جنون الذكاء الاصطناعي يخلق أزمة جديدة في سلاسل الإمداد العالمية

نقص رقاقات الذاكرة يشعل سباق الأسعار بين شركات التكنولوجيا

الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا» جنسن هوانغ يتحدث قبل انطلاق مؤتمر تقنية وحدات معالجة الرسوميات في واشنطن - 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا» جنسن هوانغ يتحدث قبل انطلاق مؤتمر تقنية وحدات معالجة الرسوميات في واشنطن - 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

جنون الذكاء الاصطناعي يخلق أزمة جديدة في سلاسل الإمداد العالمية

الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا» جنسن هوانغ يتحدث قبل انطلاق مؤتمر تقنية وحدات معالجة الرسوميات في واشنطن - 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا» جنسن هوانغ يتحدث قبل انطلاق مؤتمر تقنية وحدات معالجة الرسوميات في واشنطن - 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

يُشعل النقص العالمي الحاد في رقاقات الذاكرة سباقاً محموماً بين شركات الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات الاستهلاكية، لتأمين إمدادات آخذة في التراجع، فيما ترتفع الأسعار لمكوّنات جوهرية في الأجهزة، رغم أنها لا تحظى ببريق الرقاقات المتقدمة.

ففي اليابان، بدأت متاجر الإلكترونيات في فرض قيود على شراء الأقراص الصلبة. وفي الصين، تحذر شركات تصنيع الهواتف الذكية من ارتفاعات مرتقَبة في الأسعار. كما تتنافس شركات التكنولوجيا العملاقة - بما فيها «مايكروسوفت» و«غوغل» و«بايت دانس» - على الحصول على إمدادات من مصنّعي رقاقات الذاكرة، مثل «ميكرون» و«سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس»، وفقاً لثلاثة مصادر مطلعة.

شعار «ميتا» أمام شعار «غوغل» في هذه الرسوم التوضيحية (رويترز)

ويمتد الضغط ليشمل جميع أنواع الذاكرة تقريباً، بدءاً من شرائح الفلاش المستخدمة في الهواتف وملحقات التخزين، وصولاً إلى ذاكرة النطاق الترددي العالي (إتش بي إم) التي تُعد العمود الفقري لرقاقات الذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات. وقد تضاعفت الأسعار في بعض الفئات منذ فبراير (شباط)، وفقاً لشركة الأبحاث «تريند فورس»؛ ما استقطب المتداولين الذين يراهنون على استمرار موجة الارتفاع، وفق «رويترز».

ولن تقتصر تداعيات ذلك على قطاع التكنولوجيا فقط؛ إذ يحذر اقتصاديون ومديرون تنفيذيون من أن النقص المطوَّل قد يُبطئ المكاسب الإنتاجية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، ويُعطّل مشاريع رقمية تُقدّر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات، فضلاً عن إضافة ضغوط تضخمية في وقت تكافح فيه اقتصادات عدة للسيطرة على الأسعار ومواجهة الرسوم التجارية الأميركية.

وقال سانشيت فير غوغيا، الرئيس التنفيذي لشركة «غريهاوند ريسيرش»: «تحوّل نقص الذاكرة من مشكلة مكوّنات إلى خطر ماكرو اقتصادي واضح». وأضاف: «إن التوسع السريع للذكاء الاصطناعي يصطدم بسلسلة إمداد غير قادرة على تلبية احتياجاته المادية».

ويعتمد هذا التحقيق من «رويترز» - الذي يستند إلى مقابلات مع نحو 40 شخصاً من بينهم 17 مديراً تنفيذياً في قطاع الرقاقات - على كشف ديناميكيات هذا السباق العالمي المتسارع لتأمين الرقاقات، وكيف أدَّت الزيادة الهائلة في الطلب على أشباه الموصلات عالية الأداء، بقيادة «إنفيديا» وشركات مثل «غوغل» و«مايكروسوفت» و«علي بابا»، إلى مشكلتين أساسيتين:

الأولى: استمرار العجز في إنتاج رقاقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

والثانية: تحويل الموارد نحو أكثر المنتجات ربحية، مثل «إتش بي إم»، على حساب الذاكرة التقليدية، ما أدى إلى نقص في إمدادات الهواتف الذكية والحواسيب والإلكترونيات.

وتكشف المعلومات المنشورة لأول مرة حجم السباق المحموم على الإمدادات ووتيرة ارتفاع الأسعار التي يلاحظها تجار الإلكترونيات والمورّدون في الصين واليابان.

رقائق في جناح بسوق هواشيانغبي للإلكترونيات بمقاطعة قوانغدونغ في شنتشن بالصين (رويترز)

وكان متوسط مستويات المخزون لدى مورّدي ذاكرة «درام» - المستخدمة أساساً في الحواسيب والهواتف - قد انخفض إلى ما يتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع في أكتوبر (تشرين الأول)، مقارنة بثلاثة إلى ثمانية أسابيع في يوليو (تموز)، و13 إلى 17 أسبوعاً في أواخر 2024، بحسب «تريند فورس».

يأتي هذا التوتر في وقت يتساءل فيه المستثمرون عمّا إذا كانت الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد خلقت فقاعة جديدة؛ إذ يتوقع محللون أن يحدث فَرْز في السوق، بحيث تبقى الشركات الأكبر والأقوى مالياً فقط قادرة على استيعاب ارتفاع الأسعار.

