صندوق النقد: اقتصاد عُمان «صامد بقوة» رغم التوترات الجيوسياسية وتقلبات النفط

أشاد بالتزام السلطنة بتنفيذ إصلاحات «رؤية 2040»... وتوقع استمرار الفوائض المالية حتى 2026

عمانية تلوّح بالعلم الوطني أثناء عرض عسكري للقوات البحرية خلال احتفالات اليوم الوطني على شاطئ القرم في مسقط (رويترز)
عمانية تلوّح بالعلم الوطني أثناء عرض عسكري للقوات البحرية خلال احتفالات اليوم الوطني على شاطئ القرم في مسقط (رويترز)
TT

صندوق النقد: اقتصاد عُمان «صامد بقوة» رغم التوترات الجيوسياسية وتقلبات النفط

عمانية تلوّح بالعلم الوطني أثناء عرض عسكري للقوات البحرية خلال احتفالات اليوم الوطني على شاطئ القرم في مسقط (رويترز)
عمانية تلوّح بالعلم الوطني أثناء عرض عسكري للقوات البحرية خلال احتفالات اليوم الوطني على شاطئ القرم في مسقط (رويترز)

أكد صندوق النقد الدولي أن سلطنة عمان أبدت قدرة قوية على الصمود في مواجهة تصاعد أجواء عدم اليقين العالمي، وتجدد التوترات الجيوسياسية، وتقلبات أسعار النفط خلال 2025، وأن اقتصادها لا يزال آخذاً في التوسع، مدعوماً بقوة النشاط غير الهيدروكربوني وانخفاض التضخم. ويتمتع كل من مركز المالية العامة والمركز الخارجي بالقوة، كما أن تراجع الدين العام لا يزال مستمراً.

هذا ما جاء في بيان في ختام مناقشات مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 التي أجراها الصندوق مع سلطنة عمان. وكان بعثة الصندوق برئاسة عبد الله الحسن عقدت المناقشات في مسقط خلال الفترة 9 – 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

الأداء الاقتصادي والتضخم تحت السيطرة

أوضح الحسن أن النمو الاقتصادي ظل قوياً في عام 2024 والنصف الأول من 2025، مدفوعاً بالتوسع في قطاعات غير هيدروكربونية حيوية، مثل الصناعة التحويلية، والتجارة، والخدمات اللوجيستية، والبناء. وعلى الرغم من تقلص الناتج المحلي الهيدروكربوني نتيجة تخفيضات الإنتاج في إطار اتفاق «أوبك بلس»، ظل التضخم قيد الاحتواء، حيث تراجع إلى 0.6 في المائة في 2024 ووصل إلى 0.9 في المائة في 2025.

وسجلت المالية العامة فائضاً بنسبة 3.3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في 2024، بينما بلغ فائض الحساب الجاري 3.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. كما أكد الصندوق أن دين الحكومة بلغ 36.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول سبتمبر (أيلول) 2025.

توقعات مواتية ومخاطر عالمية

توقع الصندوق أن يرتفع النمو في الفترة 2025 - 2026 مع تراجع تخفيضات إنتاج النفط واستمرار الزخم في الأنشطة غير الهيدروكربونية. ومن المتوقع أن يظل التضخم منخفضاً ويقترب من 2 في المائة على المدى المتوسط.

ومع ذلك، أشار الصندوق إلى تحول متوقع في الحساب الجاري إلى تسجيل عجز في 2025 - 2027، نتيجة انخفاض أسعار النفط، قبل أن يعود تدريجياً إلى تسجيل فائض. ونبّه البيان أن تصاعد أجواء عدم اليقين العالمي وتجدد التوترات الجغرافية - السياسية قد يؤثران سلباً على النمو ومراكز المالية العامة والمركز الخارجي.

الالتزام بالانضباط المالي وإصلاحات الاستدامة

أثنى خبراء الصندوق على التزام السلطات بالانضباط المالي، مشيرين إلى أن العجز الأولي غير الهيدروكربوني سيتقلص بنسبة 2 في المائة في 2025، مدعوماً بالقيود على الإنفاق وتحسن تحصيل الإيرادات غير الهيدروكربونية.

