جنون الذكاء الاصطناعي يخلق أزمة جديدة في سلاسل الإمداد العالمية

نقص رقاقات الذاكرة يشعل سباق الأسعار بين شركات التكنولوجيا

الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا» جنسن هوانغ يتحدث قبل انطلاق مؤتمر تقنية وحدات معالجة الرسوميات في واشنطن - 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا» جنسن هوانغ يتحدث قبل انطلاق مؤتمر تقنية وحدات معالجة الرسوميات في واشنطن - 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

جنون الذكاء الاصطناعي يخلق أزمة جديدة في سلاسل الإمداد العالمية

الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا» جنسن هوانغ يتحدث قبل انطلاق مؤتمر تقنية وحدات معالجة الرسوميات في واشنطن - 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا» جنسن هوانغ يتحدث قبل انطلاق مؤتمر تقنية وحدات معالجة الرسوميات في واشنطن - 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

يُشعل النقص العالمي الحاد في رقاقات الذاكرة سباقاً محموماً بين شركات الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات الاستهلاكية، لتأمين إمدادات آخذة في التراجع، فيما ترتفع الأسعار لمكوّنات جوهرية في الأجهزة، رغم أنها لا تحظى ببريق الرقاقات المتقدمة.

ففي اليابان، بدأت متاجر الإلكترونيات في فرض قيود على شراء الأقراص الصلبة. وفي الصين، تحذر شركات تصنيع الهواتف الذكية من ارتفاعات مرتقَبة في الأسعار. كما تتنافس شركات التكنولوجيا العملاقة - بما فيها «مايكروسوفت» و«غوغل» و«بايت دانس» - على الحصول على إمدادات من مصنّعي رقاقات الذاكرة، مثل «ميكرون» و«سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس»، وفقاً لثلاثة مصادر مطلعة.

شعار «ميتا» أمام شعار «غوغل» في هذه الرسوم التوضيحية (رويترز)

ويمتد الضغط ليشمل جميع أنواع الذاكرة تقريباً، بدءاً من شرائح الفلاش المستخدمة في الهواتف وملحقات التخزين، وصولاً إلى ذاكرة النطاق الترددي العالي (إتش بي إم) التي تُعد العمود الفقري لرقاقات الذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات. وقد تضاعفت الأسعار في بعض الفئات منذ فبراير (شباط)، وفقاً لشركة الأبحاث «تريند فورس»؛ ما استقطب المتداولين الذين يراهنون على استمرار موجة الارتفاع، وفق «رويترز».

ولن تقتصر تداعيات ذلك على قطاع التكنولوجيا فقط؛ إذ يحذر اقتصاديون ومديرون تنفيذيون من أن النقص المطوَّل قد يُبطئ المكاسب الإنتاجية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، ويُعطّل مشاريع رقمية تُقدّر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات، فضلاً عن إضافة ضغوط تضخمية في وقت تكافح فيه اقتصادات عدة للسيطرة على الأسعار ومواجهة الرسوم التجارية الأميركية.

وقال سانشيت فير غوغيا، الرئيس التنفيذي لشركة «غريهاوند ريسيرش»: «تحوّل نقص الذاكرة من مشكلة مكوّنات إلى خطر ماكرو اقتصادي واضح». وأضاف: «إن التوسع السريع للذكاء الاصطناعي يصطدم بسلسلة إمداد غير قادرة على تلبية احتياجاته المادية».

ويعتمد هذا التحقيق من «رويترز» - الذي يستند إلى مقابلات مع نحو 40 شخصاً من بينهم 17 مديراً تنفيذياً في قطاع الرقاقات - على كشف ديناميكيات هذا السباق العالمي المتسارع لتأمين الرقاقات، وكيف أدَّت الزيادة الهائلة في الطلب على أشباه الموصلات عالية الأداء، بقيادة «إنفيديا» وشركات مثل «غوغل» و«مايكروسوفت» و«علي بابا»، إلى مشكلتين أساسيتين:

الأولى: استمرار العجز في إنتاج رقاقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

والثانية: تحويل الموارد نحو أكثر المنتجات ربحية، مثل «إتش بي إم»، على حساب الذاكرة التقليدية، ما أدى إلى نقص في إمدادات الهواتف الذكية والحواسيب والإلكترونيات.