وقال أحد المديرين التنفيذيين لشركات الذاكرة لـ«رويترز» إن النقص سيؤخر مشاريع مراكز البيانات المستقبلية، مشيراً إلى أن إنشاء طاقة إنتاجية جديدة يحتاج إلى عامين على الأقل، بينما تخشى الشركات الإفراط في التوسع خشية تراجع الطلب وظهور فائض إنتاج.

وأعلنت «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» عن خطط استثمار لزيادة الطاقة الإنتاجية، لكنهما لم تفصحا عن نسب مخصّصة بين «إتش بي إم» والذاكرة التقليدية.

وبحسب تقرير صادر عن «سيتي»، أبلغت «إس كيه هاينكس» المحللين بأن النقص سيستمر حتى أواخر 2027.

وقال تشوي تاي - وون، رئيس مجموعة «إس كيه هاينكس»، الشهر الماضي: «نتلقى طلبات من عدد هائل من الشركات لدرجة نشعر معها بالقلق بشأن قدرتنا على تلبية الطلب. وإذا فشلنا، فقد تجد بعض الشركات نفسها غير قادرة على الاستمرار في أعمالها». وكانت «أوبن إيه آي» قد وقّعت، في أكتوبر، اتفاقات أولية مع «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» لتوريد رقاقات لمشروع «ستارغيت»، الذي قد يتطلب ما يصل إلى 900 ألف رقاقة شهرياً بحلول 2029 - أي نحو ضعف الإنتاج العالمي الشهري الحالي من «إتش بي إم».

شرائح الذاكرة من شركة أشباه الموصلات الكورية الجنوبية «إس كيه هاينكس» تظهر على لوحة كمبيوتر (رويترز)

وقالت «سامسونغ» إنها تراقب السوق دون تعليق على الأسعار أو علاقات العملاء، بينما ذكرت «إس كيه هاينكس» أنها تعمل على زيادة الطاقة الإنتاجية.

نتوسل للحصول على الإمدادات

منذ إطلاق «تشات جي بي تي» في نوفمبر 2022، دفع سباق بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الشركات إلى توجيه إنتاج متزايد نحو ذاكرة «إتش بي إم»، المستخدمة في معالجات «إنفيديا».

كما أدَّت المنافسة مع الشركات الصينية المنتجة لذاكرة «درام» منخفضة الفئة - مثل «تقنيات ذاكرة تشانغشين» - إلى دفع «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» نحو المنتجات الأعلى هامشاً. وتستحوذ الشركتان الكوريتان على ثلثَيْ سوق «درام» العالمية.

وفي مايو (أيار) 2024، أبلغت «سامسونغ» عملاءها بأنها ستوقف إنتاج أحد أنواع «دي دي آر 4» هذا العام، وفق رسالة اطلعت عليها «رويترز»، قبل أن تعود وتعدّل خطتها لاحقاً. وفي يونيو (حزيران)، قالت «ميكرون» إنها ستوقف شحن «دي دي آر 4» و«إل بي دي دي آر 4» خلال ستة إلى تسعة أشهر.

كما أوقفت «تشانغشين» معظم إنتاج «دي دي آر 4»، بحسب مصادر.

وتزامن هذا التحوُّل مع دورة استبدال متسارعة للخوادم والحواسيب، وزيادة غير متوقَّعة في مبيعات الهواتف الذكية المعتمدة على الذاكرة التقليدية. وقال دان هاتشسون من «تيك إنسايتس»: «بأثر رجعي، يبدو أن القطاع كان غير مستعد». وكانت «رويترز» قد كشفت أن «سامسونغ» رفعت أسعار رقاقات ذاكرة الخوادم بنسبة تصل إلى 60 في المائة الشهر الماضي.

وأقرّ جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا»، بأن الأسعار شهدت «ارتفاعات كبيرة»، لكنه قال إن شركته أمّنت احتياجاتها.

وفي أكتوبر، طالبت «غوغل» و«أمازون» و«مايكروسوفت» و«ميتا ميكرون» بفتح الطلبات، وأعلنت استعدادها لشراء أي كميات متاحة، بغضّ النظر عن السعر.

كما توجهت شركات التكنولوجيا الصينية - «علي بابا»، «بايت دانس»، «تينسنت» - إلى كوريا الجنوبية خلال أكتوبر ونوفمبر لطلب إمدادات إضافية.

وقال أحد المصادر: «الجميع يتوسل للحصول على الإمدادات».

وفي أكتوبر، قالت «إس كيه هاينكس» إن كامل إنتاجها لعام 2026 مبيع، بينما ضمنت «سامسونغ» عملاء لذاكرة «إتش بي إم» لعام 2025. وتعمل الشركتان على توسيع الطاقة الإنتاجية، لكن مصانع الذاكرة التقليدية الجديدة لن تكون جاهزة قبل 2027 أو 2028.

وقد ارتفعت أسهم «ميكرون» و«سامسونغ» وإ«س كيه هاينكس» بدعم من الطلب. وتوقعت «ميكرون» نتائج فصلية قوية، فيما أعلنت «سامسونغ» عن أكبر أرباح ربع سنوية منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وتتوقع «كاونتربوينت ريسيرش» ارتفاع الأسعار بنحو 30 في المائة حتى الربع الرابع، مع زيادات إضافية بنسبة 20 في المائة في أوائل 2026.