وعد الصندوق أن استمرار التقدم في تحديث الإدارة الضريبية، وتنفيذ نظام إصدار فواتير ضريبة القيمة المضافة إلكترونياً، وتطبيق ضريبة الدخل الشخصي على ذوي الدخل المرتفع في عام 2028، سيكون أساسياً لتعزيز استدامة المالية العامة. كما شدد على ضرورة ترشيد الإنفاق الجاري غير الأساسي والإلغاء المرحلي للدعم غير الموجه لمستحقيه، مع توفير الحماية الاجتماعية للفئات الأضعف.

استقرار القطاع المالي

أكد البيان أن نظام ربط سعر الصرف (الريال العُماني بالدولار) لا يزال ملائماً ويوفر ركيزة لانخفاض التضخم واستقراره، مشيراً إلى أن الجهود المبذولة لتعزيز كفاءة السياسة النقدية ستقوي آلية انتقال أثرها.

وتم وصف القطاع المصرفي بأنه «في وضع قوي وسليم» بفضل وفرة هوامش الأمان من رأس المال والسيولة.

وفي الختام، أكد الصندوق أن العمل لا يزال جارياً على تنفيذ الإصلاحات ضمن «رؤية عُمان 2040»، مشيراً إلى أن «خطة التنمية الخمسية، الحادية عشرة» تمثل فرصة مهمة لتسريع التنويع الاقتصادي، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، ودفع مبادرات الطاقة المتجددة والجاهزية للذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد يرحب بتعديلات قانون المصارف في لبنان ويعدّها «خطوة كبيرة»

الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

صندوق النقد يرحب بتعديلات قانون المصارف في لبنان ويعدّها «خطوة كبيرة»

رحب صندوق النقد الدولي بإقرار مجلس النواب اللبناني تعديلات على قانون معالجة أوضاع المصارف، واصفاً الخطوة بأنها «كبيرة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

مخاوف بمصر بشأن تداعيات ارتفاع الدين العام وسط تصاعد التوترات الإقليمية

على عكس خطط الحكومة المصرية التي تستهدف خفض الدين العام إلى 78 في المائة من الناتج الإجمالي، توقَّع"«صندوق النقد» بلوغ هذه النسبة 82.2 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام يتوسط وزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط خلال الجلسة التشريعية بمجلس النواب (إعلام البرلمان)

لبنان يعدّل قانون المصارف المعلّق على تشريعات معالجة «الفجوة»

قضت التسوية التي اعتُمدت في إقرار «التعديلات»، وفق مسؤول مالي معني، بضرورة «مسايرة» تعليمات «صندوق النقد»، وحفظ الاستجابة لهواجس السلطة النقدية...

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد مركبات في أحد ميادين دمشق (رويترز)

صندوق النقد الدولي يوافق على برنامج مساعدات فنية لسوريا

أعلن صندوق النقد الدولي، الثلاثاء، عن موافقته على برنامج مساعدات فنية واسع النطاق لسوريا التي مزقتها الحرب، حيث تعمل الحكومة الجديدة على إعادة بناء الاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا تعتبر الحكومة تقرير «الصندوق» شهادة على الأداء الاقتصادي (رويترز)

تمويل جديد من «صندوق النقد» يحصّن الاقتصاد المصري من الاضطرابات المتصاعدة

تعول مصر على صرف التمويل الجديد من «صندوق النقد الدولي» لتحصين الاقتصاد من الاضطرابات المتصاعدة في المنطقة.

أحمد عدلي (القاهرة)

عجز مفاجئ يضيّق خيارات بريطانيا المالية

العاصمة البريطانية لندن حيث تظهر في الأفق ناطحات السحاب بالضاحية المالية (رويترز)
العاصمة البريطانية لندن حيث تظهر في الأفق ناطحات السحاب بالضاحية المالية (رويترز)
TT

عجز مفاجئ يضيّق خيارات بريطانيا المالية

العاصمة البريطانية لندن حيث تظهر في الأفق ناطحات السحاب بالضاحية المالية (رويترز)
العاصمة البريطانية لندن حيث تظهر في الأفق ناطحات السحاب بالضاحية المالية (رويترز)