وتكشف المعلومات المنشورة لأول مرة حجم السباق المحموم على الإمدادات ووتيرة ارتفاع الأسعار التي يلاحظها تجار الإلكترونيات والمورّدون في الصين واليابان.

رقائق في جناح بسوق هواشيانغبي للإلكترونيات بمقاطعة قوانغدونغ في شنتشن بالصين (رويترز)

وكان متوسط مستويات المخزون لدى مورّدي ذاكرة «درام» - المستخدمة أساساً في الحواسيب والهواتف - قد انخفض إلى ما يتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع في أكتوبر (تشرين الأول)، مقارنة بثلاثة إلى ثمانية أسابيع في يوليو (تموز)، و13 إلى 17 أسبوعاً في أواخر 2024، بحسب «تريند فورس».

يأتي هذا التوتر في وقت يتساءل فيه المستثمرون عمّا إذا كانت الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد خلقت فقاعة جديدة؛ إذ يتوقع محللون أن يحدث فَرْز في السوق، بحيث تبقى الشركات الأكبر والأقوى مالياً فقط قادرة على استيعاب ارتفاع الأسعار.

وقال أحد المديرين التنفيذيين لشركات الذاكرة لـ«رويترز» إن النقص سيؤخر مشاريع مراكز البيانات المستقبلية، مشيراً إلى أن إنشاء طاقة إنتاجية جديدة يحتاج إلى عامين على الأقل، بينما تخشى الشركات الإفراط في التوسع خشية تراجع الطلب وظهور فائض إنتاج.

وأعلنت «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» عن خطط استثمار لزيادة الطاقة الإنتاجية، لكنهما لم تفصحا عن نسب مخصّصة بين «إتش بي إم» والذاكرة التقليدية.

وبحسب تقرير صادر عن «سيتي»، أبلغت «إس كيه هاينكس» المحللين بأن النقص سيستمر حتى أواخر 2027.

وقال تشوي تاي - وون، رئيس مجموعة «إس كيه هاينكس»، الشهر الماضي: «نتلقى طلبات من عدد هائل من الشركات لدرجة نشعر معها بالقلق بشأن قدرتنا على تلبية الطلب. وإذا فشلنا، فقد تجد بعض الشركات نفسها غير قادرة على الاستمرار في أعمالها». وكانت «أوبن إيه آي» قد وقّعت، في أكتوبر، اتفاقات أولية مع «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» لتوريد رقاقات لمشروع «ستارغيت»، الذي قد يتطلب ما يصل إلى 900 ألف رقاقة شهرياً بحلول 2029 - أي نحو ضعف الإنتاج العالمي الشهري الحالي من «إتش بي إم».

شرائح الذاكرة من شركة أشباه الموصلات الكورية الجنوبية «إس كيه هاينكس» تظهر على لوحة كمبيوتر (رويترز)

وقالت «سامسونغ» إنها تراقب السوق دون تعليق على الأسعار أو علاقات العملاء، بينما ذكرت «إس كيه هاينكس» أنها تعمل على زيادة الطاقة الإنتاجية.

نتوسل للحصول على الإمدادات

منذ إطلاق «تشات جي بي تي» في نوفمبر 2022، دفع سباق بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الشركات إلى توجيه إنتاج متزايد نحو ذاكرة «إتش بي إم»، المستخدمة في معالجات «إنفيديا».