صدمة أسعار الهواتف الذكية

وحذرت شركات، مثل «شاومي» و«ريلمي» من أن ارتفاع تكاليف الذاكرة قد يفرض زيادات كبيرة في الأسعار. وقال فرانسيس وونغ، رئيس التسويق في «ريلمي» الهند، إن هذه الزيادات «غير مسبوقة منذ ظهور الهواتف الذكية»، وقد تضطر الشركة لرفع الأسعار بين 20 و30 في المائة بحلول يونيو (حزيران).

وأوضح أن تكاليف التخزين لا يمكن تخفيضها، بخلاف المكوّنات الأخرى مثل الكاميرات والبطاريات، ما يجعل تأثيرها مباشراً على الشركات والمستهلكين.

وقالت «شاومي» إنها ستعوض تكاليف الذاكرة عبر زيادة الأسعار والاعتماد على مبيعات الهواتف المميزة.

رقاقة ذكاء اصطناعي «ترانيوم 3» من إنتاج «أمازون ويب سيرفيسز» (رويترز)

وفي نوفمبر، قالت «آسوس» إن لديها مخزوناً يكفي أربعة أشهر، وستعدّل الأسعار عند الحاجة.

وأعلنت «وينبوند» - التي تمثل 1 في المائة من سوق «درام» - عن توسعة طاقتها الإنتاجية، مع زيادة الإنفاق الرأسمالي إلى 1.1 مليار دولار.

وقالت رئيسة «وينبوند»: «العديد من العملاء يأتون إلينا طالبين المساعدة، وطلب أحدهم عقداً طويل الأجل لست سنوات».

اندفاع المتداولين

وفي أكيهابارا بطوكيو، فرضت المتاجر قيود شراء لمنع الاكتناز. وأفاد موظفو متاجر عدة بأن الأسعار ارتفعت بشدة، وأن ثلث المنتجات تقريباً نفد.

فقد ارتفع سعر ذاكرة «دي دي آر 5» بسعة 32 غيغابايت إلى أكثر من 47 ألف ين، مقارنة بنحو 17 ألف ين في منتصف أكتوبر، بينما تجاوزت مجموعات 128 غيغابايت حاجز 180 ألف ين.

ودفع ذلك كثيرين إلى الأسواق المستعملة، ما زاد الطلب لدى متاجر، مثل «آيكون»، وفق مالكها رومان ياماشيتا.

وفي الصين، قالت إيفا وو من «بولاريس موبيليتي» إن الأسعار تتغير بوتيرة تجعل الموزعين يصدرون عروض أسعار يومية، بل كل ساعة في بعض الحالات.

وقالت بائعة في بكين إنها خزّنت 20 ألف رقاقة «دي دي آر 4» تحسباً لمزيد من الارتفاع.

وفي كاليفورنيا، قال بول كورونادو - الذي يبيع رقاقات مستعملة - إن مبيعاته قفزت من 500 ألف دولار شهرياً إلى ما بين 800 و900 ألف دولار، مع شراء معظم عملائه من الوسطاء في هونغ كونغ.


مقالات ذات صلة

غورغييفا: مخاطر الذكاء الاصطناعي قد تفوق فرصه في غياب الضمانات

الاقتصاد كريستالينا غورغييفا خلال مشاركتها في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين ببانكوك (أ.ف.ب)

غورغييفا: مخاطر الذكاء الاصطناعي قد تفوق فرصه في غياب الضمانات

قالت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، يوم الجمعة، إن مخاطر الذكاء الاصطناعي قد تفوق الفرص التي يتيحها في غياب ضمانات كافية وإطار أخلاقي.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في «بنك هانا» بسيول (إ.ب.أ)

الأسواق الآسيوية تنتعش... وتحذير مالي يضرب أسهم إندونيسيا

ارتفعت معظم الأسهم الآسيوية، الجمعة، بعد تراجع أسهم التكنولوجيا في اليوم السابق، بينما هوت سوق الأسهم الإندونيسية عقب تحذير من احتمال خفض تصنيف البلاد الائتماني

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ )
الاقتصاد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش يشارك في جلسة حوارية ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)

رئيس «الفيدرالي» يتحفظ بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة

تجنّب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفن وارش، إعطاء إشارات بشأن مسار أسعار الفائدة، مكتفياً بالتأكيد على التزام البنك بتحقيق استقرار الأسعار.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار واليورو (رويترز)

تراجع الدولار يتيح لليورو التعافي من أدنى مستوى في 17 شهراً

تراجع الدولار يوم الجمعة، متجهاً نحو تسجيل أول انخفاض أسبوعي له في خمسة أسابيع، ما أتاح لليورو التعافي من أدنى مستوى له في 17 شهراً.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

غورغييفا: مخاطر الذكاء الاصطناعي قد تفوق فرصه في غياب الضمانات

كريستالينا غورغييفا خلال مشاركتها في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين ببانكوك (أ.ف.ب)
كريستالينا غورغييفا خلال مشاركتها في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين ببانكوك (أ.ف.ب)
TT

غورغييفا: مخاطر الذكاء الاصطناعي قد تفوق فرصه في غياب الضمانات

كريستالينا غورغييفا خلال مشاركتها في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين ببانكوك (أ.ف.ب)
كريستالينا غورغييفا خلال مشاركتها في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين ببانكوك (أ.ف.ب)

قالت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، يوم الجمعة، إن مخاطر الذكاء الاصطناعي قد تفوق الفرص التي يتيحها في غياب ضمانات كافية وإطار أخلاقي، مؤيدةً نهجاً يجمع بين التنظيم الذاتي للقطاع ومشارَكة الحكومات الرئيسية.