سجَّلت المالية العامة البريطانية عجزاً مفاجئاً، في يوليو (تموز)، في تطور يعيد تسليط الضوء على ضيق المساحة المالية المتاحة أمام وزير المالية الجديد جون هيلي قبل ميزانية أكتوبر (تشرين الأول)، رغم التحسن الذي أظهرته بعض المؤشرات الاقتصادية في الآونة الأخيرة. وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية أن صافي اقتراض القطاع العام بلغ 1.8 مليار جنيه إسترليني، ما يعادل نحو 2.5 مليار دولار، خلال يوليو.

جاءت النتيجة أسوأ من توقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم رجحوا ميزانية متوازنة، كما خالفت تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية التي كانت تشير إلى فائض قدره 500 مليون جنيه.

وكان تحقيق هذا الفائض سيجعل يوليو أول شهر مماثل يسجل فائضاً منذ ما قبل جائحة «كوفيد - 19»، لكن ارتفاع الإنفاق الحكومي المرتبط بالتضخُّم بدد أثر إيرادات قياسية من ضريبة الدخل ذاتية التقييم. وتكشف تفاصيل البيانات أن المشكلة الأساسية لا تكمن في ضعف الإيرادات بقدر ما ترتبط باستمرار ارتفاع فاتورة الإنفاق؛ فقد زاد إنفاق الحكومة المركزية على المزايا الاجتماعية بمقدار ملياري جنيه مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما ارتفع الإنفاق على السلع والخدمات، بما يشمل تكاليف الموظفين، بنحو 1.2 مليار جنيه.

وتوفر مراجعة بيانات يونيو (حزيران) بعض الارتياح، بعدما خُفض تقدير العجز إلى 12.8 مليار جنيه من 16 ملياراً في القراءة السابقة. إلا أن الصورة منذ بداية السنة المالية لا تزال تشير إلى ضغوط واضحة؛ فخلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة المالية 2026 - 2027، بلغ الاقتراض الحكومي 56.7 مليار جنيه، متجاوزاً توقعات مكتب مسؤولية الميزانية البالغة 54.4 مليار جنيه بنحو 2.3 مليار.

ويرى اقتصاديون أن هذا التجاوز قد لا يكون مؤقتاً. وقال توماس بوغ، كبير الاقتصاديين لدى شركة الضرائب والاستشارات «آر إس إم»، إنه يتوقع أن يتجاوز الاقتراض توقعات مكتب مسؤولية الميزانية خلال بقية العام مع استمرار ارتفاع الإنفاق.

وأشار إلى ثلاثة عوامل رئيسية تضغط على المالية العامة البريطانية، هي ارتفاع عوائد السندات الحكومية، واستمرار التضخم، ورغبة الحكومة في زيادة الإنفاق. ووفق تقديراته، قد يبقى الاقتراض أعلى من 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، بدلاً من انخفاضه إلى 3.6 في المائة وفق التوقعات الرسمية.

وهنا تكمن إحدى أبرز المعضلات أمام الحكومة؛ فارتفاع التضخم لا يؤدي فقط إلى زيادة تكاليف البرامج والمزايا المرتبطة بالأسعار، وإنما يرفع أيضاً تكلفة خدمة جزء من الدين العام، في وقت تؤدي فيه عوائد السندات المرتفعة إلى زيادة تكلفة الاقتراض الجديد وإعادة تمويل الديون المستحقة. وارتفعت فاتورة فوائد الدين في يوليو بنحو 700 مليون جنيه مقارنة بالعام السابق. كما توقع مسؤول في مكتب الإحصاءات الوطنية ارتفاعاً حاداً في هذه التكلفة، عندما تصدر بيانات سبتمبر (أيلول)، نتيجة اتجاهات التضخم وتوقيت مدفوعات الفائدة على السندات. وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة قبل ميزانية أكتوبر؛ إذ إنها تقلص قدرة هيلي على الجمع بين زيادة الإنفاق والالتزام بالقواعد المالية، من دون اللجوء إلى إجراءات لتعزيز الإيرادات أو خفض بعض النفقات.