كما أدَّت المنافسة مع الشركات الصينية المنتجة لذاكرة «درام» منخفضة الفئة - مثل «تقنيات ذاكرة تشانغشين» - إلى دفع «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» نحو المنتجات الأعلى هامشاً. وتستحوذ الشركتان الكوريتان على ثلثَيْ سوق «درام» العالمية.

وفي مايو (أيار) 2024، أبلغت «سامسونغ» عملاءها بأنها ستوقف إنتاج أحد أنواع «دي دي آر 4» هذا العام، وفق رسالة اطلعت عليها «رويترز»، قبل أن تعود وتعدّل خطتها لاحقاً. وفي يونيو (حزيران)، قالت «ميكرون» إنها ستوقف شحن «دي دي آر 4» و«إل بي دي دي آر 4» خلال ستة إلى تسعة أشهر.

كما أوقفت «تشانغشين» معظم إنتاج «دي دي آر 4»، بحسب مصادر.

وتزامن هذا التحوُّل مع دورة استبدال متسارعة للخوادم والحواسيب، وزيادة غير متوقَّعة في مبيعات الهواتف الذكية المعتمدة على الذاكرة التقليدية. وقال دان هاتشسون من «تيك إنسايتس»: «بأثر رجعي، يبدو أن القطاع كان غير مستعد». وكانت «رويترز» قد كشفت أن «سامسونغ» رفعت أسعار رقاقات ذاكرة الخوادم بنسبة تصل إلى 60 في المائة الشهر الماضي.

وأقرّ جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا»، بأن الأسعار شهدت «ارتفاعات كبيرة»، لكنه قال إن شركته أمّنت احتياجاتها.

وفي أكتوبر، طالبت «غوغل» و«أمازون» و«مايكروسوفت» و«ميتا ميكرون» بفتح الطلبات، وأعلنت استعدادها لشراء أي كميات متاحة، بغضّ النظر عن السعر.

كما توجهت شركات التكنولوجيا الصينية - «علي بابا»، «بايت دانس»، «تينسنت» - إلى كوريا الجنوبية خلال أكتوبر ونوفمبر لطلب إمدادات إضافية.

وقال أحد المصادر: «الجميع يتوسل للحصول على الإمدادات».

وفي أكتوبر، قالت «إس كيه هاينكس» إن كامل إنتاجها لعام 2026 مبيع، بينما ضمنت «سامسونغ» عملاء لذاكرة «إتش بي إم» لعام 2025. وتعمل الشركتان على توسيع الطاقة الإنتاجية، لكن مصانع الذاكرة التقليدية الجديدة لن تكون جاهزة قبل 2027 أو 2028.

وقد ارتفعت أسهم «ميكرون» و«سامسونغ» وإ«س كيه هاينكس» بدعم من الطلب. وتوقعت «ميكرون» نتائج فصلية قوية، فيما أعلنت «سامسونغ» عن أكبر أرباح ربع سنوية منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وتتوقع «كاونتربوينت ريسيرش» ارتفاع الأسعار بنحو 30 في المائة حتى الربع الرابع، مع زيادات إضافية بنسبة 20 في المائة في أوائل 2026.

صدمة أسعار الهواتف الذكية

وحذرت شركات، مثل «شاومي» و«ريلمي» من أن ارتفاع تكاليف الذاكرة قد يفرض زيادات كبيرة في الأسعار. وقال فرانسيس وونغ، رئيس التسويق في «ريلمي» الهند، إن هذه الزيادات «غير مسبوقة منذ ظهور الهواتف الذكية»، وقد تضطر الشركة لرفع الأسعار بين 20 و30 في المائة بحلول يونيو (حزيران).

وأوضح أن تكاليف التخزين لا يمكن تخفيضها، بخلاف المكوّنات الأخرى مثل الكاميرات والبطاريات، ما يجعل تأثيرها مباشراً على الشركات والمستهلكين.

وقالت «شاومي» إنها ستعوض تكاليف الذاكرة عبر زيادة الأسعار والاعتماد على مبيعات الهواتف المميزة.