وتصدرَّت هذه التكنولوجيا الناشئة مناقشات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين، المنعقدة هذا الأسبوع في بانكوك. وكان صندوق النقد الدولي قد حذَّر يوم الثلاثاء من مخاطر جسيمة تهدِّد النمو والاستقرار المالي، في ظلِّ احتمالات انتهاء طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وارتفاع مستويات الديون، واستمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وخلال حلقة نقاش، شارك فيها جاك كلارك أحد مؤسسي شركة «أنثروبيك»، أشارت غورغييفا إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في تعزيز الاقتصاد العالمي، لكنه قد يتسبب أيضاً في صدمات سلبية إذا لم يحقِّق مكاسب كبيرة في الإنتاجية بالسرعة المأمولة.

وقالت: «في غياب الضمانات، قد تفوق المخاطر الفرص. والأهم من ذلك، نحن بحاجة ماسة إلى أساس أخلاقي، ولست متأكدة مما إذا كنا قد وصلنا إلى هذه المرحلة بوصفنا مجتمعاً».

وأضافت غورغييفا أن تمكين الناس في مختلف أنحاء العالم من الاستفادة من هذه التكنولوجيا سريعة التطور يتطلب توافر شروط مسبقة، من بينها البنية التحتية الرقمية والكهرباء والأطر التنظيمية الملائمة.

وأوضحت أن التحدي الأكبر يتمثَّل حالياً في كيفية وضع ضوابط وقائية لتكنولوجيا تتطور بوتيرة فائقة السرعة، مشبهةً تطورات الذكاء الاصطناعي بسيارات سباق «فورمولا 1» تنطلق بسرعة هائلة من دون حواجز تحمي الجمهور.

معايير قائمة على المنطق السليم

رأت غورغييفا أن التنظيم الذاتي للقطاع يمثل خياراً مناسباً، نظراً إلى أن الحكومات ليست في وضع مثالي لتنظيم قطاع يشهد تغيُّرات متواصلة أو الإشراف عليه. لكنها شدَّدت في الوقت نفسه على ضرورة إشراك المجتمع في هذه العملية.

وأضافت أن الدول التي تمتلك أكبر قطاعات الذكاء الاصطناعي، مثل الولايات المتحدة والصين والهند، إلى جانب الدول المشارِكة في سلاسل توريد هذه التكنولوجيا، ينبغي أن تكون جزءاً من هذا المسار.

وأكدت أيضاً ضرورة مشاركة المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، في حدود اختصاصاتها، لا سيما فيما يتعلق بنمو الإنتاجية وأسواق العمل والمخاطر التي تهدِّد الاستقرار المالي.

وقال كلارك، مواصلاً التشبيه، إن الأمر «أشبه بسباقات فورمولا 1 ليلاً، لكن ربما من دون مكابح في السيارات». وأكد أن وضع المعايير أمر ممكن، مشيراً إلى أنه بدأ بالفعل من خلال أطر السياسات الأولية في الاتحاد الأوروبي والالتزامات الطوعية في الولايات المتحدة.

وأوضح أن شركته تجري اختبارات دورية لأنظمتها، وتنشر تفاصيل هذه الاختبارات وتتبادل المعلومات المتعلقة بها، لكنه أشار إلى أن الاعتماد على الالتزامات الطوعية وحدها لا يكفي.

ورداً على سؤال بشأن تأييده فرض الدول التي تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي قواعد تنظيمية عليها، أجاب كلارك: «نعم. نحن بحاجة إلى معايير قائمة على المنطق السليم؛ فهذه هي الطريقة المثلى لتعزيز الثقة في التكنولوجيا وبناء الاقتصاد».

وأضاف أن «أنثروبيك» استعانت بجهات تقييم خارجية ومنحتها صلاحيات للاطلاع على البيانات، قائلاً: «نعتقد في نهاية المطاف أن على كثيرين غيرنا القيام بالشيء نفسه». ورحَّب في الوقت نفسه بتصريح إيلون ماسك بأن شركته «سبايس إكس» قد تتبع النهج ذاته.

ذكاء اصطناعي... أم «ذكاء فائق»؟

من جانبها، قالت إيرين براون، وكيلة وزارة الخزانة الأميركية، خلال مؤتمر صحافي منفصل، إن صندوق النقد الدولي يركز بصورة مفرطة على المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي، وينبغي له إيلاء اهتمام أكبر للفرص التي قد تفضي إلى طفرات اقتصادية إيجابية، مثل الذكاء الاصطناعي، الذي باتت الحكومة الأميركية تطلق عليه اسم «الذكاء الفائق».