وتنص القواعد الحالية على ضرورة تحقيق التوازن في الميزانية الجارية، التي تقارن الإيرادات الضريبية بالإنفاق اليومي، بحلول السنة المالية 2029 - 2030. وفي هذا الجانب تحديداً، تبدو الصورة أفضل نسبياً؛ فقد بلغ عجز الميزانية الجارية 34.7 مليار جنيه خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يوليو، مقابل 36.7 مليار جنيه كان يتوقعها مكتب مسؤولية الميزانية. ويعني ذلك أن الحكومة لا تزال تحقق أداء أفضل من التوقعات في مقياس رئيسي تستخدمه قواعدها المالية، رغم تجاوز الاقتراض الإجمالي للتقديرات.

وأكد هيلي أن «الانضباط المالي هو حجر الأساس للاستقرار الاقتصادي والأمن القومي في المملكة المتحدة»، مشدداً على التزام الحكومة بقواعدها المالية والحفاظ على هامش لمواجهة حالة عدم اليقين العالمية. لكن الحفاظ على ذلك الهامش قد يصبح أكثر صعوبة، إذا ظلت عوائد السندات والتضخم مرتفعة؛ فكل زيادة مستدامة في تكلفة الاقتراض تستنزف موارد كان يمكن توجيهها إلى الخدمات العامة أو الاستثمار، بينما يؤدي ارتفاع الإنفاق الاجتماعي إلى جعل ضبط المصروفات أكثر تعقيداً سياسياً واقتصادياً.

وبالنسبة إلى الأسواق، ستكون ميزانية أكتوبر اختباراً لقدرة الحكومة على تقديم مزيج مقنع بين دعم الاقتصاد والحفاظ على مصداقيتها المالية. وإذا استمر الاقتراض في تجاوز التوقعات، فقد تجد الحكومة نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة تشمل زيادة الإيرادات أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.

وهكذا، فإن عجز يوليو البالغ 1.8 مليار جنيه قد يبدو محدوداً بمفرده، لكنه يحمل رسالة أكبر، وهي أن بريطانيا تدخل موسم إعداد الميزانية، في وقت أصبحت فيه تكلفة التضخم والفائدة والإنفاق العام عوامل تضيق هامش المناورة، وتجعل الحفاظ على ثقة سوق السندات جزءاً أساسياً من أي قرار مالي مقبل.


مجموعة السبع في مواجهة فخ الديون

مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)
مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)
TT

مجموعة السبع في مواجهة فخ الديون

مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)
مشاة أمام شاشة تعرض حجم الدين الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ ف ب)

تدخل أسواق الديون السيادية في الاقتصادات الكبرى مرحلة أكثر حساسية، بعدما اجتمع تضخم الاقتراض الحكومي مع ارتفاع أسعار الفائدة ومطالب إنفاق يصعب تأجيلها، من الدفاع وشيخوخة السكان إلى تغير المناخ والطاقة. ومع تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار، واقتراب عوائد السندات اليابانية من مستويات لم تشهدها منذ ثلاثة عقود، باتت تكلفة خدمة الدين أحد أبرز التحديات التي تواجه دول مجموعة السبع.

ولا تقتصر المشكلة على الولايات المتحدة واليابان؛ فألمانيا، التي تتمتع بعبء دين أقل كثيراً من معظم نظرائها، شهدت ارتفاع عوائد سنداتها إلى أعلى مستوياتها منذ 2011، بينما تواجه فرنسا ضغوطاً مالية متزايدة. وتضاف إلى هذه الصورة الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة والظواهر المناخية المتطرفة، وهي عوامل ترفع الإنفاق العام وتعيد مخاطر التضخم إلى الواجهة. جاء التحوُّل الأهم في أسواق السندات بعد جائحة «كوفيد - 19»، ثم تسارع مع الحرب الروسية - الأوكرانية؛ فقد رفعت البنوك المركزية أسعار الفائدة بقوة لمواجهة التضخم، منهية حقبة طويلة من الأموال الرخيصة التي سمحت للحكومات بزيادة ديونها بتكلفة منخفضة نسبياً. واليوم يطالب المستثمرون بعوائد أعلى للاحتفاظ بالديون طويلة الأجل. كما أضيف عامل جديد يتمثل في موجة الاقتراض الضخمة من شركات التكنولوجيا العملاقة لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي؛ ما يزيد المنافسة على رؤوس الأموال، ويدفع المستثمرين للمطالبة بعوائد أكثر جاذبية.

