إشارات الصعوبات الاقتصادية والمالية بفعل الانحدار الحاد في إيرادات الخزينة بنسبة تخطّت 35 في المائة خلال الشهرين الحالي والسابق، والانكفاء الأشد حدة في أنشطة مؤسسات القطاع الخاص، ولا سيما السياحية والفندقية والخدمية، والتي تنذر بموجات صرف للعمالة في قطاعات حيوية، تعقب الإجراءات التحوطية التي شملت فرض إجازات مؤقتة وخفض الرواتب أو «تعليق» دفعها بذريعة انعدام الموارد التشغيلية.

ويخشى فعلياً، وفق مسؤول مالي معني، من تداعيات أكثر إيلاماً تصيب مجمل الشرائح الاجتماعية في حال استمرار الحرب وذيولها، وخصوصاً لجهة الاستقرار النقدي وتراجع تدفقات التحويلات والسيولة وعجز وزارة المال عن الإيفاء بتعهد تحسين مداخيل القطاع العام، بسبب ضغوط الإنفاق المتزايدة والموجهة خصوصاً لمساعدة أكثر من مليون نازح.

سيارة تحمل مراتب مثبتة على سقفها تمر أمام لوحة إعلانية تحمل صورة العلم اللبناني (أ.ف.ب)

وبرز في هذا السياق، تأكيد البنك المركزي على استهداف الحفاظ على الاستقرار النقدي في كل الظروف، والعمل على إعادة ودائع المودعين حسب آليات قانون الانتظام المالي، واستعادة عافية القطاع المصرفي باعتباره شرطاً أساسياً لنمو الاقتصاد، وتعزيز المالية العامة للدولة، بما في ذلك ثبات العملة الوطنية، لتمكين الدولة من الإيفاء بكامل التزاماتها تجاه المواطنين وموظفي القطاع العام.

انتعاش العام الماضي

وكشفت مراجعة البنك المركزي أنّ الاقتصاد المحلي «أظهر بعض بوادر الانتعاش المتواضع في العام الماضي، حيث ساهم التحسّن الطفيف في مستوى الحوكمة المحليّة في تهيئة بيئة عمل أفضل للأنشطة الاقتصاديّة»، منوهاً بتحقّق إشارات إيجابيّة محليّاً ودوليّاً، ارتبطت بوجود «حكومة تتمتّع بصلاحيّات كاملة، مقارنةً بوضعيّة تصريف الأعمال للحكومة السابقة، والإقدام على إنشاء هيئات ناظمة لقطاعيّ الكهرباء والاتّصالات وتعزيز إجراءات الرقابة على الحدود».

وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ استئناف المحادثات مع صندوق النقد وتحسّن العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي، عزّزا التفاؤل، حسب التقرير، وإن بشكل حذر، بشأن زيادة المساعدات الخارجيّة وعودة رؤوس الأموال الدوليّة بشكل تدريجي.

وبالأرقام، تظهر إحصاءات مصرف لبنان زيادة اسميّة بنسبة 17.3 في المائة في واردات السلع الاستهلاكيّة والتي تُعد مؤشّراً للاستهلاك، إلا أنّه حذّر من أنّ هذه المستويات لا تزال أقل بنسبة 16.8 في المائة من متوسّط ​​مستواها المسجّل خلال الفترة الممتدّة بين عامي 2010 و2019.

الدخان يتصاعد عقب انفجارات في جنوب لبنان قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية (رويترز)

ونتج انتعاش الاستهلاك بشكل جزئي عن تحسن أوضاع السيولة، حيث تمّ رفع حدود السحوبات على دفعتين لصالح المودعين في البنوك بموجب التعميمين 158 و166. في حين انخفضت تدفّقات التحويلات الماليّة الواردة من اللبنانيين في الخارج والتي تشكّل أحد المصادر الرئيسية للاستهلاك بنسبة 2.7 في المائة على أساس سنوي، مع التنويه بالتعويض المرجّح من التدفقات غير المسجلة والزيادة الكبيرة بنسبة 64 في المائة في أعداد الوافدين خلال النصف الثاني من العام الماضي، وتنشيط حركة السياحة.

مزارع يحمل أوراق تبغ في حقل وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في قرية رأس العين قرب صور (رويترز)

وعلى صعيد الاستثمار، أشار البنك المركزي إلى أنّه في حين ارتفعت القيمة الاسميّة لواردات الآلات والمعدّات، والتي يمكن اعتبارها مؤشّراً لتكوين رأس المال، بنسبة 31.9 في المائة خلال العام الماضي، إلا أنّ هذه الأرقام لا تزال أقل بنحو 40 في المائة من المتوسّط المسجّل للفترة الممتدّة بين عامي 2010 و2019، مما يوحي بأنّ هذا التحسّن يعود إلى تأثير انخفاض قاعدة المقارنة وليس إلى حلقة استثمار مستدامة.

أما بالنسبة إلى الاستيراد، فقد ارتفع بدوره بنسبة 24.7 في المائة، ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 21.1 مليار دولار، أي ما يمثّل نحو 64 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، بينما ارتفعت الصادرات بنسبة 34.5 في المائة، لتصل إلى 3.6 مليار دولار، ما نتج عنه عجز تجاري مقداره 17.4 مليار دولار، يمثل عبئاً مؤثراً على نموّ الناتج المحلّي الإجمالي.