وفي تصريح لوكالة «رويترز» يوم الخميس، قالت براون إن واشنطن تجري محادثات مع مساهمين آخرين في صندوق النقد الدولي لاعتماد المصطلح الجديد في بيان مشترك تعمل اللجنة التوجيهية للصندوق على صياغته.

من جهته، أعرب أندرو بيلي، محافظ «بنك إنجلترا»، خلال اجتماع لـ«معهد التمويل الدولي»، عن تفاؤله، بدرجة أكبر مما كان عليه قبل شهر، بإمكانية توصُّل الدول إلى توافق بشأن معايير اختبار تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقال مازحاً: «لست متأكداً مما إذا كان ينبغي لنا الحديث عن الذكاء الاصطناعي الآن! لقد استخدمت مؤخراً عبارة (الكيان الذي كان يُعرف سابقاً باسم الذكاء الاصطناعي)».

كما شارك رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش، في نقاش منفصل، موجهاً حديثه إلى غورغييفا بالقول: «كريستالينا، أنتم تسمونه (الذكاء الاصطناعي)، أما في الولايات المتحدة فنحن نطلق عليه الآن اسم (الذكاء الفائق)».


اضطرابات السندات الأوروبية تثير مخاوف بشأن مخاطر صناديق التحوط

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

اضطرابات السندات الأوروبية تثير مخاوف بشأن مخاطر صناديق التحوط

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

أظهرت موجة البيع الحادة التي شهدتها السندات الحكومية الأوروبية، هذا الشهر، كيف أن الدور المتنامي لصناديق التحوط يجعل إحدى الأسواق ذات الأهمية النظامية أكثر عرضة للاضطرابات، وهو خطر يراقبه المنظمون عن كثب.

ظاهرياً، كانت أسباب ارتفاع عوائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياتها في 24 عاماً واضحة، وتشمل ازدياد أعباء الدين الحكومي، والتضخم الذي تؤججه تكاليف الطاقة المرتفعة، والمنافسة على رؤوس الأموال الناجمة عن الطفرة العالمية في مراكز البيانات، التي تدعم النمو الاقتصادي.

لكن بعض المستثمرين قالوا إن حجم التحركات وسرعتها يشيران إلى أن صناديق التحوط كانت تغذي التقلبات في السوق، من خلال التخارج السريع من مراكزها الاستثمارية، وفق «رويترز».

ولم يسبق الارتفاعات اليومية الكبيرة وغير المعتادة في العوائد، التي تجاوزت 10 نقاط أساس، محفز واضح. كما ارتفع الفارق الذي يطلبه المستثمرون للاحتفاظ بالسندات الفرنسية بدلاً من الألمانية بنحو 25 نقطة أساس خلال يومين، في أكبر زيادة من نوعها منذ أزمة ديون منطقة اليورو. وترتفع العوائد عندما تنخفض أسعار السندات.

ويقدّر البنك المركزي الأوروبي أن صناديق التحوط تستحوذ على أكثر من نصف التداولات في سوق السندات الحكومية الأوروبية، التي تبلغ قيمتها نحو 13 تريليون دولار، مقارنة بنحو 30 في المائة في عام 2020. ويقول صندوق النقد الدولي إن انكشاف صناديق التحوط على السندات السيادية تضاعف أكثر من مرتين منذ عام 2022، من دون تحديد إجمالي قيمته.

وقالت لوريلين رينو-شاتلان، مسؤولة استراتيجية الدخل الثابت في «بيكتت لإدارة الثروات»: «تضخم مجتمع صناديق التحوط بشكل كبير. وهذا يؤدي إلى مزيد من التقلبات في سوق السندات، وقد يفسر شدة موجة البيع في فرنسا، في وقت لم يكن فيه هناك محفز حقيقي واضح».

صناديق التحوط قد تضخم تحركات الأسعار

تدير صناديق التحوط أصولاً تتجاوز قيمتها 40 تريليون دولار، بما يشمل الأموال المقترضة التي تستخدمها لزيادة الرافعة المالية في رهاناتها، فضلاً عن انكشافها من خلال المشتقات المالية، وفقاً لصندوق النقد الدولي. ونادراً ما تكشف هذه الصناديق تفاصيل استثماراتها، كما تراهن على انخفاض أسعار الأصول وارتفاعها على حد سواء.

وتكتسب أنشطة هذه الصناديق في تداول الديون السيادية أهمية خاصة، نظراً إلى تأثيرها في قدرة الحكومات على التمويل، وهو ما قد ينعكس بدوره على تكاليف الاقتراض للشركات والأسر.

وقال صندوق النقد الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) إن زيادة نشاط التداول لدى صناديق التحوط قد «تفاقم اختلالات الأسعار وضغوط السيولة خلال فترات التوتر». وأشار إلى مخاطر الاقتراض الذي تلجأ إليه هذه الصناديق، فضلاً عن تركز الاستثمارات في صفقات متشابهة، بحيث تتخذ صناديق عديدة مراكز متقاربة.

ورفضت الهيئة الأوروبية للأوراق المالية والأسواق، الجهة الرقابية المالية في المنطقة، التعليق على هذا التقرير.

وقال برونو شنيلر، الشريك الإداري في شركة «إيرلن كابيتال مانجمنت»، التي تستثمر في صناديق التحوط، إن بعض الاستراتيجيات الشائعة لدى هذه الصناديق تتأثر بشدة بتغيرات الأسعار والتقلبات.