وتتجاوز التداعيات ميزانيات الحكومات؛ فالسندات السيادية تمثل السعر المرجعي للاقتراض في الاقتصاد، وبالتالي فإن ارتفاع عوائدها ينتقل إلى قروض الشركات والتمويل العقاري والرهون السكنية، ويضغط في نهاية المطاف على الاستثمار والاستهلاك والنمو.

• مساعي التكيف

وتحاول بعض الحكومات التكيف عبر زيادة الاعتماد على السندات قصيرة الأجل، بعدما أصبحت تكلفة الاقتراض طويل الأجل أكثر ارتفاعاً نسبياً. لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة مختلفة؛ إذ تضطر الحكومات إلى إعادة تمويل ديونها بوتيرة أسرع، ما يعني أن أي ارتفاع جديد في الفائدة ينتقل بسرعة أكبر إلى الميزانية. وتزداد المشكلة مع تراجع مشتريات بعض المستثمرين التقليديين في السندات طويلة الأجل، مثل شركات التأمين وصناديق التقاعد، بالتزامن مع تقليص البنوك المركزية محافظها من السندات. وتكشف مستويات الدين حجم التحدي؛ فالدين الحكومي يعادل تقريباً الناتج الاقتصادي أو يتجاوزه في معظم دول مجموعة السبع باستثناء ألمانيا، بينما تتصدر اليابان القائمة بدين يتجاوز ضعفي حجم اقتصادها.

ولا تبدو الضغوط مرشحة للاختفاء سريعاً؛ فشيخوخة السكان ترفع تكاليف التقاعد والرعاية الصحية، بينما تتطلب التحولات المناخية استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة. وفي الوقت نفسه، أدت التوترات الجيوسياسية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، خصوصاً في أوروبا. وقد أبلغت وزارة المالية الألمانية «رويترز» بأن الحرب الروسية رفعت احتياجات التمويل اللازمة للاستثمارات الدفاعية الضخمة، وهو ما ساهم في زيادة تكاليف الاقتراض.

ويظهر العبء بصورة متزايدة في مدفوعات الفائدة؛ فرغم أنها لا تزال أقل من قمم تاريخية في عدد من الاقتصادات، ارتفعت تكلفة الفائدة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في معظم دول المجموعة، وبصورة ملحوظة في الولايات المتحدة. وفي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تجاوزت مدفوعات الفائدة بالفعل الإنفاق الدفاعي خلال 2024.

• تحديات إضافية

وتواجه الولايات المتحدة تحدياً إضافياً يتمثل في ارتفاع «علاوة الأجل»، أي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل مخاطر الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل. ويعكس ذلك القلق بشأن السياسة المالية، وتقليص الاحتياطي الفيدرالي حيازاته من السندات، وعدم اليقين بشأن التضخم والسياسة النقدية. وليس الأمر أميركياً فقط؛ إذ وصلت علاوة الأجل في الاقتصادات الرئيسية بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أعلى مستوياتها في أكثر من عشر سنوات.

أما أوروبا، فتقدم صورة أكثر تفاوتاً؛ فقد تراجعت فروق العائد بين سندات بعض دول منطقة اليورو والسندات الألمانية مقارنة بأزمة الديون السيادية قبل أكثر من عقد.

وتبرز إيطاليا مثالاً لافتاً؛ إذ ساعد الاستقرار السياسي وانخفاض عجز الميزانية وزيادة التماسك الأوروبي على دفع علاوة مخاطر ديونها أخيراً إلى أدنى مستوياتها منذ 2008. وعلى الجانب الآخر، أصبحت فرنسا مصدراً أكبر للقلق. فالانقسام السياسي الذي أعقب انتخابات 2024 عرقل جهود السيطرة على العجز، فيما حذر تقرير مستقل بتكليف من الحكومة في يوليو (تموز) من تدهور حاد محتمل في المالية العامة خلال بقية العقد، إذا لم يتحرك صناع القرار سريعاً لضبط الإنفاق.