رقاقة ذكاء اصطناعي «ترانيوم 3» من إنتاج «أمازون ويب سيرفيسز» (رويترز)

وفي نوفمبر، قالت «آسوس» إن لديها مخزوناً يكفي أربعة أشهر، وستعدّل الأسعار عند الحاجة.

وأعلنت «وينبوند» - التي تمثل 1 في المائة من سوق «درام» - عن توسعة طاقتها الإنتاجية، مع زيادة الإنفاق الرأسمالي إلى 1.1 مليار دولار.

وقالت رئيسة «وينبوند»: «العديد من العملاء يأتون إلينا طالبين المساعدة، وطلب أحدهم عقداً طويل الأجل لست سنوات».

اندفاع المتداولين

وفي أكيهابارا بطوكيو، فرضت المتاجر قيود شراء لمنع الاكتناز. وأفاد موظفو متاجر عدة بأن الأسعار ارتفعت بشدة، وأن ثلث المنتجات تقريباً نفد.

فقد ارتفع سعر ذاكرة «دي دي آر 5» بسعة 32 غيغابايت إلى أكثر من 47 ألف ين، مقارنة بنحو 17 ألف ين في منتصف أكتوبر، بينما تجاوزت مجموعات 128 غيغابايت حاجز 180 ألف ين.

ودفع ذلك كثيرين إلى الأسواق المستعملة، ما زاد الطلب لدى متاجر، مثل «آيكون»، وفق مالكها رومان ياماشيتا.

وفي الصين، قالت إيفا وو من «بولاريس موبيليتي» إن الأسعار تتغير بوتيرة تجعل الموزعين يصدرون عروض أسعار يومية، بل كل ساعة في بعض الحالات.

وقالت بائعة في بكين إنها خزّنت 20 ألف رقاقة «دي دي آر 4» تحسباً لمزيد من الارتفاع.

وفي كاليفورنيا، قال بول كورونادو - الذي يبيع رقاقات مستعملة - إن مبيعاته قفزت من 500 ألف دولار شهرياً إلى ما بين 800 و900 ألف دولار، مع شراء معظم عملائه من الوسطاء في هونغ كونغ.


مقالات ذات صلة

دراسة من «MIT»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام لا الوظائف فقط

تكنولوجيا الدراسة ترى أن تقدم الذكاء الاصطناعي في العمل يحدث تدريجياً عبر نطاق واسع من المهام لا عبر صدمات مفاجئة (رويترز)

دراسة من «MIT»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام لا الوظائف فقط

تظهر دراسة «MIT» أن الذكاء الاصطناعي يتقدم تدريجياً في إنجاز المهام مع تفاوت قطاعي وفجوة مستمرة في الاعتمادية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

جهود حثيثة من أميركا اللاتينية إلى آسيا

كريس ستوكل - والكر (واشنطن)
علوم «الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

بخلاف الدماغ البشري حيث تترابط المعارف وقدرات حل المشكلات..

كيد ميتز (نيويورك)
الاقتصاد شعار شركة «تي إس إم سي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

قفزة بـ58 % في الأرباح... «تي إس إم سي» تُحكم قبضتها على مستقبل الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي)، يوم الخميس عن قفزة بنسبة 58 في المائة في أرباح الربع الأول، مسجِّلة مستويات قياسية فاقت توقعات السوق.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
المشرق العربي أشخاص يمرون أمام لافتة تعرض صور الصحافييَن فاطمة فتوني وعلي شعيب اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال مظاهرة في بغداد 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«رابطة الصحافة الأجنبية» تتهم الجيش الإسرائيلي بفبركة صورة لصحافي لبناني لتبرير قتله

هاجمت «رابطة الصحافة الأجنبية» الجيش الإسرائيلي بسبب صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي استخدمها لاتهام صحافي لبناني قتله الشهر الماضي بأنه عضو في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.