وتشمل هذه الاستراتيجيات صفقات المراجحة بين أسعار السندات النقدية والعقود الآجلة، وصفقات العائد الممولة بالاقتراض والرافعة المالية. ففي صفقات المراجحة بين السندات والعقود الآجلة، تسعى صناديق التحوط إلى تحقيق أرباح من الفارق المحدود بين أسعار السندات والعقود الآجلة المرتبطة بها. أما صفقات العائد، فتقوم على الاقتراض بعملة ذات أسعار فائدة منخفضة للاستثمار في أصول أخرى.

وقال شنيلر إن تغير ظروف السوق قد يدفع المستثمرين إلى تقليص انكشافهم بسرعة نسبية، «ما يخلق احتمال أن تصبح تحركات السوق معززة لنفسها».

لكنه حذّر من عزو التقلبات الأخيرة إلى صناديق التحوط وحدها، نظراً إلى وجود عوامل أساسية مؤثرة، لا سيما في فرنسا.

فقد تؤدي التجاذبات السياسية قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027 إلى عرقلة الجهود الرامية إلى خفض العجز الفرنسي المرتفع، وهو أحد العوامل التي أثارت قلق الأسواق.

صناديق التحوط تملأ الفراغ مع تراجع مستثمرين آخرين

قال جيري كرول، الرئيس العالمي للشؤون الحكومية في «رابطة إدارة الاستثمارات البديلة»، وهي مجموعة تمثل قطاع الاستثمارات البديلة، إن صناديق التحوط تُعد أحد أهم مصادر السيولة في أسواق السندات.

وأضاف: «فيما يتعلق بديناميات السوق الأخيرة، نحذر من إطلاق أحكام متسرعة وعامة استناداً إلى أدلة غير كافية أو أمثلة محدودة بشأن دور فئات بعينها من المشاركين في السوق».

وقد استحوذت صناديق التحوط على حصة أكبر من أسواق السندات الحكومية مع تراجع إقبال مشترين آخرين. فالبنوك المركزية تقلص ميزانياتها العمومية، والتغييرات في أنظمة التقاعد تحد من الطلب على الديون السيادية، فيما تقيد القواعد التنظيمية قدرة البنوك على الاحتفاظ بالسندات.

ويمكن لمشاركة صناديق التحوط أن تساعد الأسواق على العمل بسلاسة في وقت تتزايد فيه احتياجات الحكومات إلى الاقتراض، كما يسهم نشاطها المتكرر في التداول في تعزيز السيولة.

وقالت ماريون لو مورديك، رئيسة الاستثمار في الدخل الثابت لدى «فيدليتي إنترناشونال»: «يدرك الجميع إلى حد ما الدور الذي تؤديه صناديق التحوط، ويقدّرونه».

لكن الصفقات الشائعة لدى صناديق التحوط غالباً ما تكون مزدحمة بالمستثمرين وممولة بالديون، كما أن تركيز هذه الصناديق على المدى القصير قد يدفعها إلى الخروج المفاجئ والجماعي من مراكزها إذا تحركت الأسواق في غير مصلحتها، ما يستنزف السيولة ويفاقم تحركات الأسعار.

وقالت لو مورديك: «تقضي صناديق التحوط تماماً على نشاط السوق في مثل هذه الظروف». وأضافت: «بالنسبة إليّ، فإن هذا يفسر بالكامل تراجع السيولة في أوائل أكتوبر».

وعندما سُئل المدير المالي لمصرف «جي بي مورغان»، أحد عمالقة وول ستريت، يوم الثلاثاء عن التهديد النظامي الذي تمثله صناديق التحوط، قال للمحللين إن هذا القطاع كان «مصدر مخاطر للنظام منذ فترة طويلة، والجميع يعرف ذلك، بما في ذلك صناديق التحوط نفسها».

وقال جيريمي بارنوم إن الرافعة المالية التي تستخدمها هذه الصناديق تندرج ضمن فئة «المخاطر المعروفة التي لا تزال تفاصيلها غير معروفة بالكامل». وأضاف: «هذا لا يعني أنها خالية من المخاطر، لكننا نعرف إلى حد ما طبيعة هذه المخاطر».

تحت المراقبة

شهدت السندات قصيرة الأجل تقلبات حادة على نحو خاص في أوائل أكتوبر. فقد ارتفعت عوائد السندات الفرنسية لأجل عامين، في حين انخفضت العوائد الألمانية مع تدفق الاستثمارات نحو الأصول الآمنة، واتسع الفارق بينهما بمقدار 21 نقطة أساس، في أكبر زيادة يومية منذ عام 2012.

وغالباً ما تستخدم صناديق التحوط السندات الحكومية الفرنسية ضماناتٍ عند الاقتراض لتمويل رهاناتها الاستثمارية. وتشكل الديون الفرنسية نحو 100 مليار يورو (112 مليار دولار) من إجمالي 250 مليار يورو من السندات الحكومية في منطقة اليورو المقدمة ضماناتٍ مقابل الاقتراض في سوق اتفاقيات إعادة الشراء (الريبو)، وفقاً لبيانات بنك فرنسا.