• أزمة اليابان

لكن اليابان قد تكون الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة العالمية؛ فعائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات أصبح قريباً من مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ منتصف التسعينات، في تحول جذري لسوق اعتادت لعقود الفائدة شديدة الانخفاض. وتجتمع في اليابان ثلاثة ضغوط؛ هي الدين الحكومي الضخم، وعودة التضخم، وتوقعات تشديد السياسة النقدية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بخطط الإنفاق التي تتبناها رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي. واضطرت الحكومة بالفعل إلى خفض بعض إصدارات السندات طويلة الأجل للمساعدة في تحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب، لكن الضغوط على العوائد لم تختف.

والخطر الياباني يحمل بُعداً عالمياً؛ فقد كانت المؤسسات والمستثمرون اليابانيون لعقود مصدراً مهماً للطلب على السندات الأميركية والأوروبية، بسبب ضعف العوائد المحلية. وإذا أصبحت السندات اليابانية أكثر جاذبية، فقد تعود أجزاء من تلك الأموال إلى الداخل. وهنا تظهر الحلقة الأكثر خطورة؛ حيث إن ارتفاع العوائد اليابانية قد يسحب السيولة من أسواق الدين الغربية، ما يرفع العوائد الأميركية والأوروبية، ويزيد بدوره تكلفة خدمة ديون الحكومات.

لذلك، لم يعد السؤال أمام مجموعة السبع يتعلق فقط بحجم الدين الذي تستطيع الحكومات تحمله، بل بالسعر الذي سيطلبه المستثمرون لتمويله. ومع استمرار احتياجات الإنفاق الدفاعي والمناخي والاجتماعي، أصبح على الحكومات الموازنة بين دعم اقتصاداتها والحفاظ على ثقة سوق السندات. وإذا استمرت العوائد المرتفعة، فقد تتحول تكلفة الدين من بند مالي قابل للإدارة إلى قيد مباشر على النمو ومستويات المعيشة والسياسات الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.


الدولار يتراجع مع تصاعد قلق الديون الأميركية

رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)
رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)
TT

الدولار يتراجع مع تصاعد قلق الديون الأميركية

رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)
رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)

تراجع الدولار الأميركي، يوم الجمعة، متجهاً نحو تسجيل خسارة أسبوعية، بعدما خلص المستثمرون إلى أن خطة وزارة الخزانة الأميركية لتوسيع عمليات إعادة شراء السندات قد توفر تهدئة مؤقتة للأسواق، لكنها لا تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في تضخم الدين والعجز المالي. وأعاد ذلك المخاوف بشأن جاذبية الأصول الأميركية، ودفع بعض المستثمرين نحو العملات الأخرى والذهب وبتكوين. وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن أن الحكومة قد تزيد مشترياتها من سندات الخزانة أكثر، بعد يوم من إعلان الوزارة مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء الأوراق المالية طويلة الأجل خلال الربع المقبل، في محاولة لاحتواء الارتفاع الحاد في العوائد.

كما قال بيسنت إنه ومدير مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض راسل فوغت سيبدآن جهوداً جديدة لضبط المالية العامة بتوجيه من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلا أن هذه التصريحات لم تكن كافية لإزالة القلق من الأسواق، خصوصاً مع تجاوز الدين الحكومي الأميركي مستوى 40 تريليون دولار.

وبدلاً من ترسيخ الهدوء، عادت سندات الخزانة إلى التراجع بعد انحسار الارتياح الأولي لخطة إعادة الشراء. وارتفع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بنحو 1.4 نقطة أساس إلى 5.2508 في المائة، بينما استقر عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات عند 4.7041 في المائة، بعدما ارتفع 4.5 نقطة أساس في الجلسة السابقة.