ويراقب بنك إنجلترا أيضاً سوق اتفاقات إعادة الشراء، التي تمثل مصدراً أساسياً للتمويل بالنسبة إلى المؤسسات المالية خلال فترات الضغوط. ويقدّر البنك أن صناديق التحوط مسؤولة عن 85 مليار جنيه إسترليني (113 مليار دولار) من إجمالي الاقتراض الصافي البالغ 200 مليار جنيه إسترليني في سوق اتفاقات إعادة الشراء المدعومة بالسندات الحكومية البريطانية.

وقال أحد كبار المستثمرين في السندات الأوروبية لـ«رويترز»، إن دور صناديق التحوط أصبح موضوعاً رئيسياً يناقشه المنظمون مع الشركة خلال اجتماعاتهم.

وذكرت رينو-شاتلان من «بيكتت» أن سيولة السندات الفرنسية في أوائل أكتوبر كانت الأسوأ منذ عام 2008.

ويجعل ضعف السيولة التداول أكثر صعوبة ويرفع الرسوم التي يتقاضاها الوسطاء. وفي الحالات القصوى، قد يمتنع الوسطاء عن تقديم أسعار، ما يؤدي إلى شلل الأسواق.

ومع ذلك، أشار تقرير منفصل لصندوق النقد الدولي صدر يوم الثلاثاء إلى أن الأسواق تعاملت جيداً مع الضغوط الأخيرة. كما قال مديرو الصناديق الستة الذين تحدثت إليهم «رويترز» إن التقلبات لم تؤثر حتى الآن، بوجه عام، في استراتيجياتهم، بل إنها أوجدت فرصاً استثمارية في بعض الأحيان.

وقالت ميكيلا باريليتي، رئيسة الائتمان في «ستاندرد لايف»: «التقلبات تكون مفيدة أحياناً... فقد أصبحت السندات الفرنسية (OATs) رخيصة نسبياً مقارنة بمخاطر الائتمان»، وأضافت: «نتعامل مع السندات الفرنسية بحذر، لكننا زدنا حيازاتنا منها بالفعل خلال موجة البيع».


الهند توسّع إجراءات الدفاع عن الروبية لتشمل أسعار الفائدة

رجل يمرّ بجوار مجسّم لرمز الروبية الهندية بمقر البنك المركزي في مومباي (رويترز)
رجل يمرّ بجوار مجسّم لرمز الروبية الهندية بمقر البنك المركزي في مومباي (رويترز)
TT

الهند توسّع إجراءات الدفاع عن الروبية لتشمل أسعار الفائدة

رجل يمرّ بجوار مجسّم لرمز الروبية الهندية بمقر البنك المركزي في مومباي (رويترز)
رجل يمرّ بجوار مجسّم لرمز الروبية الهندية بمقر البنك المركزي في مومباي (رويترز)

يعتزم البنك المركزي الهندي مواصلة تشديد الأوضاع النقدية لمواجهة تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج وزيادة تكلفة المراهنة على تراجع الروبية، لكنه سيتجنَّب اللجوء إلى إجراءات حادة كتلك التي اعتمدها خلال أزمة سابقة للعملة، وفقاً لمصدرين ومحللين.

ورفع بنك الاحتياطي الهندي أسعار الفائدة الرئيسية هذا الشهر للمرة الأولى منذ 4 سنوات، بالتوازي مع سحب السيولة من الأسواق عبر بيع السندات، وتشديد متطلبات الاحتياطي الإلزامي على البنوك، وفرض قيود أكثر صرامة على معاملات التحوط الكبيرة في سوق الصرف الأجنبي.

وجاءت هذه الخطوات بعدما تجاوز التضخم المستوى المستهدف من البنك المركزي، وفي وقت اقتربت فيه الروبية، التي تُعدُّ من بين أسوأ العملات أداءً في آسيا منذ بداية العام، مع تراجعها بنحو 6 في المائة، من كسر أدنى مستوى سابق لها عند 96.96 روبية للدولار. غير أن العملة الهندية تعافت منذ ذلك الحين إلى 94.71 روبية للدولار، وفق «رويترز».

وقال أحد المصدرين المطلعين على توجهات البنك المركزي: «يتبع البنك المركزي نهجاً محسوباً في تشديد السياسة النقدية، ما يعني تشديد الأوضاع على نطاق واسع»، مضيفاً أن البنك سيواصل تقييم الحاجة إلى مزيد من التشديد، بما في ذلك سحب السيولة.

وأضاف المصدران أن المراجعة المقبلة للسياسة النقدية، المقررة في ديسمبر (كانون الأول)، قد تشهد أيضاً مناقشة زيادة أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس، إذا استدعت تطورات التضخم تقديم زيادات الفائدة إلى موعد أقرب.

وتتولى لجنة للسياسة النقدية مؤلفة من 6 أعضاء، بينهم 3 أعضاء من خارج البنك المركزي، اتخاذ القرارات المتعلقة بأسعار الفائدة.

وقال محافظ بنك الاحتياطي الهندي سانجاي مالهوترا، في مقابلة، إن السياسة النقدية لا يمكن فصلها تماماً عن الاستقرار المالي. ويمثل هذا التصريح تحولاً عن موقف البنك السابق الذي أكد فيه أن أسعار الفائدة لن تُستخدَم للدفاع عن العملة، ما دفع المتداولين إلى زيادة رهاناتهم على رفع الفائدة.