وتشير هذه التحركات إلى أن الأسواق بدأت تنظر إلى ارتفاع العوائد باعتباره مشكلة مالية أكثر منه اضطراباً فنياً في سيولة سوق السندات؛ فإعادة شراء الحكومة للسندات يمكن أن تخفف ضغوط العرض وتحسن السيولة، لكنها لا تقلص وحدها حجم العجز أو احتياجات الاقتراض المستقبلية. وقال فيتالي ميشولام، الاستراتيجي لدى «غولدمان ساكس»، إن الشكوك لا تتعلق بقدرة صناع السياسة على التأثير في العوائد طويلة الأجل؛ إذ يظهر التاريخ إمكانية تحقيق ذلك مؤقتاً، لكن المشكلة الحالية تبدو بصورة متزايدة مالية وليست فنية.

وأضاف أن تجارب الأسواق المتقدمة تظهر إمكانية خفض علاوة الأجل، لكن تجارب الأسواق الناشئة تشير إلى أنه عندما يبدأ المستثمرون التركيز على ديناميكيات تمويل الدين السيادي، تصبح محاولات كبح العوائد أقل فاعلية تدريجياً. وتضرر الدولار من هذه المخاوف. وانخفض مؤشر العملة الأميركية، الذي يقيس أداءها أمام سلة من ست عملات رئيسية، إلى 98.76 نقطة، بالقرب من أدنى مستوياته في ثلاثة أشهر، متجهاً إلى خسارة أسبوعية تقارب 0.9 في المائة.

وفي المقابل، استقر اليورو بالقرب من أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر عند 1.1693 دولار، متجهاً لتحقيق مكاسب أسبوعية تبلغ نحو 1 في المائة. وارتفع الجنيه الإسترليني إلى 1.3643 دولار مقترباً من أعلى مستوياته في ستة أشهر، لتصل مكاسبه الأسبوعية إلى نحو 0.8 في المائة.

كما صعد الدولار الأسترالي إلى أعلى مستوى في شهرين ونصف الشهر عند 0.71445 دولار، ووصل الدولار النيوزيلندي إلى 0.59735 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ الأول من يونيو (حزيران).

وقالت كارول كونغ، استراتيجية العملات لدى «كومنولث بنك أوف أستراليا»، إن عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل تمثل مثالاً آخر على استخدام الحكومة الأميركية أدوات غير تقليدية لإدارة تكاليف الاقتراض، في وقت تعاني فيه البلاد ارتفاع الدين والعجز وعدم اليقين بشأن السياسات.

وترى كونغ أن هذه الإجراءات قد تصبح عاملاً إضافياً يضغط على معنويات المستثمرين تجاه الأصول المقوَّمة بالدولار، وقد تشجع على زيادة التحوط من العملة الأميركية وتنويع المحافظ بعيداً عنها. وفي آسيا، استقر الين عند 159.01 مقابل الدولار. جاء ذلك بعدما أظهرت بيانات تسارع التضخم الأساسي في اليابان خلال يوليو (تموز)؛ ما عزَّز مبررات رفع بنك اليابان أسعار الفائدة، وهو عامل قد يوفر دعماً إضافياً للعملة اليابانية إذا استمرت توقعات التشديد النقدي. وكان أبرز المستفيدين من القلق بشأن الأصول الأميركية الذهب والبتكوين؛ فقد ارتفعت العملة المشفرة 3.65 في المائة إلى 75. 306.50 دولار، بعدما سجلت أعلى مستوى في أكثر من شهرين، وتتجه إلى مكسب أسبوعي يبلغ نحو 19 في المائة، سيكون الأكبر في عامين ونصف العام.

كما يتجه الذهب الفوري إلى الارتفاع بأكثر من 3 في المائة خلال الأسبوع. وتكشف تحركات الأسواق أن القضية لم تعد تقتصر على قدرة الخزانة الأميركية على تهدئة سوق السندات في الأجل القصير، بل على مدى قدرة واشنطن على تقديم مسار مالي مقنع يحد من نمو الدين والعجز. وحتى تظهر نتائج ملموسة لجهود ضبط المالية العامة، قد يظل الدولار وعوائد السندات عرضة للتقلب، فيما يستمر المستثمرون في البحث عن أدوات للتحوط وتنويع أصولهم بعيداً عن المخاطر الأميركية.