وتعكس سوق مبادلات الروبية حالياً توقعات بإمكانية تنفيذ زيادة كبيرة في أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، بينما بدأ محللون يضعون في حساباتهم احتمال رفعها بمقدار 50 نقطة أساس.

وقال بنك «إتش إس بي سي»، في تقرير صدر يوم الأربعاء، إنه يتوقع رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس في ديسمبر، لينضم بذلك إلى بنك الدولة الهندي الذي تبنى التوقع نفسه.

أدوات التدخل في سوق الصرف آخذة في التراجع

في إطار سلسلة من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي الهندي منذ مارس (آذار) للدفاع عن الروبية، نجح في تعبئة نحو 150 مليار دولار من خلال تدابير تستهدف جذب التدفقات المالية، من بينها برنامج لودائع الدولار يقدم حوافز للجالية الهندية في الخارج.

كما خفّض البنك حدود مراكز النقد الأجنبي المسموح بها للبنوك، وفرض متطلبات احتياطي على معاملات التحوط الكبيرة، وبدأ توفير الدولار مباشرة من احتياطاته لشركات النفط الحكومية.

وأدت مبيعات الدولار المتواصلة في السوق الفورية إلى استنزاف الاحتياطات، ورفعت تكلفة المراهنة على تراجع الروبية إلى أعلى مستوى لها في 5 سنوات، بينما تعافت العملة بنسبة 2 في المائة من أدنى مستوياتها.

وبدأ البنك المركزي حالياً دفع عوائد السندات المحلية إلى الارتفاع، إذ زادت بمقدار يتراوح بين 45 و60 نقطة أساس منذ بداية سبتمبر (أيلول).

وقالت برانجول بهانداري، كبيرة الاقتصاديين المعنيين بالهند في بنك «إتش إس بي سي»، في مذكرة بتاريخ 14 أكتوبر (تشرين الأول): «يبدو الأمر وكأنه تكرار لإجراءات عام 2013، ولكن بترتيب عكسي؛ إذ تتساءل الأسواق عمّا إذا كانت سلسلة من زيادات أسعار الفائدة ستكون الخطوة التالية».

وخلال آخر أزمة حادة تعرَّضت لها الروبية في عام 2013، رفع البنك المركزي أولاً سعر الاقتراض قصير الأجل، المعروف باسم «تسهيل الإقراض الهامشي (MSF)»، بمقدار 200 نقطة أساس، قبل أن ينتقل إلى اتخاذ تدابير لسحب الدولار من السوق والحد من المضاربات.

لكن المصدر الأول، إن البنك من غير المرجح أن يتبع النهج نفسه في التعامل مع أسعار الفائدة هذه المرة، موضحاً أن البنوك لا تلجأ إلى تسهيل الإقراض الهامشي عندما تكون السيولة وفيرة، وهو ما حدَّ أيضاً من فاعلية هذا الإجراء في عام 2013.

بائع عملات بأحد الشوارع يعدّ الأوراق النقدية في نيودلهي (رويترز)

الاستقرار المالي في مواجهة النمو

وقال مستثمرون إن ارتفاع عوائد السندات الهندية سيعزز جاذبية أدوات الدين المحلية، وقد يسهم في جذب تدفقات استثمارية إلى سوق السندات لتعويض عمليات البيع الأجنبية في أسواق الأسهم.

وقال نوربرت لينغ، رئيس إدارة محافظ الدخل الثابت لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة «إنفيسكو»: «إن رفع أسعار الفائدة يدعم مصداقية السياسة النقدية، ويحافظ على جانب من العائد الإضافي الناتج عن فروق أسعار الفائدة، ويقلل الحافز إلى المراهنة على مزيد من تراجع الروبية».

وباع المستثمرون الأجانب صافي أسهم هندية بقيمة نحو 33 مليار دولار خلال عام 2026، كما تحولوا إلى بائعين صافين لأدوات الدين منذ أغسطس (آب)، منهين بذلك سلسلة من عمليات الشراء استمرت 4 أشهر.

غير أن التشديد السريع للسياسة النقدية قد ينطوي أيضاً على مخاطر إبطاء الاقتصاد المحلي والحد من نموه. فعلى الرغم من نمو الاقتصاد الهندي بنسبة 7.8 في المائة خلال الربع الممتد من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران)، يُتوقع أن يتباطأ النمو في النصف الثاني من السنة المالية.

وقال المصدر الثاني إن نحو 60 في المائة من القروض ترتبط بمؤشرات مرجعية خارجية، من بينها سعر الفائدة الرئيسي، ما يسمح بانتقال أثر قرارات الفائدة إلى تكاليف الاقتراض بسرعة، وقد يلقي بأعباء إضافية على المقترضين الصغار.

وقالت أليسيا بيراردي، رئيسة قسم الاقتصاد الكلي العالمي واستراتيجيات الأسواق الناشئة في معهد «أموندي» للاستثمار: «إن استخدام أسعار الفائدة لاستهداف سعر العملة سيؤدي إلى تشديد الأوضاع النقدية في اقتصاد يواجه بالفعل صدمة في قطاع الطاقة».

وأضافت: «ينبغي أن تظل السياسة النقدية متمحورة حول هدف التضخم، ومن المتوقع أن يعود التضخم إلى النطاق المستهدف في مطلع عام 2027».